*نورهان أبو الفتوح
*مركز إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية
تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة بالغة التعقيد من التحولات السياسية والأمنية، في ظل استمرار النزاعات المسلحة وتعدد أطرافها وتشابك مصالح القوى الإقليمية والدولية. وقد مثَل إعلان الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، يوم 8 أبريل 2026، عن التوصل إلى هدنة مؤقتة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، بوساطة باكستانية؛ بارقة أمل لتهدئة الأوضاع، إلا أن تعثر المفاوضات اللاحقة التي استضافتها باكستان، وإعلان "ترامب" فرْض حصار على مضيق هرمز، كشفَا عن عمق الخلافات البنيوية التي تَحول دون إقرار وقف دائم للحرب.
وفي هذا السياق، تتداخل مجموعة من التحديات المعقدة، أبرزها تضارب الأجندات الاستراتيجية بين الفاعلين الإقليميين، وانعدام الثقة المتراكم بين أطراف النزاع، فضلا عن تأثير العوامل الدولية التي تعيد توجيه مسار المفاوضات بما يخدم توازنات القوى العالمية، كما تلعب الأوضاع الداخلية للدول المعنية، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، دورا حاسما في إضعاف فرص الوصول إلى تسوية مستدامة.
أجندات متضاربة
ثمة مجموعة من العراقيل تقف أمام الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى التوصل إلى اتفاق دائم لوقف إطلاق النار في المنطقة، ويمكن عرض أبرزها على النحو التالي:
1- التباين الحاد لمصالح الأطراف المتصارعة:
تواجه المفاوضات الباكستانية – سواء التي تجرَى بشكل مباشر، أو التي تجرَى عبر الوساطة الرباعية التي تضم، بجانب إسلام آباد، كلا من مصر والسعودية وتركيا – صعوبة حتى الآن في تحقيق نتائج ملموسة نتيجة التباين الحاد في أولويات ومصالح الأطراف المنخرطة في الصراع؛ إذ تسعى كل جهة إلى حماية أهدافها الاستراتيجية؛ حيث تركز إيران بشكل رئيسي على الحفاظ على نفوذها الإقليمي في العراق ولبنان وسوريا واليمن من خلال أذرعها الموجودة على الأرض، وحماية برنامجها النووي.
وفي المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى ضمان أمن إسرائيل والحفاظ على تفوقها الاستراتيجي، والسيطرة على تدفق الطاقة، وفرض قيود على القدرات العسكرية الإيرانية. أما إسرائيل فتركز على تحييد التهديد الإيراني المباشر وغير المباشر، مع الاحتفاظ بحرية الردع العسكري، ومنع أي اتفاق يرفع القيود عن إيران أو يمنحها نفوذا إضافيا. وتؤدي هذه التباينات إلى جعل أي اتفاق محتمل هشا. وغالبا ما يؤدي ربط ملفات متعددة، كالأمن الإقليمي والطاقة والقدرات العسكرية، إلى تعقيد مسار الوساطة، وجعل نتائجه مؤقتة وعرضة للانهيار عند أي تصعيد جديد.
2- التردد وغياب الثقة بين أطراف الصراع:
يعد غياب الثقة المتبادلة بين الأطراف المتصارعة عاملا أساسيا يحد من فاعلية جهود الوساطة؛ حيث تطغى الشكوك على نوايا الأطراف، وأصبح التفاوض أداة للمناورة السياسية أكثر من كونه مسارا للتوصل إلى حل عملي ومستدام، كما أن الأطراف كثيرا ما تتردد في الالتزام بالاتفاقات خشية خرقها من الطرف الآخر؛ ما يؤدي إلى حالة من الجمود الطويل. وقد تجلى ذلك في نزاعات سابقة، مثل لبنان وغزة؛ حيث انهارت اتفاقات وقف إطلاق النار خلال ساعات أو أيام نتيجة استمرار التصعيد، وهو ما تكرر بعد إعلان "ترامب" للهدنة.
