زهير كاظم عبود.. أرشيف فكري يوثق أسئلة العراق وتحولاته
*المرصد — ملف توثيقي خاص
ليست المقالات القانونية والسياسية مجرد نصوص مرتبطة بظروف نشرها، ولا تنتهي أهميتها بانقضاء الحدث الذي كتبت من أجله. فبعض الكتابات تتحول، مع مرور الزمن، إلى وثائق تكشف طبيعة الأسئلة التي شغلت المجتمع، والخلافات التي رافقت بناء الدولة، والصراع بين النصوص الدستورية والممارسات السياسية، وبين مقتضيات القانون ومصالح القوى المتنافسة.
ومن هذا المنطلق، تكتسب مقالات القاضي والكاتب زهير كاظم عبود أهمية تتجاوز مناسبات نشرها، لتقدم مادة تستحق الجمع والحفظ والقراءة في سياقها التاريخي والقانوني والسياسي.
إن إتاحة هذه المجموعة من مقالاته أمام قراء «المرصد» ليست مجرد إعادة نشر لنصوص متفرقة، بل هي محاولة لتقديم جانب من تجربة فكرية وقانونية انشغلت بأسئلة أساسية في الحياة العراقية، وفي مقدمتها طبيعة الدولة، وحقوق مكوناتها القومية، والأسس الدستورية للعلاقة بين إقليم كردستان والحكومة الاتحادية، ومكانة القضاء في حماية الحقوق، والضمانات اللازمة لبناء دولة القانون.
ويمنح تنوع موضوعات هذه المقالات المجموعة قيمة خاصة؛ فهي لا تحصر اهتمامها في فرع قانوني واحد، ولا تتوقف عند الشرح النظري للنصوص، بل تنتقل بين الدستور والسياسة، وبين القانون والمجتمع، وبين الوقائع التاريخية والإشكالات التي أفرزتها التجربة العراقية.
وفي هذا التنوع تتضح ملامح مشروع كتابي يسعى إلى قراءة الشأن العام من زاوية الحقوق والالتزامات الدستورية، وإخضاع المواقف السياسية لمعيار القانون، وربط بناء الدولة بقدرتها على صون كرامة الإنسان والمساواة بين مواطنيها.
الدستور العراقي.. اختبار العلاقة بين النص والممارسة
يشكل الدستور العراقي محورا آخر في هذه المجموعة. فالدستور، في هذه الكتابات، ليس نصا قانونيا مجردا، بل هو الإطار الذي ينبغي أن ينظم العلاقة بين السلطات، ويحدد اختصاصاتها، ويحمي حقوق المواطنين، ويفصل في الخلافات التي قد تنشأ بين المؤسسات الاتحادية وإقليم كردستان.
وتتناول المقالات موضوعات من بينها صلاحيات إقليم كردستان في الدستور العراقي، واستقلالية الهيئات المستقلة، ومبدأ فصل السلطات، ورئاسة الجمهورية ومجلس الرئاسة، ومسؤولية الدولة والحاكم عن الأفعال المخالفة للقانون.
وتكشف هذه الموضوعات عن اهتمام بالمسائل التي تتحدد من خلالها طبيعة النظام السياسي، ومدى التزام مؤسساته بالقواعد الدستورية. فالمشكلة الدستورية لا تكمن دائما في غياب النص، بل قد تنشأ أيضا من اختلاف تفسيره، أو من تعارض المصالح السياسية، أو من محاولة توسيع صلاحيات سلطة على حساب أخرى.
ومن هنا، تكتسب المقالات التي تناقش العلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان أهمية خاصة؛ لأنها تتصل بإحدى المسائل المركزية في التجربة العراقية، وهي كيفية إدارة الدولة الاتحادية على أساس الدستور، بدلا من إخضاع العلاقة بين بغداد وأربيل لموازين القوة المتغيرة وحدها.
وتبرز في هذا الإطار أهمية المقال المعنون «من يفصل في الخلاف بين السلطة الاتحادية والإقليم في تفسير النص الدستوري؟»، إلى جانب المقالات المتعلقة بالمادة 140 من الدستور وقضية كركوك. فهذه الموضوعات لا تخص مرحلة سياسية بعينها فحسب، بل ترتبط بطبيعة النظام الاتحادي، وبمدى قدرة المؤسسات الدستورية على معالجة الخلافات وضمان الحقوق.
استقلال القضاء.. أساس دولة القانون
يحتل القضاء واستقلاله مساحة مهمة في المجموعة، من خلال مقالات تتناول استقلالية القضاء العراقي، ومكانته في المجتمع، ومبدأ فصل السلطات، ودور الادعاء العام، وواجبات المحامي وأخلاقيات المهنة، وإجراءات إحالة المتهمين إلى المحاكمة، وتنفيذ الأحكام القضائية.
وتكشف هذه الموضوعات عن اهتمام بالجانب المؤسسي للقانون، وبالشروط التي تجعل القضاء قادرا على أداء وظيفته بعيدا عن التدخلات التي قد تؤثر في استقلاله أو في سلامة إجراءاته.
فدولة القانون لا تقوم بمجرد وجود التشريعات والمحاكم، وإنما تحتاج إلى قضاء مستقل، وإجراءات عادلة، وضمانات تحمي حقوق المتهمين والمشتكين، وتحقق التوازن بين حق المجتمع في مكافحة الجريمة وحق الفرد في محاكمة قانونية عادلة.
وتبرز أهمية هذه الكتابات في المرحلة التي أعقبت سقوط النظام الدكتاتوري في العراق، حين واجهت مؤسسات الدولة تحديات إعادة البناء، وترسيخ الشرعية القانونية، والتخلص من آثار الاستبداد والمحاكم الاستثنائية، وإعادة الثقة بين المواطن والمؤسسات العامة.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة المقالات القانونية الواردة في الملف بوصفها مادة توثيقية عن الأسئلة التي رافقت بناء المؤسسات العراقية، وعن أهمية تحويل المبادئ الدستورية إلى ممارسة يومية تحكم عمل السلطات وتضمن حقوق المواطنين.
حقوق الإنسان والتعايش الوطني ومواجهة التعصب
لا تنحصر موضوعات المجموعة في الدستور والمؤسسات القضائية، بل تمتد إلى قضايا حقوق الإنسان والتعايش بين مكونات المجتمع العراقي.
وتتناول بعض المقالات التعصب القومي والطائفية، وحقوق المسيحيين في العراق، ومعاناة الكرد الفيليين، وضرورة حماية الضحايا، ومسؤولية الدولة عن الانتهاكات، فضلا عن أسئلة المصالحة الوطنية وإعادة بناء المجتمع بعد سنوات من العنف والانقسام.
وتتصل هذه الموضوعات بفكرة أساسية تتكرر في الكتابات القانونية والسياسية: أن الحقوق لا ينبغي أن تكون امتيازا تمنحه السلطة أو تحجبه، ولا أن تتغير قيمتها باختلاف قومية المواطن أو دينه أو مذهبه أو انتمائه السياسي.
كما تبرز في المقالات المتعلقة بالكرد الفيليين والمسيحيين وغيرهم من مكونات المجتمع العراقي أهمية توثيق الانتهاكات والبحث في سبل معالجتها، بما في ذلك استعادة الحقوق التي سلبتها السياسات السابقة، ومواجهة آثار التمييز والإقصاء.
وفي هذا السياق، لا تبدو المصالحة الوطنية مجرد شعار سياسي، بل عملية تتطلب الاعتراف بالحقوق، ومعالجة المظالم، وتثبيت المسؤولية القانونية، وبناء مؤسسات تمنع تكرار الانتهاكات.
وتمنح هذه الموضوعات المجموعة بعدا إنسانيا يتجاوز الاختلافات السياسية، لأنها تعيد النقاش إلى السؤال الأهم: كيف يمكن بناء دولة يشعر جميع مواطنيها بأنهم متساوون أمام القانون، وأن حقوقهم مصونة بصرف النظر عن هوياتهم وانتماءاتهم؟
القضية الكردية والفيدرالية.. من مطلب الحقوق إلى بناء الدولة الاتحادية
تحتل القضية الكردية حيزا بارزا في هذه المجموعة، ليس بوصفها قضية تخص الكرد وحدهم، بل باعتبارها أحد المفاتيح الأساسية لفهم طبيعة الدولة العراقية الحديثة، وإشكالية العلاقة بين الوحدة الوطنية والحقوق القومية، وبين مركزية السلطة وحق المواطنين في المشاركة في تحديد شكل الحكم.
في مقالات مثل «حق كرد العراق في اختيار الشكل الدستوري للحكم»، و«الخيار الديمقراطي لشعب كردستان العراق»، و«حق تقرير المصير»، و«حق الكرد في الاختيار السياسي»، و«الكرد ووحدة العراق»، يتناول الكاتب الأسئلة المرتبطة بحقوق الشعب الكردي، وبمشروعية المطالبة بالفيدرالية، وبالعلاقة بين الاعتراف بالتعدد القومي والحفاظ على وحدة الدولة.
وتبرز أهمية هذه الكتابات في أنها تضع الفيدرالية ضمن إطار دستوري وسياسي أوسع، وتربطها بمسألة الشراكة بين العراقيين، بدلا من التعامل معها بوصفها مجرد صيغة إدارية أو موضوعا للمساومة بين القوى السياسية. كما تكشف عن اهتمام واضح بالتفريق بين المطالبة بالحقوق القومية وبين الدعوات إلى الانفصال، وبين وحدة الدولة القائمة على الشراكة والاعتراف المتبادل، والوحدة التي تتحول إلى غطاء لحرمان مكون من حقوقه.
وتتصل بهذه الموضوعات مقالات تتناول تاريخ العلاقة بين العرب والكرد، والمواقف من التجربة الفيدرالية، وحق الشعب الكردي في اختيار شكل الحكم، فضلا عن قضايا كركوك والمناطق المتنازع عليها، وهي موضوعات ظلت حاضرة في النقاش الدستوري والسياسي العراقي بعد عام 2003.
وفي هذا السياق، لا تنفصل المقالات التي تدافع عن الحقوق القومية عن اهتمام الكاتب بمواجهة التعصب القومي والخطابات التي تنتقص من حقوق الآخرين. فالتعدد، وفق المنظور الذي تعكسه هذه الكتابات، لا يصبح مصدرا للاستقرار بمجرد الاعتراف بوجوده، وإنما يحتاج إلى قواعد قانونية ومؤسسات دستورية وثقافة سياسية تقبل الشراكة وتضمن المساواة.
المقالة القانونية بوصفها وثيقة سياسية وتاريخية
من السمات المهمة في هذه المجموعة تداخل القانون بالسياسة والتاريخ. فالمقالات التي تناقش الفيدرالية لا تنفصل عن تاريخ العلاقة بين الكرد والدولة العراقية، والمقالات التي تتناول استقلال القضاء ترتبط بطبيعة النظام السياسي، فيما تتصل الكتابات عن الحقوق القومية وحقوق الإنسان بالتجارب التي مر بها المجتمع العراقي.
وهذا التداخل يمنح المقالات قيمة توثيقية؛ إذ تسمح قراءتها مجتمعة برصد جانب من تطور النقاش العام حول شكل الدولة، وحدود السلطة، وطبيعة العلاقة بين المركز والإقليم، وموقع القانون في إدارة الخلافات السياسية.
كما تتيح المجموعة للباحثين فرصة دراسة الخطاب القانوني والسياسي في مرحلة انتقالية مهمة من تاريخ العراق، ومقارنة الأفكار المطروحة في المقالات بالتطورات الدستورية والمؤسسية التي شهدتها البلاد.
ولا يعني ذلك أن جميع الاستنتاجات الواردة في المقالات تمثل أحكاما نهائية أو أنها تعفي من المراجعة النقدية؛ فالقيمة العلمية للأرشيف تزداد عندما تُقرأ النصوص في ظروفها الزمنية، وتُقارن بالوثائق والقوانين والوقائع ذات الصلة. ومن هنا، فإن جمع هذه المقالات وإتاحتها لا يخدم التوثيق وحده، بل يفتح المجال أمام الحوار والبحث والتحليل والمقارنة.
زهير كاظم عبود.. تجربة تستحق الحفظ والقراءة
إن تقديم هذه المجموعة في «المرصد» يأتي تقديرا لأهمية الكتابة القانونية حين تنفتح على قضايا المجتمع والدولة، وللدور الذي تؤديه المقالة في توضيح النصوص، ومساءلة الممارسات، والدفاع عن الحقوق، وتسجيل المواقف التي تشكل جزءا من ذاكرة الحياة العامة.
وتكمن قيمة هذه المجموعة في اتساع موضوعاتها، وفي إمكان قراءتها من زوايا متعددة: قانونية ودستورية وسياسية وتاريخية وإنسانية. فهي تضع أمام القارئ أسئلة لا تخص الماضي وحده، بل تتصل أيضا بمستقبل الدولة العراقية، وبقدرة مؤسساتها على ترسيخ سيادة القانون، وبناء شراكة وطنية حقيقية، وضمان حقوق جميع مكوناتها.
ومن خلال نشر هذه المقالات، يسعى «المرصد» إلى الإسهام في حفظ جانب من الذاكرة الفكرية والقانونية العراقية، وإتاحة مادة يمكن أن تفيد الباحثين والحقوقيين والمهتمين بتاريخ الدستور العراقي والتجربة الاتحادية وقضايا التعايش الوطني.
إنها، في المحصلة، مجموعة لا ينبغي أن تبقى حبيسة الملفات المتفرقة؛ فالنص الذي يوثق موقفا أو يشرح قاعدة قانونية أو يناقش قضية وطنية يمكن أن يتحول، مع مرور الزمن، إلى مصدر لفهم مرحلة كاملة من تاريخ المجتمع والدولة.
ولهذا، فإن جمع مقالات زهير كاظم عبود وتقديمها إلى القراء هو خطوة في اتجاه تحويل الكتابة الصحفية القانونية من مادة مرتبطة بوقت نشرها إلى رصيد معرفي قابل للحفظ والرجوع والدراسة.
رئيس التحرير
محمد شيخ عثمان
عناوين المقالات الواردة في الملف
ابرز مقالات القاضي زهير كاظم عبود
- حق كرد العراقفي اختيار الشكل الدستوري للحكم
- العقارب تتحرك باتجاه كردستان
- التنسيق والانسجام بين مجلس القضاء الاعلى الاتحادي وقضاء إقليم كردستان
- التحقيق ضمن مرحلة العدالة الانتقالية
- القبض على المتهم كإجراء قانوني مقيد للحرية
- ترسيخ استقلالية القضاء دستورياً
- الحصانة البرلمانية
- الأنتخابات في كوردستان العراق
- الثقافـــــة المشوهـــــة فــــي مجتمعنـــــا
- صحـــوة العــــراق
- الخيار الديمقراطي لشعب كردستان العراق
- مهمة السلطة ومسؤوليات المواطن
- أفسحوا الطريق أمام السلام من أجل شراكة حقيقية
- الأمن في إقليم كردستان
- ضرورة تجفيف منابع الإرهاب
- المسيحيون فـي العراق.. ملـح الأرض
- جـلال طالباني القاسـم العراقـي المشـترك
- دعم استقلالية القضاء
- من يفصل في الخلاف بين السلطة الاتحادية والإقليم في تفسير النص الدستوري؟
- هل ستحل المـادة 140 من الدستور مشكلة كركوك زهير كاظم عبود
- الفرصة التاريخية التي ستضيعها السياسة التركية
- حل مجلس النواب
- من يحمي الضحايا ؟
- الهيئــات المستقلــة فــي الدستــور العراقــــي
- عن المعارضة السياسية
- الأمن والقانون
- «المتهم بالإرهاب ودعم العنف».. مطلوب قضائيا
- الحرية الشخصية في الدستور
- صلاحيات اقليم كردستان في الدستور العراقي
- أطفال الكرد نوارس تحلق في سماء الشهادة
- واجبات المحامي وأخلاقيات المهنة
- الاعتراف بالخطيئة .. جلد الذات أم صحوة الضمير ؟
- الفتنة الطائفية من يريد إيقاظها ؟
- صحوة العراق بعد التخلص من الدكتاتورية والطائفية والشوفينية
- استقلالية القضاء العراقي في الدستور من ركائز دولة القانون
- مبدأ فصل السلطات
- رحل مبارك دون أن يقرأ رسالته لصدام
- أهلي كرد فيلية
- جهــــــــاز الادعـــــــــاء العـــــــــــــــام
- مكانة القضاء في المجتمع العراقي
- عهد جديد في القتال مع حزب العمال الكردستاني
- المصالحة الوطنية ضرورة أم إشكالية؟
- مهمة القضاء وتنفيذ الأحكام
- إحالة المتهم الموظف على المحاكمة
- حق تقرير المصير
- إنّ وعدَ الحر دَين
- حق الكرد في الأختيار السياسي
- مسؤولية الدولة والحاكم عن الأفعال المخالفة للقانون
- هل حقاً انتم تمثلون شعب العراق ؟
- تنشيط الذاكرة
- لا للفيدرالية…!
- بانتظار دستورنا العراقي الجديد
- التدخل في شؤون العراق.. بين الاطماع والوصاية
- التوحد العراقي المطلوب
- الــكـــرد و وحــــدة العــــــراق
- رئيس الجمهورية ومجلس الرئاسة
ابرز مقالات القاضي زهير كاظم عبود
حق كرد العراق في اختيار الشكل الدستوري للحكم
1/6/2003:
تظهر بعض الكتابات بين فترة وأخرى تدعو الى غبن حقوق الكرد، وتستكثر عليهم المطالبة بحقوقهم المشروعة التي طالما ناضلوا في سبيلها وقدموا لها التضحيات الجسام، بل وشاركهم كل الشعب العراقي وقواه السياسية الوطنية في النضال والتضحية من أجل تحقيق المطالب المشروعة للشعب الكردي في العراق ، و تمنع عليهم حتى التفكير والشروع بتقديم تصورات لشكل الحكم الذي يريدون.
وحقوق الكرد ليست مطلباً من مطالب القيادات السياسية للأحزاب الكردية كما يحاول بعض الكتاب أن يصورها، أنما تشكل هاجساً وطنياً عراقياً طالما طالبت به الأحزاب الوطنية في العراق ضمن برامجها السياسية التي تدعو وتناضل من أجل قيام سلطة وطنية ديمقراطية تعددية تحقق من خلالها الفيدرالية للكرد .
ومن الغريب أننا لم نقرأ اعتراضا عراقياً على المطالب المشروعة للكرد ضمن وحدة العراق من الكتاب والمفكرين والسياسيين العراقيين ، بل صدرت كل الاعتراضات والتعليقات من جانب الأخوة الكتاب العرب من غير العراقيين أو من قلة قليلة من العراقيين المنغلقين قومياً .
وهي مسألة مهمة وجديرة بالانتباه ، إذ يبدو أن فهم جوهر المسألة الكردية لم يتبلور في أذهان عدد من الكتاب والمختصين العرب الذين طالما ترنموا بمفاهيم حقوق الإنسان والحرية والكرامة والوحدة العربية، فالفهم المنغلق للحقوق يجعل من الصعب على الكاتب والمفكر أن يتوسع في فهم حقوق الغير، أو أنه يفهم حقائق التاريخ والجغرافية والنضال السياسي من وجهة نظر واحدة .
أن الكرد في العراق لم يأتوا من المجهول ، وهم جزء مهم وأساسي من تركيبة المجتمع العراقي، ويشكلون الجزء الأوسع بين القوميات بعد العرب في العراق ، ولهم لغتهم الخاصة ومقومات اجتماعية متميزة ومنطقة جغرافية خاصة وتاريخ مشترك ، وبالرغم من كون كرد العراق يتمتعون بشكل خاص بكل مقومات الاستقلال ، فلم تكن لهم طموحات في الاستقلال والانسلاخ عن العراق ، واستمروا متمسكين بالمطالبة بحقوقهم ضمن وحدة العراق .
وإزاء تنكر السلطات العراقية المتعاقبة لحقوق الشعب الكردي ، فقد قام الكرد بحركات مسلحة تطالب بحق تقرير مصيرهم ، و تم قمـــع هذه الحركات بقسوة بالغة ، وفي العهد الجمهوري تعرض الشعب الكردي لحملات مستمرة من الأبادة العرقية وتغييب الحقوق لم يسبق لها مثيل إذ تم استغلال الجيش العراقي في ابادتهم والقضاء على مطالبهم المشروعة، وتعاطفت القوى السياسية الوطنية العراقية مع حقوق الشعب الكردي ونضاله الدؤوب للوصول في تحقيق هذه الأهداف ضمن وحدة التراب العراقي ، ولم يكن تحقيق ( الحكم الذاتي ) لكردستان سوى لعبة سياسية الغرض منها كسب الموقف السياسي الدولي والعمل على اضعاف الحركة الكردية والإيغال في قتال وتشتيت الكرد، حيث ان الشكل القانوني المذكور وعلى بساطة ما حققه للكرد ، لم يكن سوى إفراغ لمحتواه القانوني من قبل سلطة القمع والموت في بغداد .
