×


  رؤى حول العراق

  بين بغداد وأربيل.. اللقاءات البروتوكولية وحدها لا تكفي



*وليد خالد الزيدي

 

ينبغي التفريق بين اللقاءات الثنائية أو الجماعية المبنية على أساس التأييد أو إبداء حالات الرضا والشعور بالارتياح بين الأطراف السياسية المختلفة في بلدنا، وما بين الحوارات الجادة والنقاشات المعمقة لحلحلة المشاكل وتجاوز الخلافات بينها، لا سيما المسائل العالقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة كردستان التي يفترض ألا تكون موجودة على أرض الواقع، وذلك أساسا على متبنيات التفهم الواضح للوائح وبنود الدستور الذي حدد بشكل صريح طبيعة العلاقة بين السلطة المركزية في بغداد وسلطة الإقليم في أربيل؛ حيث تجمعهما شراكة وطنية حتمية لا مناص منها، يفترض أن تكون أنموذجا وتجربة ناجحة ورائدة لدى الأنظمة السياسية بمنطقة الشرق الأوسط.

قد تبدو المشكلات بين بغداد وأربيل عقيمة الحلول بعيدة النهايات، لكنها في واقع الأمر اختلافات شكلية لا جوهرية -على أقل تقدير- في ما يخص الأزمات الحالية المرحلية، وإن كانت ملحة لكنها تتعلق بجزئيات بسيطة لا تتعدى تباين الرؤى في الاستثمار الأمثل لموارد البلد في كل المناطق، يفترض أن تعم فائدتها على جميع أبناء شعبنا بلا استثناء أو تغليب مصلحة طرف على حساب آخر؛ وأهمها تصدير نفط الإقليم وإشكالية تحديد مسؤولية ذلك بين شركة تسويق النفط الوطنية (سومو) أو حكومة الإقليم، وكذلك إدارة المنافذ الحدودية في محافظات كردستان مع دولتي الجوار إيران وتركيا، فضلا عن أزمة رواتب موظفي الإقليم التي تستند حلولها -على ما يبدو- بما يمكن تجاوزه في جزئية التحكم بتلك الأزمات والتخلص من آثارها.

وهنا لا بد من التسليم بحقيقة تحرك كلا  طرفي المعادلة، ألا وهي أن جزئية تصفير الأزمات الثلاث التي ذكرت أعلاه بين المركز والإقليم، تعد أهم إشارات الاختبار الدولي والمعيار الإقليمي لنجاح مهام الحكومة الاتحادية الحالية؛ لأنها يمكن أن تعبد الطريق لمسار جديد وواعد لفتح آفاق واسعة لتفاهمات مستقبلية وطنية أكثر جدية وأوسع فاعلية بين كلا الطرفين في الوقت الراهن، في ظل وجود بوادر للتقارب بين بغداد وأربيل وبحضور رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني إلى العاصمة بغداد مؤخرا، ولقاءاته مع أطراف سياسية مختلفة لمناقشة البرنامج الحكومي وأهمية استجابته لمتطلبات المرحلة المقبلة، ومنها أزمات المركز والإقليم في ظل تفاهمات مشتركة.

إن نجاح مساعي إنهاء الأزمات بين بغداد وأربيل لا تتطلب زيارات بروتوكولية ولا لقاءات سياسية فحسب، بل تستلزم طروحات فنية عبر لجان متخصصة مشتركة في المجالات النفطية والمالية وهيئة المنافذ الحدودية مؤطرة بنوايا سليمة؛ فمن الضروري أن تفضي هذه اللقاءات إلى تفاهمات تستند على المسؤولية الدستورية والمشتركات الوطنية، لتصب في خدمة العراقيين أينما وجدوا في ربوع الوطن وامتداد مساحاته الواسعة وثراه الطيب.

الشراكة الدستورية المطلوب تجسيدها يعرفها السياسيون أكثر من غيرهم، وهم بذلك ليسوا بحاجة للتذكير بها؛ فهي تستوجب إزالة التوترات المستمرة ومغادرة مراحل التقاطعات المتكررة لكي ينال كل ذي حق حقه، بما فيهم مواطنو كردستان إذا ما وجدت مساعٍ مشتركة لترسيخ شراكة وطنية سليمة وأفكار حكيمة قد تسهم بحلول كل الأزمات مستقبلا. أصبح من الضروري توطيد علاقة بغداد وأربيل وإزالة أسباب التذبذب المستمر في الشراكة السياسية وإدارة الأزمات ضمن إطار فني قانوني.

*صحيفة "الصباح"


17/05/2026