عباس عبدالرزاق :
تحليل الخطاب: بلاغة السجال وبناء الخصم
يتناول هذا الفصل الفصل الثالث من الكتاب، «الحلم المميت والمصيبة الكبرى؟»، وهو أقصر فصوله النظرية وأكثرها كثافةً بلاغية. لا نقرؤه هنا بوصفه مادة تاريخية أو عقائدية، فتلك مهمة الفصلين الرابع والخامس، بل بوصفه حدثاً خطابياً: كيف يُبنى الخصم؟ وكيف تُقلَب تهمة إلى حجة؟ وأي أنواع الأدلة تُستدعى، ومن يُستشهد به ولماذا؟ وما الذي يكسبه هذا الخطاب وما الذي يدفعه ثمناً؟
الواقعة الخطابية:من جملة في صحيفة إلى رسالة نظرية
ينطلق الفصل من عبارة وردت في مقالة منشورة في صحيفة «الغد الديمقراطي»، تصف دولةً كردية بأنها «حلم مميت» أدنى إلى التحقق منه أحلام العصافير، وتحمّل نوشيروان مصطفى «مصيبة» الحلم بها ولو على أنقاض العراق. ويروي تقديم الطبعة الثانية خلفية الواقعة: تصريحات منسوبة لنوشيروان مصطفى نقلتها «السفير» عن «لموند» في أيار 1987، وتوضيح من الاتحاد الوطني لم تنشره الصحيفة، ثم تجميد الاتحاد اتفاقَ تطبيع العلاقات مع الحزب الشيوعي العراقي في 19 حزيران 1987.
الملفت أن المقدِّم نفسه يرى أن الاتحاد كان يستطيع تجاوز الأمر بتسامح أكبر، لأن الصحيفة محدودة الانتشار وكاتب المقالة غير معروف، وأن زاوية «حرية التعبير وحق الاختلاف» غابت عن المعالجة.هذا التفاوت بين الاستفزاز الصغير والرد الضخم ، معطًى تحليلي بحدّ ذاته: لقد عملت العبارة كـ«كاشف» لطبقة أعمق من الجرح الكردي، فجاء الرد نظريةً كاملة في الحق والتاريخ، لا تفنيداً لمقالة.
الاستراتيجية الأولى:قلبُ الإسناد
الحركة المركزية في الفصل هي نقل صفة «المميت» من الحلم إلى من قمعه. يقرر النص أن الحلم لم يكن مميتاً بطبيعته، وإنما جعله مميتاً الاستعمار وحلفاؤه الذين قتلوا أصحابه. وبهذا تتحول عبارة الخصم من وصفٍ للحلم إلى اعتراف غير مقصود بالجريمة التي ارتُكبت بحقه، ويصير المرددون لها، بمنطق الكتاب، «مبرِّرين» لتلك الجريمة.
ولإنجاز القلب يُبنى «ملف تاريخي» مرتَّب زمنياً: معركة طاسلوجة في أيار 1919 التي يصوّرها الكتاب انتصاراً كردياً على قوة بريطانية، ثم معركة دربندي بازيان في حزيران من العام نفسه وأسر الشيخ محمود، ثم عودته وقيام حكومة كردية عاصمتها السليمانية وتشكيل وزارتها الأولى في تشرين الأول 1922، ثم رسالته إلى الحكومة السوفياتية في كانون الثاني 1923، فقصف السليمانية بالطائرات في 1923 ودخولها في تموز 1924، وصولاً إلى جمهورية مهاباد 1946 وسقوطها. ويلاحظ القارئ أن الدليل يُستخرج، قدر الإمكان، من قلم الخصم نفسه: ويلسن يعترف ببسالة الشيخ، ونهرو يصف قصف القرى، وكيسنجر في رواية هيكل يقرّ بالتخلي عن الكرد. إنها استراتيجية «الشهادة من الخصم» التي تمنح الحجة وزناً يفوق وزن المتكلم.