كان الدستور العراقي المؤقت يؤكد في نصوص مواده الأولى كون العرب والكرد والأقليات الأخرى شركاء في هذا الوطن الا أن أبسط مستلزمات الشراكة غائبة عن الواقع والحقيقة، و مغيبة مع سبق الإصرار لعدم قناعة السلطات الشوفينية المؤمنة بالفكر القومي المنغلق بها، ولهذا وبمثال بسيط انه يترتب على المواطن الكردي أن يعرف اللغة العربية ويتعامل بها رسمياً ولا تترتب معرفة اللغة الكردية على المواطن العربي ، فأي شراكة هذه ؟
أن المطالبة بشكل من أشكال الصياغة القانونية للدستور (الفيدرالية للكرد) لا تعني بأي شكل من الأشكال الدعوة للانفصال ولا الاستقلال الذي يجعلهم خارج وحدة العراق ، والشعب العراقي هو من سيقرر منح الفيدرالية للكرد فلم هذا التخوف من الكلمة ؟
والفيدرالية شكل قانوني من أشكال الحكم الدستوري تمت تجربتها في دول عديدة من العالم ، ونجحت التجربة ولم نسمع اعتراضا أو بكاءاً من أحد على حال تلك الدول ، ولم نسمع انتقادا لشكل الدولة الفيدرالية في الهند مثلاً أو كنداً ، فهل محرم على الشعب العراقي أن يختار شكل الحكم أو نوع السلطة؟ وهل محرم على الكرد المطالبة بحقوقهم ؟ وبما تشكله المسألة الكردية من أهمية للقضية العراقية وخصوصيتها والعلاقة الأزلية التي تربط العراقي الكردي مع التركماني مع الآشوري مع العربي، وعند ادراك حجم هذه العلاقة سيعرف العديد من الأخوة العرب أي حل نريد وأي فيدرالية نحققها ؟
فالفيدرالية لم تكن مطلبا قياديا لقادة الحركات السياسية لدى الكرد ، ولم تكن من أحلام هذه القيادات ، بل كانت دوماً مطلباً جماهيرياً تدعو له وتناضل في سبيلها الجماهير الكردية كلها ويساندها في مطلبها جماهير غفيرة واسعة من العرب العراقيين ويرونه حلاً جذرياً لمشكلتهم في الحياة المشتركة وفي ظل الحكم الديمقراطي الجديد.
العقارب تتحرك باتجاه كردستان
التعصب القومي الأعمى ضد القومية الكردية في العراق أنموذج واضح لتفشي المرض المقيت في الجسد العراقي
الانصات المركزي 9/10/2008 :
ضمن هجمة تشنها عقارب تنسجم في مواقفها المعادية لقضية شعب كردستان، تحاول النيل من قضيتهم وحقهم في الحياة وتجربتهم الفيدرالية التي لايمكن لأحد أن يحكم بخلوها من الأخطاء، بأعتبارها أول تجربة فيدرالية في العراق، ضمن هذه الحملة التي تتكالب عليها كل تلك الكتابات والأصوات المبحوحة التي تعتقد أنها تستطيع كبت جماح شعب كردستان والوقوف حاجزا أمام حقوقه المشروعة، بما فيها صوت القيادة التركية الذي يخرج عن العقل في أحيان كثيرة.
الأصوات التي تدعي حرصها على العراق والوحدة الوطنية وتتخذ شعارات لاتنطلي على أصحاب الضمائر الحية، والأقلام المسمومة التي تتقيح وتنفث سمومها تجريحا وطعنا تحت ستائر أنتقاد القيادات الكردستانية ماهي الا تعبير عن مكنونات نفسية مريضة تريد النيل من تجربة الفيدرالية، وتحاول أن تبث الوهم الشوفيني في تمزيق الوطن وفرقة الأمة وخسارة العروبة، وهي في الحقيقة لم تزل متلبسة بذات المنهج والفكر الشوفيني التي لن تستطيع التخلص منه مطلقا، وتحاول أيضا إثارة الفكر الشوفيني لدى بعض الكرد من خلال ردة الفعل.
الشوفينية تعني مجموعة الأفكار المتطرفة والبعيدة عن الواقع في استعلاء قومية على مجاميع إنسانية أخرى، وكما تعني أيضا التحزب الأعمى باسم المجموعة التي ينتمي اليها الفرد، وخاصة عندما يتضمن الحزب أو التجمع حقد وكراهية تجاه أي فريق منافس، كأصحاب التمييز العرقي.
الشوفينية استبطان كره الآخر وتجسيد ممارسة التعالي عليه بأي شكل من الأشكال، وبالتالي التنكر لحقوقه الإنسانية والسعي لقمع صوت المطالبة بها.
بمعنى آخر الشوفينية هي المغالاة في التعصب. ففي حال التعصب القومي و حب الوطن يعتبر الشوفيني وطنه أفضل الأوطان و أمته فوق كل الأمم وخصوصاً عندما تكون هذه المغالاة مصحوبة بكره للأمم أخرى. و تستعمل الشوفينية حالياً في مجال الاستهجان و عدم الاستحسان و تمثل النازية الألمانية قمة التعصب الشوفيني.
وليس فقط بين العرب ممن يتسم بهذه الصفة، وليس فقط بين الكرد والتركمان والفرس أو النازية عند الألمان وغيرها، إنما تجد ذلك التعصب الأعمى بين صفوف جميع القوميات في الدنيا، ممن يجد أن قوميته هي الأعلى، وحقوقه هي الأسمى، ويسعى لنشر هذا التعصب والدفاع عنه والتمسك به خلافا للمنطق الإنساني، الا أن الشوفيني قليلا ما يكشف أوراقه ويفضح أهدافه، وهو في أغلب الأحيان يتبرقع بستار محبة الوطن والحفاظ على وحدته.
ولعل الشوفينية التي عانى منها أبناء العراق تجسد صورة من صور التمزق والافتراق الذي يراد منذ زمن ليس بالقصير أن يحل بينهم، فقد انتشرت الشوفينية الدينية والطائفية والقومية، وبالرغم من تصدي الأحزاب العراقية الوطنية لهذا التشظي والحالات المرضية، ومحاولتها صد تلك الأفكار، إلا أن بروز نزعات وشخصيات وأحزاب سعت بقوة إلى تكريس البناء الشوفيني من خلال حلولها في السلطة بشكل مباشر أو غير مباشر، أو من خلال نشر تلك الأفكار مغلفة بشعارات براقة غير انها تحتوي باطنا على تلك الكراهية والاستعلاء والغبن للآخر.
ومحبة الإنسان لقوميته وأهله لاتعني الشوفينية، لأن التقدير والاعتزاز بالقومية وفق المفاهيم الإنسانية مسألة اعتيادية لايخرج الى نطاق التعصب والتطرف القومي، إلا أن اعتبار تلك القومية فوق الجميع، وان جميع الحقوق التي تمنح لبقية القوميات هبات وعطايا من تلك القومية، والتنكر لجميع أو بعض تلك الحقوق، والتنكر لحق الإنسان الآخر في الاختيار من صميم الشوفينية المقيتة.
ويأتي التعصب القومي الأعمى ضد القومية الكردية في العراق أنموذجا واضحا لتفشي هذا المرض المقيت في الجسد العراقي، وبات المرض الأكيد في الأوهام التي زرعتها الشوفينية العربية في العراق، من أن كل مطالبة بالحقوق خروج عن الوحدة الوطنية وتمزيق للوطن، وان الحروب التي شنتها الجيوش العراقية الجرارة لقتل وقمع الكرد، كانت تؤدي واجبا وطنيا من أجل صيانة العراق ووحدته وسيادته على أرضه والمحافظة عليه من التمزيق والتبعثر، كان العقل الشوفيني يتبرقع بوحدة الوطن ضد الإنسان، ويضحي بالإنسان من اجل شعارات وهمية وزائفة.
كما أن التعصب الأعمى المتفشي بين الشوفينيين الكرد أو التركمان قد يمثل ردة الفعل أحيانا، إنما يعبر في أغلب الأحيان عن تلك الأمراض الدفينة الموجودة نتيجة تلك الثقافات المشوهة ونتاج رد الفعل الأعمى.
وليس فقط الذي يظهر تعصبه الأعمى سواء بزعم محبته لقوميته وكراهيته لبقية القوميات، وليس فقط النظرة الاستعلائية التي تنظرها تلك العناصر لغيرها، كما ليس فقط مواقفها المعلنة والصريحة المباشرة منها أو غير المباشرة المستترة وراء براقع وشعارات واهنة.
إذ تجد من بين تلك الجموع من يقف يدافع عن الحرية ويزعم انه يدافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، ويزعم انه ينتصر لحقوق القوميات، لكنه لايمكن أن يفسر موقفه العدائي تجاه من يقف أو يعلن موقفه في الانتصار لحقوق تلك القوميات، ولا يجد تفسيرا إزاء سيل الاتهامات المعلنة أو غير المباشرة التي يبطنها تجاه تلك المجموعات الإنسانية، بدءا من العمالة للقومية وانتهاء باستلام المبالغ والعطايا والرشى وسيل الاتهامات التي يرمي بها الآخرين جزافا وبهتانا.
وأذ تتزاحم بعض الأقلام في شن حملة ضد حقوق الكرد لتشويه تأريخهم وتجربتهم، فأن تلك الحملة تصطدم بجدار الحقيقة ووحدة الهدف، ولاتلبث ان تنتهي كما انتهت كل تلك الحملات اخطر والأكثر شراسة ضد شعب كردستان.
وإذا كان بين العراقيين من ابتلى بالشوفينية نتيجة سياسات الحقن المتطرف والتعليم المريض، والاعتقاد حقا أن قومية معينة أعلى شأنا وقدرا من بقية القوميات، فأن هذا المرض لاينتشر في العراق بين قسم من أبناء العرب بل تجد أن بعض من الكرد انتشر بينهم نتيجة سياسة ردة الفعل، كما لحق بهم عدد من التركمان، نتيجة القمع والظلم والمعاناة كجزء من حالة الالتباس والتهميش القومي، إلا أن الاعتقاد الشوفيني يجد له الأرضية المناسبة والخصبة مع وجود ثقافة شوفينية وتبطين يمرر تلك الأفكار تحت تلك الأغطية، وهذا الموقف لايعبر عن الموقف العام للعراقيين بأي حال من الأحوال.
وهكذا يكشف بعض أمراضه الدفينة الشوفينية التي ربما لم يكتشفها نفسه حين يتصدى بحقد أعمى وكراهية مقيتة ضد كل من يقف منتصرا لأي قومية وقع عليها الظلم في العراق، ومنها الكردية والتركمانية أو الكلدانية أو الآشورية أو السريان على سبيل المثال، ويمزق بذلك كل البراقع والستائر التي يتبرقع بها تحت زعم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، ويصطف حتى مع ألد أعداء القوميات من الشوفينيين، وربما يتطرف في تصدر هذه المواقف وبذلك يكشف عن موقف المريض في عدم تقبله الدفاع عن قومية معينة يبيت لها الكراهية المبطنة.
ومن يقرأ تاريخ الكرد يدرك حقا أنهم لايستسيغون المتاجرة بحقوقهم القومية المشروعة، فهم يؤمنون بحقهم وبالتالي أن من يضحي بروحه من أجل تلك الحقوق لايقبل ان يشتري من يدافع عن حقوقه أو يسانده في موقف معين ويشاركه الدفاع عن تلك الحقوق.
ولهذا تجد ان التبطين في الموقف المعادي لايكمن فقط في الاستعلاء والاعتقاد بسيادة أحد على الآخر، إنما بالتطرف القومي وعدم الاعتقاد بحق وجود حقوق للأخر مطلقا، او الاعتقاد انها لاتمثل الحق إلا عن طريق الآخر، ومهما كانت الصفة التي يحملها الإنسان فأن بواطن الشوفينية المتغلغلة في داخلة تبرز من خلال تلك المواقف والاتهامات التي يطلقها.
أن الفشل الذريع الذي منيت به الشوفينية العربية في المنطقة، يمثل تخلف تلك السياسات الاستعلائية وابتعادها عن المنطق والواقع، وبالتالي فأن رفض الجماهير لها يدعوها لمراجعة نفسها والبدء بمرحلة جديدة، تستند على أرضية المساواة بين الناس، وحق كل إنسان في الحياة والاختيار، وأن جميع البشر ولدتهم أمهاتهم أحرارا، والابتعاد كليا عن تبطين الشعارات واللجوء الى مزاعم الحرص على الوطن والوطنية، ورفض منطق العطايا والمنح في الحقوق التي تمنحها قومية لأخرى، لأن الله خلق الإنسان وأكرمه وفضله على كثير من المخلوقات دون ان يجعل قومية وصية او حاكمة على قومية أخرى , وحين نتأمل في الاتهامات التي يطلقها نفر لم تزل تلك البواطن المتعلقة في قلوبهم، ندرك جيدا سعة الهوة بين من يريد ان يوجه نقدا او انتقادا او اختلافا مع أي جهة سياسية أو فاعلة في الدفاع عن حقوق الإنسان، وبين من يريد التجريح وغرس نصال الشوفينية تعبيرا عن مكنوناته الداخلية والتي لم يكن يشعر بها حين كان يخطب في تلك الخطابات الحماسية والثورية والوطنية.
أن المحبة والإقرار بحق الآخر هما العلاج الواقي من انتشار بذور الشوفينية، كما أن الإسهام في التوصل الى طرق مشتركة للحياة في المناطق التي تعيش ضمنها أكثر من قومية، يمثل السبيل الوحيد للاستقرار والأمان وضمان المستقبل.
كما أن المباشرة ببذر مناهج حقوق الإنسان، المقترنة بقراءة منصفة للتاريخ، والاعتراف بوجود تلك القوميات مع الإشارة الى ما لها من حقوق إنسانية وشراكة حقيقية في الوطن، شراكة يكون فيها الأنسان بغض النظر عن قوميته أو دينه أو مذهبه أو لونه أو جنسه هو الأساس فيها، يجعل من تلك البذور تنمو في الحيز الصحيح والمشترك بين تلك القوميات، حتى يمكن أن تكون الضمانة المستقبلية للأجيال المتعايشة بشكل مشترك في العراق على سبيل المثال.
ستصمد التجربة وتنتصر أرادة الكرد ليس في العراق فقط، إنما في كل المناطق التي عانوا من التقسيم فيها، لأن الحقيقة والتأريخ والتجربة والنضال والزمن يقول ذلك، وستنتهي العقارب حتما كما انتهت من قبلها أفاعي وعقارب عمياء.
التنسيق والانسجام بين مجلس القضاء الاعلى الاتحادي وقضاء إقليم كردستان
2008
تتكون السلطات الاتحادية في الدستور العراقي من السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية ، ويتولى مجلس القضاء الاعلى أدارة شؤون جميع الهيئات القضائية ، ويعتبر مجلس القضاء الاعلى رأس الهرم القيادي في المؤسسة القضائية ، ويمارس عملية أدارة شؤون القضاء والاشراف على القضاء في العراق الاتحادي ، وهذا الاشراف مطلق يمتد الى كل مناطق الاقاليم والمحافظات التي لاترتبط بإقليم .
حيث يقوم مجلس القضاء الاعلى على دعامة تعتبر أن السبيل إلى فرض حكم القانون هو نظام قضائي من ملاك مؤهل وحر ومستقل من التأثيرات الخارجية. ويتشكل مجلس القضاء الاعلى من رئيس المحكمة الاتحادية العليا ورئيس ونواب محكمة التمييز الاتحادية ورؤساء المحاكم الاستئنافية الاتحادية ورئيس محكمة تمييز إقليم كردستان ونائبيه ويحضر الجلسة رئيس الادعاء العام و رئيس هيئة الاشراف القضائي.
ونص الدستور العراقي في أكثر من نص على أن السلطة القضائية مستقلة والقضاة مستقلون في عملهم لاسلطان عليهم في قضائهم لغير القانون ، ولايجوز لاية سلطة التدخل في عمل القضاء أو في شؤون تطبيق العدالة .
هذه الاستقلالية التي أكد عليها الدستور ويتطلبها الواقع وينتظرها المواطن تؤهل القضاء العراقي لاستعادة تلك الهيبة والمكانة المشرفة بين السلطات الثلاث في العراق بشكل خاص حيث سجل التاريخ الحديث صفحة مشرقة للقضاء في العراق وفي المنطقة المجاورة للعراق أيضا .
وينظم عمل القضاء بشكل عام في العراق قانون التنظيم القضائي رقم 160 لسنة 1979 الذي يمتد الى كل مناطق العراق ، وهو قانون بحاجة الى أعادة قراءة وتعديلات تتناسب مع واقع القضاء اليوم ، وما يتطلبه من أمكانية خلق نواة لقضاة للمستقبل يمكنهم تعويض الخلل والنقص المريع في بنية الجسد القضائي ، بعد أن اوغلت السلطة الدكتاتورية في ظلم القضاء العراقي وتهميشه وإضعاف دوره وتحديده ومنعه من ممارسة أعمال كثيرة تقع في أختصاصه النوعي .
ومجلس القضاء الاعلى يعتبر القيادة الاعلى للمؤسسة القضائية حيث يقود تلك المؤسسة في العراق الاتحادي ، ما يجعل جميع المؤسسات القضائية المتفرعة والعاملة في الاقاليم والمحافظات الاخرى تحت أشرافه بأستثناء محكمة التمييز الاتحادية .
وحيث أن الدستور أقر عند نفاذه إقليم كردستان والسلطات القائمة فيه إقليما أتحاديا ، وهذا الاقرار يمنح المقومات الدستورية لقيام الإقليم وسلطاته الثلاث بموجب نصوص الدستور ، فينسحب الاقرار الى دستور الإقليم الذي أوجبت المادة 120 من الدستور صدوره بحيث يشكل الانسجام وعدم التعارض بين الدستور الاتحادي ودستور الإقليم صورة منتظمة من صور التنظيم في دور السلطة القضائية في المركز أو في الإقليم . كما أن دستور إقليم كردستان أورد نص المادة 130 وما بعدها جميع النصوص المتعلقة بالسلطة القضائية والتكوينات والمؤسسات التي تتشكل منها في الإقليم فنص على ما يلي :
- (( السلطة القضائية في الإقليم مستقلة وتتكون من مجلس القضاء والمحكمة الدستورية ومحكمة التمييز و مجلس الشورى و هيئة الاشراف العدلي وجهاز الادعاء العام والمحاكم بمختلف درجاتها وأنواعها وهيئاتها وتنظم طريقة تشكيلها وشروط وإجراءات تعيين أعضائها ومساءلتهم بقانون المادة: 131 :
أولا: يتكون مجلس القضاء من رئيس المحكمة الدستورية وأحد نوابه ورئيس محكمة التمييز وأحد نوابه ورئيس هيئة الاشراف العدلي ورئيس الادعاء العام ورؤساء محاكم المناطق الاستئنافية في الإقليم.
ثانياً: يتولى مجلس القضاء إدارة شؤون القضاء والاشراف على الهيئات القضائية وضمان استقلاليته وفقاً للقانون. ))
وحيث ان الانسجام واضح وواجب في كلا الدستورين الاتحادي والإقليم ، وكما أن عمل المجلسين ضمن تحقيق غاية واحدة في تأمين العدالة وتطبيق القانون وتطوير القضاء ، فأن من الطبيعي أن يكون هناك تواصل وانسجام ومشاركة في العمل ضمن تحقيق اهداف مجلس القضاء الاتحادي مع التمسك بالاستقلالية حيث لاسلطان على القضاة الا القانون.
ومع هذه الاستقلالية التي يتمتع بها القضاء في الإقليم والمنسجمة مع الاستقلالية التي تتسم بها السلطة القضائية في الدستور الاتحادي ، يتحتم إيجاد نوع من التنسيق بين عمل مجلس القضاء الاتحادي وبين مجلس القضاء في الاقاليم ، وهذا التنسيق من الطبيعي أن يؤمنه مكتب يؤسس في الإقليم ويعمل به مرتبطا بالمركز ، يكون حلقة الاتصال والارتباط بين القضاء الاتحادي وقضاء الإقليم الذي يوجد فيه يديره قاض لايقل صنفه عن الصنف الثاني .
وفقا لهذا فأن ضرورة العمل القضائي وطبيعته توجب على مجلس القضاء الاعلى بما عرف عنه من أضطلاع بالمسؤولية الملقاة على عاتقة في سبيل النهوض بالواقع القضائي وإصلاح النظام القضائي في العراق الاتحادي ، أن يجد الوسائل والطرق التي تبسط تلك العلاقة وتخلق نوعاً من الترابط المنسجم بين عمل المركز والإقليم .
إن «التنسيق بين السلطة القضائية في المركز والإقليم مهم لنواح عدة كتنفيذ الاحكام وتبادل الخبرات والزيارات الميدانية وتنفيذ أوامر القبض التي تصدر عن القضاء الاتحادي ومن قضاء الاقاليم.
ان الحاجة ستدعو الى ايجاد آلية للعمل المشترك خصوصا ما يخص تنفيذ الاحكام في الاقاليم وتنفيذ أوامر القبض الصادرة من إقليم ضمن أختصاص إقليم آخر، وكذلك بالنسبة لتنفيذ الاحكام والاستفادة من خبرات القضاة .
كما أن المهمة المشتركة توجب العمل والسعي لاستعادة مكانة القضاء العراقي بين الناس ، بما يحقق تلك الثقة والسمعة الطيبة التي نالها وسجلها بفضل تلك الاسماء التي حفرت احكامها وأحداثها في التاريخ العراقي الحديث ، إضافة الى تعويض الخراب الذي أصاب المؤسسة القضائية في الزمن الصدامي والسعي لترميمها ، وإيجاد البذرات التي تنشأ لتأخذ دورها ومكانتها لتسعى في سبيل النهوض بمفاهيم العدالة والحقوق ، والعمل بكل إخلاص من اجل تطبيق قانوني سليم للقوانين وتمسك شجاع للاستقلالية في القرارالقضائي الذي نحتاجه اليوم بشكل ضروري .
