*فرست عبدالرحمن مصطفى
في كل مرة تعلن فيها الحكومة العراقية حملة جديدة لمحاربة الفساد، يشعر المواطن العراقي بشيء من الأمل وشيء أكبر من الفكاهة. الأمل لأن الفساد أصبح وحشا يلتهم الدولة والفكاهة لأن العراقيين اعتادوا أن يسمعوا منذ عقود أن المعركة ضد الفساد بدأت للتو وكأن الفساد مواطن صالح ينتظر استدعاء المحكمة منذ عام 1921 ولم تصله التبليغات الرسمية حتى الآن.
الحكومة اليوم تعلن القبض على فاسدين ومصادرة أموال وفتح ملفات كانت حتى الأمس القريب محرمة على الاقتراب منها. لكن السؤال الذي يطارد الجميع ليس كم فاسدا تم القبض عليه؟ بل كم فاسدا لم يُقبض عليه بعد؟ وكم فاسدا سيولد غدا من رحم المنصب نفسه؟
المشكلة في العراق ليست أن الفاسد يسرق فقط بل أن المجتمع أحيانا ينظر إليه بإعجاب إذا نجح في السرقة دون أن يُمسك به. فحين يخرج مسؤول من منصبه بثروة هائلة، لا يسأله البعض من أين لك هذا؟ بل يسألونه كيف فعلتها؟ وكأن الفساد أصبح دورة تدريبية في الإدارة الحديثة.
الدكتور علي الوردي تحدث كثيرا عن ازدواجية الشخصية العراقية ذلك الصراع المستمر بين القيم المثالية والمصالح الواقعية. فالفرد العراقي قد يلعن الفساد صباحا ثم يبحث عن واسطة بعد الظهر ويشكو من المحسوبية مساء ثم يطلب تعيين ابن عمه ليلا. الجميع يريد دولة قانون بشرط أن يبدأ تطبيق القانون على الآخرين أولا.
ومن يقرأ التاريخ السياسي العراقي يكتشف أن الفساد لم يكن ضيفا طارئا على الدولة بل كان يتغير شكله مع تغير الأنظمة. في العهد الملكي كان يرتدي ربطة عنق أنيقة وفي الجمهوريات لبس الزي العسكري وفي العقود الأخيرة صار يرتدي بدلة ديمقراطية ويحمل بطاقة حزب أو طائفة أو قومية. تغيرت الأزياء وبقي الممثل نفسه يؤدي الدور ذاته على المسرح.
الأنظمة السياسية تتغير والحكومات تتبدل والشعارات تتبدل، لكن العلاقة بين السلطة والامتيازات بقيت ثابتة. وكأن المنصب في العراق ليس تكليفا لخدمة الناس بل فرصة نادرة ينبغي استثمارها قبل انتهاء العرض وإغلاق شباك التذاكر.
ومع ذلك فإن تحميل المجتمع وحده المسؤولية ظلم للحقيقة، كما أن تحميل النظام وحده المسؤولية هروب من الحقيقة. الفساد يشبه رقصة التانغو يحتاج إلى طرفين. يحتاج إلى مسؤول يقبل الرشوة ومواطن مستعد لدفعها. يحتاج إلى موظف يبيع القانون ومراجع يريد شراء استثناء من القانون.
لقد أثبت التاريخ العراقي أن المشكلة ليست في نقص القوانين، فالعراق يملك من القوانين ما يكفي لملء مكتبات كاملة. المشكلة كانت دائما في غياب المحاسبة. فالقانون الذي لا يُطبق يتحول إلى قطعة أثاث حكومية جميلة لكنها بلا وظيفة.
لذلك فإن القضاء على الفساد لا يبدأ من السجون فقط بل من تغيير الثقافة التي تعتبر المنصب غنيمة والمال العام مالا مجهول الأب والواسطة حقا مكتسبا والتهرب من القانون نوعا من الذكاء الاجتماعي.
إن أخطر أنواع الفساد ليس ذلك الذي يسرق الملايين، بل ذلك الذي يقنع المجتمع بأن السرقة أمر طبيعي. وعندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة يصبح الفاسد فردا عاديا بينما يبدو النزيه شخصا غريبا يحتاج إلى تفسير.
لهذا فإن معركة العراق مع الفساد ليست معركة ضد أشخاص فقط بل معركة ضد عقلية تراكمت عبر عقود طويلة. وعندما ينتصر القانون على العلاقات والكفاءة على المحسوبية والمواطنة على الغنيمة، عندها فقط يمكن للعراقيين أن يعلنوا أن الفساد لم يعد حاكما خفيا للدولة بل مجرد متهم ينتظر دوره أمام العدالة.