الاستراتيجية الثانية:
نفي «المشروع الاستعماري الجديد»
يتهم الخصم الحركة الكردية بخدمة مشروع استعماري قديم-جديد لتقسيم العراق. وجواب الكتاب مزدوج: منطقي ووثائقي. منطقياً: لو أراد المستعمرون دولة كردية لأقاموا منها عدة دول كما صنعوا دولاً عربية عدة. ووثائقياً: سياسة «الوضع الراهن» ثابتة، تشهد عليها اتفاقية الجزائر 1975 كما ينقلها عن هيكل وعن تقرير لجنة بايك، ووثيقة الخارجية الأمريكية المؤرخة 28 آب 1979 التي ينشرها من «وثائق وكر الجاسوسية»، وبيان قمة البندقية في حزيران 1987 الذي يؤكد سلامة أراضي العراق وإيران.
قوة هذه الحجة واضحة: تُبقي المدَّعي أمام عبء الإثبات. غير أن لها حدّين. الأول أنها تثبت ثبات سياسة الدول الكبرى المعلنة تجاه وحدة الدول الثلاث، ولا تنفي تماماً وجود لحظات توظيف ظرفية للورقة الكردية، وهو ما يعترف به الكتاب نفسه حين يصف الدعم الأمريكي بأنه «ورقة لعب». والثاني أن الكتاب يستعمل معاهدة سيفر مرتين بوظيفتين متعاكستين: دليلاً على «الغدر الاستعماري» حين أُسقطت، وسنداً قانونياً لحقوق الكرد حين تُستدعى (ص 65 و287). وهذه ليست مغالطة، لكنها تقتضي تحليلاً أدق لتعدد مراكز القرار البريطاني، وهو ما نعود إليه في الفصل الخامس.
الاستراتيجية الثالثة:استدعاء الشهود العرب
يخصص الكتاب قسماً كبيراً لتفكيك الثنائية «كرد ضد عرب»، فيستحضر موقف القذافي من «الأمة الكردستانية»، وقرار مؤتمر طرابلس 1985 الذي يقول الكتاب إن وفد حزب البعث (القيادة القومية) شارك في الإجماع عليه، ومواقف أحمد بن بلة وعزيز شريف والجواهري، ويستدعي لاحقاً عبد الناصر. وظيفة هذا الاستدعاء إعادة رسم خريطة الصراع: ليست الخصومة بين قوميتين، بل بين «الأحرار والشرفاء» من الأمتين من جهة، و«الشوفينيين والعملاء والرجعيين» من الأمتين من جهة أخرى.
نقدياً، يقوم هذا المسلك على الاحتجاج بالسلطة أكثر مما يقوم على البرهان. فشهادة قائد عربي لا تُثبت حقاً، وإنما تُنزع بها ورقة «الإجماع القومي العربي» من خصم يحتكر الحديث باسم العروبة. ثم إن بعض الشهود حكّام تنطبق عليهم، في سياقات أخرى، المعايير التي يطبقها الكتاب على الحكم العراقي؛ فيبدو الاستشهاد بهم تكتيكياً لا مبدئياً. وهنا يتجلى فارق بين المنطق الجدلي الذي يكفيه أن يُحرج الخصم بمقولاته، والمنطق البرهاني الذي يطلب أساساً مستقلاً للحق.
بناء الخصم:الأسماء والنعوت و«الملقّن المتواري»
يشتغل الخطاب على الخصم بثلاث أدوات. الأولى التسمية المنحوتة: «الشيوعيون العروبيون»، وهو تعبير يقول المقدِّم إنه لم يكن شائعاً في الأدبيات السياسية قبل الكتاب، وبه يُرسَم جيل داخل الحزب الشيوعي العراقي متأثر بالفكر القومي العربي. الثانية التجريد الشخصي بالألقاب والتهكم، وتبلغ قسوتها حداً يعترف المقدِّم بأن الكتاب خرج به عن أسلوب كاتبه المعتاد، وأنه يشبه أسلوب لينين السجالي. الثالثة الفاعل الخفي: «الملقِّن المتواري خلف الستار» الذي يُلقَّن الكاتب شتم الاتحاد، وهي صورة تتكرر في الكتاب ، وتحوّل خلافاً فكرياً إلى مؤامرة، علماً بأن المقدِّم يقول إن لا دليل قوياً على أن النشر جرى بتوجيه مركزي.