3- تقويض الوكلاء الإقليميين جهودَ التهدئة:
تؤثر الجماعات والكيانات المسلحة الحليفة لإيران، التي تندرج ضمن ما يعرف بـ"محور المقاومة"، تأثيرا مباشرا على مسار جهود التهدئة؛ حيث لا يقتصر الصراع على الدول فقط، بل يمتد إلى شبكة من الفاعلين غير الحكوميين الذين يمتلكون قدرات عسكرية وقرارا ميدانيا قد لا يخضع بالكامل للحسابات السياسية الرسمية. ويعَد هذا التعدد في مراكز القوى من أبرز التحديات أمام جهود إقرار وقف دائم لإطلاق النار؛ إذ يمكن لأي تصعيد من جانب هذه الأطراف أن يقوض مسار المفاوضات، خاصة في ظل اختلاف أولوياتها المحلية والإقليمية، وتباين مستوى التنسيق أو الانضباط بينها وبين الاستراتيجية الإيرانية العامة.
وتَبرز الأزمة بين لبنان وإسرائيل كنموذج واضح لهذا التعقيد؛ حيث يلعب حزب الله دورا محوريا في معادلة التصعيد والتهدئة على حد السواء؛ فقد أظهرت المفاوضات الأخيرة ومحاولات خفض التصعيد أن أي تفاهمات تظل هشة في ظل احتمالات الانزلاق الميداني نتيجة ضربات متبادلة أو حوادث حدودية بين لبنان وإسرائيل، كما أن عدم إشراك هذه الأطراف بشكل مباشر في المفاوضات الجماعية، رغم قدرتها على التأثير، يعكس فجوة هيكلية في عملية التهدئة، ويجعل من الصعب ضمان التزام شامل ومستدام بأي اتفاق لوقف إطلاق النار.
4- تعقيد المفاوضات بشأن الملف النووي:
يعَد الملف النووي من أبرز القضايا الخلافية وأكثرها حساسية في مسار العلاقات بين إيران والولايات المتحدة؛ إذ ترى واشنطن أن البرنامج النووي الإيراني يتجاوز الأغراض السلمية، ويشكل تهديدا مباشرا للأمن الإقليمي والدولي، بينما تؤكد طهران تمسكها بحقها في تطوير برنامج نووي لأغراض مدنية وفقا للقانون الدولي. وقد زادت حدة هذا الخلاف في ضوء التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" يوم 12 أبريل 2026، التي اتهم فيها إيران بعدم الالتزام ببنود التفاوض المتعلقة بالملف النووي، مشيرا إلى أن إيران غير مستعدة للتخلي عن طموحاتها النووية بعد ما يقرب من (20) ساعة من المحادثات بين المفاوضين الأمريكيين والإيرانيين في إسلام آباد.
ويؤدي هذا التباين الحاد في الرؤى إلى تعقيد أي جهود لوقف إطلاق النار؛ حيث تصِر الولايات المتحدة على ربط التهدئة العسكرية بتقديم تنازلات ملموسة في الملف النووي، في حين ترفض إيران هذا الربط، وتعتبره محاولة لفرض شروط سياسية تتجاوز إطار التهدئة، وهو ما يتم تفسيره من جانب الطرف الأمريكي بمحاولة طهران استخدام المفاوضات كغطاء لكسب الوقت وتعزيز قدراتها التقنية.
5- الإصرار الإسرائيلي على إسقاط النظام الإيراني:
يمثل إصرار إسرائيل على إسقاط النظام الإيراني تحديا رئيسيا أمام جهود التهدئة في المنطقة، خاصة مع تزامن هذا الطرح مع مسار التفاوض الجاري لاحتواء التصعيد؛ فقد جاءت تصريحات رئيس جهاز الموساد "ديفيد برنياع" يوم 14 أبريل 2026، لتؤكد استمرار العمليات داخل طهران، وعدم اكتمال المهمة إلا بإسقاط النظام وتغيير بنيته، بما يعكس تمسكا بسقف تصعيدي مرتفع يتجاوز مجرد الردع أو تقليص القدرات العسكرية. ويتسق ذلك مع موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" الذي شدد على أن الحملة العسكرية لم تنتهِ بعد.