لقد كان القضاء العراقي يتمتع بسمعة ومكانة متميزة في العراق ، ولمعت أسماء عديدة من بين أسماء القضاة العراقيين في الفترة الاخيرة من أمثال ضياء شيت خطاب ومحمد القشطيني وعبد الجبار التكرلي ومحمد أمين كمونة ومصطفى المدامغة وحسين محي الدين وعبد الرزاق عبد الوهاب ومدحت المحمود وساكن النوره جي وهاشم إبراهيم ولطيف الشيخ طه وسعيد العجيل وعبد الجبار محيسن المشعان وعبد الستار البزركان وطعمة شناوة وفاروق العامر وطالب سباح الشيباني وبايز آغا دزه ئي وأمير عبد الكريم حويزي وأحمد عبد الله زبير وجعفر ناصر ومحمد حسن كشكول وعبد القادر إبراهيم ونعيم العكيلي والعشرات من الاسماء اللامعة التي طرزت العمل القضائي والتي لايتسع لها المجال في هذا المقال ، ما يوجب اليوم على القضاء العراقي أن يستعيد تلك المكانة المتميزة بعد الوهن والخلل الذي اصابه طيلة ايام فترة الحكم الدكتاتوري ، كما يستوجب الامر أن يقوم مجلس القضاء الاعلى بالدور الاعلامي في نشر الثقافة القانونية خلال المرحلة الانتقالية نحو الديمقراطية إضافة الى تبسيط المفاهيم الدستورية والقانونية التي تعاني الناس من عدم معرفتها.
التنسيق يوجب ايضا على مجلس القضاء في إقليم كردستان أن ينسق مع المركز من ناحية أعداد القضاة في المعاهد القضائية وأيجاد وسائل لتخريج قضاة للاحوال الشخصية ( المواد الشخصية ) للديانات غير الاسلامية من أبناء الايزيدية والمندائية .
أن رفع مكانة القضاء يكون في تمتين الثقة بين الجماهير وبين المؤسسة القضائية المستقلة بشكل عام ، إضافة الى حاجة القضاء العراقي اليوم الى إظهار معالم الاستقلالية والحياد والمواقف الشجاعة التي تميز بها القضاة الاوائل حتى يساهم القضاء في استتباب الامن واستعادة دولة القانون لقوتها وبسطتها وتطبيقها الدستور والقوانين بأمانة ، يعني هذا إن الاستقلالية لاتعني حياد القضاء وبقاءه خارج السلطتين أو تطبيقه القانون بشكل جامد لاروح فيه فقط ، أنما تعني ثقة المواطن من أمكانية مقاضاة المراكز الوظيفية والخروقات التي تحدث من قبل السلطتين التنفيذية والتشريعية ، كما تنمي المعرفة القانونية وثقافة حقوق الانسان التي يجب أن تنتشربين العراقيين ، حيث أن القضاء هو صمام الامان ، كما أنه الملاذ الذي يمكن توفيره في أي وقت لمن يشعر بظلامة أو غبن أو حيف أو في مخالفة أو عدم تطبيق النص الدستوري بشكل صحيح .
والتنسيق ليس في قوانين الرسوم العدلية ولافي الاجراءات القانونية فقط ، بل يمتد الى العلاقة الجدلية التي رسمها الدستور العراقي سواء للإقليم أو المحافظات التي لم ترتبط بإقليم . حيث أن رسم آفاق التعاون بين المركز والاقاليم تعزيز لمسيرة العدالة وترسيخ لهيبة القانون ، فضلا عن توحيد الجهود لبناء اجهزة قضائية وعدلية قادرة على تقديم أفضل الخدمات للمواطن بما يلبي الحاجة المتصاعدة في قضايا المواطنين وبما يسهل سبل الوصول الى تحقيق العدالة .
التحقيق ضمن مرحلة العدالة الانتقالية
في ظل الأنظمة التي تستولي على السلطة بأساليب الانقلاب، أو التزوير والطرق غير الشرعية ، غالبا ما تكون نتاج تلك العمليات حكومات عسكرية أو دكتاتورية أو فردية متسلطة، ينتهك فيها الدستور والقوانين، وفي ظل تلك السلطات يتم ارتكاب جرائم بحق الأفراد وبحق الجماعات، وهذه الجرائم منها ما يأخذ الشكل المباشر أوالشكل غير المباشر، كما انه غالبا ما ترتكب تلك السلطات جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحروب وانتهاكات للقوانين ولحقوق الإنسان ضد مواطنيها أو ضد شريحة معينة منهم، بسبب معارضتهم لنهجها وخروقاتهم لها .
غير أن أية جهة قانونية أو تشريعية أو قضائية في البلد لاتستطيع محاسبة أو محاكمة تلك السلطات التي تنعكس نتائج أعمالها من خلال الأفعال التي تجسدها الأفعال غير القانونية وغير الشرعية التي يرتكبها الأشخاص المسؤولون في تلك السلطات من بين المتهمين بارتكاب تلك الجرائم ، وغالبا ما تلجأ تلك السلطات الى تطويع النصوص الدستورية و القانونية وجعلها في خدمتها وحماية سلطتها، سواء بالإلغاء أو الإضافة أو التعديل أو إيقاف العمل بتلك النصوص، تحت مزاعم عدة منها التحجج بالوضع الاستثنائي والضرورة الملجئة والظروف القاهرة وفترة الحروب وغيرها من تلك الحجج التي يرفضها الدستور ويحظر استخدامها واللجوء إليها ، كما أنها تفسر الدستور وفقا لرغبتها وما ينسجم منه مع مسار سلطتها وما يضمن استمرار بقائها، وحين يتم إسقاط تلك السلطات، تقوم مهمة العدالة في الفترة الانتقالية اللاحقة على سقوط ونهاية حقبة تلك السلطات ، حيث تتجه الأمور الى تغيير في بنية وسياسة الدولة وفي طريقة محاسبة المسؤولين عن تلك الجرائم والانتهاكات وفق القانون، وفي إلتزام الجميع بنصوص الدستور، حينها يستوجب أن تتم المحاسبة ضمن تلك الفترة لعناصر السلطة البائدة من خلال المراجعة القانونية وتفعيل مبدأ قانونية الجريمة والعقاب .
وإذ يعني مفهوم العدالة الانتقالية تلك المناهج التي تبحث في كيفية معالجة مخلفات الدكتاتورية والأنظمة الاستبدادية وغير الشرعية، وبالتالي فإنها مفتاح التحقيقات عن الجرائم المرتكبة بحق الأفراد وفقا للمعايير القانونية، وتطبيقا للمعايير الديمقراطية التي تصير منهجا للعمل بديلا عن السلوك السلبي لتلك الأنظمة، وتسعى تلك المناهج الى كشف الحقائق ومحاسبة المذنبين وتعويض المتضررين وتقصي الحقائق لتوثيقها وتسجيلها للتاريخ، بالإضافة الى اعتماد معايير التسامح والمصالحة وإعادة ما تهدم من البناء السياسي والاجتماعي وأية رؤى أخرى تدخل في صلب حقوق الإنسان وترسيخ معالم ومعايير دولة القانون .
وإذ تتشعب مهام العدالة الانتقالية بين طرح الدراسات والأفكار في سبل معالجة محاكمة المجرمين وإنزال العقاب القانوني بحقهم، فإنها أيضا ترسم وفقا للبحوث والدراسات ما يتعلق بمعنى المصالحة والمصارحة والتسامح من اجل اعادة المجتمع في ظل السلام المدني والممارسة الديمقراطية، واعتماد الشرعية في أسلوب الحكم، وبالتالي فإنها تعد بمثابة التأهيل بعد فترة الانحسار التي يعيشها المجتمع في ظل تلك الأنظمة.
كما يعني مصطلح العدالة الاجتماعية جميع الإجراءات التي تقوم عليها السلطات الشرعية القائمة على أنقاض السلطات الغاشمة والدكتاتورية المتهمة بارتكاب الجرائم بحق المواطنين وانتهاكات حقوق الإنسان فيه، والخروقات الواضحة لمبادئ القانون الدولي، ووفقا لما تطرحه الدراسات من أفكار تأسيس المجتمع الآمن وتعزيز أسس العدالة والقانون وترسيخ مبادئ المصالحة الوطنية والسلام في تلك البلدان، من اجل البدء بتأسيس خطوات لازمة وضرورية لمسيرة اجتماعية ثابتة ومجتمع آمن في ظل دولة تحكمها القوانين المستندة على الدستور .
ولذا تسعى العدالة الانتقالية الى ان تكون إجراءات عملية بعيدة عن الشعارات، وتصب في خدمة تأسيس مجتمع تحكمه القوانين والعدالة ويسوده الأمن والسلام، وان لايتكرر ما جرى من جرائم وويلات وانتهاكات، مع تثبيت مبدأ معاقبة الجناة على أن تسعى لعدم تكرار ماجرى من صفحات إجرامية خطيرة، وتأسيس مرتكزات المصالحة الوطنية سعيا للشراكة الإنسانية في الحياة السياسية والاجتماعية، ولهذا فإن عملها يتشعب بين توثيق ومحاسبة من ارتكب الفعل الإجرامي وفقا للقوانين، وبين ايجاد المشاريع التي تعيد الحياة في المجتمع الى طبيعتها بأقل خسارة ممكنة .
وفي عملية التحول الى الديمقراطية لابد من ترسيخ أسسها، ومن مقومات ترسيخ تلك الأسس مايتم طرحه في برنامج العدالة في الفترة الانتقالية التي تستوجب من ضمن منهجها، التحقيق القانوني في عمليات الإعدام خارج نطاق القانون، وكذلك حالات الإعدام التعسفي والتصفيات دون تحقيق أو محاكمة .
وتقوم مهمة العدالة الانتقالية استنادا الى القوانين العقابية منها والإجرائية، لذا فأنها منظمة ولا تقوم على العواطف والانفعال من خلال الفعل ورد الفعل، كما أنها تستعين بالخبرة والفنيين في استجلاء الحقائق التي تتطلب تقريرا مفصلا من جهة الاختصاص، كما ينبغي توفير الضمانات اللازمة لعنصر التحقيق في الحماية والاستقلالية، كما يستوجب توفر خبرة ودراية ليس فقط في عمليات التحقيق، وإنما في حيثيات التاريخ ومجريات الأحداث السياسية والاجتماعية، بالإضافة الى إمكانية طلب المساعدة من الجهات القانونية الدولية لتقديم المساعدة في مجال القانون الدولي والوقائع المماثلة، سواء منها ماكان دوليا أو على شكل إستشارة من جهة الاختصاص.
ويتطلب الأمر بالإضافة الى كل هذا الى سرعة في الانجاز، ومواكبة العمل وفق كفاءة متميزة، وإكمال العمل في القضايا التحقيقية وتقديم المتهمين للعدالة لمحاكمتهم بالسرعة الممكنة بغية اختزال الزمن والوصول الى الأحكام العادلة، لغرض فرز من لاتتوفر الأدلة ضدهم أو من لاتكفي الأدلة ضدهم للإحالة لترتيب إخلاء سبيلهم وإعادة دمجهم بالمجتمع، من خلال آلية تبتعد عن التعقيد والروتين، وتنهج السرعة في عملية الكسب الإنساني.
ومما أشار له جميع العاملين ضمن مشروع العدالة الانتقالية توفر الخبرة لدى القائم بالتحقيق، وهذه الخبرة لاتوفرها المحاصصات الطائفية ولا السياسية أو القومية، ولا التزاحم على المناصب والمزايا بصرف النظر عن القدرة والقابلية التي يتطلب توفرها لتلك المهمات، وإنما تكون الاستقلالية والنزاهة والسمو الأخلاقي والخبرة العملية والثقافية والقدرة والقابلية هي الفيصل في تلك المهمات، والتي تنتج أثرها المرجو ضمن تلك الفترة الحرجة والمهمة في عملية بناء المجتمع .
وأن تتوفر لدى المكلف بمهمة التحقيق الإلمام التام بجوانب القضية المكلف بها، بالإضافة الى ما تتطلبه مرحلة العدالة الانتقالية من موجبات العمل القضائي من نزاهة وسمو أخلاقي وحيادية ، مع تمسكه بالاستقلالية تمسكا تاما وعدم التأثر بأية طلبات أو رغبات أو توجهات تقتضيها السياسة أو تشترطها جهات حكومية أو حزبية معينة .
وبالنظر لإفراغ محتوى القانون في ظل النظام البائد، فسيكون هناك مهمة لاتقل أهمية عن مرحلة التحقيق، وهي مهمة تشخيص التشويه الحاصل للقانون وطرحه جانبا، ومهمة توثيق الذاكرة الوطنية ، وعلى هذا الأساس يكون لإصلاح النظام القانوني دورا مهما في تنقية النصوص والقوانين بما يخدم المرحلة ويضمن تطبيق حقوق الإنسان، وإلغاء العناصر التي تعرقل العملية وتعيق تحقيق العدالة بشكل عام ، وبالتالي فأن تدقيق الجوانب القانونية في إجراءات التحقيق، والتمسك بالنصوص التي تفيد وتسهل تلك العملية مسألة تتقيد بها سلطة التحقيق في مرحلة العدالة الانتقالية، مع التمسك بمعيار حقوق الإنسان وتوفير الضمانات للمتهمين، بالرغم من الضغوط وحالات الاستغراب من لدن بعض الجهات التي قد لايسرها مثل هذه الإجراءات، بإعتبار أن المتهمين لم يوفروا مثل تلك الفرص للضحايا، غير إن تحقيق العدالة في هذه الفترة يعد تأسيسا لرصف الأسس التي ستقوم عليها دولة القانون، وبالتالي تصبح حقوق الإنسان نصوصا دستورية ملزمة يعتاد عليها المواطن، وبالتالي يتعمد الإشارة اليها والتمسك بها مستقبلا .
ومن أهم مقتضيات العدالة الانتقالية حماية المجتمع من الانفلات والرغبة في الثأر، والتي يغذيها استمرار الحالة الأمنية بشكلها السابق المنفلت ، وانتشار الجريمة بين الجماعات المنظمة واتخاذها وسيلة لتحصيل المغانم، والاستخفاف بالقوانين وانتهاكها، هذه الحماية التي ينبغي أن تكون صارمة بحق الجميع لتشيع روح الطمأنينة والعدالة والاستقرار وتهدئ الأحوال، وإصدار قوانين تعالج الوضع الحالي ، وتكون هذه القوانين نابعة من مصلحة وحاجة الناس الى الأمن والطمأنينة، وإرساء الأسس العامة للديمقراطية التي ما زالت في أول طريقها في السلوك والممارسة اليومية في المجتمع العراقي .
وتأتي مهمة إصدار مذكرات القبض على المتهمين، ومهمة ملاحقتهم والقبض عليهم لتقديمهم الى سلطات التحقيق، من مهمات السلطة التنفيذية المناط بها تنفيذ هذا الأمر، وعلى هذا الأساس ستكون من بين هذه المهمة المحاكمات الغيابية لبعض المتهمين الذين تمكنوا من الفرار والهروب، وتمكنوا من اللوذ بدول مجاورة أو غير مجاورة بشكل مشروع أو غير مشروع، غير أن مايقع على عاتق سلطة التحقيق بعد استنفاذ جميع الطرق في التمكن من القبض على المتهم أو التحقيق معه، تكون بإحالة المتهم غيابيا على المحكمة المختصة لمحاكمته وفقا لمعايير قوانين الإجراءات الجزائية .
ومن المفيد جدا أن تكون سلطة التحقيق ملمة بالقانون الدولي وبمعاهدات حقوق الإنسان، بالإضافة الى معرفتها بالتجارب الإنسانية المماثلة في هذا المجال، وأن تأخذ بعين الاعتبار ليس فقط الضحايا الذين تم العثور على رفاتهم في المقابر الجماعية، ولا على الأسماء المدرجة ضمن قوائم الضحايا الذين تم تنفيذ حكم الإعدام بحقهم دون محاكمة أو تحقيق، ولا على الضحايا الذين تمكنت السلطة البائدة من تصفيتهم والقضاء على حياتهم بشتى الطرق والسبل والوسائل، بل إن العديد من الضحايا الذين لم ترد أسماؤهم ولم يتم العثور على رفاتهم، مازالوا مفقودين حتى اليوم .
وهذه الحالات تصلح للتدقيق والتمعن والتحري، ولغرض استكشاف حقيقة اختفاء هؤلاء وعدم العثور على رفاتهم أو أماكن دفنهم أو قرارات إعدامهم أو ملفاتهم، يتعين الاستعانة بتقارير حقوق الإنسان وشهادات الأهل والحلقات القريبة من دوائر الأمن أو المخابرات أو الجهات المعنية بالقبض على الضحايا، وان تبذل الجهود من أجل أن توصل الى الجمهور أهمية التوصل الى تلك الحقائق، وان توفر كل الضمانات في سرية الشهادة والمحافظة على كتم الأسماء وتجنب ما يحدث أي ضرر لهؤلاء، بالإضافة الى المكافآت المادية التي تمنحها تلك السلطات من اجل التوصل الى تلك الحقائق لإنهاء المعاناة الإنسانية لذويهم وأسرهم .
كما تستطيع تلك الجهات مواجهة المتهمين، ومحاولة استغلال شهادات بعضهم ضد بعض، وأن تعتبر بعض المتهمين شهودا ضد متهمين آخرين، إذا كانت تلك الشهادات مهمة أو منتجة، وتأتي أهمية مرحلة التحقيق خلال فترة العدالة الانتقالية، أي إنها تكون مزدوجة الأهمية، من ناحية إنها تأتي ضمن فترة الانتقال من النظام الدكتاتوري الى النظام الديمقراطي، وإنها تلتزم بمعايير تكون قد تم تغييبها في المرحلة السابقة، ومع كل هذا يقع على عاتقها الإسراع بإظهار الحقائق ضمن تلك الفترة، كما أن عملها سيكون عرضة للتدقيق والانتقاد والتمييز، بالإضافة الى المراقبة الدقيقة من أبناء الشعب المتابعين لمراحل التحقيق في تلك الفترة .
ولا نرى بأسا من أن تكون المؤسسات الدولية المهتمة في تطبيق حقوق الإنسان موجودة وحاضرة بشكل مراقب ليس من باب التدخل أو الأشراف في مجريات العملية التحقيقية، ولا يحق لها كشف تفاصيل التحقيق .
وتعتمد العملية التحقيقية على تعزيز الأدلة القائمة في نسبة الجريمة الى المتهم وتمحيصها للتثبت من كفايتها للإحالة على المحكمة المختصة، ولذا فإن دراسة شخصية المتهم وظروف الجريمة والأساليب التي ارتكبت بها، ودور الفاعل وطبيعة الجريمة المرتكبة وبيان القصد الجرمي، وحجم المساهمة في الفعل الجرمي، والاتفاق الجنائي، حتى يمكن تحديد المسؤولية الجزائية والظروف القضائية المشددة أو المخففة فيها، والانتقال الى موقع الجريمة وإجراء المعاينة، وتنظيم مخطط ومرتسم لمحل الحادث، وتصوير الضحايا، وجمع الآثار المادية والأدلة الثبوتية، وإجراء التفتيش وربط التقارير الفنية وتقارير الخبراء، وأهمية استجواب المتهم بالإضافة الى ربط الأدلة الكتابية وتدوين الشهادات جميعها تدخل ضمن عملية موازنة تلك الأدلة ومعرفة ما إذا كانت تلك الأدلة التي توفرت تكفي للإحالة على المحكمة، حيث تقوم الجهة المكلفة بالتحقيق بإحالة القضية الى المحكمة المختصة قانونا بالمحاكمة، والأخيرة هي المكلفة بإصدار قرار الحكم بعد إجراء المحاكمة العادلة سواء منها الحضورية أو الغيابية، وفي حال عدم كفاية الأدلة أو عدم توفر الأدلة التي أحيل المتهم بها الى تلك المحكمة، فيتم إصدار قرار الإفراج أو البراءة حسب مقتضى الحال .
ويساهم المركز الدولي للعدالة الانتقالية مساهمة فعالة في أداء الدور الإنساني والقانوني في هذا المجال، ولهذا فإن المركز يساعد الدول (المجتمع المدني والحكومات) التي تسعى إلى محاسبة المسؤولين بها عن ارتكاب أفعال وحشية على نطاق واسع أو انتهاكات لحقوق الإنسان، ويزاول المركز نشاطه في المجتمعات التي كانت ترزح تحت حكم قمعي أو كفاح مسلح، وكذلك في الدول الديمقراطية التي تعاني من مظالم تاريخية أو انتهاكات منهجية لم يبت فيها بعد،ويقدم المركز معلومات قياسية وتحليلات قانونية ووثائق ودراسات إستراتيجية إلى المؤسسات التي تسعى إلى إقرار العدل والحقيقة، وللهيئات المعنية سواء كانت حكومية أو غير حكومية، ويساعد المركز في إعداد استراتيجيات للعدالة الانتقالية تضم خمسة عناصر رئيسية هي: الملاحقة القضائية لمقترفي الجرائم؛ وتسجيل الانتهاكات عن طريق وسائل غير قضائية مثل لجان البحث عن الحقائق، وإصلاح المؤسسات المخلة بالأصول السليمة، وتقديم التعويض للضحايا، وعقد المصالحات.
ويلتزم المركز بإعداد الطاقات المحلية وتعزيز الجهود الناهضة في ميدان العدالة الانتقالية، ويعمل بالتعاون الوثيق مع المنظمات والخبراء المعنيين في شتى أنحاء العالم، غير انه في كل الأحوال يجد العراق في ظل تأسيس دولة القانون، وإزاء المواجهات الإرهابية التي تشنها أطراف عدة لإشاعة الجريمة والرعب والإرهاب بين الناس، انه معني بأن يتخذ ما يتناسب مع وضعه الإنساني، وتركيبته الاجتماعية والقومية للاستناد الى معايير العدالة الانتقالية بما لايخل بنصوصه الدستورية، ولا بنظرية فصل السلطات التي يتمسك بها الدستور، ولا بنظامه الفيدرالي الاتحادي الديمقراطي، وأيضا ماينسجم مع توجهات وخطط مجلس القضاء الأعلى في العراق باعتباره المعبر المنهجي لتطبيق معايير القوانين ضمن مرحلة العدالة الانتقالية .