يؤدي هذا البناء وظيفتين: تعبوية (شحذ كوادر خرجت لتوّها من حرب أهلية دامية أفقدت الحزب الشيوعي مقرّاته في أربيل والسليمانية عام 1983) ودفاعية (إسقاط شرعية الخصم قبل مناقشته). وثمنه أن الخلاف يخرج من منطقة «حق الاختلاف» إلى منطقة «التخوين»، وهو الثمن الذي نبّه عليه المقدِّم حين لاحظ أن الاتحاد لم يتعامل مع المسألة من زاوية حرية التعبير.
ويلخص الجدول الآتي بنية الحجاج في الفصل:مقولة الخصم رد الكتاب نمط الحجة ملاحظة نقدية
الدولة الكردية «حلم مميت» مستحيل المميت هو القمع لا الحلم (ص 55–63) قلب الإسناد + ملف تاريخي من أقلام الخصوم قوي في الوقائع، لكنه لا يجيب عن سؤال الكلفة والجدوى في الحاضر
مشروع استعماري قديم-جديد لتقسيم العراق ثبات سياسة الوضع الراهن: بايك، وثيقة 1979، قمة البندقية (ص 65–72) دليل وثائقي + منطق المصلحة يثبت ثبات الموقف المعلن لا غياب كل توظيف ظرفي؛ والوثائق منقولة بوسائط
القيادة الكردية تخدم مخططات مشبوهة سيرة المناضل ودوره في الثورة (ص 66–67) الاستدلال بالسيرة (ethos) يحتج بالسيرة لا بالمضمون، وهو سلاح ذو حدين
وحدة العراق مقدسةا المقدَّس عند الشوفينيين؛ والوحدة القائمة إلحاقية (ص 64 و72) السخرية + تحويل المفهوم يؤجل السؤال: ما الشكل المشروع للوحدة؟ — وهو موضوع الفصلين 4 و5
حصيلة نقدية
يمكن تلخيص ما أنجزه الفصل وما أخفق فيه على النحو الآتي:
المكتسب: أعاد تأطير النقاش: من «هل الدولة الكردية حلم مستحيل؟» إلى «من جعل الحلم مميتاً؟»، وأثبت أن الدفاع عن «وحدة العراق» ليس بريئاً من المصلحة الطبقية والقومية للمهيمن.
المكتسب: ربط الحق الكردي بوقائع التاريخ المكتوبة بأقلام الخصوم، لا بالعاطفة وحدها.
الثمن: هيمنة منطق الشخصنة والتخوين، وضيق المسافة بين الحجاج والتحريض، حتى لتبدو لغة الرد صدى لغة المقالة التي يرد عليها.
الثمن: الاتكاء على الشهادات السياسية بديلاً من بناء أساس مستقل للحق، مما يجعل البناء هشّاً أمام تبدل مواقف الشهود أنفسهم.
