×

  جميع المواضيع

  نهج مام جلال



*عماد أحمد

*ترجمة: نرمين عثمان

مساء أمس ،كنا نجلس في المنزل حول مائدة العشاء، أنا وزوجتي وأطفالي وأحفادي، نتناول وجبة العشاء، كانت المائدة مفعمة بالمحبة والذكريات والأحاديث من القلب،فتارةً نتحدث عن الحياة اليومية، وتارةً أخرى عن السياسة.

يقول أفراد العائلة والأقارب: "إن طول وقامة آرام وملامحه تشبهني في شبابي"، فيما يقول لي السيد قوباد طالباني : "إن حيويةُ آرام ونشاطه تجعله يقول إنه يشبه حيويتي ونشاطي في فترة شبابي"

آرام، ابني الأصغر وآخر أبنائنا، وُلد في يوم ذكرى استشهاد كاك آرام، ولذلك أطلق عليه السيد دلير والسيد بختيار اسم (آرام)، نظر إليّ آرام بعينين حادتين ثاقبتي النظر وقال:

ـ أبي، كثيراً ما أسمعك أنت وأصدقاءك القدامى تقولون: (نهج مام جلال)، لقد رأيت مام جلال، وعندما كنت طفلاً التقطت صورة معه، لكنني لم أمارس السياسة معه حتى أعرف ما هو ذلك النهج، أنت الذي كنت قريباً من مام جلال فترة طويلة، لماذا لا تحدثنا عن معنى نهج مام جلال؟

 

فقلت له:ـ حسناً، دعونا ننهي وجبتنا، وعندما نشرب الشاي سأحدثكم، قدر استطاعتي، عنه.

بعد العشاء، وعندما وُضع الشاي بين البخار وعبق الذكريات، بدأت بسؤال قصير: ما هو النهج؟

النهج ليس مجرد مجموعة من الشعارات والعبارات الجميلة التي تتكرر في المناسبات، بل هو مجموعة من المبادئ والقيم والمواقف التي توجه التفكير السياسي، وتتحول في أوقات الاختبار إلى دليل للعمل. فالنهج هو الطريق الذي يصنعه القائد بين القول والفعل، والغاية والوسيلة، والقوة والأخلاق.

لذلك، لا يمكن اختصار (نهج مام جلال) في خطاب واحد أو مرحلة محددة، فهذا النهج تشكّل من تداخل الفكر والممارسة، والثورة والحوار، والكوردايتي والإنسانية، واليسارية والديمقراطية.

 

الكوردايتي لم تكن مجرد شعور وعاطفة

كان أول أعمدة هذا النهج هو الكوردايتي والإيمان بحقوق الشعوب الخاضعة للاضطهاد، لم يكن مام جلال يفسر الكوردايتي على أنها عداء للشعوب الأخرى، بل كان يرى حقوق الكورد جزءاً من حقوق الإنسان والشعوب. وفي نهجه، لم تكن الكوردايتي مجرد شعور وعاطفة، بل كانت مسؤولية حماية الأرض والهوية واللغة، إلى جانب الاعتراف بحقوق المكونات والشعوب الأخرى، وكان يدرك جيداً أن شعباً يطالب بحقوقه لا ينبغي له أن ينسى حقوق الآخرين.

أما العمود الثاني فكان اليسارية والعدالة الاجتماعية، فلم تكن يسارية مام جلال مجرد مصطلح أو زيّ سياسي، بل كانت تتجلى في قربه من الكادحين والمزارعين والعمال والمعلمين والفئات المهمشة.

وكان يرى أن الحرية السياسية، إذا لم تقترن بالمساواة والعدالة الاجتماعية، تبقى ناقصة.

لماذا يمتلك الإنسان حق التصويت، لكنه لا يمتلك الخبز؟ ولماذا يمتلك حق الكلام، لكنه لا يمتلك مستشفى ومدرسة ومسكنًا لائقًا؟

كان مام جلال يؤمن باشتراكية تنسجم مع الديمقراطية والتعددية والحريات العامة، فالاشتراكية، من وجهة نظره، لم تكن مجرد تأميم ثروات البلاد، بل كانت تعني العدالة، وتكافؤ الفرص، وحماية كرامة الإنسان.

أما العمود الثالث فكان الديمقراطية وقبول التعددية، كان مام جلال معتدلاً في التعبير، لكنه لم يكن متساهلاً في إيمانه بالحقوق والحريات، ولم تكن اعتداليته ضعفاً أو غياباً للموقف، بل كانت فن العثور على النقاط المشتركة وفتح أبواب الحلول.

وكان يصوّر السياسة على هيئة باقة من الزهور، فلكل زهرة لونها ورائحتها وجمالها، لكن عندما تجتمع معاً تشكل باقة أجمل، والمجتمع أيضاً لا يصبح جميلاً بلون واحد، فقوته تكمن في اختلافاته، شرط ألا يتحول الاختلاف إلى سبب للكراهية والعداء، بل إلى مصدر للتكامل.