القبض على المتهم كإجراء قانوني مقيد للحرية
اكد قانون أصول المحاكمات الجزائية ضمن المادة 92 منه انه لايجوز القبض على أي شخص أو توقيفه إلا بمقتضى أمر صادر من قاض أو محكمة أو في الأحوال التي يجيز فيها القانون ذلك.
ونجد أن وجود هذا النص في قانون أصول المحاكمات الجزائية يغني عن تكرار وروده ضمن الدستور، لا سيما ان الدستور يضم المبادئ التشريعية العامة التي تؤسس القوانين عليها، وبهذا التكرار الذي لا يغني، يكون تأكيد الدستور على ضمان حرية الإنسان وكرامته قد كرر نصا قانونيا ملزما.
والقبض يعني التقييد والأمساك وإجبار الشخص على الحضور أمام سلطة التحقيق وتقييد حريته بهدف استجوابه، ووضعه تحت تصرف تلك السلطة مدة قصيرة، ومن ثم إصدار القرار القانوني بصدد اطلاق سراحه أو توقيفه من قبل تلك السلطة القضائية المخولة قانونا. وغالبا ما يكون أمر القبض الصادر من المحكمة مكتوبا من الجهة التي قررت أصدارة وهي الجهة ذات الاختصاص، حيث يتضمن الأمر موجها الى أعضاء السلطة التنفيذية بالتخويل لتنفيذ أمر القبض الصادر بحق متهم محدد بالاسم والعنوان، ويتم تنفيذ الأمر لو أدى ذلك الى استعمال القوة في سبيل أتمام القبض جبرا بحق المتهم، ويعتبر أمر القبض من الإجراءات الاحتياطية التي تخالف الضمانات التي وفرها الدستور للفرد، باعتبار أن الحرية الشخصية مكفولة، غير أن المشرع نفسه وضع ضمانات كافية لصيانة هذه الحرية، باعتباره يرفع عنها غطاء الحماية (مؤقتا) في حال وجود اتهام بارتكاب جريمة تم ارتكابها على الحق العام أو على شخص آخر له الحماية نفسها في الدستور والقانون. حيث لم يجوز القانون القبض إلا في حالات محددة سنأتي على ذكرها لاحقا ، بالإضافة الى أن المشرع نفسه ومن أجل حماية الفرد من التعسف في استعمال القانون من قبل السلطة التنفيذية، نص على عقوبات في متن قانون العقوبات العراقي النافذ، ضمها باب تجاوز الموظفين حدود وظائفهم في المواد من 322- 341 عقوبات. ويذكر أن نص المادة 322 من قانون العقوبات تعاقب بالحبس مدة لاتزيد على سبع سنوات أو بالحبس كل موظف أو مكلف بخدمة عامة قبض على شخص أو حبسه أو حجزه في غير الأحوال التي ينص عليها القانون .
وتكون العقوبة السجن مدة لاتزيد على عشر سنين أو الحبس إذا وقعت الجريمة من شخص تزيا بدون حق بزي رسمي او اتصف بصفة كاذبة أو ابرز أمرا مزورا مدعيا صدوره من سلطة تملك حق إصداره . والمتمعن في النص الدستوري والقانوني يجد أن الأصل هو ضمان حرية الإنسان ، وان تقييد هذه الحرية في حالات محددة مقيد أيضا وفقا للقانون ، وضوابط القانون حددها النص بمقتضى أمر صادر من (قاض) أو (محكمة) أو (في الأحوال التي يجيز فيها القانون ذلك)، وعليه لايجوز القبض على الإنسان في غير الحالات المنصوص عليها قانونا، بالإضافة الى معاقبة كل من يتعسف أو يتجاوز على هذه الحقوق... الأصل أنهُ لا يجوز إلقاء القبض على الشخص أو احتجازه دون رغبته أو عزله عن الآخرين لما في ذلك من تقييد للحق في الحُرية. إلا أن حق المُجتمع في مُعاقبة مُرتكبي الجرائِم يرتبط بتقييد بعض تِلك الحقوق، بالإضافة الى ما تتطلبه ظروف القضية التحقيقية .
إن احتجاز الأشخاص المتهمين بارتكاب أفعال جنائية إلى حين محاكمتهم هو من الأمور التي يجب أن تتم في أضيق الحدود مُراعاًة لحقوق المتهم . إن هذه القاعدة تتفق مع مبدأ افتراض البراءة إلى حين ثبوت الإدانة. مع توفر الأدلة، بيد أن هُناك حالات يجوز فيها للسلطات أن تلجأ الى تقييد حرية الشخص إذا كان هُناك ما يُشير إلى احتمال فِرارهُ ، أو عندما يكون في إخلاء سبيله خطر يُهدد الغير، أو يمكن أن يهدد حياته في أحيان أخرى، أو يمكن أن يؤثر على الشهود أو يُعرِض أدلة الدعوى للخطر من خلال وجود متهمين آخرين لم يتم القبض عليهم. وفي سبيل تنظيم وسائل وسبل القبض على المتهم فقد وضع القانون شروط توجبها المواد ويشترط توفرها في أوامر القبض الصادرة حتى يمكن اعتبارها صحيحة معتبرة قانونا ، ومنها ما نصت عليها المادة 93 من الأصول الجزائية، التي أوجبت أن يشتمل أمر القبض على اسم المتهم الصحيح والواضح ولقبه المتعارف عليه وهويته وأوصافه وعلاماته الفارقة بقدر الإمكان، مع ذكر محل إقامته ومهنته التي عرف بها، بالإضافة الى المادة القانونية التي تشكل الجريمة المتهم بها وتاريخ صدور الأمر بالقبض ،بالإضافة الى ذكر أية معلومات أو ملاحظات يدونها القاضي أو المحكمة في سبيل تسهيل عملية الاستدلال على المتهم ، كما يمكن للقاضي بمقتضى نص المادة 95 من الأصول الجزائية أن يدون في الأمر الصادر وجوب إطلاق سراح المقبوض عليه إذا قدم تعهدا كتابيا بالحضور في الوقت المعين مقترنا بكفالة يقدر مبلغها القاضي ، او حتى بدون كفالة أو بتعهد مقترن بإيداع المبلغ الذي يعينه القاضي في صندوق المحكمة ، ويختم الأمر بختم المحكمة ويوقع بتوقيع القاضي أو المحكمة التي أصدرته ، ويتضمن أمر القبض بالإضافة لما ذكر أمرا الى تكليف أعضاء الضبط القضائي وأفراد الشرطة بالقبض على المتهم المذكور وإرغامه على الحضور أمام سلطة التحقيق. ووفقا لنص المادة 98 من قانون أصول المحاكمات الجزائية يحق للقاضي أن يأمر بالقبض على أي شخص ارتكب جريمة في حضوره . كما يمكن للقاضي أن يقوم بالموافقة على قيام الشرطة في منطقة عمله بتنفيذ أمر القبض الصادر من قاض آخر خارج منطقة الاختصاص المكاني ، تسهيلا لتنفيذ أمر القبض ويقوم بالأمر بتسفيره في اقرب فرصة ممكنة الى المحكمة التي أصدرت أمر القبض . ومن شروط أمر القبض أن يقترن بصدور قرار قضائي من القاضي على الأوراق التحقيقية الخاصة بالقضية ، يتضمن إصدار أمر بالقبض على المتهم وفق المادة القانونية التي ينسبها قاضي المحكمة سواء كان قاضيا منفردا أو محكمة تتشكل من عدة قضاة . وبالنظر لجسامة الأفعال الإجرامية التي ارتكبت بحق العراقيين في الفترة المنصرمة، وبالنظر لتداول المجرمين والمتهمين ألقابا وكنى يتسترون بها عن حقيقة أسمائهم، فقد أصدرت محاكم التحقيق أوامر بالقبض على تلك الأسماء بدلالة المشتكين أو اهالي المجنى عليهم، وأجاز بعض شراح قانون الأصول تلك الأوامر بالقبض مع كونها ناقصة باعتبار انها يمكن ان توصل الى حقيقة المتهم وتسهل عملية القبض عليه، وفي كل الأحوال فان أمر تدقيق هذا الأمر منوط بقاضي التحقيق الذي يتوجب عرض الأمر عليه في أقرب فرصة ممكنة للتثبت من علاقة المتهم المذكور بالقضية موضوع التحقيق.
أن المادة 94 من قانون الأصول أوجبت على القائم بتنفيذ أمر القبض أن يقوم بإطلاع الشخص الذي صدر أمر القبض بحقه على ورقة أمر القبض ، وان يقوم بتفهيمه مضمونه وما تضمنه من معلومات، ومن ثم القبض عليه وعرض أمره على الجهة القضائية التي أصدرت امر القبض او أقرب جهة قضائية أخرى لتقرير مصيره مؤقتا ريثما يتم تأمين إيصاله الى الجهة التي أصدرت أمرا بالقبض عليه .
كما أن أوامر القبض الصادرة بحق المتهمين سارية المفعول في جميع أنحاء العراق الفيدرالي ، وهي واجبة التنفيذ ممن وجه إليهم ، وفي سبيل ذلك ينبغي دراسة شكل التنسيق بين السلطة القضائية الاتحادية وبين سلطات القضاء في الأقاليم وفي المحافظات التي لاترتبط بإقليم ، حول آلية تنفيذ أوامر القبض الصادرة بحق المتهمين .وتبقى تلك الأوامر سارية المفعول ولا يبطل مفعولها إلا بصدور مذكرة من الجهة نفسها التي أصدرتها أو من قبل جهة أعلى منها قضائيا كأن تكون محكمة الجنايات التي تتبعها المحكمة أو القاضي الذي أصدر المذكرة أو بصدور من محكمة التمييز الاتحادية بصدور قرار بنقض قرار قاضي التحقيق أو المحكمة التي أصدرت مذكرة التوقيف . ووفقا لهذا لا يمكن لمحكمتين متساويتين أن تلغي مذكرة احدهما الأخرى، كما لايمكن لقاض أن يلغي أمرا بالقبض صادر من قاض آخر دون عرض الأمر على الأخير وموافقته على تخويله بالإجراء القانوني المناسب، على انه يمكن للقاضي الذي أصدر الأمر بالقبض أن يخول القاضي الأخر إمكانية إخلاء سبيل المتهم بكفالة وفقا لما ذكر آنفا في المادة 95 من الأصول الجزائية ، سواء بكتابة ذلك في أمر القبض أو بقرار على الأوراق التحقيقية الخاصة بالمتهم . غير أن هناك حالات محددة أوردها القانون حصرا يمكن معها لأي شخص ولو بغير أذن من السلطات المختصة أن يقبض على أي متهم بجناية أو جنحة في حالات هي:
1- إذا كانت الجريمة التي ارتكبها المتهم مشهودة.
2- إذا كان المتهم قد فر بعد القبض عليه قانونا.
3- إذا كان قد حكم عليه غيابا بعقوبة مقيدة للحرية وفي حالة محددة أخرى يمكن لأي شخص ولو بغير أمر من السلطة القضائية المختصة أن يقبض على كل من وجد في (محل عام) (وفي حالة سكر بين واختلال) (وأحدث شغبا) (أو كان فاقدا صوابه) حيث يقوم بتسليمه الى اقرب مركز للشرطة.ومنحت المادة 103 من القانون الحق لأفراد الشرطة أو أعضاء الضبط القضائي ألقبض على أي من الأشخاص 1- كل شخص صدر أمر بالقبض عليه من سلطة مختصة 2- كل شخص كان حاملا سلاحا ظاهرا أو مخبأ خلافا لأحكام القانون. 3- كل شخص ظن لأسباب معقولة انه ارتكب جناية أو جنحة عمدية ولم يكن له محل إقامة معين. 4- كل من تعرض لأحد أعضاء الضبط القضائي أو أي مكلف بخدمة عامة في أداء واجبه . وخص دستور العراق عضو مجلس النواب بمقتضى نص الفقرة ب من المادة 63 منه بالحصانة الدستورية التي لم تجوز إلقاء القبض على عضو المجلس خلال مدة الفصل التشريعي إلا إذا كان متهما بجناية ، وفي حال صدور أمر بالقبض بحقه تطلب المحكمة من المجلس رفع الحصانة عنه ، حيث يتم النظر في أمر رفع الحصانة بموافقة الأغلبية المطلقة أو إذا تم ضبط العضو متلبسا بالجرم المشهود في جناية . كما لايجوز إلقاء القبض على عضو المجلس خارج مدة الفصل التشريعي إلا إذا كان متهما بجلناية وبموافقة رئيس مجلس النواب على رفع الحصانة عنه ، أو إذا تم ضبطه متلبسا بالجرم المشهود في جناية
ترسيخ استقلالية القضاء دستورياً
تعرض العراق بعد سقوط سلطة صدام الى هجمة شرسة غاية في الخطورة والهمجية ، هجمة استهدفت جميع مكونات الشعب العراقي تكاتفت فيها قوى متعددة ، منها ماهو داخل الجسد العراقي مرتديا لباس الدين ومتسلحا بالطائفية ، محاولا نشر أفكاره ورغباته المريضة على الساحة العراقية ، ومنها ما كشر عن أنيابه المسلحة ليمارس قطع الطرق والسلب والنهب والخطف والتفنن في أساليب ارتكاب الجريمة ، وتكاتفت معهم منظمة القاعدة الإرهابية المتطرفة التي تريد إيقاع السوء والأذى والفرقة بين العراقيين ، وفلول من البهائم العربية المفخخة وأصحاب الجثث الخالية من العقول التي تفجر أجسادها في الأسواق والتجمعات بقصد قتل اكبر عدد ممكن من الناس ، وتعاونت معهم بشكل مباشر أو غير مباشر دول تجاور العراق دفعتها مصالحها السياسية وضغائنها ودوافعها الأنانية لأن تشترك مع كل تلك المجموعات في مد يد العون ماديا ومعنويا لتلك المجموعات التي فتكت بالعراقيين ، كما ساهمت مجموعات النظام السابق من البعثيين وذيول أجهزة القمع الصدامي في الأمن الخاص والمخابرات والأمن العام والاستخبارات ، بالإضافة إلى المتضررين من نهاية النظام الدكتاتوري وحلول النظام الديمقراطي – الفيدرالي الجديد في إشاعة الجريمة والدفع باتجاه العزل الطائفي والفرقة بين أبناء العراق ، وتوفر لكل هذه الجهات المال والسلاح والتخطيط في سبيل إشاعة الجريمة ونشر الإرهاب والرعب بين الناس ، بالإضافة إلى الظهير والمأوى والحماية والتدريب وجميع المستلزمات اللوجستية
وبرزت بشكل سافر وخطير ظاهرتا الخطف والقتل بقطع الرؤوس وفصلها عن الأجساد ، وهي أساليب خسيسة ومرعبة ودخيلة على العراقيين ، وهي في كل الأحوال من جرائم الجنايات الخطيرة التي تقترن بالظروف المشددة عند فرض العقوبة ، وكانت بداية لظاهرة أرعبت حياة الناس وشلت حياتهم وعرقلت تطلعاتهم ، وبالنظر للمساهمة الأكيدة والفعالة للمؤسسة القضائية العراقية المتمثلة بمجلس القضاء العراقي في ترسيخ قواعد العدالة والتصدي بحزم لتجسيد الاستقلالية التي نص عليها الدستور ، وعملا بالتطبيق القانوني السليم وفق قواعد الدستور وبما يتناسب مع خطورة وحجم الهجمة الشرسة للإرهاب ، فكان لمجلس القضاء الأعلى أن يمارس صلاحياته الدستورية والقانونية في تخصيص محكمة تتخصص بالتحقيق والمحاكمة في قضايا الإرهاب والخطف بالنظر لخطورتها وكثرتها وأهميتها ،تقوم بتطبيق قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005 ، فأنيط العمل القضائي في القضايا الخاصة بالإرهاب بقضاة تحقيق في محكمة التحقيق المركزية ، تلتزم بقواعد نصوص قانون أصول المحاكمات الجزائية في العمل القضائي والإجراءات القانونية المتبعة في التحقيق والمحاكمة ، كما تلتزم بنصوص قانون الإرهاب وقانون العقوبات بكل مالم يرد به نص في قانون الإرهاب في تنسيب المواد القانونية المتناسبة مع فعل المتهم عند الإحالة على محكمة الجنايات ، تم اختيار قضاة التحقيق من بين المتمرسين في قضايا التحقيق والمستعدين لمواجهة وتحدي تلك الجهات الإرهابية التي حصدت منهم غدرا خيرة القضاة .
تميزت تلك الأسماء التي عملت في محاكم التحقيق المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب بالممارسة الفعلية من دون تمييز ، وبما ينجز تلك القضايا الهائلة والكم الكبير من الموقوفين المتهمين بقضايا الإرهاب ، سواء من الذين يتم القبض عليهم من قبل قوات التحالف أو من قبل القوات العراقية ، وسجل قضاة محكمة التحقيق المركزية موقفا متفانيا ومشرفا في انجاز الكم الهائل من القضايا التحقيقية المعروضة أمامهم في زمن قياسي ، بإحالة من تتوفر الأدلة ضده للإحالتة ، والإفراج عمن لاتتوفر ضده الأدلة للإحالتة أو كانت الأدلة لاتكفي للإحالة .ومن يستذكر الفترة الحرجة التي مر بها العراق ، ويعود لمتابعة القضايا الإرهابية التي ضمت الجرائم البشعة التي مورست ضد أهل العراق ، والتي أظهرت العقول المتحجرة والعفنة التي شكلت تلك المجموعات التي كانت تتلذذ بممارسة فعل القتل دون وازع من ضمير ، وتعمد الى فصل الرؤوس عن الأجساد برغبة سادية تمتنع الحيوانات المفترسة من ممارستها . والمحكمة الجنائية المركزية محكمة قضائية من محاكم العراق الاعتيادية ، يعمل فيها قضاة عراقيون متمرسون ، ومعهم فريق من المدعين العامين ونواب الادعاء العام ، وتخضع قرارات قضاة التحقيق فيها للتمييز أمام محكمة الجنايات ، وقرارات محكمة الجنايات تخضع للتدقيقات التمييزية أمام محكمة التمييز . تخصصت المحكمة الجنائية المركزية بالنظر في القضايا الخاصة بمكافحة الإرهاب ، وينظم عمل مكافحة الإرهاب قانون برقم 13 لسنة 2005 نشر في جريدة الوقائع العراقية رقم 4009 بتاريخ 9 تشرين الثاني 2005 وصار نافذا وموجبا ، وشمل الإرهاب كل فعل اجرامي يقوم به فرد أو جماعة منظمة أستهدف فردا أو مجموعة أو جماعات أو مؤسسات رسمية أو غير رسمية أوقع الأضرار بالمتتلكات العامة أو الخاصة بغية الإخلال بالوضع ألأمني أو الاستقرار والوحدة الوطنية أو إدخال الرعب والخوف والفزع بين الناس أو اثارة الفوضى تحقيقا لغايات إرهابية . وعد القانون كل من العنف والتهديد الذي يهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس او تعريض حياتهم وحرياتهم وأمنهم للخطر وتعريض أموالهم وممتلكاتهم للتلف أيا كانت بواعثه وأغراضه يقع تنفيذا لمشروع إرهابي منظم فردي أو جماعي .
كما شمل العمل بالعنف والتهديد على تخريب او هدم او إتلاف او أضرار عن عمد مبان او أملاك عامة او مصالح حكومية او مؤسسات او هيئات حكومية او دوائر الدولة او القطاع الخاص او المرافق العامة والأماكن المعدة للاستخدام العام او الاجتماعات العامة لارتياد الجمهور او مال عام ومحاولة احتلال او الاستيلاء عليه او تعريضه للخطر او الحيلولة دون استعماله للغرض المعد له كباعث زعزعة الأمن والاستقرار.ومع اشتداد سعير الإرهاب والجرائم الطائفية كان لابد من كبح جماح تلك النفوس الشريرة ، ووقاية الناس الأبرياء من شرورها ، فقد توسعت تلك الأعمال التي شملها قانون الإرهاب المذكور ليشمل كل من نظم أو ترأس أو تولى قيادة عصابة إرهابية تمارس وتخطط له وكذلك الإسهام والاشتراك في هذا العمل ، وكذلك العمل بالعنف والتهديد على إثارة فتنة طائفية أو حرب أهلية أو اقتتال طائفي وذلك بتسليح المواطنين أو حملهم على تسليح بعضهم بعضا وبالتحريض أو التمويل .وحدد قانون الإرهاب شمول العمليات الإجرامية التي تستهدف الاعتداء بالأسلحة النارية على القوات المسلحة والشرطة والدوائر الأمنية والسفارات والهيئات الدبلوماسية ، واستخدام أجهزة التفجير والحرق وتفخيخ القنابل او المتفجرات مهما كان شكلها ، وشمل القانون عمليات لخطف والاحتجاز التي توسعت في هذه الفترة وتعددت دوافعها بين الطابع السياسي او الابتزاز المالي او بدوافع طائفية أو قومية أو دينية ، ووصلت عقوبتها إلى الإعدام وهو العقوبة القصوى للجرائم الكبيرة في قانون العقوبات . وتناخى قضاة محكمة التحقيق والجنايات المركزية ليشكلوا حجابات متقدمة ومنسجمة مع خطة فرض القانون والمخططات التي نهجتها السلطة الوطنية المتمثلة بحكومة الوحدة الوطنية لاجتثاث المجرمين والاقتصاص منهم وفقا للقانون ، وحماية الناس الأبرياء من شرورهم واستعادة حياتهم التي سلبتها تلك المجموعات المجرمة . كانت تلك الفترة الحرجة التي عاشها قضاة محاكم الجنايات والتحقيق في المحكمة المركزية اختبارا على التزام القضاة المستقل في سبيل ترسيخ أسس القانون وتحقيق العدل والمساهمة في حماية الناس من الجريمة والمجرم ، كان جميع هؤلاء مشاريع للشهادة والتحدي ، وبالرغم من تعرض قافلة كبيرة من قضاة مجلس القضاء الأعلى في العراق ، إلا أن إصرارا وثباتا ومواظبة على انجاز تلك القضايا كلل المشروع العراقي الوطني المتصدي للهجوم الإرهابي والإجرامي والطائفي بالنجاح الذي تشهده بغداد أخيرا . وإذ تميز قضاة المحكمة بالنزاهة والصلابة والصمود مساهمين فاعلين في ترسيخ أس الاستقلالية الدستورية للقضاء في العراق ، وبالرغم من كل المخاطر والمواجهات والتماس لم يتميزوا عن بقية زملائهم ، إلا أن كتاباتهم أرادت أن تكتب أسماء من ساهم وشارك في أعمالها من القضاة في الزمن الصعب ، جميعهم عارفون خطورة مسؤوليتهم وجسامة الأمانة الملقاة على عاتقهم لفرز الوشايات والضغائن ، ومعرفة الأخبار من التخرصات والاخبار المقصود لإيذاء الغير ، وفوق كل هذا تدقيق القضايا التحقيقية لفرز من تتوفر ضده الأدلة التي تكفي لاحالته على المحاكمة ، من البريء الذي يستوجب القانون إسعافه بقرار الإفراج أو البراءة.