ويفتح هذا كله الباب للسؤال التأسيسي الذي يجيب عنه الفصل الرابع: ما «حق تقرير المصير» الذي يُدافع عنه؟ ومن أين يستمد مشروعيته؟
الفصل الرابع: حق تقرير المصير
من الأفق اللينيني إلى السؤال الكردي
الفصل الرابع من الكتاب (ص 81–257) هو قلبه النظري، وأطول فصوله بكثير. وقد لاحظ المقدِّم أن طالباني يخصصه في غالبيته لإيضاح موقف الماركسية من الحق، لأنه يواجه خصوماً يقولون بالماركسية، فيقاتلهم بسلاحهم الأيديولوجي نفسه. ومهمتنا هنا أن نعيد بناء الحجة، ثم نختبرها فلسفياً: ما الذي تثبته فعلاً، وما الذي تفترضه دون أن تقوله؟
نسَب الفكرة:من الثورة الفرنسية إلى الاشتراكية
يبدأ الكتاب بسرد تاريخي مختزل: ظهر الحق مع الثورة الفرنسية بوصفه حقاً ديمقراطياً في حكم الشعب نفسه بنفسه، لكن البرجوازية التي قادت الثورة ارتدّت رجعيةً لما غلبها طابعها الطبقي وخافت من حركات الشعوب الواقعة تحت سيطرة دولها، فورثت الحركة الاشتراكية الشعار. ويضيف تمييزاً لينينياً حاسماً: ليست كل برجوازية سواء، فبرجوازية الأمة المظلومة غير برجوازية الأمة الحاكمة. بهذا يُنقَل الحق من ملكية «الليبرالية» إلى ملكية الاشتراكية، ويُعاد توزيع الشرعية: من يدافع عن حقوق الشعوب لا يكون إلا اشتراكياً حقيقياً، ومن ينكرها يقع في «الشوفينية الاشتراكية».
معنى الحق ومضمونه:الدولة بوصفها جوهر التقرير
يقرر الكتاب، مستنداً إلى مقتطفات طويلة من لينين، أن معنى الحرية في تقرير المصير سياسي فقط، أي الاستقلال في دولة وإنشاء دولة قومية، وأن المقصود تاريخياً بين الاشتراكيين الديمقراطيين الروس كان حق الانفصال. ويستعير من كاوتسكي، عبر لينين، أن الدولة القومية هي الشكل الأنسب لمقتضيات الرأسمالية الحديثة، وأن الدول متعددة القوميات «شاذة وضعيفة التطور». ثم يضيف ما يسميه ضرورات الحق ومبرراته : هو حق «تاريخي موضوعي طبيعي» ينبع من نشوء الأمم ونموها، لا من تعريف قانوني مجرد؛ وهو شرط للتضامن الحقيقي بين عمال القوميات، لأن الإلحاق «يحفر هوة» بين بروليتاريا الأمة الحاكمة والمحكومة.
وفي مقابل ذلك يرصد الكتاب مفارقة المشهد السياسي المعاصر: صار الحق معترفاً به لفظياً في ميثاق الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية، حتى من أشد الدول إنكاراً له، وبقي الخلاف في مشموليته، أي: من هم أصحابه؟ فتركيا تعدّ الكرد «أتراكاً جبليين»، والخطاب القومي العربي يعدّ أرضهم «أرضاً عربية». هذه النقطة بالذات هي ما سنعود إليه فلسفياً: سؤال «من هو الشعب؟».
المثالان: النرويج وإيرلندا
يستعين الكتاب بتجربتين تاريخيتين. في تجربة النرويج 1905 يرى «نموذجاً» لانفصال سلمي ديمقراطي: صوّت نحو 368 ألف ناخب مع الانفصال مقابل 184 ضده، وحافظ التضامن الأممي بين عمال البلدين، ويشبّه حال النرويج (التي مُنحت للسويد رغماً عنها في الحروب النابليونية) بحال كردستان التي منحتها بريطانيا لفيصل رغماً عن أهلها. وفي تجربة إيرلندا يتتبع تطور موقف ماركس من الاعتقاد بأن العمال الإنجليز سيحررون إيرلندا إلى الإقرار بأن تحرر إيرلندا شرط لتحرر الطبقة العاملة الإنجليزية، ليخلص إلى أن الأمة المظلومة لا يجوز أن تنتظر نضوج الثورة الاشتراكية في الأمة السائدة.
