صحيفة"الغارديان السريلانكية"/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان
في عام 1995، نشرت كتابي الثاني بعنوان "الثقة: الفضائل الاجتماعية وصناعة الازدهار". وفيه جادلت بأن الثقة تُعد من أثمن الصفات الاجتماعية، لأنها الأساس الذي تقوم عليه قدرة البشر على التعاون.
ففي الاقتصاد، تعمل الثقة كزيت يُسهل حركة الشركات والمعاملات والأسواق. أما في السياسة، فهي أساس ما يُعرف بـ"رأس المال الاجتماعي" — أي قدرة المواطنين على التماسك ضمن جماعات ومنظمات تسعى إلى أهداف مشتركة، والمشاركة بفاعلية في الحياة الديمقراطية.
تختلف المجتمعات كثيرا في مستويات الثقة العامة ففي تسعينيات القرن الماضي، كتب الباحث في جامعة هارفارد روبرت بوتنام دراسة كلاسيكية عن إيطاليا، قارن فيها بين شمال البلاد الذي يتمتع بمستوى عالٍ من الثقة، وجنوبها الذي يعاني من انعدام الثقة.
كان شمال إيطاليا مليئا بالجمعيات المدنية، والأندية الرياضية، والصحف، وغيرها من المنظمات التي تُضفي حيوية على الحياة العامة.
أما الجنوب، فكان يتسم بما وصفه عالم اجتماع سابق، إدوارد بانفيلد، بـ"العائلية اللاأخلاقية": أي مجتمع يثق فيه الفرد أساسا بأفراد عائلته المباشرة، ويتعامل بحذر مع الغرباء الذين يُنظر إليهم في الغالب على أنهم يسعون للإضرار به. ولم تكن هناك منظمات كبيرة في الجنوب سوى الكنيسة الكاثوليكية، وبالطبع المافيا.
وهذه الأخيرة كانت نتيجة مباشرة لانعدام الثقة: فإذا كنت رجل أعمال، لم يكن بإمكانك الاعتماد على الدولة لحماية حقوق ملكيتك بسبب ضعف سيادة القانون؛ وإذا قام أحدهم بخداعك، فإنك تلجأ إلى أحد رجال المافيا لكسر ساقيه.
في كتاب "الثقة"، وصفت الولايات المتحدة بأنها مجتمع "عالي الثقة". وهذا الرأي له جذور تاريخية عميقة. فعندما زار المفكر الفرنسي ألكسيس دو توكفيل الولايات المتحدة في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، وتجول في أجزاء واسعة من البلاد، لاحظ أن أمريكا تتميز بكثافة عالية من الجمعيات المدنية، بدءا من حلقات دراسة الكتاب المقدس وصولا إلى الأندية وجمعيات المساعدة المتبادلة، وأن الأمريكيين يجدون سهولة نسبية في العمل معا حتى مع أشخاص غرباء لمواجهة التحديات.
وقد رأى أن هذا يختلف بشكل صارخ عن بلده فرنسا، حيث قال إنه من الصعب العثور على عشرة فرنسيين مستعدين للعمل معا في مشروع مشترك. ففي فرنسا، لم يكن هناك ذلك النوع من الألفة الاجتماعية العفوية أو رأس المال الاجتماعي الذي وجده في الولايات المتحدة، وقد دعمت هذه النظرة، في منتصف القرن العشرين، بيانات استطلاعات أظهرت أن الأمريكيين يثقون ببعضهم البعض بدرجة أعلى من نظرائهم في فرنسا والعديد من الدول الأخرى.
لو كنت سأعيد كتابة كتاب "الثقة" اليوم، لما وصفت الولايات المتحدة بأنها مجتمع عالي الثقة، فحتى في تسعينيات القرن الماضي، عندما كان الكتاب يُنشر، بدأت حالة الاستقطاب السياسي بالانتشار، وبدأ الأمريكيون يصنفون أنفسهم وفقا لتوجهاتهم السياسية. وقد ازداد هذا الاستقطاب بشكل كبير منذ ذلك الحين. بل تحول إلى ما يسميه علماء السياسة "الاستقطاب العاطفي"، حيث لا يقتصر الأمر على اختلاف الأحزاب حول القضايا، بل يصل إلى اعتقاد كل طرف بأن خصومه يتسمون بسوء النية وعدم الأمانة.
ولا يزال رأس المال الاجتماعي قائما بين أعضاء القبائل السياسية المختلفة، لكن انعدام الثقة أصبح منتشرا في المجتمع ككل. ولم نعد نتفق على مجموعة مشتركة من الحقائق في قضايا مثل سلامة اللقاحات أو نزاهة الانتخابات، وأصبحنا نعيش في ظل سلسلة من نظريات المؤامرة التي توحي لنا بأن الأمور ليست كما تبدو.