الحصانة البرلمانية
البرلمان أو مجلس النواب أو مجلس الشعب تسميات متعددة لمؤسسة دستورية تشكل السلطة التشريعية، وفي النظم الديمقراطية غالبا ما تتكون السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية لتمارس اختصاصاتها ومهماتها التي حددها وعينها الدستور على أساس مبدأ الفصل بين السلطات، ويتكون المجلس من عدد من الأعضاء يتم انتخابهم عن طريق الشعب، وهؤلاء الأعضاء يمثلون الشعب يتم اختيارهم وانتخابهم عن طريق المنافسة الديمقراطية والاقتراع العام السري المباشر ، ووفقا لهذا فان العضو في البرلمان وان كان يمثل حزبه أو كتلته السياسية إلا انه يمثل الشعب بشكل عام وهو مسؤول عن هذه المهمة التي فوضها الشعب إليه .
ويتضح من خلال تأدية العضو لليمين الدستورية والقسم الذي يحلفه بأن يؤدي مهماته ومسؤولياته القانونية بتفان وإخلاص، وان يحافظ على استقلال العراق وسيادته ويرعى مصالحه ويسهر على سلامة أراضيه وسمائه ومياهه وثرواته ونظامه الديمقراطي الاتحادي وان يعمل على صيانة الحريات العامة والخاصة ويدافع عن استقلال القضاء ويلتزم بتطبيق التشريعات بأمانة وحياد . ويختص مجلس النواب بتشريع القوانين في الدولة الاتحادية ،والرقابة على أعمال وأداء السلطة التنفيذية، وانتخاب رئيس الجمهورية، وتنظيم عملية المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية المعقودة بين العراق وتلك الدول، إضافة إلى تعيين رئيس وأعضاء محكمة التمييز ورئيس الادعاء العام ورئيس هيئة الإشراف العدلي، والسفراء وأصحاب الدرجات لخاصة الذين يتم اقتراح أسمائهم من قبل مجلس الوزراء، وكذلك تعيين رئيس أركان الجيش ومعاونيه ومن هم بمنصب قائد فرقة ورئيس جهاز المخابرات ومساءلة وعزل رئيس الجمهورية وفق نصوص الدستور، إضافة الى مساءلة الوزراء وسحب الثقة منهم وإقالة الوزارة وإعلان الحرب وحالة الطوارئ، ومن خلال تلك المهام الخطيرة التي نص عليها الدستور، ندرك أهمية المجلس والأعضاء العاملين فيه، وفي سبيل تفعيل عمل المجلس تدور النقاشات وتطرح الأفكار، ولهذا فإن الحرية التي يتمتع بها عضو البرلمان من اجل إتاحة الفرصة له لتقديم ما يخدم الشعب الذي خوله تلك المكانة وأوكل إليه تمثيله في هذا المجلس، فإن الدستور منحه تلك الحصانة المشروطة، التي تحمي أفكاره وآراءه من المسؤولية أثناء دورة الانعقاد، غير أن الغطاء يمكن أن يتم سحبه منه إذا أرتكب أو اتهم بارتكاب جناية خلال تلك الفترة بالطريقة التي حددها الدستور. يؤدي أعضاء مجلس النواب دورا هاما في إرساء معالم الديمقراطية التي أكدتها المادة الأولى من الدستور عبر تمثيل أفراد الشعب، وعبر المناقشات الهادفة والنتائج التي تصاغ على شكل قوانين صادرة من المجلس ،أن عضو مجلس النواب يعد ممثلا للشعب العراقي من دون اعتبار لأي تمييز قومي أو ديني، فهو يمثل الشعب العراقي، وبالنظر لنيله ثقة الشعب قد صار وكيلا عنهم أمينا على حقوقهم ومتفهما للحاجة الى القوانين التي تسهل عمل السلطة التنفيذية وخدمة المواطن، وبهذا يستمد أعضاؤه نيابتهم من الأمة وحقهم في التصويت حق شخصي لا يمكن تفويضه لغيرهم، وعلى هذا الأساس فإن الدستور وضع تلك الحصانة لعضو مجلس النواب لتسهيل عملية التلاقح والمناقشات الجدية بقصد التوصل الى أفضل السبل والحلول المطروحة، ولذا فإن الحصانة التي يضفيها الدستور على عضو مجلس النواب لاتعني الحماية الشخصية، ولاتوفر له درجة في التمايز كمواطن له من الحقوق والواجبات مايوفره الدستور لغيره من المواطنين، إلا أن الدستور يضع لعمله البرلماني تلك الحصانة، وينظم حمايتها وفقا للقانون، وفي سبيل ذلك فإن المجلس يدرس حالات سحب الحصانة دراسة وافية وعميقة، ليس بقصد عرقلة الإجراءات القانونية في القضايا التي تمس حقوق الغير، وإنما بقصد معرفة جدية تلك الاتهامات وعدم تعلقها بالأفكار والآراء التي يطرحها العضو داخل اطار المجلس، فإن وجد ان العضو متهم بما يمكن ان يتم سحب الحصانة عنه، فيتم اجراء سحب الحصانة بموافقة الأغلبية المطلقة من الأعضاء، باعتبار أن القانون فوق الجميع من دون اعتبار للمركز التشريعي أو الوظيفي الذي يشغله، ولا احد فوق سلطة القانون، وتلك الإجراءات تأتي انسجاما مع تمسك المجلس في التطبيق الدستوري والقانوني السليم، وتجسيدا لمبدأ ان المتهم بريء حتى تثبت إدانته، والأمر في كل الأحوال متروك للقضاء العراقي. ومع إن العراق ملتزم بتطبيق مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث، الا أن جسم الهيئة التشريعية يعتبر منطقيا وهو الجسم الأعلى في البلاد، وهو الذي يخطط ويقنن النصوص من اجل رسم المرحلة التي تحكم وجوده للسلطة التنفيذية والقضائية، مع أن القضاء مستقل لا سلطان عليه لغير القانون .
و إن عضو مجلس النواب مواطن ومن البشر، ويمكن أن تصدر عنه بعض الأفعال أو الأقوال التي أن صح وقوعها يعاقب عليها القانون، وحتى يمكن أن تكون هناك آلية معتمدة في رفع غطاء الحصانة البرلمانية عن ذلك العضو ضمن الإطار الدستوري والقانوني، تتم مساءلة عضو البرلمان عن الاتهامات الموجهة له من الجهات القضائية المختصة، علما بأن عضو مجلس النواب سبق وأن أدّى اليمين الدستورية على التزامه بتطبيق التشريعات واحترام استقلالية القضاء والتزامه واحترامه للقوانين . أكد الدستور العراقي في المادة 63 منه على تمتع عضو مجلس النواب بالحصانة (عما يدلي به من آراء أثناء دورة الانعقاد )، ولا يتعرض وفق تلك الآراء للمقاضاة أمام المحاكم، كما منع الدستور إلقاء القبض على عضو البرلمان طيلة مدة الفصل التشريعي (الا إذا تم ضبطه متلبسا بجريمة جنائية مشهودة) أو كان متهما بجناية، حيث يقرر المجلس بأغلبيته المطلقة رفع الحصانة عنه. هذه الحصانة توفر الحرية في طرح الآراء والأفكار من دون تحمل عضو البرلمان المسؤولية القانونية مادام المجلس منعقدا، إذ تكون تصرفاته خارج دورات الانعقاد وخارج المجلس يحكمها القانون، ويكون مسؤولاً عما يصدر عنه من أقوال وأفعال . كما لم يجوّز الدستور القبض على عضو البرلمان خارج مدة الفصل التشريعي (إلا إذا تم ضبطه متلبسا بجريمة الجناية المشهودة أو اتهامه بارتكابها)، إلا بعد موافقة رئيس مجلس النواب . وفي حال وجود عدد من الاتهامات الجدية بحق عضو البرلمان، فإن المحكمة المختصة ترفع طلب استدعاء أو استقدام عضو البرلمان إلى مجلس القضاء الأعلى الذي يفاتح مجلس النواب لرفع الحصانة عن ذلك النائب العضو لغرض استكمال الإجراءات التحقيقية، ووفقا لتلك النتائج التي يقررها القاضي، فإن تم غلق التحقيق والإفراج عن النائب سيعود الى المجلس ليمارس عمله بشكل طبيعي من دون شك .أما في حال توفر الأدلة فإن المحكمة تحيل القضية الى الجهة القضائية المختصة للمحاكمة لتصدر قرارها الفاصل وفقا للقانون . قد يرتكب عضو البرلمان جناية أو جنحة يعاقب عليها القانون، أثناء حمله الصفة النيابية، وعند طلب القضاء الموافقة على سحب الحصانة مؤقتا عن العضو يصير الأمر متروكا أمام المجلس، الذي يدرس موضوع الطلب وبموافقة الأغلبية المطلقة يتم رفع الحصانة عنه، حيث أن الإجراءات التي يمكن أن تتخذها السلطة القضائية من دون تلك الإجراءات الدستورية تعد باطلة ولاقيمة لها قانونا مالم تقترن بموافقة الأغلبية المطلقة التي أشار لها النص الدستوري، ولكن بعد أن تنتهي فترة العضوية فإن العضو يفقد الحصانة التي اكتسبها من خلال صفته عضوا، فيجوز بعد ذلك اتخاذ الإجراءات القانونية في مواجهته من دون إذن البرلمان ومن دون الحصول على اجراءات سحب الحصانة، لأن العضو فقد حصانته بانتهاء مدة عضويته، وعاد مواطنا عاديا من دون حصانة قانونية . ويفهم من نص المادة 63 من الدستور انه يجوز للسلطة القضائية إصدار أمر بالقبض على عضو البرلمان أو توقيفه من دون تلك الإجراءات حتى في حالة انعقاد الفصل التشريعي أو خارجه، إذا تم ضبطه متلبسا بجريمة مشهودة (جناية كما حددها النص حصرا)، والجريمة سواء كانت جناية او جنحة تكون مشهودة في حالتين، وهما حالة ما اذا ارتكبت في حضور أحد أعضاء الضبط القضائي، او اذا حضر المحقق أو قاضي التحقيق الى محل ارتكابها عقب ارتكابها ببرهة يسيرة وكانت أثارها ما زالت موجودة وواضحة وتقطع بقرب وقوع هذه الجريمة، كما تعني الجريمة المشهودة أنها تقارب زمني بين وقوع الفعل الجرمي وبين مشاهدته أثناء أو بعد الانتهاء من ارتكابه فورا، وفي كل الأحوال، فإن الجريمة المشهودة هي التي تقع تحت سمع أو بصر الشهود ، وفي باب الاختصاص الشخصي في قانون العقوبات العراقي أوقفت المادة 11 سريان القانون على الجرائم التي تقع في العراق من الأشخاص المتمتعين بالحصانة المقررة بمقتضى الاتفاقيات الدولية أو القانون الدولي و القانون الداخلي، الا أن هذا الإيقاف في القانون الداخلي مشروط بالحصول على أذن البرلمان، أو دون ذلك الاذن في حال الجريمة المشهودة، وعليه فأن استمرار الإجراءات القانونية يتوقف على موافقة البرلمان في أن يستمر بعمله لتحقيق العدالة والمباشرة بالتحقيق في الجرائم المنسوبة للعضو أو الأعضاء، والأمر يكشف مدى أحترام الهيئة التشريعية المتمثلة بمجلس النواب للقانون وللقضاء، ومن المؤكد أن البرلمان وهو الجهة التشريعية التي تصدر القوانين هو الجهة الأكثر التزاما بتلك القوانين واحترامها وحيث أن هذه الحصانة للمركز القانوني لعضو البرلمان لايملكها شخصيا ولا تدور معه بأي شكل من الأشكال، فليس من حقه التنازل عن تلك الحصانة دون صدور قرار من مجلس النواب يقضي بسحب حصانته لاتخاذ الاجراء القانوني سواء كان متهما أو شاهدا في قضية تحقيقية معروضة أمام القضاء، ومن دون موافقة المجلس على مثوله أمام القضاء، وقد يتعرض عضو مجلس النواب للعقوبات ضمن نصوص النظام الداخلي للمجلس، غير أن هذا العضو يتمتع بالحصانة عما يدلي به من آراء أثناء ممارسته عمله في البرلمان، ولا يمكن أن يتعرض للمقاضاة بسبب تلك الآراء والأفكار أمام المحاكم، لإعطائه الفرصة والحماية والحرية في طرح الأفكار ومناقشتها وردها والتعقيب عليها خلال مدة إنعقاد البرلمان ، ولا تترتب على عضو البرلمان إزاء ذلك أية مسؤولية قانونية، ويترتب على عدم المسؤولية البرلمانية أن العضو لا يسأل عن أقواله فلا تترتب على تلك الأقوال والأفكار أية مسؤولية جنائية ولا مسؤولية مدنية لأنه يمتلك إباحة دستورية تخوله ذلك، وقد يتعرض للجزاءات التأديبية التي نصت عليها اللائحة الداخلية للمجلس التي نصت عليها المادة 51 منه لتنظيم سير العمل فيه.
الأنتخابات في كوردستان العراق
من ضمن ما نصت عليه مواد الدستور الاتحادي ودستور الإقليم الحقوق التي يتمتع بها المواطن ، والواجبات التي يلتزم بها ، ومن بين أهم تلك الحقوق لمواطني الإقليم حق المشاركة في إدارة الشؤون العامة مباشرة أو بواسطة ممثليهم المنتخبين بحرية كما لهم حق المشاركة في الانتخابات العامة والاستفتاء وانتخاب المجالس المحلية والبلدية والهيئات الأهلية وتقلد الوظائف العامة على قدم المساواة وفق الشروط المبينة في القانون ومبدأ تكافؤ الفرص.
ومن المبادئ الديمقراطية التي أكد ونص عليها دستور الإقليم ، حرية تأسيس الجمعيات والأحزاب السياسية أو الانضمام إليها والتي كفلها ونظمها القانون .
كما لم يجوز الدستور إجبار أحد على الانضمام إلى حزب أو جمعية أو إجباره على الاستمرار في العضوية فيها أو التخلي عنها.
وتأكيدا على النهج الديمقراطي الذي تطمح لتحقيقه القيادة الكوردستانية في الإقليم ، وهو معلم أساسي من معالم جميع الأحزاب الكوردستانية بشكل عام ، وأن تضمن الجمعيات والأحزاب السياسية ممارسة المبادئ الديمقراطية في إدارة تشكيلاتها و تنظيماتها وحقوق منتسبيها.
وأن تلتزم تلك الأحزاب والجمعيات في منهجها ونظامها وممارستها بالمبادئ والحقوق الأساسية الواردة في الدستور وقبول الرأي الأخر والتعددية ونبذ العنف، وشكلت تلك المبادئ طريقا في العمل ومنهجا في السلوك .
ونص الدستور على الحظر المفروض على الأحزاب والمنظمات والجمعيات والأفراد من استخدام الدين أو مقتبسات كتبه المقدسة أو شعائره أو طقوسه كوسيلة للحط من مكانة الغير سياسياً أو اجتماعيا لتحقيق مكاسب حزبية أو انتخابية أو غيرُها، وهي مسألة مهمة في معالم الحياة السياسية المدنية .
ولم يأت عفويا تأكيد السيد رئيس الإقليم عند اجتماعه بالسادة أعضاء برلمان كوردستان العراق بأن يتم منع استخدام التشهير والتنابز بين المرشحين ، بأعتبار أن تلك الأساليب المتخلفة تتناقض مع المنهج الديمقراطي والسبل المتحضرة والوسائل المشروعة في التنافس .
وهذه الانتخابات خطوة جديدة على طريق الديمقراطية ، تلك الطريق التي عمدتها قوافل الشهداء الكورد بأرواحهم ، وطريق الديمقراطية طويل تتخلله عثرات ومطبات وعوائق ، ولكن نهايته تحقق استقرار القيم الإنسانية وتحفظ للناس حقوقها وكرامتها وإنسانيتها ورقيها ، وبعد كل تلك الفترة التي اكتسبت بها كوردستان العراق هذه الخبرة الطويلة التي تخللتها الصعاب والعوائق والظروف والمتغيرات ، نعود لترسيخ تلك المبادئ التي ستأتي محملة بكل ثقل التجربة ومتطلبات الحياة الجديدة في كوردستان العراق .
أحزاب جديدة وشخصيات ستطرح نفسها للتنافس المشروع مدفوعة بالتنافس لخدمة الإنسان ، عليها أن تضع نصب ضميرها أنها تتنافس من أجل أن تسعى لإظهار تجربة الفيدرالية أنموذجا يفتخر به كحق مشروع من حقوق شعب كوردستان العراق ، وأن هذه التجربة البناءة جديرة بالاقتداء ، وأن نفتخر بها بعد أن تحقق المكاسب التي نحلم بها للطبقات الفقيرة والمعدمة التي كانت وقود الثورة دائما .
وإذا كان على المواطن أن ينتخب وممارسة حقه الدستوري ، فأن عليه واجب الاختيار والتدقيق في تلك الأسماء التي تريد صوته وأن تكون ممثلته في البرلمان ، عليه أيضا أن يفهم الظروف التي تمر بها المنطقة وإقليم كوردستان ، ومع أن هذه من مهمات التنظيمات السياسية الموجودة التي ينبغي أن تأخذ على عاتقها تبسيط الأمور الثقافية والسياسية ، وأن تكون على التماس المباشر مع المواطن الكوردستاني ، وأن تسعى لنشر تلك الثقافة عموما ، وفي المناطق المتنازع عليها ( أو محل اختلاف ) بشكل خاص .
هذه الانتخابات ستزيد من تجربة الإقليم خبرة في رسم معالم الحياة الاقتصادية ، ووضع الخطط والوسائل التي تخدم الإنسان والمستقبل ، وأن تزيد من حالة الوعي لدى المواطن ، وأن تزيد من حالات التفاهم والانسجام مع القاعدة الشعبية ، وأن يتم تمتين الجسور والروابط بين جميع الكتل والشخصيات السياسية مادام الهدف الكبير واحدا وأن تعددت الطرق واختلفت الأساليب والوسائل .
المشاركة واجب وطني وتعبير أكيد على المساهمة في بناء الصرح الديمقراطي ، وفوق كل هذا تعبير جريء وصريح عن قدرة الصوت الكوردي في الاختيار ، بالإضافة إلى اعتماد الشفافية والنزاهة المطلوبة في أجواء الانتخابات بعد أن تخطى الإقليم أجواء الانفعال وترتيب أمور البيت الكوردي وتسييد أجواء الانسجام والوئام بين أبناء الشعب ، ودفع الجميع باتجاه عملية البناء ورسم معالم المستقبل .
ومن يتابع مجريات الأمور في الإقليم عن قرب يلاحظ التطور النسبي في الثقافة القانونية وبوادر الالتزام بالمنهج الديمقراطي ، في ظهور شخصيات جديدة وأحزاب دخلت الانتخابات للمرة الأولى تحت ظل المنهج الديمقراطي الذي جاء به الدستور، وهذه البادرة ستتطور وتأخذ منحى يفيد الحياة السياسية والتعددية في العمل ، بالإضافة إلى ضرورة وجود قوى سياسية معارضة ترصد الخلل وتوضح نقدها الايجابي .
ومن المؤكد أن على أصدقاء شعب كوردستان أيضا مهمة نبيلة في أن يبينوا مكامن الخلل والخطأ في المسيرة ، وهي مهمة من مهمات الصديق الحقيقي ، كما أن قيادة الأقليم بحاجة لمنهج النقد كما تؤكد عليه دوما ، وهذا المنهج يعزز من مصداقية من يتمسك بخيار صداقته ومحبته واعتزازه بشعب كوردستان ، ويتضامن معه بكل الوسائل الممكنة في سبيل حقوقه الإنسانية المشروعة ، ومنها على سبيل المثال لاالحصر شخصيات التجمع العربي لنصرة القضية الكوردية .
أن الوعي الانتخابي لاتوفره النصوص فضلا عن أن النزاهة والشفافية لاتخلقها القرارات ، فدور القيادة في هذا المجال واضحا وعليها يقع عبء تحفيز منظمات المجتمع المدني وقواها السياسية المشاركة في الحكم ، والتمسك بخيار سيادة القانون واستقلالية السلطة القضائية ، وهو ما تتمسك به الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم ، ولأن حقوق الفرد لاتنفصل عن حريته واختياراته ينبغي أن نمنح المواطن فسحة من الحرية في الاختيار والبحث وأن يبقى شعار الثورة الذي منحه شعب العراق عموما وكوردستان العراق خصوصا قوافل من الشهداء (( الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان )) والذي سيتحول لاحقا للديمقراطية للعراق والفيدرالية لكوردستان العراق .