ثم يستخلص من التجربتين «دروساً للتقدميين الكرد» : الشعب يحرر نفسه بنفسه، وشروط نجاح ذلك أربعة: طليعة ثورية مجرّبة، وجبهة وطنية، وقوات مسلحة تتقن حرب الأنصار الشعبية، ودعم أممي. وقد أوردنا الجدول الآتي لمقارنة العناصر كما ترد في النص، مع ملاحظاتنا:
وجه المقارنة النرويج–السويد (1905) إيرلندا–بريطانيا كردستان–العراق (بحسب الكتاب)
أصل الاتحاد منحٌ بين الملوك رغم إرادة النرويجيين ضمٌّ استعماري إلى التاج ضمٌّ بريطاني للجنوب الكردي إلى العراق
شكل الحل استفتاء وانفصال سلمي استقلال أكثر الجزيرة وبقاء الشمال ضمن بريطانيا حق تقرير المصير، وفي الظرف الراهن: اتحاد اختياري اتحادي
الطرف المهيمن ديمقراطية برلمانية قابلة للتفاوض قوة استعمارية كبرى دولة دكتاتورية تمارس القمع والتعريب
ملاحظة نقدية نموذج لا يتكرر بسهولة في بيئة بلا شريك ديمقراطي الكتاب يذكر التقسيم لكنه لا يستثمر دلالته كردستان موزعة بين أربع دول، وهذا يعقّد الاستفتاء والانفصال معاً
الحق وممارسته:حدود الإطلاق
هنا يصوغ الكتاب أدق تمييز فيه: حق الانفصال مشروع وعادل، لكن استعماله مشروط بظروف: يكون صحيحاً إن خدم مصلحة الجماهير ومصلحة الحركة الثورية في الأمة الحاكمة وفي المنطقة، وخاطئاً إن جاء ضمن مخطط رجعي أو استعماري. والشعب صاحب الحق هو «الحكم والفيصل»، فإذا قرر الانفصال لم يجز الوقوف ضده، غير أن ذلك لا يلزم القوى التقدمية فيه بتأييده، إذ لها أن تدعو ضده في ظروف معينة.
وعلى هذا الأساس تُوزَّع الواجبات: على الاشتراكيين العرب، بوصفهم في الأمة الحاكمة، أن يقروا صراحةً بوجود الشعب الكردي على أرضه وبحقه في الدولة المستقلة والانفصال، وأن تجعل تربيتهم للجماهير مركز ثقلها في الدعاية لحرية الانفصال؛ وعلى التقدميين الكرد أن يطرحوا الحكم الذاتي إجراءً ديمقراطياً لا بديلاً من الحق، وأن يوازنوا بين الانفصال والاتحاد الطوعي بحسب المصلحة. وهذه ثنائية أخلاقية دقيقة: يُحمَّل الأقوى عبئاً أخلاقياً أثقل، ويُترك الأضعف حرّاً في التقدير.
محاكمة «الحزب الشيوعي العراقي» على ضوء لينين
خصص الكتاب مساحة كبيرة ، لمحاكمة موقف الحزب الشيوعي العراقي، متتبعاً تطور مواقفه من شعار الاستقلال في الثلاثينيات وكتابات فهد في الأربعينيات حتى مقالة «كريم أحمد» في مجلة «الثقافة الجديدة» (العدد 134). والاتهامات الرئيسة ثلاثة: بتر جملة لينينية تُفقد الحكم الذاتي صفته «الإصلاحية» التي تجعله خطوة نحو الانفصال على الطريقة النرويجية ؛ والمغالاة في الشروط التي تُعلَّق عليها ممارسة حق الانفصال والوحدة القومية الكردية، قياساً بشروط الوحدة العربية ؛ والتناقضبين الإقرار بالحق في المقالة وخلو منهاج الحزب منه.
ومن المنصف أن نسجّل أن الكتاب لا يسير في خط الإدانة وحده: فهو يثني على دعوة كريم أحمد إلى جبهات كردستانية وقيادة مشتركة للأنصار ووقف الاقتتال الكردي، ويقر بأن الاتحاد الوطني «يستحق نصيبه من الانتقاد» على حصته من المسؤولية عن استمرار الاقتتال.هذا مقطع نادر من النقد الذاتي في كتاب غلب عليه طابع السجال.