 

كان يطبّق ذلك في سلوكه اليومي

لم يكن مام جلال يتحدث عن الديمقراطية بالكلام فقط، بل كان يطبقها في سلوكه اليومي، كان يتقبل النقد، ولم يكن يخشى توجيه النقد إلى نفسه، وكان يقول لنا في الاجتماعات في كثير من الأحيان: (إذا كانت لديكم انتقادات، فابدأوا بي).

كان ذلك إيماناً بأن على القائد أن يضع نفسه قبل الجميع أمام الأسئلة والتقييم،فالحزب الذي لا يصغي إلى النقد لا يرى أخطاءه، والقائد الذي يبعد نفسه عن النقد يبتعد تدريجياً عن الناس وعن الحقائق.

كان نهج مام جلال نهج الحوار، كان يتحدث مع الصديق والمنافس وحتى العدو، ليس لأنه كان يتغاضى عن الاختلافات، بل لأنه كان يعرف أن السياسة هي فن تحويل الخلافات إلى حل ممكن.

وكان الإيمان بحقوق المرأة ودورها جزءاً أساسياً من هذا النهج أيضاً، فمن وجهة نظره، لم تكن المرأة مجرد نصف المجتمع، بل كانت شريكاً أساسياً في السياسة وصناعة المستقبل.،والمجتمع الذي يبعد المرأة عن الحقوق وصنع القرار لا يستطيع أن يتحدث باسم الحرية والتقدم.

وتتجلى خلاصة فكر هذا النهج في كتيب "الاتحاد الوطني،لماذا"؟». فهذا الكتيب ليس مجرد إجابة عن سؤال تأسيس تنظيم سياسي، بل هو وثيقة فكرية حول ماهية الاتحاد الوطني الكوردستاني، ومن يمثل، ولأي نوع من المجتمع ينبغي أن يناضل.

 

بُعد آخر من نهج مام جلال

من الأبعاد الأخرى لنهج مام جلال، الواقعية السياسية، وبناء التحالفات، والتسامح. كان ثابتاً في الأهداف الأساسية، لكنه كان مرناً وواقعياً في اختيار الوسائل،وكانت السياسة بالنسبة إليه ليست ساحة للانتقام، بل فن تحويل المنافس إلى محاور، وعدو الأمس إلى شريك في حل قضايا اليوم.

ولا شك أن لنهج مام جلال أبعاداً وخصائص أخرى كثيرة لم نتمكن من تناولها جميعاً في هذا المقال القصير، وما هذا إلا محاولة لفتح باب أمام بحث أوسع.

في الحقيقة، فإن الشكل والأسلوب الأصيلين للاتحاد الوطني الكوردستاني يعنيان نهج مام جلال،اتحاداً يكون ملاذاً للكادحين والمثقفين والنساء والشباب والمزارعين والعمال، اتحاداً لا يكون فيه الاسم الوطني مجرد انعكاس للنهج في شعاراته، بل يظهر في سلوكه وقراراته وخدمته.

إن نهج مام جلال ليس مجرد شيء نتحدث عنه في الذكريات والسنويات، يكون النهج حياً عندما يستمر في الممارسة، ويتجدد وفقاً لتغيرات العصر، ويجيب عن أسئلة الجيل الجديد.

إن سؤال آرام لم يكن مجرد سؤال ابني، بل هو سؤال كل ال لجيل الجديد: أين يظهر نهج مام جلال في حياتنا وسياستنا اليوم؟ وكيف يمكنه أن يجيب عن مشكلات الشباب والنساء والبطالة والهجرة والظلم وضعف الثقة؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تكتمل بمقال، بل من الضروري أن تقوم المؤسسات المعنية داخل الاتحاد الوطني الكوردستاني ، بالتعاون مع الجامعات ومراكز البحوث، بجمع أسس نهج مام جلال وتحليلها بصورة علمية، ونشر خطاباته ورسائله وقراراته ومواقفه، إلى جانب تجارب وشهادات رفاقه، في مجلد خاص. كتاب لا يقتصر على الحديث عن حياة مام جلال، بل يضع أمام الجيل الجديد أسس نهجه وطرق تطبيقه.

عندما أنهيت حديثي، كان الشاي قد برد، لكن سؤال آرام ظل ساخناً، أدركت أنه لا يمكن استكمال الحديث عن (نهج مام جلال) في ليلة واحدة وعلى مائدة جلسة لشرب الشاي.

لقد فتحت باباً فقط، لأن النهج، إذا تُرك في الكتب والذكريات، يصبح تاريخاً، لكنه إذا استمر في الفكر والممارسة والإجابة عن أسئلة الجيل الجديد، يصبح مستقبلاً.


04/10/2026