×

  الاتحاد الوطني الکردستاني

  على ضفاف الزمن.. نخيل خانقين لا يزال صامدا



*عماد أحمد

*ترجمة : نرمين عثمان محمد / عن صحيفة كوردستاني نوى

كنت أتابع عبر وسائل التواصل الاجتماعي مشاهد مهرجان التمور في خانقين،اغرورقت عيناي بالدموع، وجفّت شفتاي ، لكن عقلي وفكري انتعشا، قلتُ في داخلي: الدنيا لا تزال بخير،وأهل مدينتي ما زالوا يزهرون ويحيون على أمل غدٍ مشرق.

أنا بطبيعتي لا أعرف التعصب االجغرافي ولا أؤمن به، لكنني أحب مدينتي خانقين وهي حاضرةٌ دائماً في مخيلتي وفكري، أينما أكون، يمرّنهر  "ألوند" في أعماقي، وترافقني ظلال أشجار نخيلها، بعض الأماكن، حتى وإن ابتعدنا عنها، فهي لا تبتعد عنا.

في ذلك اليوم، ومن خلال الشاشة الصغيرة لهاتفي، رأيتُ خانقين كبيرة، مدينةٌ التفّ أهلها ببهجة حول ثمار أرضها، أصناف التمور المتنوعة كانت معروضة أمامهم، وعلم كوردستان يرفرف فوق رؤوسهم، والأزياء الكوردية تطبعُ ألوان الحياة على المشهد من كل جانب، بينما كانت الأيادي تتشابك بحرارة في حلقات الدبكةالكوردية.

منذ عدة سنوات، تُقام في كوردستان مهرجانات متنوعة،حيث تغطيها وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي صورة وصوت تلك المهرجانات ، لتبعث الحماس والنشاط بين الناس لبعض الوقت،إنها أنشطة اجتماعية وثقافية وفولكلورية، يُجمِع كلٌّ منها الناس بطريقته الخاصة، وتفتح باباً  أوسع للتعريف بالمدينة ومنتجاتها وتقاليدها بشكل أفضل.

لسنا بصدد التقليل من قيمة أيّ منها، لكن ما رأيته في خانقين كان يتسم بالعفوية والفيض التلقائي، وهو ما جذب انتباهي أكثر،المشاركة الواسعة للأهالي وذاك الحماس والدفء المرتسم على الوجوه، جعلت من المشهد أكثر روعة واستثناءً، وبحسب ما نُقل لي، لم يرَعَ المهرجانَ شخصيةٌ نافذة أو صاحب سلطة، بل إن أهالي المدينة أنفسهم هم من تبنّوا المهرجان والاحتفال، مما أضفى عليه جمالاً خاصاً ومضاعفاً.

في تلك المشاهد، كانت نظرةٌ مني نحو التمور، وفكرةٌ ترنو إلى الأشجار،تلك النخيل التي ضربت جذورها في أرض خانقين منذ سنوات طويلة، ورغم ما كابدته من حرارة وعطش وأيامٍ قاسية، إلا أنها ظلت تجود بثمارها.

التمر بالنسبة لنا هو طعم البيت والبستان والطفولة، ومع ذاك المذاق، تتداعى إلى أذهاننا يداً قدمت لنا تمرة، ويتراءى لنا وجهٌ جلس معنا يوماً تحت ظل شجرة.

في مخيلتي، كنتُ أجلس  تحت  ظل نخلة دار "عباس غزال" في "جلوه " وكان صديقي القديم "حميد أكبر"، العضو في تنظيم "النسر الأحمر"، يجلس إلى جواري. التفتَ نحو نهر ألوند وقال:"تخال ‌أن خانقين قد عادت شابةً من جديد!"

قلتُ: "أهلها قلوبهم معلّقةٌ بمدينتهم دائماً، وقد أهدوها الفرح اليوم."

