×

  کل الاخبار

  بين القفل والباب.. البحث عن مفتاح المستقبل



*عماد أحمد

*الترجمة: نرمين عثمان محمد/عن صحيفة كوردستاني نوى

 

كان الليل قد تأخر، وبعد انتهاء المباراة بين البرازيل والمغرب، وبينما كان صمت الليل يتسلل بهدوء إلى غرفتي، تذكرت تلك القاعدة القديمة التي كررها التاريخ آلاف المرات: لا قوة تدوم إلى الأبد، ولا ضعف محكوم عليه بأن يكون مصيراً نهائياً.

فالبرازيل، أسطورة كرة القدم، ذلك الفريق الذي كان يوماً أسد ميادين الكرة العالمية، يخضع اليوم، كما تخضع كل قوة أخرى، لقانون التغيير. وفي تلك اللحظة حلّقت أفكاري نحو التاريخ؛ إلى اليونان والإسكندر، إلى طارق بن زياد وجيشه، وإلى كل تلك القوى التي بدا في يوم من الأيام أنها امتلكت مفاتيح العالم وأبوابه، لكنها أصبحت اليوم مجرد أسماء وذكريات في صفحات التاريخ.

وقعت عيناي على مفتاح باب غرفتي. كان مفتاحاً عادياً، لكنه بدا لي في تلك الليلة كسؤال فلسفي عميق: من الذي يغلق أقفال الأبواب؟ ومن الذي يحتفظ بمفاتيح القوة؟ ومن الذي يصنع المفتاح الجديد لباب المستقبل عندما تتغير الأزمنة؟

وفي صمت الليل، شعرت وكأن حواراً يدور بين فكرتين:

هل المفتاح صُنع لإغلاق الباب؟ لا، بل لفتحه. للحماية والوصول والعبور. فإذا كانت كل الأبواب مفتوحة، فأين يكون الأمان؟

وإذا كانت كل الأبواب مغلقة، فأين يكون الأمل؟ومن هو المحق؟

المفتاح صامت، أما الإنسان فهو الذي يقرر أن يغلق الباب أو يفتحه.

هناك كلمات تحمل أكثر من معناها اللغوي. ومن هذه الكلمات: الباب، والقفل، والمفتاح. فهي ليست مجرد أسماء لأشياء مادية، بل تمثل قصة التاريخ الإنساني. فخلف كل باب انتظار، وخلف كل قفل خوف أو سلطة متوارية، وفي داخل كل مفتاح أمل بالخلاص والتجدد.

وإذا قرأنا تاريخ الشرق بلغة الفلسفة، سنجد أن كثيراً من الحروب والسلام، والانكسارات والنهوضات التي مرت بها الشعوب، لم تكن سوى محاولات متواصلة لحماية باب، أو كسر قفل، أو العثور على مفتاح مفقود.

ولهذا يمكن قراءة تاريخ العراق وكوردستان أيضاً بوصفه تاريخاً للأبواب والأقفال والمفاتيح؛ تاريخ وطن أُغلقت أبوابه مراراً بأيدي الآخرين، وصُنعت أقفاله في الخارج، بينما ظل يبحث في داخله عن مفتاحه الخاص.

ومن منظور فلسفي، يرمز الباب إلى الحد الفاصل بين عالمين: عالم المعلوم وعالم المجهول. إنه الخط الرفيع بين الثقة والخوف، وبين الاستقرار والاضطراب، وبين الماضي والمستقبل. فكلما فُتح باب وُلدت فرصة جديدة، وكلما أُغلق تشكّل حدّ جديد.

وفي الأدبيات السياسية للشعوب، يشبه باب البيت حدود الوطن. إنه المكان الذي ينبغي للمواطن أن يشعر فيه بالأمان والاستقلال. لكن تاريخ العراق وإقليم كوردستان المعاصر أظهر أن هذا الباب ظل كثيراً تحت تهديد الأخطار الخارجية والخلافات الداخلية. وفي لحظات كثيرة بدا الوطن نفسه كبيت فُتحت أبوابه للمخاطر، لكنها أُغلقت في وجه أحلام أبنائه.