دحض الاعتراضات:الدولة والتراب والاستحالة
يفرد الكتاب فقرات لدحض الاعتراضات: «تصدع الدولة ووحدة التراب» بتأصيل ماركسي للدولة أداةً في يد طبقة قوية (من إنجلس)، و«المظالم الطبقية والقومية في الدول متعددة القوميات»، وتفكيك مصطلح «وحدة التراب الوطني العراقي» إلى وحدتين مدمجتين: كردستانية وعربية، والرد على القائلين إن الاشتراكية الظافرة وحدها تُغني عن الحق، ثم مسألة الإمكان العملي: يرى أن اعتراض الاستحالة سقط عموماً بعد انتصار أكتوبر وتحرر عشرات الشعوب، وبقي معلّقاً على الحالة الكردية وحدها. وجواب الاتحاد الوطني: الحل الجذري هو الحق، أما الحكم الذاتي فإجراء ديمقراطي مخفِّف للآلام لا حل نهائي.
قراءة فلسفية نقدية
أولاً: اقتصاد الشرعية اللينينية. يستمد الكتاب مشروعية الحق من نصٍّ مرجعي (لينين) ومن موقعه في «السلاح الأيديولوجي» للخصم. هذا نقد داخلي (immanent critique) فعّال في السجال، لكنه يضع الحق الكردي تحت وصاية نظرية لا يلتزم بها كل الكرد، ولا كل من يقاسمهم الأرض. وكان بالإمكان، دون الاستغناء عن لينين، دعمه بأساس مستقل من القانون الدولي الحديث (المادة الأولى المشتركة في العهدين الدوليين، وقرار الجمعية العامة 1514 لعام 1960) وبفلسفة الحقوق، لكن هذه الأسس تبقى حاضرة هنا بلفظ «الأمم المتحدة» لا بمفاصلها.
ثانياً: مسألة «من هو الشعب؟» تقوم الحجة على وحدة «الشعب الكردي» ووحدة «أرضه»، وتتعامل مع الأمة المظلومة بوصفها ذاتاً متجانسة في مواجهة أمة ظالمة. وقد صاغ إيفور جيننغز المعضلة ببساطة: لا يستطيع الشعب أن يقرر قبل أن يقرر أحدٌ من هو الشعب.ولا يقف الكتاب عند أسئلة التعدد داخل كردستان نفسها: التركمان، والمسيحيين، والإيزيديين، وعرب المناطق المتنازع عليها، وطبيعة الكيان الذي سيمارس فيه كل هؤلاء حقهم. وهذا غياب مفهوم في حرارة سجال 1987، لكنه يصير ثغرة منهجية في قراءة اليوم، لأن منطق «الأقوى يتحمل عبئاً أخلاقياً أثقل» يمتد، بالتماثل، إلى الأكثرية الكردية حيث تكون هي الأقوى.
ثالثاً: الحق والمصلحة. يميّز الكتاب بين الحق وممارسته تمييزاً لينينياً بارعاً، لكنه يجعل النتيجة العملية للاتحاد الوطني (الاتحاد الطوعي الاتحادي) أضعف حضوراً في الفصل من الحق نفسه؛ فيبقى القارئ بين خطاب يرى الدولة القومية «الشكل الأنسب» للعصر، ومنهج عملي يؤجلها. والتوفيق ممكن عبر فكرة الفكرة الناظمة (regulative idea) التي نعالجها في الفصل السادس: الدولة المستقلة أفق، والاتحاد الطوعي برنامج.
رابعاً: حدود المثال. النرويج وإيرلندا نجحتا في سياقات فيها، بدرجات مختلفة، شريك قابل للمساومة أو ضغط أممي مواتٍ. أما كردستان فموزعة بين أربع دول، وسياق الحرب العراقية-الإيرانية جعل أي خطوة في جزء منها تهديداً للأجزاء الأخرى؛ وهو ما يدركه الكتاب حين يقر بأن الاعتراض بالاستحالة ما زال قائماً على الحالة الكردية ، لكنه لا يجعله موضوعاً تحليلياً كاملاً.