6- غياب آليات الإلزام وعدم وجود ضمانات:
يمثل غياب آليات الإلزام وعدم وجود ضمانات واضحة أحد أبرز التحديات التي تعوق استدامة التهدئة الحالية؛ حيث تقتصر التفاهمات على صياغات سياسية عامة دون تضمين أدوات تنفيذية محددة أو آليات رقابة فعالة تضمن التزام الأطراف بما يتم الاتفاق عليه. وفي هذا السياق، تَبرز المطالب الإيرانية بالحصول على ضمانات تَحول دون تكرار استهدافها مستقبلا؛ حيث طرحت طهران، بالتزامن مع التوصل إلى الهدنة المؤقتة، مقترحا يتألف من (10) نقاط يتضمن مجموعة من الشروط ركزت على ضرورة توفير التزامات واضحة، وضمان عدم استهدافها مستقبلا. ويعكس ذلك إدراكا متزايدا لدى أطراف الصراع بأن غياب الضمانات الفعلية كان سببا رئيسيا في انهيار العديد من اتفاقات التهدئة السابقة، وهو ما يجعل تضمين آليات إلزام دقيقة شرطا حاسما لأي تسوية مستدامة محتملة.
7- الاستعدادات العسكرية لاحتمال استئناف الحرب:
تشير التحركات العسكرية المتواصلة لأطراف الصراع إلى أن المنطقة لا تزال في حالة استعداد فعلي لاحتمال استئناف العمليات القتالية، رغم التهدئة والمفاوضات الجارية؛ فقد عكست تصريحات كبار المسؤولين الإسرائيليين والأمريكيين، استمرار تبني خيارات عسكرية مفتوحة، وعدم استبعاد العودة إلى التصعيد في أي لحظة، خاصة مع إشارة "ترامب" يوم 15 أبريل 2026 إلى عدم اعتزامه تمديد الهدنة مع إيران، فضلا عن تأكيد نائبه أن انعدام الثقة بين واشنطن وطهران لا يمكن حله "بين عشية وضحاها".
وفي السياق ذاته، يتواصل الحشد العسكري الأمريكي في المنطقة كعنصر دعم وردع في آن واحد، مع تداول تقارير أمريكية بأن الولايات المتحدة تستعد لإرسال آلاف الجنود الإضافيين إلى الشرق الأوسط خلال الأيام المقبلة، بما يعزز سيناريو الجاهزية لمرحلة ما بعد التهدئة الهشة، فضلا عن استمرار الغارات الإسرائيلية على لبنان، ومواصلة الاشتباكات مع عناصر حزب الله. أما بالنسبة إلى إيران، فتتواصل التصريحات الرسمية التي تؤكد الاستعداد لأي مواجهة جديدة محتملة، خاصة في ظل الحصار المفروض على السفن في مضيق هرمز، الذي تعتبره طهران انتهاكا للهدنة.
إدارة الصراع
وختاما، تعكس التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط حقيقة مفادها أن إدارة الصراع أصبحت بديلا مؤقتا عن حله، في ظل عجز أطراف الصراع عن الوصول إلى تسوية شاملة تعالج جذور الأزمة. فرغم تعدد المبادرات الدبلوماسية، والإعلان عن هدنة مؤقتة، تظل هذه الجهود محكومة بسقف منخفض من التوقعات؛ نتيجة لتشابك الملفات وتعقيد بيئة الصراع، كما أن التطورات الأخيرة، بدءا من إعلان "ترامب" عن الهدنة وصولا إلى تعثر المفاوضات في باكستان، تؤكد أن غياب آليات الإلزام الواضحة، واستمرار تسييس الملفات الحساسة – وفي مقدمتها الملف النووي – يَحدان من فرص تحقيق سلام دائم.