الانتخابات صفحة واحدة من الصفحات المعبرة عن القيم الديمقراطية ممارسة وسلوكا ، وهي دون ذلك المنهج تكون انتخابات فارغة وخاوية وصورية ، لاتنتج أثرا ولا شخصيات يمكن أن تؤثر في بناء المستقبل ، ونحن لم نزل نحلم في بناء الإنسان والمستقبل ، والانتخابات وسيلة للتعبير عن أرادة الجماهير وآلية تعكس خيارها ورغبتها في تمثيلها ، وعلى الجميع مرشحين ومنتخبين ان يتمسكوا بهذه الحقيقة .
حقيقة أن كوردستان العراق دخلت تجربة الفيدرالية وأختارتها وعليها أن تكمل الطريق لرسم معالم الحياة السياسية التي تخدم الحياة الكريمة التي افتقدها شعب كوردستان ردحا طويلا من الزمن ، وأن يعي الجميع حجم المخاطر والعقبات التي تحيط بمعالم هذه التجربة ، بالإضافة إلى العقل الشوفيني الذي بدأ يتفكك بشكل بطيء من خلال عقليات أحزاب وشخصيات وفضائيات وتجمعات تحمل العقلية المتخشبة والمتحجرة التي ورثتها من أنظمتها ومخلفات تلك الشخصيات التي عافها الزمن .
يقينا ستكون تجربة الانتخابات القادمة تجربة جديرة باحترام قوى العالم ومنظماته الدولية ، وقبل ذاك احترام القوى السياسية في العراق عموما ، وأن تبرهن على تمسك الأحزاب الكوردستانية بالمنهج الديمقراطي وبخيار الفيدرالية ، وبالإضافة إلى سعيها الأكيد لتقييد الفكر الشوفيني الناتج عن رد الفعل ، وأن تكون الانتخابات صفحة جديدة من صفحات بناء الإنسان في كوردستان العراق .
الثقافـــــة المشوهـــــة فــــي مجتمعنـــــا
22/12/2008 :
عمل الفكر الشوفيني في العقل العراقي بالإنسجام مع العقلية العربية المريضة التي كتبت التاريخ، ليس فقط في إنكار حق الكرد وبقية القوميات في الحياة وتقرير المصير، بل في تشويه حقائق التاريخ والجغرافية معا، وكانت السلطات التي تعاقبت على حكم العراق حتى نهاية حقبة الدكتاتورية تنشر الثقافة المشوهة وتعتمد التزوير في التاريخ، حتى نشأ جيل من العراقيين ملتبس الثقافة بعيد عن معرفة حقائق الحياة المشتركة، او المعاني الحقيقية للحرية وحق الاختيار وتقرير المصير.
او محاولة تطبيق المفاهيم الدينية والشرعية في الحياة من ان الافضلية والاكرم للتقوى بين الشعوب والقبائل، وليس للقومية والعشيرة والمذهب كما تقول شرائع حقوق الانسان، وأيضا فيما يخص حقوق الكرد في الحياة، أو على الأقل الأنسجام في قراءة اصول نظريات حقوق الانسان في التاريخ القديم، فقد كتبوا عن الكرد من خلال اشتغالهم بعلم الانساب بشكل ملتبس وبعيد عن حقائق التاريخ.
ومع أن ابن خلدون يؤكد عند اختلاف الأنساب وتباين الدعاوى ان يستظهر كل ناسب على صحة ما ادعاه بشواهد الاحوال والمتعارف عليه من المقارنات في الزمان والمكان، ومايرجع الى ذلك من خصائص القبائل وسمات الشعوب والفرق التي تكون فيهم متنقلة ومتعاقبة في بنيانهم.
فيذكر المسعودي في مروج الذهب ومعادن الجوهر بالصفحة 122 من بحثه: (( أما أجناس الكرد وانواعهم فقد تنازع الناس في بدئهم، فمنهم من رأى انهم من ربيعة بن معد بن عدنان، انفردوا في قديم الزمان، وانضافوا الى الجبال والاودية، دعتهم الى ذلك الالفة، وجاوروا من هنالك الامم الساكنة المدن والعمائر من الأعاجم والفرس، فحالوا على لسانه وصارت لغتهم اعجمية.
ولكل نوع من الكرد لغة لهم بالكردية، ومن الناس من رأى أنهم من مضر بن نزار من ولد كرد بن مرد بن صعصعة بن هواز، وانهم انفردوا في قديم الزمان لوقائع كانت بينهم وبين غسان، ومنهم من رأى انهم من ربيعة ومضر وقد اعتصموا في الجبال طلبا للمياه فحالوا عن اللغة العربية لما جاورهم من الأمم.
ومن الناس من ألحقهم بإماء سليمان بن داود عليهما السلام، حين سلب ملكه ووقع على امائه المنافقات الشيطان المعروف بالجسد، وعصم الله منه المؤمنات أن يتبع عليهن، فعلق منه المنافقات، فلما رد الله على سليمان ملكه ووضع تلك الإماء الحوامل من الشيطان قال: اكردوهن الى الجبال والأودية، فربتهم امهاتهم وتناكحوا وتناسلوا، فلذلك بدأ نسب الكرد، ومن الناس من رأى ان الضحاك ذا الافواه الذي تنازعت فيه الفرس والعرب من اي الفريقين هو، ان الناس تخلصوا منه الى الجبال فتوحشوا وتناسلوا في تلك الجبال)) وينتهي المسعودي ليسرد الاشهر عند الناس بخصوص نسب الكرد فيقول أن الأصح من انسابهم انهم من ولد ربيعة بن نزار.
وبمرور سريع على تلك النظريات التي اوردها المسعودي وغيره ندرك أن هناك أحتمالات عديدة تتعارض في نسب الكرد الضائع في المنظار العروبي!! فهم عرب أصلا ولكن لسانهم اعوج بحكم مجاورتهم لأقوام تركية او فارسية أو آشورية أو كلدانية، كما انهم وحوش الجبال الباحثين عن المياه في أقاصي الجبال التي سكنوها وعافوا لغتهم بعد ذلك.
كما انهم من بذور الشيطان نتيجة التلاقح الأسطوري بين الشيطان وبين اماء سليمان، وفي كل الأحوال فإن ما يورده المسعودي ليس افتراضا او تخمينا، انما هو دلالة اكيدة على العقلية المتطرفة التي لايمكن ان تقر بحق الاخر في النسب والوجود والحياة والكرامة.
فلا يمكن ان يكون للكردي نسب خارج اطار القومية والنسب العربي، وعلى الكردي ان يستعيد نسبة ويعود الى الحضيرة العربية التي خرج منها لأسباب أملتها الظروف حينذاك.
وهم ايضا شعب متوحش هرب من الضحاك ليلتحق بالكهوف الموحشة والجبال يهيم فيها، ويعزف عن تقديم الأضاحي من الفتيات الكرديات لتلك الأفاعي التي تخرج من كتفي الضحاك !!.
كما ان النسب الشيطاني له اسبابه في تمرد الكردي على قسوة الطبيعة وتطويع الجبال بالأضافة الى ما عرف عنه من تمرد على الظلم وعلى السلطات التي تتعاقب تحكمه بالقوة.
مع ان الكرد عاشوا على جوانب الروافد اليسري لنهر دجلة حوالي القرن السادس ق.م وبذلك فقد تجاوروا خلال حقبة طويلة من الزمن مع الكاردومينيين الذين استشهد باسمهم زنيفون سنة 401- 400 قبل الميلاد.
كما ان الدلائل المستقاة من علم السلالات البشرية الانتروبولوجيا حديثاً تقول بأصلهم الآري ووجودهم العريق والقديم مع صفاتهم المميزة التي تتعارض مع الأفتراضات المبطنة التي تسيء الى تاريخهم وتحاول شطب الحقائق.
ومن اللافت للنظر أن العديد من مصنفات التاريخ العربي أشارت الى ذلك النسب الشيطاني للكرد، فبعد ان عجزت عن إثبات النسب العربي لهم، عادت لتشابك عناصر هذا النسب في وحدة سردية.
لعمرك ما الكرد من نسل فارس ولكنهم من كرد بن عمرو بن عامر، فهم كرد ولكنهم ينتمون للنسب العربي، هذه الصفحات التي لم تزل محفورة في الثقافة العربية المشوهة، بالرغم من الأسانيد والأدلة والوقائع التاريخية والقرائن التي توفرت في البحث العلمي الرصين، التي تؤكد وتجزم قومية الكرد وحقيقتهم التاريخية، والتي تثبت علاقتهم بالتاريخ الانساني القديم والحديث، الا أن الغريب ان هذه الثقافة المشوهة والتي لاتنم عن حرص اكيد على حقائق التاريخ، ولاعلى الشراكة الحقيقية في الجغرافية، ولا على التعلم من تجارب البشر في التعايش والأقرار بحق الآخر وحقوق القوميات، لم تزل فاعلة وتعمل في العقل العراقي والعربي بوجه عام دون ان تجد من يتصدى لها او يعمل على تقويمها، حرصا على الحقيقة وأصول الحياة المشتركة وثقافة حقوق الأنسان.
لم تزل تلك العقليات تعيش لحظة الأنتصار الوهم، ولم تزل تعتقد أن جميع الآخرين دونها، ومن هذا المنطلق تتطور هذه المفاهيم مع العصر، فتعيد مرة أخرى ثقافة التخويف والحذر من الخطر الكردي على الوطن العربي، ونشر تلك الثقافة المشوهة إنسانيا في تصوير الكرد اعداء العرب والخنجر المغروس في خاصرة الوطن، والكرد الجهة التي تريد خراب وحدة العراق، والشعب الأجنبي الدخيل الذي يريد ابتلاع مناطق العراق.
ولعل في الأشكاليات العراقية اليوم ما يتيح لتلك العقول ان تبث السموم بيسر وسهولة، وتحاول جاهدة ان تنفث سمومها الحادة مستعيدة كل اسقاطات الماضي بقصد تخريب كل معالم انسانية بدأ العراقي في بنائها بعد سفر طويل من التضحية والقرابين، العراق الذي أصبحت السلطة فيه يتم تداولها عبر الوسائل الديمقراطية، والعراق الذي يحرص على المساواة بين العراقيين بصرف النظر عن قومياتهم او اديانهم او مذاهبهم.
فالفيدرالية لكردستان العراق لم تكن منة من أحد، ولا كانت صفقة تسوية او ارضاء لطرف على حساب الآخر، الفيدرالية كانت الخيار الأمثل للواقع العراقي، الفيدرالية هي النظام الأتحادي الذي يقوم على تعزيز الوحدة الوطنية، والمتمعن في التضحيات المشتركة التي اعطاها العراقي عربيا او كرديا او تركمانيا او من بقية القوميات العراقية القديمة، من اجل ان تتحقق الفيدرالية، والتي اكدها الدستور وضمتها النصوص التي استنطقت عذابات القمع القومي ومآسي القوميات العراقية، واذا كانت التجربة الفيدرالية العراقية حديثة، فإن الزمن والشراكة الحقيقية كفيلان بترسيخ جذورها وتجاوز ما تضعه تلك القوى في طريقها من عقبات والمستقبل للأنسان حتما.
وحين صارت الفيدرالية واقعا ملموسا، وحقيقة دستورية من حقائق الحياة العراقية، نشطت العقول المشوهة في التصدي لمشروع العراق الفيدرالي، وحاولت أن تعيد الحياة في سمومها القومية.
لاشك أن قراءة منصفة لما ورد بكتب التاريخ العربي تجعلنا ندرك حضور العقل الشوفيني في تلك المرويات، وإلغاء حقائق التاريخ والجغرافية، ومع أن المسعودي يشطب من مروجه كل الديانات القديمة التي دان بها الكرد قبل أن يحل بينهم الاسلام، وكل تلك الحقائق أمام ضرورة أن تكون تلك المجموعة البشرية خاضعة لحكم عربي تحت شعارات الدين والقومية، وتلك الحقيقة المرة التي كانت.
ومن يقرأ التاريخ أيضا بترو يدرك ان البعد السياسي يطغي على الدراسات العربية المكتوبة عن الكرد، مع محاولات لغض النظر عن التاريخ أو الحضارة، وإلحاق نسب الكرد بشعب آخر محاولة بائسة لتشويه حقيقة النسب والتاريخ والشراكة الانسانية، بالاضافة الى محاولة اظهار الكرد على أساس انهم أمة غير متجانسة وانهم خليط من مجموعات عرقية يتناقض مع واقع المنطقة وماجرى فيها من احداث على مر العصور.
الشراكة الحقيقية ينظمها الدستور وتحكم علاقاتها القانونية محاكم اتحادية، بالاضافة الى اللقاءات والاجتماعات لتذليل الصعوبات وايجاد الحلول لكل الأشكاليات التي تنجم جراء التطبيق والممارسة، بديلا عن إبراز الأخطاء وترويجها اعلاميا واستغلالها بشكل يسيء الى التجربة، وبدلا عن تتبع الأخطاء ورصدها وتجميعها.
هذه المقدمة المضغوطة عن الفهم الشوفيني لمفاهيم الحقوق التي ينبغي ان يتمتع بها شعب كردستان في العراق، وفقا لما توفره الشرائع ولائحة حقوق الانسان والدستور العراقي، لم يزل بعض من يعتقد حسب مفهومه أن الكرد سيبلعون العراق !!.
سيبلعون العراق لأنهم يطالبون بضم مدينة كركوك لاقليم كردستان، وفقا لما كانت قد قررته المادة 58 من قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية، ووفقا لما أكدته المادة 140 من الدستور، وسواء كانت كركوك ضمن اقليم كردستان العراق، او انها بقيت محافظة لاترتبط باقليم بأي حل مشترك تتوصل له الأطراف، لايعني هذا الأمر لافصلها عن العراق ولاضمها لدولة أخرى، سوى أن الأمر بصدد ترتيب الحلول الأنسانية التي تجعل القيمة العليا للأنسان في ظل النظام الجمهوري البرلماني الديمقراطي الاتحادي.
ونفس الأمر يسري على المناطق التي سميت جزافا (بالمناطق المتنازع عليها)، مع أنها اقرار لرغبة الناس وتنفيذا لحق الفرد في الحياة والأمن والحرية في الالتحاق بالأقاليم أو المحافظات غير المرتبطة باقليم، بالأضافة الى إعادة ترتيب المناطق التي حاول النظام البائد ارباكها وتطبيق السيادة الشوفينية دون وجه حق ودون منطق.
نرجو ان نتفق على المشتركات قبل أن نتهم الكرد بعملية البلع، فهل المطلوب أن يبقى الكردي محكوما وصامتا لايطلب تطبيق النصوص الدستورية عليه؟ هل لم نزل نعتقد بأن الكردي نصف مواطن وأن عليه أن يتبعنا ويخضع لارادتنا؟ هل المطلوب ان يتم تحجيم الكرد فلا يحق لهم ان تتوحد مناطقهم الكردية تحت مظلة الفيدرالية والنظام الموحد في العراق؟ متى سنفهم الأسس الدستورية والقانونية التي يستند عليها النظام الفيدرالي؟ كيف يمكن ان نهيء الأجواء الطبيعية لنشر ثقافة حقوق الأنسان وتطويع العقل المثقل بالثقافة المشوهة لثقافة الأقرار بحق الآخر؟ هل أن النظام الفيدرالي كثير على شعب تقر له الشرائع واللوائح الدولية وقوانين حقوق الأنسان بحق تقرير المصير، وحق اختيار شكل الحكم الذي يريد؟.
وأخيرا هل لم نزل نعتقد بأن الكرد العصاة على السلطات الظالمة هم اولاد الجان، والمجموعة البشرية الهائمة في الجبال؟ أم اننا نعتقد حقا بأن العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب، واننا متساوون في الحقوق والواجبات امام القانون دون النظر الى قومية أو دين او مذهب او عقيدة، وأن النظام الأتحادي يتشكل في العراق من عاصمة وأقاليم ومحافظات لامركزية وأدارات محلية. وأن الدستور أقر عند نفاذه بأقليم كردستان وسلطاته القائمة اقليما اتحاديا.
وأن العمق التاريخي للوجود الكردي في كردستان منذ فجر التاريخ، شعوبها التي تتألف من طبقتين من الشعوب، الطبقة الأولى التي كانت تقطن كردستان منذ فجر التاريخ “ويسميها محمد أمين زكي” (المؤرخ محمد أمين زكي (1880 - 1948) في كتابه “خلاصة تاريخ الكرد وكردستان شعوب جبال زاكروس” وهي وحسب رأي المؤرخ المذكور شعوب “لولو، كوتي، كورتي، جوتي، جودي، كاساي، سوباري، خالدي، ميتاني، هوري، نايري” وهي الأصل القديم جدا للشعب الكردي) والطبقة الثانية: هي طبقة الشعوب الهندو- أوربية التي هاجرت إلى كردستان في القرن العاشر قبل الميلاد، واستوطنت كردستان مع شعوبها الأصلية وهم “الميديين و الكاردوخيين”، وامتزجت مع شعوبها الأصلية ليشكلا معا الأمة الكردية، ولامحل للأفتراءات التاريخية التي اطلقت عليهم مثلما اطلقت عليهم المدفعية والصواريخ والقنابل، ومثلما نثروا فوقهم السيانيد وغاز الخردل، ومثلما ذبحوا منهم قوافل ضمن مخطط الجينوسايد الذي سجل ذبح 182 الف أنسان، لم يتحرك خلالها الضمير المتخم بالشوفينية ولا إهتزت تلك الأنفعالات التي تريد النيل من تجربة اقليم كردستان العراق الفيدرالي، او من شعب كردستان عموما.
نشعر بحاجة ماسة لتفعيل دور الثقافة الانسانية وحقوق الأنسان، ونشعر بالمسؤولية الكبيرة لأن نحرص على التجربة، ونشعر اننا ازاء تجربة جديرة ليس فقط بالتقدير ازاء البناء والترميم، انما لأننا امام تأسيس لدولة ديمقراطية تكفل حق الأنسان بالحياة وتحترم انسانيته دون فوارق، وتسعى لبناء دولة القانون، سواء في اقليم كردستان او في بقية مناطق العراق الاتحادي.
نحن بحاجة لنظام تعليم يعتمد حقوق الأنسان نبدأ به من مدارسنا الأبتدائية، وبحاجة الى ثقافة مجتمعية تنشر تلك المفاهيم التي ضيعتها الأنظمة البائدة وشطبتها من عقلنا، وبحاجة الى قوانين تدعم تلك الحقوق والثقافة، بحاجة الى ثقافة التسامح والأقرار بالآخر، وبحاجة الى جهد الحقوقيين ونقابة المحامين والمؤسسات القانونية ومنظمات المجتمع المدني، نحن بحاجة لجهود رجال الدين المتنورين الحريصين على حياة الأنسان مشتركا في العراق، بحاجة الى جهود الشباب والمرأة في هذا المجال، فحجم الخراب كبير وعلينا أن نبدأ برتق هذا الخراب في جسد العراق، وان نسعى بذات الوقت الى الترميم وتأسيس البناء الجديد معا، وهي مهمة لن نزعم انها سهلة، لكن الخطوات الأولى ستجد لها ارضية متينة من خلال تطلعات ومبادئ اكثر الأحزاب العراقية عمقا وفهما لواقع المجتمع العراقي.
صحـــوة العــــراق
- 17/4/2008 :
يخطئ من يظن أن شعب العراق سيبقى منشغلا عن تلك الصحوة التي تعيد بهاء العراق ونقاء قيمه ، ويخطئ من يظن أن الزمن المر سيستمر يربك حياة الناس يسرقهم خلسة ، وأن غفوة نواطير العراق ستطول ، وستبقى الثعالب تسرح وتمرح تختلس المال العام وتخون الأمانة وتسرق القوت من أفواه الفقراء فتزيد جوعهم جوعا وحرمانا ، وتهدد وتتكالب على الخيرين من أبناء العراق ، وسيطول غناء تلك الثعالب وهي ليس فقط تعبث بعنب العراق ، بل تعيث فسادا وتنشر مخلفاتها فوق كل تراب العراق . بعد كل هذه السنوات صارت تلك المجموعات على المحك وبانت حقيقتها وباتوا لايسترهم برقع ولا يفيدهم طلاء ، وستذيب حرارة تموز كل أصباغهم ومكياج وجوههم ، فقد عرفهم المعدمين وصدق حدس العارفين والمحللين بهم ، تشدقوا وزعموا غير أن حقيقتهم بانت واضحة فانكشفوا على حقيقتهم .
سيصحو العراق على غفلة من زمانهم ، وسيشمر العاطلين والجياع والفقراء والمحرومين والمسروقين سواعدهم يطالبون بحقهم من أموال العراق المكتنزة والمسروقة ، وسيضج العراق بمطالبهم المشروعة ، وسيسمعون أصواتهم وهم يريدون شمسهم وأقمارهم ومدنهم وفرحهم المسروق وحقوقهم من زمنهم العراقي ، وستتم ملاحقتهم ومحاسبتهم ، فقد منعوا الفرح وسرقوا الضحكات من عيون الأطفال ، وأحالوا الحياة إلى لون قاتم ، وأصروا أن يكون كل شيء في الزمن العراقي كالح وأسود مثل ضمائرهم ، وحرموا الحلم ورائحة البرتقال والقداح ، ومنعوا الأقمار أن تحل في ليالي العراقيين ، ومنعوا تباشير الفجر أن تحط على مدن العراق تبشر بالخير الموجود فوق أرض العراق أو تحت تراب العراق أو حتى في سماء العراق أو في مياه العراق ، ولم يوفروا ابسط الوعود التي اقسموا أغلظ الأيمان عليها ، وزادوا أمراضنا الاجتماعية أمراضا أخرى فوقها .