التقط تمرةً وقال:"كيف نحافظ على هذا المذاق للأجيال من بعدنا؟

أجبتُه:"بأن نحمي شجرتها، هذا الاحتفال والفرح سينتهيان اليوم، لكن النخلة ستحتاج إلى الماء والرعاية غداً أيضاً." نظر إلى حلقة الدبكة وقال:"ليت هذه الأيادي التي تشابكت اليوم، تتكاتف غداً لحماية البساتين معاً."

لذلك، يجب أن تصل بهجة المهرجان وفرحته إلى داخل البساتين أيضاً،يتوجب إنقاذ أشجار النخيل من الهلاك، وإيصال المياه إليها، وخدمة البساتين وحمايتها، وتقديم الدعم لمن يرعونها،هذه مسؤولية وطنية وكوردستانية. إن كنا نفخر بتمرها اليوم، فعلينا أن نفكر في غدِ أشجارها.

إن رؤية علم كوردستان والأزياء الكوردية والدبكات في خانقين تحمل دلالة عميقة ووطنية،ففي تشابك أيدي الناس وخطوات رقصاتهم، كان ارتباطهم بأرضهم وهويتهم يتجلى بوضوح، ينساب "ألوند" في قلب هذه المدينة حاملاً معه ذكريات الأجيال، والناس بلغتهم، بأزيائهم، بألحانهم وفرحهم، يجسّدون كوردستانية مدينتهم أمام الجميع.

في ذلك اليوم، أظهرت خانقين جوهرها،بأهلها الأصليين، بإنتاج أرضها، وبقدرتها على صنع لحظة فرح يشترك فيها الجميع،إشادتي وإعجابي بهذا المهرجان نبعا من ذاك المشهد، المشهد الذي لا يمكنني إنكاره.

والأهم من ذلك كله، كان المشهد الأمني والاجتماعي للمدينة خلال أيام المهرجان، حيث اجتمع كل أهالي خانقين، كورداً وعرباً وتوركماناَ، شيعة وسنة وكاكائيون، نساء ورجال، كبار وصغار، في أجواء من الفرح والإخاء، كجداول ماء تتجمع لترتفد في "ألوند" وتغدو نهراً واحداً.

وضعتُ هاتفي جانباً، لكن المشهد ظل شاخصاً أمام عينيّ، تلك الأيادي التي تشابكت في الدبكة، وتلك الوجوه التي أشرقت بالفرح، وتلك التمور التي هي جود أرض مدينتي، قلتُ في سرّي: خانقين لا تزال تعبّر عن ذاتها، أشجار النخيل لا تزال صامدة، لذا يجب أن يصبح فرحنا اليوم ركيزةً لحمايتها في الغد.

وحول تمسّك أهل خانقين بمدينتهم والدفاع عنها، كان الرئيس "مام جلال" يروي حكاية ويقول: في 14 أيار/مايو 1961، وفي عهد حكومة عبد الكريم قاسم، أصبح "عادل جلال" وزيراً للزراعة في العراق وكان والده (الحاج جلال) يعمل في الفلاحة والبساتين، وأراد في تلك الأيام السيطرة على بعض البساتين المحيطة ببستانه، على إثر ذلك، نظم أصحاب البساتين والمزارعون في خانقين تظاهرة أمام وزارة الدفاع في بغداد، وكانوا يهتفون: "عبد الكريم بطلنا، الحاج جلال ألتهمنا/أي سلب اراضينا".

ونحن نقول في وقتنا هذا، يحق لمزارعي وفلاحي خانقين أن يتوجهوا إلى المنطقة الخضراء ويهتفون:

"علي الزيدي بطلنا، الجفاف التهمنا/ أي سلب الجفاف زراعتنا".

وقبل أن أختم هذا المقال، أتوجه بأسمى عبارات الشكر والامتنان القلبي لكل من نظم ونسّق هذا المهرجان الرائع والجميل، كَثَّرَ الله من أمثالهم.


22/10/2026