×


  کل الاخبار

  سيد حسين موسويان: الطريق الطويل نحو السلام بين أمريكا وإيران



الصفقة الكبرى بعيدة المنال، لكن اتفاقا شاملا ممكن

 

مجلة" فورين أفيرز" الامريكية/الترجمة والتحرير : محمد شيخ عثمان

بالنسبة لكل من يسعى إلى تحسين العلاقات بين إيران والولايات المتحدة، فإن اللحظة الراهنة تجمع في آن واحد بين أمل كبير وخيبة أمل عميقة. فمن جهة، التقت وفود البلدين نهاية الأسبوع الماضي، وللمرة الأولى منذ عقد، وجها لوجه، وخاضت مفاوضات استمرت طوال الليل أملا في التوصل إلى اتفاق سلام دائم. وكان قادة الوفدين ليسوا دبلوماسيين، بل شخصيات سياسية نافذة — نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف — وهو ما يعكس مدى جدية الطرفين في التعامل مع هذه المفاوضات.

لكن، من جهة أخرى، بلغت التوترات بين البلدين مستويات مرتفعة للغاية نتيجة حملة القصف التي استمرت ستة أسابيع من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل. وعلى الرغم من الضجيج الكبير المحيط بها، فإن الجولة الأخيرة من المفاوضات لم تفضِ إلى أي اتفاق.

ليس من الصعب فهم سبب تعثر طهران وواشنطن، رغم كل الجهود المبذولة، في التوصل إلى اتفاق. فبين البلدين، وفق التعبير المجازي، «بحر من الدماء»، ما يجعل المصالحة بالغة الصعوبة. ويعود ذلك، في جانب كبير منه، إلى سياسات واشنطن. فخلال العام الماضي، خاضت الولايات المتحدة حربين مع إيران، وقتلت المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي، وعشرات القادة العسكريين الكبار، وأكثر من ألف مدني. كما أن تمسك كل من الولايات المتحدة وإيران بمواقفهما القصوى لم يسهم في تيسير الوصول إلى حل.

ومع ذلك، ورغم حالة الجمود الحالية، لا يزال وقف إطلاق النار قائما. ومن المقرر أن تستمر المحادثات، ما يعني أن التوصل إلى اتفاق سلام يظل احتمالا قائما.

غير أن بلوغ هذا الهدف يتطلب من طهران وواشنطن إعادة النظر في نهجيهما التفاوضيين. وأبرز القضايا المطروحة تتمثل في البرنامج النووي الإيراني ومستقبل مضيق هرمز. كما ينبغي العمل على إقامة نظام إقليمي أكثر تعاونا. وعلى مستوى أوسع، يتعين على إيران والولايات المتحدة التخلي عن وهم هزيمة الطرف الآخر، والإقرار بضرورة احترام المصالح المتبادلة. فكلا الطرفين أقوى من أن يهزم، والاستمرار في إنكار هذه الحقيقة لن يؤدي إلا إلى مزيد من الأزمات والصراعات في الحاضر والمستقبل.

 

حقائق غير مريحة:

حتى الآن، تبدو العقبات التي تحول دون التوصل إلى اتفاق سلام معروفة. فواشنطن تطالب طهران بالتخلي عن اليورانيوم المخصب، ووقف تطوير البرنامج النووي، والتنازل عن السيطرة على مضيق هرمز. وترفض الجمهورية الإسلامية هذه المطالب. فبالنسبة لإيران، يرتبط حق التخصيب ارتباطا وثيقا بالسيادة الوطنية والردع والفخر القومي. وترى طهران أن حرمانها من هذا الحق، بصفتها عضوا في معاهدة عدم الانتشار، يمثل إهانة عميقة. وفي الوقت نفسه، يعد مضيق هرمز أصلا استراتيجيا حيويا، إذ يسهم في تسهيل التجارة الإيرانية ويوفر لها نفوذا جيوسياسيا مهما.

غير أن فشل المفاوضات لا يعود فقط إلى هذه الخلافات المباشرة، بل أيضا إلى اختلاف تصورات القوة بين الطرفين. فقد دخلت إيران المفاوضات وهي تشعر بقدرتها على الصمود، بعد أن واجهت الهجوم المشترك الأمريكي الإسرائيلي الذي زعم أنه سيؤدي إلى انهيار النظام. وفي المقابل، دخلت الولايات المتحدة المفاوضات وهي تعتقد أنها تمتلك اليد العليا، معتبرة أنها ألحقت أضرارا جسيمة بالبنية العسكرية والأمنية الإيرانية، وأن استمرار الضغط الأقصى قد يدفع طهران إلى تقديم تنازلات. كلا التصورين، في أفضل الأحوال، غير مكتمل، لكنه مع ذلك جعل كسر الجمود أمرا بالغ الصعوبة.