سيصحو العراق على الأمان يسود الأمكنة والبيوت والشوارع تجللها السكينة ، وستنتهي كل الجداريات والصور التي تمجد الشخص فلا احد فوق العراق ، وستنتهي كلها إلا جدارية للعراق وتمجيد لدولة القانون .
سيصحو العراق وأبناءه يطاردون تلك النماذج التي ما فتأت تريد السوء بالعراق والعراقيين ، وبالرغم من الفرص التي منحها لهم العراق ، لم يتمكنوا من التعايش مع حياة البشر الأسوياء ، فحق عليهم الحجر وأن يتم القبض عليهم وفقا للقانون ، وأن يكون القانون والعدالة فيصلا بينهم وبين أهل العراق ، وسيصحو العراق وأهله يطاردون كل أوكار الإرهاب مهما كان شكله ونوعه ، فلا يجد الأرهابي ملاذا ولا جحرا يخفيه عن أعين الناس ، ستكنسهم الموصل مثلما كنستهم الرمادي ، وستنظف ديالى جراحها لتغسل جسدها في مياه دجلة فتتعافى ، وتعود البصرة طيبة كطعم الخستاوي مثلما كانت دوما ملاذا للطيبين ، وتتطهر الإسكندرية والحصوة من بقاياهم ، سيتخلص العراق من مخلفاتهم ويعود أنيقا نظيفا معافى .
وسيثبت العراق أن القاعدة ليس لها قاعدة حقا في العراق ، وأن اهل العراق لهم أديانهم التي يتمسكون بها ويعتزون بها ويتفاخرون بها ، ولايمكن لدين الإرهاب أن يسود بين بيوتنا وأهلنا ، وليس فقط مجموعة القاعدة بل كل تنظيمات التخلف والسوء والبهائم المفخخة .
وسينتهي معه تاريخ القاعدة كـأثر بليغ السوء ، وتاريخ حافل بالقتل والأجرام ، وستلعنهم الأجيال العراقية القادمة ، وستتذكرهم ثكالى العراق باللعنات بعد كل صلاة وهم يلغون في دماء أبناء العراق ، وسيركضون في الشوارع يطلبون الرحمة والخلاص ، فتضيق بهم السبل فيقتص منهم اهل العراق بسيف العدالة وقوة القانون التي تمسكوا بها وضحوا من اجلها ، وسيعذبهم الله على كفرهم وجرائمهم وسيلعنهم حتى يوم الدين ، وسيتعرف اهل العراق على تلك النماذج التي لها شكل البشر وأرواحها من البهائم المفخخة ، والتي انتحرت وقتلت انفسها بقصد قتل الأبرياء من أطفال وشيوخ وفقراء العراق .
سيصحو العراق وهو يقرأ اسماء السراق والمختلسين ومن خان الأمانة والمال العام ، وسيفتح سجل للمفسدين والفاسدين ، وسيتعرف على تلك الأسماء التي تبرقعت وصبغت ألوان وجوهها ، وارتدت غير ملا بسها وأكتنزت من جوع الفقراء وحصتهم التموينية ومن دواء المرضى ودموع الثكالى والمعوزين ، تمكنت أن تقوم بتهريب تلك الأموال تحسبا لتلك الأيام القادمة والتي باتت وشيكة الحلول .
تمكنت أن تشتري شركات وقصور وأن تدخر في بنوك أجنبية حسابات وأرصدة مختلفة ، غير أن الحق سيظهر والحقيقة لايمكن أن تموت ، وسيسجل التاريخ العراقي كل تلك الأسماء دون براقع ، وكل تلك الأموال التي ستلطخ أيامهم ووجوههم وتأريخ أحفادهم .
سيعود العراق واحة للأمان لامجال للسلاح أن يرفعه أحد إلا باسم القانون ، ولا مجال للجيوش المسلحة التي تتحكم بالمدن والقرى تحت أسماء مختلفة ، ولا مجال للعصابات والتجمعات التي تعتمد الرصاص والقاذفات والهاونات والخناجر والذبح في الحوار وفي التعامل ضمن الحياة العراقية ، فقد عاد العراق لأهله حيث ستعود لهم الخدمات التي أوقفها الطاغية وتخلفت الحكومات من بعده أن تعيدها لهم .
وسيكون لنا جيش واحد تحت علم العراق ، وشرطة عراقية وطنية واحدة تحت علم دولة القانون ، ولامكان للجيوش الملثمة أو الكتائب المسلحة خارج إطار القانون ، لن يكون السلاح مشهدا يرعب أطفالنا ، ولن يتم رفع السلاح إلا بأمر القانون .
ستعود الكهرباء الى مدننا وشوارعنا فيضا مبهرا ، وقلادة تزين ليالينا ومسراتنا ، ملونة وساطعة تنير زوايا شوارعنا ومدننا الفقيرة ، وسيعود شارع أبو نؤاس كما كان يعج بالضجيج والبهجة ، لاممنوعات إلا بأمر القانون ، ولا أحد فوق سلطة القانون ، وعاد العراق معافى نقيا كما كان لافرق بين العراقيين في الحقوق والواجبات ، ولا سلطة للطائفة أو العشيرة فوق القانون ، وعاد ضريح الأمام أبو حنيفة زاهيا ، وأنوار الكاظميين عادت مبهجة ، وعادت بغداد لاتنام الليل حتى يخط الضياء أريجه فوق دجلة ، وعادت المياه الحلوة ليس كما كانت سابقا ، إنما شربها اهل البصرة الذين حرمتهم كل السلطات التي تعاقبت على غزو العراق منها ، شربها اهل البصرة حلوة كطيبتهم وشفافة كطبيعتهم ، بل عاد شارع الرشيد والسعدون زاهيا ومعلما من معالم بغداد تتباهى بنظافته واناقته ومحلاته ، وصار شارعا لاتسير فيه السيارات يزهو بجلاسه ومشاته .
سيعود العراق دون عسس ومخبرين ، ولا أحد يراقب البيوت والشبابيك أو يتلصص على احد ، ولاقوة للسلطة على المواطن إلا بالقانون ، ولا قوة لكل مواطن إلا بالقانون ، وسيقوم القانون بفعله الفاعل في معاقبة الطائفي ومن يروج للطائفية وللعنصري ومن يروج للعنصرية ، وسيتم الحكم عليه واحتقاره اجتماعيا ، فلا مكان للطائفي والعنصري بين مجتمع أهل العراق .
سيعود العراق لكل المسلمين وللمسيحيين وللمندائيين والأيزيديين ولليهود من أهل العراق ، وسيعودون ينتشرون في مدن العراق وداخل قلوب الشرفاء والطيبين من أهل العراق ، وسيعود النهار العراقي مشمسا دافئا ، وسيصحو العراقيين وهم يشاهدون كيف يتراكض الدجالون والدعاة وكل من كان يحرمهم دفء الشمس وحلاوة الماء وعذوبة الضحكات ونسيم الفرات العليل ، كل من كان يحجب عنهم النفط والبانزين والدواء والخدمات ، سيتراكض ألأدعياء يريدون تبديل ملابسهم وصبغ ألوانها القاتمة ، فلم يعد سوقهم رائجا ولادجلهم ينطلي على أهل العراق ، وستتحسر عليهم بعض فضائيات عربية كعادتها وتطالب منظمات حقوق الإنسان الانتصار للدجالين والأدعياء ، لكن هذه المنظمات تعرف حقيقتهم .
سيسحب كل مزور شهادته من أضبارته ويندس بين الصفوف خلسة عائدا الى مكانه ، وحجمه الطبيعي ، وسيعود كل مزور الى أهله يتحاشى الالتقاء بالناس بعد أن انكشف الطلاء وبان الزيف والتحريف ، وتجاوزه على المكانة والمنزلة والمسؤولية ، والتي لم يكن مؤهلا لها ، فخدع نفسه قبل أن يخدع العراق .
سيعود العراق للعراقيين يعرف أولاده حقهم المقرر بالدستور ، والخدمات والواجبات التي يجب على الحكومات أن توفرها لهم ، ولن يجد المطبلين والمزورين أحدا يستمع إليهم أو يمكن أن يتم خداعه بعد أن انتهى الزمن المر .
سيعود العراق تحكمه القلوب المنفتحة والعقول النيرة ، وسيكون الفيصل في العطاء الوطني والموقف الوطني في خدمة الناس ، لاأثر لديانة الموظف العام أو مذهبه اوقوميته في العطاء ، وسيكون الفيصل في المكان المناسب تلك القدرة والإمكانية العلمية والمهنية والتحصيل لكل عراقي ، ولاشيء غير المساواة التي ستمحو التحاصص والطائفية والتطرف القومي من سماء العراق .
وسيعود أبناء العراق متزاحمين على بذل ارواحهم وطاقاتهم لبناء العراق ، العراق الذي تخلص من الدكتاتورية والطائفية والشوفينية ، وبات بلدا يستحق الإنسان أن يحيا فيه أبدا .
الخيار الديمقراطي لشعب كردستان العراق
20/7/2009 :
التجربة الجديدة التي ناضل من أجلها الشعب العراقي عموما وشعب كردستان العراق خصوصا تتجسد في خيار المواطن الكردستاني لقيادته ورسم معالم مستقبله وسط حيز يعج بأعداء أكثر من الأصدقاء، وعقول شوفينية أكثر من العقول المنفتحة والمتفهمة لحق الأنسان في الحياة. ومن صفحة القمع والأستبداد الى صفحة الحرية، ومن صفحة الأستلاب والتهميش الى صفحة الممارسة العملية للديمقراطية، ووسط كل تلك المظاهر ستكون المواقع القيادية التي تنتظر من المواطن الكردي أن يختار، ثمة دوافع تجعله يحدد الخيار، تكمن في قدرة مواجهة الأعداء وكردستان العراق في بداية الطريق لتثبيت معالم الفيدرالية التي عمدها الكرد بدماء شهدائهم وتضحياتهم الجسام، وأن يضع المواطن نصب عينيه وفي ضميره مصلحة الأجيال القادمة دون ان تطغي عليه نوازع وعواطف لاتصب بالنتيجة في مصلحة الجميع.
والمتابع يجد أن هذا الخيار الديمقراطي في الممارسة الأنتخابية جزء من الحقوق والحريات التي أكدها الدستور الأتحادي ونص عليها دستور الأقليم، ومن المؤكد أنه لم تزل في وجدان الكرد من عبر بهم تلك المخاطر وواجه بهم كل تلك المجازر وتحدى بهم أعاصير السياسة في المنطقة وتخطى بهم الأسلاك الشائكة التي أحاطوا بها شعب كردستان بأجمعه، ليعبر بهم الى بر الامان حيث كردستان العراق الآمنة العزيزة والملاذ الواسع لكل من يسعى للحرية والامان.
الأختيار ليس صعبا ولايحتاج منا سوى الى مراجعة نقدية وموازنة للأخطاء والمكتسبات، ويقينا سنترك جانبا كل شيء ما عدا مستقبل كردستان فهو وحده يرسم معالم رئيس الأقليم، ومصلحة شعب كردستان فهي وحدها من تحدد الأختيار، ومع كل هذا سيكون الدستور ومعالم الطريق هما الخطوط التي سيلتزم بها رئيس الأقليم القائد محملا بتجربة مليئة بالمرارة والفرح، ومتخمة بالتجربة والمواقف، وممتلئة بالحكمة والعقلانية التي اتسم بها رئيس الأقليم من أجل ان يؤدي المهام التي آلت اليه أمانة من شعب كردستان العراق في الزمن الصعب.
ستكون مهمة الخيار الديمقراطي في كردستان العراق تجربة جديرة بالتقدير من خلال انعكاس معالم الفعل الديمقراطي على الواقع، ومن خلال التلاحم السياسي الكبير لقيادات أكبر الأحزاب وأكثرها انتشارا والتصاقا بالجماهير، وستكون شفافية الأنتخابات والالتزام بمعايير الديمقراطية والنزاهة الصفحة الرائدة واللافتة للنظر في المنطقة، إذ تتجه انظار الكرد في كل الأجزاء المتقطعة لهذا الخيار، وتتطلع جميع الأنظار الى هذه الممارسة التي تتميز بها منطقة الأقليم.
ومرارة التجربة التي مرت على الحياة في كردستان العراق جعلت من الثقافة السياسية زاد المواطن، وجعلت الأنسان في كردستان العراق يعرف معالم الطريق ويخبر الشخصيات والقيادات، فيكتسب الخبرة سواء كان حزبيا ملتزما أو مقاتلا في صفوف البيشمركه الأبطال إكتسب شرف الدفاع عن العراق وكردستانه، فأن تلك الأيام والتجربة وسنوات البناء السياسي والتخلص من أصابع وانياب السلطة الدكتاتورية ورسم معالم مستقبل المنطقة وتحدي الأعداء، كل هذا يجعل الخبرة السياسية للمواطن متينة وكبيرة يتمكن معها أن يختار بجداره من يراه الأصلح والأقدر لقيادة الأقليم ليتحمل المسؤولية مرة أخرى ويحمل الأمانة التي حمله اياه شعب كردستان العراق بجداره وسط معالم الضباب التي تغطي مساحات مجاورة عديدة للأقليم.
وحين يضع المواطن صوته في أختيار رئيس الأقليم فأنه يضع ثقته وكامل ارادته وحلمه في شخص رئيس الأقليم، وليس اروع من القسم الذي نص عليه دستور الأقليم من أن يؤدي رئيس اقليم كردستان ونائبه قبل مباشرتهما لمهامهما اليمين الدستورية الآتية أمام البرلمان: (أقسم بالله العظيم أن أحافظ على حقوق ومكتسبات ووحدة ومصالح شعب كردستان ـ العراق وأن أؤدي مهامي بصدق وإخلاص وأن التزم بدستور اقليم كردستان).
الحقوق التي يجب ان تكون لشعب كردستان العراق، والمكتسبات التي حققها بالتضحيات الجسام، والتي لم يزل الطريق اليها سالكا، والنهج الذي يصون فيه تلك الحقوق والمكتسبات دون تفريط أو مساومة، وأن تكون تلك الممارسة بالأخلاص الذي عرف عنه تجاه قضية شعب كردستان عموما والكرد في العــــــراق خصوصا، والطريق لم يزل غــــير معبد لتحقيق تلــــــك الحقوق، والأسلاك تتبعثر أمام طريــــــــــق المكتسبات.
سيتوجه المواطن للأدلاء بصوته بكل حرية وشفافية، ويضع كردستان العراق قبل أن يضع اسم رئيس الأقليم، ويتلمس مصلحة شعب كردستان العراق كشمعة مضيئة وسط ظلام الأجزاء المتقطعة لشعب كردستان نضيء بها مستقبلهم، وسيدرك المواطن أي مهمة جديرة بالتقدير والثقة في أختيار رئيس للأقليم تجمع عليه أكبر الأحزاب وأكثرها إتساعا، وله الحضور الدائم في السياسة العراقية والعربية، والتقدير والأحترام من المجتمع الدولي، ونكون نحن بحاجه لحكمته وقيادته أكثر من أي وقت مضى
مهمة السلطة ومسؤوليات المواطن
الانصات المركزي 17 /6/2009 :
الديمقراطية سلوك وممارسة ومنهج، والسلوك يعني الالتزام والتدريب على تلك المفاهيم والقيم وقبول الاخر، والممارسة تعني التعود على التمسك بمنهج الديمقراطية ونبذ القيم والمفاهيم البائدة المتعارضة مع سلوكها، ومع اختلاف الافكار والاراء تبقى الية المنهج الديمقراطي فعلا وممارسة والتزاما.
سنفترض ان الفترة التي تمكن بها شعب كردستان العراق من تحقيق جزء من حقوقه المشروعة، الفترة الممتدة من العام 1991- 2009، وهي فترة كافية للتدريب والتمسك بمنهج الالتزام الديمقراطي، مثلما ستكون كافية لنشر ثقافة المعرفة القانونية التي نفتقدها في العديد من المجالات في شان الفيدرالية التي تمسك بها شعب كردستان العراق طوعا، ومن ثم صارت خيارا عراقيا وطنيا دستوريا، وفترة كافية لنشر ثقافة حقوق الانسان ونبذ الافكار الشوفينية والمتطرفة، ان مثل هذا الالتزام والتمسك بالمنهج هو من مهمات السلطة في اقليم كردستان ويقع ايضا على الدولة الاتحادية ايضا التي تتحمل فترتها العصيبة منذ نيسان 2003 حتى اليوم.
الثقافة القانونية ومنهج حقوق الانسان والممارسة الديمقراطية والسلوك المنهجي يتطلب المزيد من الجهد بالتوازن مع الالتفات الى الشرائح الفقيرة والفئات المسحوقة في المجتمع الكردي، تلك التي نالت من حياتها الحروب والجينوسايد والقمع والنفي والتشريد، وباتت بحاجة ماسة لمنهج تلتزم به الحكومة والنواب الذين يمثلون تلك الشرائح، مع ما يحملونه من امانة توفير تلك الحقوق وضمانتها، واداء تلك الامانة بكل ما تعنيه كلمة الامانة والوفاء.
وكردستان العراق بحاجة دائما للنقد والمعارضة حتى يمكن تقويم التجربة وتصحيح الاخطاء والممارسات، بحاجة لنقد الاعداء والاصدقاء اذا كان نقدا بينا واشارات صادقة الى الخلل والخطا، وهي ايضا بحاجة الى حماية التجربة من الهدم ومن اساليب الاعداء في التخريب تحت زعم النقد والتقويم.
كما سنفترض ان الانسان في كردستان العراق استفاد من تجربة الاختلاف المريرة التي راح ضحيتها المئات من الشهداء الابرار من الكوادر المناضلة والطاقات الخلاقة دون تبرير مقبول، ما يدفع المرء للتفكير مليا في مستقبل حياة الناس في الاقليم، وهي تجربة ربما تكون جديدة على المنطقة، ان يستظل الكرد في فيدرالية شرعية ودستورية بعد عقود من الكفاح والنضال المرير والقاسي تحت ظل مصالح دولية وعلاقات متشابكة ومتغيرات وسلطات قامعة وشوفينية ومتمكنة، ومحاطة بالعديد من الاشكاليات من دول الجوار، حيث يتطلب الامر شيئا من الصراحة والصدق في التعامل والعلاقات وتشخيص الخلل والاخطاء التي يجب ان تحدث ضمن اية تجربة انسانية، للاستفادة منها وتخطيها وتبني غيرها من التجارب التي تحقق المزيد من سبل الحياة الحرة والكريمة في اقليم كردستان العراق.
مجالس وبرلمانات وممثلون جميعهم يمثلون شعب كردستان العراق ينبغي ان يتمعن المواطن في منحهم تلك الثقة، ويدقق في قابلياتهم وقدراتهم على تحقيق المكاسب والمصالح الوطنية، وما تمكنت تلك الاسماء من توفيره للفقراء والمعوزين والطلبة وكافة مناحي الحياة الكردستانية، قبل ان يتم وضع الورقة في صندوق الاقتراع ينبغي ان يجري جرد حساب للمواقف والمساهمات والقدرة، ومهمات كثيرة ينبغي ان تكون الاولويات في تدقيقها من قبل المواطن حتى لاتتغلب التزاماته الحزبية على المنهجية، ولا انفعالاته العاطفية على عقله، فالنائب ليس رقما ومكاسب ولا هو اكمال عدد ترشحهم الاحزاب، انما هو فاعل ومتفاعل، امين ومؤتمن، فلم تزل كردستان بحاجة الى تعددية سياسية حقيقية، وبحاجة لالتزامات وثيقة بين القيادات السياسية الراسية والقاعدية، مثلما هي بحاجة لان تخرج من ثوبها الحزبي الضيق لتكبر وتتوسع انسانيا فالبناء لايكفي اذا لم يبدا بالانسان، والاعمار لايكفي اذا لم يوفر فرص العيش الكريم للناس، والمستقبل يبقى ضبابي وقصير الرؤية اذا لم يوفر وفقا لمنهج واضح وصريح مستقبل الشباب والطاقات الواعدة من المتخرجين من الجامعات والكليات، وهم دماء كردستان الجديدة في ظل النظام الفيدرالي بعد ان وضع اخوتهم وابائهم السلاح جانبا , صارت مهمة الشباب اليوم بناء الانسان وكردستان تعويضا عما فاتها من رسم المستقبل، ومضاعفة خطوات البناء حتى يمكن ان تعوض المسافة الزمنية التي فاتت وتلحق بركب العالم المتمدن، مهمات عديدة تقع على عاتق المرشح في انتخابات كردستان، مثلما تكون اشارات ومؤشرات متعددة ينبغي توفرها في المرشح، ونامل ان تتسع صدور جميع المسؤولين حتى تبقى صورة مستقبل الانسان في كردستان العراق هي الصورة التي تطغي على كل الصور، وتحقيق العدالة الاجتماعية مطلبا انسانيا كبيرا، وحتى لاتكون الشعارات المرفوعة ادعاءات ومزاعم سيكون من حق ابناء كردستان بعد كل تلك التضحيات الجسام، وبعد كل هذا الزمن المرير ان يدققوا في ممثليهم ويتوجهوا الى صناديق الاقتراع بالشجاعة نفسها التي عرفتهم فيها الجبال والثلوج والجيوش المدججة وانتصر فيها الانسان..