تُبنى الثقة ورأس المال الاجتماعي على أساس من الفضيلة الأخلاقية، فنحن نثق بالأشخاص الذين يتمتعون بالصدق والموثوقية، والذين يلتزمون بوعودهم، ويبدون استعدادا لتقديم الدعم حتى عندما لا يكون ذلك في مصلحتهم المباشرة. وتحتاج الثقة إلى وقت لتُبنى عبر عملية من التفاعل المتكرر: فإذا رأينا شخصا آخر يفي بوعوده ويرد الجميل، فإننا نميل إلى معاملته بالمثل، مما يخلق دائرة إيجابية. لكن علاقة الثقة التي تتكون مع مرور الوقت يمكن أن تنهار في لحظة واحدة، إذا قام أحد الأطراف بخيانة هذه الثقة واستغلال الطرف الآخر. وكما أن الثقة تتعزز بذاتها، فإن انعدام الثقة يمكن أن يصبح هو الآخر معززا لذاته: فإذا تعرضنا للخيانة، فإننا نميل إلى السعي للانتقام من الطرف الذي خاننا.
الثقة عامل حاسم أيضا في العلاقات الدولية، فنحن نثق بالدول الأخرى بناء على سلوكها الملاحظ، تماما كما نفعل مع الأفراد. ولا يوجد في النظام الدولي سلطة عليا تفرض القواعد أو تجبر الدول على الالتزام بها. واستخدام القوة لا يُقيد إلا بتوقع أن يُقابل بقوة مضادة، في بيئة تكون فيها المصداقية هي العملة الأساسية.
وهذا ما يجعلني أشعر بقلق بالغ إزاء الوضع العالمي الحالي، وخشية حقيقية من الاتجاه الذي يسلكه النظام الدولي.
من الصعب تصور أن الحرب الحالية مع إيران وأزمة مضيق هرمز لا تمثلان شرخا أساسيا في هيكل الأمن عبر الأطلسي، فحلف شمال الأطلسي (الناتو) هو تحالف قائم على الثقة: وقيمته الردعية تستند إلى الاعتقاد بأن أعضاء الحلف سيهبون للدفاع عن بعضهم البعض إذا تعرض أحدهم لهجوم.
وهذا ما حدث بعد أحداث 11 سبتمبر، عندما سارع عدد من أعضاء الحلف للدفاع عن الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق لكن الناتو ليس التزاما مفتوحا لدعم دولة عضو تشن حربا هجومية ضد طرف ثالث.
ويقوم ترامب باتهام أعضاء الحلف بخيانة الولايات المتحدة لعدم تعاونهم في إعادة فتح المضيق — إلا أن أحدا لم يوقع على خوض حروب هجومية.
والحقيقة أن الولايات المتحدة لم تكن معزولة كما هي عليه اليوم. فقد أصدر مارك روته، الأمين العام لحلف الناتو، بعض التصريحات الداعمة في الأزمة الحالية، لكن ذلك كان بدافع حسابات براغماتية. فلا يوجد زعيم أوروبي عاقل يمكن أن يعتقد أن دعمه للولايات المتحدة اليوم سيُقابل بالمثل من قبل الولايات المتحدة في ظل نهج ترامب مستقبلا. وبينما استفاد خصوم مثل روسيا والصين من السياسات الأمريكية، إلا أنهم لا يستطيعون خداع أنفسهم بالاعتقاد أن الولايات المتحدة ستخدم مصالحهم بشكل موثوق في المستقبل.
لقد ادعى دونالد ترامب أن الولايات المتحدة لم تكن تحظى بالاحترام كما هي في عهده. ومن بين العديد من التصريحات غير الصحيحة التي أدلى بها خلال مسيرته، فإن هذا الادعاء يُعد من أكثرها غرابة. فلم يسبق أن وصلت مستويات انعدام الثقة بالولايات المتحدة — سواء من قبل حلفائها التقليديين أو خصومها — إلى ما هي عليه اليوم. فصانع الصفقات الناجح يحتاج إلى حد أدنى من الثقة ليُقنع الآخرين بأنه سيلتزم بجانبه من الاتفاق. لكن مبدأ المعاملة بالمثل هو فضيلة لم يفهمها ترامب يوما، ولم يمارسها.
*فرانسيس فوكوياما هو زميل أول في مؤسسة أوليفييه نوميليني بجامعة ستانفورد. أحدث كتبه هو "الليبرالية وسخطها". وهو أيضا كاتب عمود "بصراحة مع فوكوياما"، الذي انتقل من منصة "أمريكان بيربوس" إلى "بيرسويجن".