*محمد شيخ عثمان
لم تكن زيارة الرئيس جلال طالباني إلى النجف الاشرف في 9 شباط 2008 زيارة بروتوكولية عابرة، ولا محطة منفصلة عن رؤيته للعراق في مرحلة دقيقة من تاريخه السياسي، بل جاءت في سياق نهج واضح كان يقوم على التواصل مع المرجعيات والشخصيات والقوى الوطنية، وتعزيز مساحات التفاهم بين مكونات البلاد، وبناء التحالفات التي رآها الرئيس مام جلال ركنا من أركان حماية العراق الديمقراطي الاتحادي وترسيخ استقراره.
في النجف، التقى مام جلال المرجع الأعلى سماحة السيد علي السيستاني، كما التقى سماحة السيد عمار الحكيم، وزار عددا من المراجع الدينية، والتقى سماحة السيد محمد بحر العلوم، قبل أن يضع الحجر الأساس لمعهد العلمين للدراسات العليا.
وفي قراءة هذه المحطات مجتمعة، تبدو النجف بالنسبة إلى مام جلال أكثر من مدينة مقدسة وعاصمة للعلم والحوزة؛ كانت فضاء وطنيا للحوار، ومجالا لتقريب المواقف، وجسرا بين المكونات العراقية.
وفي حديثه عقب لقاءاته مع المراجع، لم يخف الرئيس طالباني نظرته الخاصة إلى دور المرجعية في العراق، فوصف السيد السيستاني بأنه «نعمة من الله للعراقيين»، وأكد حاجته، بوصفه رئيسا للجمهورية، إلى إرشادات المرجعيات وتوجيهاتها، معتبرا أن دورها يرتبط بمصلحة الشعب العراقي ووحدة صفوفه والإصلاح وتلبية حاجات الناس.
وكانت هذه الرؤية متصلة مباشرة بموقفه من العملية السياسية،فقد تحدث مام جلال عن تشكيل حكومة جديدة برئاسة نوري المالكي، تقوم على اختيار العناصر الكفوءة وتمثيل مكونات الشعب العراقي، مع التأكيد على ألا تكون الحكومة قائمة على المحاصصة وحدها، وفي ذلك كان يطرح فكرة الجمع بين تمثيل المكونات والكفاءة في إدارة الدولة، وهي ثنائية ظلت حاضرة في خطابه السياسي.
لكن الأهم في حديث النجف كان تأكيده الصريح على أن التحالفات السياسية التي تشكلت في مواجهة الدكتاتورية ينبغي أن تتحول في العراق الجديد إلى أدوات لبناء الدولة، لا إلى تحالفات إقصاء أو اصطفاف ضد مكون آخر، فقد وصف التحالف الشيعي–الكردي بأنه كان حجر الزاوية في النضال ضد الدكتاتورية، ورأى فيه، بعد سقوط النظام، أحد مرتكزات العراق الديمقراطي الفيدرالي، مع تأكيده أن هذا التحالف ليس تحالفا مذهبيا ضد أحد، بل لصالح الجميع، وهذه العبارة تختصر جانبا أساسيا من فلسفة الرئيس مام جلال السياسية: التحالف، في نظره، لا يفقد قيمته الوطنية إذا جمع قوى تنتمي إلى خلفيات قومية أو مذهبية مختلفة، بل يمكن أن يتحول إلى وسيلة لحماية وحدة العراق عندما يفتح أبوابه أمام بقية مكوناته.
ولهذا تحدث في المؤتمر الصحفي نفسه عن ضرورة توسيع دائرة التحالفات لتشمل قوى عربية سنية وقوى سياسية أخرى، مؤكدا حرصه على وحدة الصف الوطني ومراعاة مصالح الكرد والعرب الشيعة والعرب السنة والتركمان وسائر العراقيين.
ومن هذه الزاوية، تكتسب علاقات مام جلال مع شخصيات النجف، وفي مقدمتهم السيد السيستاني والسيد عمار الحكيم والسيد محمد بحر العلوم، دلالة تتجاوز بعدها الشخصي. فالنجف التي احتضنت المرجعية والحوزة والعلم والثقافة كانت، في رؤيته، إحدى المساحات التي يمكن أن تلتقي فيها الإرادة الوطنية العراقية على قاعدة الحوار والتفاهم، لا على قاعدة الانقسام.
ولم يكن اهتمامه بالنجف سياسيا فقط،فقد أعلن خلال زيارته عزمه على إحياء مشروع صندوق إعمار وازدهار النجف وكربلاء، وتحدث عن مكانة النجف التاريخية والعلمية والثقافية، ثم انتقل من الخطاب السياسي إلى العمل الثقافي والأكاديمي بوضع الحجر الأساس لمعهد العلمين للدراسات العليا، المشروع الذي أسسه سماحة السيد محمد بحر العلوم.