وفي فلسفة السلطة، لا يكون القفل مجرد أداة للحماية، بل كثيراً ما يكون رمزاً للخوف من التغيير،فكل سلطة تخشى المستقبل تحاول إقفال الأبواب، وكل نظام يخاف النقد يقيّد الأصوات المختلفة أولاً.

وعندما ننظر إلى الواقع السياسي في العراق وإقليم كوردستان، نرى أن كثيراً من المشكلات ليست ناتجة عن نقص الموارد بقدر ما هي نتيجة لانغلاق طرق التفكير. فالجمود الذي أصاب بعض المؤسسات، وتأجيل معالجة القضايا الأساسية، والاعتماد المستمر على الأساليب القديمة، كلها أوجدت حالة من الانسداد التاريخي.

ومن جهة أخرى، يرمز القفل أيضاً إلى إسكات الأصوات. فعندما تُقيَّد حرية الحوار والتفكير الجديد، يشعر المجتمع بالغربة والاختناق. وعندها يحس المواطن بأن أبواب الفرص قد أُغلقت في وجهه.

والأخطر من ذلك أن هذه الأقفال لم تعد توضع على أبواب المؤسسات فقط، بل وُضعت كذلك على آمال الجيل الجديد. فالشاب الذي يعيش في انتظار لا ينتهي يشبه من يقف خلف باب مغلق ينتظر مفتاحاً لا يُعثر عليه،ومع ذلك، يبقى المفتاح موجوداً بين الباب والقفل.

فالمفتاح هو أكثر عناصر هذا الثلاثي ديناميكية؛ إنه رمز المعرفة والإرادة والحل. ولهذا فإن السؤال الأهم ليس: من صنع الأقفال؟ بل هو من يصنع المفتاح؟

 

رمز لوعد حي

إن المفتاح الحقيقي للإصلاح لا يأتي من الخارج. فلفتح الأقفال السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تعيق العراق وإقليم كوردستان، نحتاج إلى مفتاح جديد، مفتاح محلي يُصنع في الداخل، ويُصاغ من سيادة القانون، وبناء المؤسسات، والشفافية، والثقة العامة، وتحمل المسؤولية المشتركة.

وفي ذاكرتنا الجماعية، كان المفتاح دائماً أكثر من مجرد قطعة حديد. فهو مفتاح بيت مهجور، ومفتاح قرية أُحرقت، ومفتاح العودة، ومفتاح الأحلام المؤجلة. وكلها رموز لوعد حي، وعدٍ بأن التاريخ لا يستطيع محو التطلع إلى الحرية.

وفي نهاية تلك الليلة، وقبل أن أطفئ مصباح غرفتي، نظرت مرة أخرى إلى مفتاح الباب. كان هو ذاته، لكنه لم يعد مجرد قطعة من الحديد، بل بدا لي درساً من دروس التاريخ.

لقد علمنا التاريخ أن كثيراً من السلطات حاولت أن تضع الأقفال على أبواب المستقبل، لكنها لم تستطع أن تمنع ولادة المفاتيح الجديدة،فالأبواب ستظل موجودة، والأقفال أيضاً ستظل موجودة، لكن مصير الشعوب لا يُكتب بعدد الأقفال، بل بقدرة وحكمة أولئك الذين يصنعون مفاتيح جديدة.

وربما لا تكون المهمة الكبرى لجيلنا هي كسر الأقفال القديمة، بل صناعة مفتاح المستقبل. فالوطن يشبه البيت؛ والبيت لا يحفظه القفل وحده، بل تبقيه حياً الثقة والعدالة والمساواة والحرية.

ولهذا، بين الباب والقفل، ليس الأهم الباب نفسه ولا القفل، بل ذلك المفتاح الذي ما يزال في يد الإنسان،مفتاح يستطيع أن يغلق باباً، أو يفتح أفقاً،إنه المفتاح الذي اسمه المستقبل.


25/06/2026