ومع ذلك، فإن مجرد استمرار الحوار يشير إلى وجود مسار ممكن إلى الأمام. ويجب أن يبدأ هذا المسار بالحفاظ على وقف إطلاق النار، إذ إن العودة إلى المواجهة قد تقوض فرص التوصل إلى اتفاق طويل الأمد. كما يمكن لوقف إطلاق النار أن يسهم في بناء حد أدنى من الثقة، من خلال إجراءات ملموسة مثل تقديم مساعدات إنسانية، أو تخفيف جزئي للعقوبات، أو ترتيبات بحرية تقنية. فعلى سبيل المثال، يمكن للطرفين إنشاء ممر بحري مشترك لضمان وصول الغذاء والدواء والوقود إلى السواحل الإيرانية. كما يمكن لطهران إطلاق سراح المعتقلين الأجانب والسماح بدخول فرق الصليب الأحمر، مقابل تعليق مؤقت لبعض العقوبات الأمريكية.

 

 نحو اتفاق دائم:

إن بناء الثقة قد يمهد الطريق أمام اتفاق دائم، شريطة أن يتبنى الطرفان نهجا تفاوضيا مختلفا. فبدلا من الاستمرار في المساومة غير المثمرة على المطالب، ينبغي أن تبدأ المرحلة المقبلة بتحديد هدف مشترك نهائي يتمثل في إقامة علاقات مستقرة وغير عدائية، وصولا إلى تطبيع كامل. وبعبارة أخرى، يجب إنشاء آلية تتيح حل الخلافات عبر الدبلوماسية المباشرة، وتعزيز التعاون في القضايا ذات المصالح المشتركة. ومن شأن هذا التوجه أن يوضح الخطوط الحمراء لكل طرف، ويجعل التوصل إلى تسويات أكثر سهولة.

كما ينبغي على كل طرف التخلي عن الاعتقاد بأنه يمتلك اليد العليا. فالحقيقة أن كلا من واشنطن وطهران يمتلك أدوات قوة كبيرة يمكن توظيفها في حال تجدد الصراع. فإيران دولة كبيرة ذات تضاريس جبلية ويبلغ عدد سكانها نحو 90 مليون نسمة، ويمكنها الصمود حتى في مواجهة محاولات تغيير النظام. في المقابل، تمتلك الولايات المتحدة أقوى جيش في العالم، ولديها القدرة على مواصلة فرض العقوبات وممارسة الضغوط، بل واستهداف القيادة الإيرانية وإلحاق أضرار كبيرة بالمدنيين.

 

البرنامج النووي:

عندما يتم الإقرار بهذه الحقائق، قد يصبح الطرفان أكثر استعدادا للتوصل إلى تسويات بشأن القضايا الأساسية، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني. وهناك عدة صيغ عملية يمكن الاتفاق عليها، شريطة أن تتخلى الولايات المتحدة عن مطلبها بوقف التخصيب بشكل كامل.

فقد تعترف واشنطن بحق إيران في التخصيب ضمن إطار معاهدة عدم الانتشار، مقابل التزام ملزم من طهران بعدم ممارسة هذا الحق لفترة زمنية محددة، كإجراء لبناء الثقة. وتشير التقارير إلى أن الولايات المتحدة اقترحت تعليقا لمدة عشرين عاما، في حين اقترحت إيران خمس سنوات، وقد يلتقي الطرفان عند حل وسط يقارب عشر سنوات.

وفي الوقت ذاته، تلتزم إيران بعدم تجاوز نسبة تخصيب تبلغ 3.67% عند استئناف النشاط — وهي نسبة أقل بكثير من الحد اللازم لإنتاج سلاح نووي، لكنها كافية لتلبية الاحتياجات السلمية. كما يتعين عليها قبول رقابة واسعة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وستحتفظ إيران بمخزونها البالغ 450 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، لكنها ستقوم بتخفيفه إلى 3.67%، ووضعه تحت الختم، والاحتفاظ به داخل البلاد تحت إشراف مستمر من الوكالة.

*شغل سيد حسين موسويان منصب رئيس لجنة العلاقات الخارجية في المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني بين عامي 1997 و2005. وهو باحث زائر مشارك في جامعة برينستون، ومؤلف كتاب «إيران والولايات المتحدة: نظرة من الداخل إلى الماضي الفاشل ومسار السلام».


19/04/2026