وهنا تلتقي علاقة مام جلال بسماحة محمد بحر العلوم مع رؤيته الأوسع للعراق،فالمعهد لم يكن في المناسبة مجرد مبنى أكاديمي جديد؛ بل قدم القائمون عليه المشروع باعتباره حلقة وصل بين الحوزة العلمية ومتطلبات البناء الثقافي، وفضاء لمعالجة المشكلات التي يواجهها العراق، ووسيلة لتعزيز وحدة الكلمة والصف والموقف. وقد وثق معهد العلمين نفسه أن الرئيس طالباني وضع حجر الأساس للمبنى في ذلك اليوم، بحضور السيد محمد بحر العلوم والسيد عمار الحكيم وممثلين عن المرجعية والأوساط العلمية والأكاديمية.
وفي كلمته في المناسبة، وضع مام جلال زيارته للنجف في إطار أعمق من السياسة اليومية، حين تحدث عن المدينة بوصفها مدينة العلم والثقافة والتاريخ، وشكر بصورة خاصة السيد محمد بحر العلوم والسيد عمار الحكيم، مؤكدا أنه سيبقى «خادما للشعب العراقي من أقصاه إلى أقصاه» وباذلا جهده من أجل وحدة الصف وتحقيق الأهداف التي ضحى الشهداء من أجلها.
ومن اللافت أن شهادة إبراهيم بحر العلوم في المناسبة نفسها قدمت مام جلال ليس بوصفه رئيسا للجمهورية فقط، وإنما بوصفه شخصية جمعت بين السياسة والثقافة، واعتبرت مبادرته ورعايته للصرح الأكاديمي تعبيرا عن اهتمامه بالنجف وبجامعتها ودورها الوطني والعربي والإسلامي.
كما أكد أن المعهد، وفقا للرؤية التي وضعها السيد محمد بحر العلوم، ينبغي أن يكون حلقة وصل بين الحوزة العلمية ومتطلبات البناء الثقافي، وأن يقدم أطروحات تساعد في معالجة مشكلات العراق وتعزيز وحدة الكلمة والموقف والصف.
وهكذا، تكشف وثيقة زيارة النجف عن صورة متكاملة من مشروع مام جلال السياسي والوطني: احترام المرجعية، والحوار مع القوى السياسية والدينية، وتوسيع التحالفات، وحماية وحدة الصف، وربط الاستقرار السياسي بالعمل الثقافي والعلمي.
ولذلك فإن استعادة هذه الزيارة في ذكرى رحيل مام جلال لا تعني استحضار حدث مضى فحسب، وإنما قراءة واحدة من المحطات التي تظهر كيف كان ينظر إلى العراق: دولة تتسع للجميع، وتحالفاتها لا تقوم على إلغاء الآخر، ومرجعياتها وقواها السياسية والعلمية يمكن أن تتحول إلى جسور للتفاهم، فيما يكون العلم والثقافة جزءا من عملية بناء الدولة لا هامشا عليها.
وفي هذا السياق، يبدو وضع الحجر الأساس لمعهد العلمين في النجف لحظة ذات دلالة رمزية خاصة؛ فقد اجتمع في مكان واحد مام جلال، والسيستاني، وعمار الحكيم، ومحمد بحر العلوم، والمرجعية، والأوساط الأكاديمية، في مشهد يعكس مساحة التفاعل التي كان يسعى الرئيس طالباني إلى ترسيخها بين السياسة والدين والثقافة، وبين كردستان وجنوبه، وبين مكونات الشعب العراقي المختلفة.
وقد ظلت هذه الصلة حاضرة في الذاكرة النجفية بعد رحيل مام جلال؛ إذ أشير لاحقا إلى علاقاته الوثيقة بشخصيات النجف الدينية والسياسية والعلمية، وإلى إسهاماته في تأسيس ودعم معهد العلمين.
إنها، في جوهرها، صفحة من صفحات مام جلال رجل الدولة الذي رأى في الحوار والتحالف والتقارب بين المكونات وسائل لحماية العراق، ورأى في العلم والثقافة امتدادا لمعركة بناء الدولة واستقرارها.
وخير مانختم به التقرير التوثيقي ماكتبه سماحة محمد بحر العلوم الى الرئيس مام جلال من ابيات شعرية للتهنئة:
بسمه تعالى
ولاية ثانية في عيد ميلاده
أبيات شعرية بمناسبة انتخاب فخامة الرئيس طالباني رئيساً لجمهورية العراق والتي تزامنت مع عيد ميلاده السابع والسبعين
;أتت اليك "ابا شلال" ساعية
ولاية من ضمير شعب نزجيها
فأنت رمز العراق الحر جسده
عرب وكرد مدى الاعوام يبقيها
فجدد العزم وأكشف عز امتنا
فجذوة العمر تزهو في مغانيها
طوقت عمرك في (سبعينها) غررا
فوز (الرئاسة) تجلي كل مافيها
فاقبل تهاني صديق شد منبته
لطف الوفاء ويسمو في معانيها
أخوكم
محمد بحر العلوم
لندن-14/11/20