أفسحوا الطريق أمام السلام من أجل شراكة حقيقية
23/11/2009 :
لم تكن جميع الحلول التي طرحتها تركيا لحل الاشكاليات ووسائل توفير الحقوق التي يطالب بها شعب كردستان تركيا مناسبة ومقبولة ، فقد لجأ هذا الشعب الذي اتسم بالنبل بالرغم من كل الأكراه والمؤامرات والتهميش الذي تعرض له، بقي متماسكا ومناضلا صلبا من اجل حقوقه المشروعة، والتي لم تخرج عن أطار حقوق الأنسان.
ويقينا ان القرابين التي قدمها شعب كردستان وحركاته السياسية من اجل الأقرار بهذه الحقوق، ومواجهة سياسة العنجهية وأنكار الحقوق والتهميش الأنساني والوطني في تركيا، ولطالما توجه خطاب العقلاء الى القيادات التركية لأعمال العقل والجنوح الى الحوار الأنساني والأقرار بتلك الحقوق التي لن تضر بسياسة تركيا بل ستزيد من منعتها وقوتها.
كما كانت النداءات التي وجهتها القيادات الكردستانية من أجل تلك الحلول التي تصب جميعها ضمن الوحدة الوطنية والأطار الانساني، فان ذلك سيحقن دماء الناس ويحفظ حياتهم، وتعميق اسس التآخي والشراكة الحقيقية بين القوميات في تركيا، ويمنح حقوقا انسانية لابد من الأقرار بها .
أن هناك خطوات ملموسة تقدم عليها الاطراف من اجل اظهار حسن النية والقدرة على قبول الاخر واللجوء الى الحوار للوصول الى القواسم المشتركة، هذه الخطوات تقرها وتلتزم بها جميع القيادات الكردستانية وهي تدعو لها، وتلتزم بها القيادات السياسية لتركيا وتدعو اليها، هذه القواسم المشتركة تساهم فعليا في ارساء معالم سياسة عقلانية ومعتدلة لتركيا، وتخلق لها ظروف واجواء منفتحة وواسعة لتخطي تركيا الى امام خطوات تخلق مساحة كبيرة امامها تجاه كل البلدان، بمعنى أن تلك الخطوات لابد من ان تنعكس من جميع الأطراف بما يؤكد نيتها لأيجاد الحلول المشتركة.
كما أن اعادة ترتيب البيت التركي على اساس احترام تلك الحقوق والسعي للأقرار بها لن يزيد تركيا قوة ومنعة فقط، بل سيوفر لها مستلزمات الأنتقال الى الخيارات السياسية الأكثر نضجا داخليا وخارجيا، مع الأقرار بوجود عقليات متطرفة لايمكن ان تقبل بهذا النمط من العلاقة الأنسانية أو الأستقرار الوطني الداخلي الذي سعت له الاطراف كل وفق وجهة نظره، ليس فقط بين القيادات التركية إنما ايضا بين الكرد مما تعرقل مواقفهم ومساعيهم جميع الحلول الأنسانية.
أن هذه الخطوات الايجابية تدفع باتجاه خطوات اخرى باتجاه علاقات التقارب في الرؤى وطي صفحة مريرة من صفحات التهميش والأصرار على استعمال السلاح لحل الأشكاليات القائمة، ولابد أن ينتصر الحوار والعقل على البندقية، خصوصا وان تركيا تسعى اليوم الى ان تكون وسيطا لحل المشاكل بين بلدان المنطقة، في حين انها الاكثر حاجة الى تلك الحلول فلم تعد الدموع والحزن حصاد المرارة التي يحصدها اطراف قوميات تركيا، مع كل تلك الحقوق التي تدركها تركيا قبل غيرها لهذه المجموعة الانسانية التي اتسمت بالشجاعة والنبل والطيبة المتناهية، هذه المجموعة التي تشكل جزء لايتجزأ من شعب كردستان في المنطقة.
وكانت نداءات السلام التي كررتها القيادات الكردية ، والتي لم تجد في حينها آذانا صاغية من القيادات التي تحجرت عندها الحلول، والتي لم تتعلم من التاريخ ان ارادة الشعوب لايمكن ان تقهرها القوة او السلاح، وطالما تمنت تلك القيادات بادرة أمل تجعل التقارب ممكنا وحقيقيا، وتتلمس خطوة تدفع باتجاه السلام والسعي لرسم مستقبل تركيا مقرا بحقوق شعب كردستان وتأكيد شراكة حقيقية في الحياة، حتى يمكن ان ينعكس ذلك على دول الجوار أو حتى على بقية المجموعات البشرية في المنطقة.
وإذ تلقى خطة الأنفتاح التي بدأت تركيا في نهجها كل المساندة والقبول، وتدلل اقوال رئيس اقليم كردستان السيد مسعود البارزاني أثناء المؤتمر الصحفي الذي عقد خلال زيارة وزير خارجية تركيا السيد أحمد داود اوغلو في تأكيده على السياسة الصائبة التي تنهجها تركيا لحل القضية الكردية، واستعداد الأقليم لتقديم كل ما يمكن ان يساهم ويساعد في إنجاح هذا الأنفتاح والتقارب وحل القضية الكردية في تركيا، واعتبر قرار الأنفتاح قرارا شجاعا.
أن الأقرار بحقوق شعب كردستان في تركيا يساهم في دفع عجله تركيا لتبوء مركزها ضمن التجمعات السياسية الدولية. كما ان تحسين حالة الحقوق الديمقراطية واشراك المواطن الكردستاني صاحب القضية الأساسية في ايجاد الحلول والمشاركة بالسلطة يجعل مساندة الكرد لبلدهم متينا ومواقفهم تجاهها تؤكد كل تلك الحقوق التي طال الزمن عليها.
ان على برلمان تركيا اليوم مهمة كبيرة وهو يمثل اعلى سلطة تشريعية في البلد، فالاقرار بالحقوق والدفع باتجاه تبني خطوات عملية من اجل التقارب الأنساني وتوفير الظروف والأسباب التي تجعل من بادرة السلام لاتقتصر على خطوات تخص مجموعة واحدة لأن المشكلة باقية وعلى البرلمان وهو يتشكل من جميع القوميات التي يتشكل منها المجتمع التركي أن يدرك خطورة الوضع وأستمرار التضحيات التي يقدمها الشعب بالأضافة الى بقاء تركيا تراوح في مكانه مع فرصة انطلاقها ومجاراتها للدول التي اقرت بتلك الحقوق.
أن المسار الديمقراطي هو من ينتشل تركيا من وضعها الحالي، وبالتالي يدفعها باتجاه رسم السياسة الجديدة التي سيقرها البرلمان، حيث ستتوفر فرصة تاريخية للبرلمان وهو يقر بحقوق هذه المجموعة البشرية بما لايتعارض مع منهج حقوق الانسان وبما لايخل بوضع تركيا، وبما يحقق سلما يحقن الدماء ويوقف لهيب النار المندفع الى صدور الناس من كلا الطرفين.
الشراكة الحقيقية تدعو الى ان تكون الفرصة للسلام، والشراكة الحقيقية تدفع باتجاه تحقيق الديمقراطية، ومصلحة تركيا تدفع بأتجاه الأقرار بحقوق الكرد فيها.
أن على الطرفين تبني مواقف تدفع لأيقاف الحرب والقتال، وان الخطوات القادمة ستثبت من هي الجهة التي تتمسك بخيار السلام واحترام حقوق الانسان، وأن على الجميع اللجوء لخيار الحوار والسلام بديلا عن لغة الموت والحروب التي نبذتها البشرية وأدانتها كل شعوب الأرض.
الأمن في إقليم كردستان
الانصات المركزي 22/11/2009 :
في الوقت الذي يشعر العراقي بالأمان والطمأنينة في ربوع إقليم كردستان العراق، يطمح ان يتوسع هذا الشعور ليشمل كل العراق، ومن حقنا أن نتساءل عن الأسباب التي جعلت ربوع الإقليم آمنة ومسيطر عليها، وان تلوذ الناس قوميات وأديان بكردستان لصيانة كرامتها وحماية أرواحها من جرائم الأرهاب والتطرف، فقد تصدت قيادة الإقليم ومؤسساته الأمنية الشجاعة لهذه الرؤوس واجتثتها من وسط الإقليم، وقامت بتحجيم دور الإرهاب والتجمعات الإجرامية فلم تستطع خرق المفاصل الأمنية وانتهاك الآمن وارتكاب الجرائم البشعة بحق الناس الآمنين، وعرف اهل العراق كردستان آمنة وخالية من بذور الشر وتفريخ التنظيمات الأرهابية، ولهذا يشعر العراقي بالفرح والأطمئنان حين يحل في ربوع الإقليم زائرا أو مستقرا.
تشعر بتلك المشاعر والغصة تملأ النفس وهو يطالع الإفتراء والتهويل الذي قدمته منظمة مراقبة حقوق الانسان الدولية في تقريرها حول انتهاكات مزعومة لحقوق الأنسان في إقليم كردستان العراق، والتقرير الذي تشوبه العديد من العيوب لايعدو الا موقفا سياسيا تم تمريره على المنظمة دون أن يتم تأكيدها للمعلومات الواردة فيه أو يتم توثيقها عادة.
وليس جديدا الأتهامات التي يتم توجيهها بين الحين والآخر حول دور قوات البيش مركه والتي يطلقها أعداء شعب كردستان للنيل من التجربة الفيدرالية، وتنفيسا عن الأحقاد التي خرجت عن سيطرة الشوفينيين، وستبقى قوات البيش مركة الظهير القوي والأساس للتجربة الحديثة في الإقليم.
وإذا كان التقرير المذكور صدر أعتمادا على معلومات دفينة ومغرضة تعيبه وتجعله لايتقارب مع الحقيقة، بالنظر للعلاقة الطويلة والمثمرة التي تربط شعب كردستان العراق وقياداته بمنظمات حقوق الأنسان، باعتباره واحدا من الشعوب المناضلة والمكافحة من اجل حقوقها، والتي لايمكن معها أن يعود هذا الشعب ليعتدي على حقوق الاخرين، انطلاقا من الحقوق الأساسية التي نص عليها دستور الإقليم والدستور الأتحادي.
ولايخفى على أحد الوضع الشائك لبقية الشرائح في منطقة كردستان العراق، والتي يتطلب توفير الحقوق لها شيئا من التدقيق والتأني والحكمة، بالأضافة الى الحماية وضمان العدالة التي يقررها الدستور، كما أن الوضع الشائك والمعقد لمدينة نينوى يتطلب ايضال التعاون المثمر والجدي لأيجاد الحلول للأشكاليات التي برزت الى السطح حول الأوضاع في هذه المدينة، والتي يمكن تذليلها بالروح الآخوية وأعتماد منطق الحوار والمشاركة الجدية والفعالة بديلا عن لغة الاتهامات والتهميش والأقصاء، وصولا الى حلول مشتركة يقبل بها جميع الأطراف.
ومع أن التقرير يمكن ان يسيء بشكل معنوي الى قيادة إقليم كردستان، فأن فداحة الأتهامات وما تخلله التقرير من صور يمكن ان تكون مثار تحقيقات وتدقيقات وصولا الى الحقيقة، فإن ضرورة وأهمية تبرز اليوم للتعاون والجهود المشتركة بين المنظمة وبين قيادة الإقليم للتوصل الى حقيقة تلك الأتهامات.
ومن الحقائق التي تغيب عن بال معد التقرير الدولي أن هناك ضرورة لتواجد قوات من البيشمركة لحماية مناطقهم من التسلط الأجرامي للتنظيمات الأرهابية والمتطرفة التي ينتشر وبائها في المنطقة، فتمارس نشاطا أجراميا واضحا، وترتكب جرائم خسيسة بحق الناس، بالأضافة الى حماية بعض الأقليات من منتهكي حقوقهم الأنسانية والدستورية من العقول المتطرفة التي لم تعي حتى اليوم معاني الفيدرالية وتقاسم السلطة والتآخي والحياة المشتركة.
بالأضافة الى وجود مناطق متنازع عليها ليس بقصد سلخها عن العراق إنما لغرض ترتيب
حياة الناس فيها وفقا لأرتباطهم بالأقاليم أو المحافظات غير المرتبطة بإقليم، وأعادة ارتباطهم بمناطقهم السابقة بعد ان غيرت السلطة السابقة معالم جغرافيتهم وحاولت تزوير تاريخهم وغيرت قسرا قومياتهم.
ومما لاتدركه المنظمة أن مناطق إقليم كردستان العراق هي الملاذ الآمن ليس فقط لشعب كردستان، غنما هي وكما كانت وعلى الدوام الصدر الرحب للعرب والتركمان والكلدان والاشوريين والأرمن، وهي تفتح ذراعيها لكل الناس بغض النظر عن أديانهم ومذاهبهم، ويمكن ان تكون الفترة الحرجة والصعبة التي مرت على العراقيين في التهجير والعنف الذي اجتاح البلاد خير مقياس على هذا الأمر.
ولانريد التطرق الى المواقف الاخوية والأنسانية التي وقفتها قيادة الإقليم تجاه المهجرين، ولا في مسؤولية قيادة الإقليم وسلطاته الأمنية في حماية الأيزيديين والمندائيين والمسيحيين من أبناء العراق.
لابد من التمعن في الحقائق التي ذكرها التقرير بعيدا عن محاولات دس انف المواقف السياسية في مثل تلك التقارير حتى لاتفقد مصداقيتها، وحتى يمكن ان تكون موضوعية يمكن أعتمادها في معالجة تلك النقاط التي يشير التقرير اليها، ولابد ايضا من الجهة التي أصدرت التقرير أن تعتمد على حقائق الأرض والواقع الموضوعية حتى يمكن درجها ضمن تقاريرها، فلكل موقف وجهان سلبي وأيجابي، ومن يريد أن يقرأ المواقف من وجهها السلبي سيعتبر التقرير المذكور صحيحا ويعتمد الموضوعية، ومن يقرأ المواقف من وجهها الأيجابي سيدرك حجم الظلم والتعدي الذي تخلله التقرير، ولانزعم مطلقا أن لاوجود لتلك المواقف والخروقات ولكنها بحاجة للرصد والأشارة والتنبيه حتى يمكن تداركها وعدم تكرارها، حرصا على السلوك الديمقراطي والممارسة الدستورية والحقوق التي يتمسك بها الأنسان في العراق عموما وفي إقليم كردستان خصوصا.
الأرهاب والمناطق المتنازع عليها والتطرف الديني وقضية الحريات ومفهوم الديمقراطية وقبول الرأي الاخر، وحرية الصحافة والتجربة الفيدرالية الجديدة والعقول الشوفينية من كل الأطراف، ووجود أعداد بشرية ليست قليلة وافدة من مناطق أخرى، ومهام عديدة تناط بالبيش مركة الذين لم تتغير مهمتهم في نضالهم من أجل الديمقراطية للعراق والحقوق المشروعة لشعب كردستان العراق، كل تلك المفردات ينبغي أن تحضر عند كتابة التقرير، فهل كانت المنظمة الدولية منصفة حين شخصت السلبيات فقط، والتي تم اعتماد وجهات نظر آحادية دون الاستماع لوجهة نظر قيادة الإقليم في تلك المسائل.
ضرورة تجفيف منابع الإرهاب
) 14/12/2009 :
ليست الغاية من كشف حقيقة العمليات الارهابية إظهار بشاعتها وانعدام المشاعر الانسانية عند مخططيها والغباء المطلق الذي تميز به منفذوها من البهائم المفخخة.
حيث أن الدلائل التي تراكمت عند المواطن العراقي أثبتت بما لايدع مجالا للشك ان تلك العمليات تستهدف كل العراقيين دون استثناء، ولم تميز بين مكون قومي او ديني او مذهبي، ووفقا لهذا فانها تستهدف جميع العراقيين، والغاية منها ايقاع اكبر الخسائر البشرية والمادية بين الناس لانهاء وتعطيل حياتهم.
ونعرف جميعا ان قانون مكافحة الارهاب يحكم تلك الجرائم، وتعالج النصوص القانونية حالات تلك الجرائم، ووفق هذا الأساس نجد ان تفعيل قانون مكافحة الارهاب بحق هذه الزمر يستوجب ملاحقة المخطط والرأس المدبر لهذه العمليات الارهابية التي تستهدف حياة العراقيين، وهذه الملاحقة تستدعي من مجلس النواب ومن السلطة التنفيذية الاستجابة والتعاون المطلق مع القضاء والأجهزة التحقيقية المختصة في سبيل كشف تلك الأسماء التي فقدت آدميتها وأنعدمت مشاعرها حتى باتت مشاعر القتل والموت الجماعي الذي يلحق بالعراقيين نتيجة تلك الجرائم الانتحارية التي يتم تسويق تفجير بهيمة لنفسه قتل اكبر عدد ممكن من العراقيين، وان تتجرد جميع تلك الجهات من مصالحها الذاتية والسياسية في سبيل خلاص الناس من هذه الهجمة التي تميزت بها منطقتنا، حيث أن الحالة التي يعيشها العراقي اليوم تتطلب جهدا مضاعفا لكشف أوكار ومخابىء تلك الزمر والقبض عليها قبل ان تقوم بارتكاب جرائمها، ومن اجل افشال نتائج تلك الجرائم ووقاية الانسان العراقي منها ومن فاعليها.
وإذا كانت اغلب تلك العمليات يقوم بها انتحاريون من البهائم التي يتم تفخيخها للقيام بعملية قتل نفسها والناس المحيطة بها، وبالنتيجة يمكن معها معرفة نوع السيارة المستعملة وهوية الارهابي من خلال الطرق العلمية، ومع اننا لم نتعرف حتى اليوم على هوية هؤلاء الارهابيين الانتحاريين وصورهم مما يمكن معه ان يعزز ثقة المواطن في الاجراءات، ويمكن مساعدة الأجهزة الأمنية بمعلومات تساعد على كشف تلك الشبكات، و ليست الغاية في معرفة هوية الارهابي وأسمه ونوع السيارة التي انفجرت، إنما الغاية تجفيف المنبع الارهابي وملاحقة الجاني الحقيقي الذي ساهم في ارتكاب مثل هذه الجريمة التي تعدت وفق منظورها القانوني مفهوم الجريمة الارهابية لتصبح من جرائم الابادة الجماعية، اذ أن مثل هذه الجرائم يستوجب الاعداد والتحضير والقيام بها عدة أعمال لاستكمال جوانبها الاجرامية، وهي من الجرائم الخطيرة التي تستهدف المجتمع العراقي والانسان بشكل خاص.
وحيث اننا نعرف ان كل من حرّض على ارتكاب الجريمة فوقعت بناء على هذا التحريض، وان من اتفق مع غيره على ارتكابها فوقعت بناء على هذا الاتفاق، وان من اعطى الفاعل السلاح وزوده بالمتفجرات أو زوده باي شيء آخر مما استعمل في ارتكاب الجريمة يعد شريكا في هذه الجريمة مهما كانت صفته وسلطته، وان قانون العقوبات يطاله ويفرض عليه العقوبة المقررة.
أن تفعيل قانون الارهاب يستوجب من مجلس النواب تشريع نصوص تعالج هذه الحالات قانونا وتطال الشريك ليكون حكمه حكم الفاعل الأصلي أو البهيمة التي نفقت جراء الانتحار فعاقبت نفسها، وان يكون الاتفاق الجنائي في مثل هذه الحالات من شخصين معاقبا عليه بالعقوبة الأشد المقررة قانونا، وان يتم شمول مرتكبي تلك الجرائم بوصف مرتكب جريمة الابادة الجماعية لتشديد العقوبة المقررة قانونا.
كما ان على مجلس النواب التعاون مع السلطة القضائية في الاستجابة السريعة لتشريع مثل تلك القوانين حماية للانسان في العراق، وأن تتوحد مواقف جميع الكتل في هذا الشأن وتؤجل خلافاتها أو اختلافاتها بهذا الصدد حتى يمكن أن تكون الفترة الحرجة التي بقيت للمجلس كفيلة بأن تضع النقاط على الحروف في هذا الشأن، وان تكون الاستجابة السريعة لأن يكون أي كان ومهما كانت كتلته او حزبه تحت طائلة القانون والذي اكده الدستور أنه فوق الجميع، وان يرتفع المجلس لمستوى الأحداث التي تتعرض معها حياة الانسان في العراق للخطر الحال.
أن حربا غير معلنة تشنها قوى الارهاب ومعها من يتستر تحت أردية طائفية او قومية او سياسية خلفها، ضد كل اهل العراق، منهم من داخل العراق ومنهم من خارج العراق، وحين نؤكد كلمة (الكل)، فان هذه القوى تشن هجومها دون استثناء على كل العراقيين، فمن العدل ان تتوحد القوى السياسية وان يكون موقفها العملي لاالنظري ضدها دون استثناء.
مهمة الدولة في تنفيذ قرارات القضاء دون استثناء ومهمة القضاء تفعيل دور القضاة في متابعة تفاصيل الجريمة وكشف الحقائق وفقا لما اورده الدستور في مادته الثامنة والثمانين من ان القضاة مستقلون لاسلطان عليهم في قضائهم غير القانون، وانه لايجوز لأية جهة او سلطة التدخل في القضاء أو في شؤون العدالة، هذه الاستقلالية في مضاعفة الجهد والتمكن من متابعة خطوات التحقيق الجاد والقانوني، ومن الحرص على بذل الجهود للتوصل الى الحقائق أو الأدلة التي يمكن معها احالة هذه الزمر الى المحاكم المختصة لاجراء محاكمتها لتنال جزاءها العادل وفق الأصول.
كما أن من مهمات منظمات المجتمع المدني والأحزاب العراقية الوطنية أن تقوم بتفيعل دورها في تثقيف المواطن والعمل على زيادة الوعي والحس الوطني والحرص الأكيد على ملاحقة الجناة وأحترام القانون ومعاونة اجهزة الدولة في كشف الجريمة قبل أن تقع وملاحقة المتهمين ليقول القضاء كلمته الفصل في قضاياهم، وان التعاون مع اجهزة الدولة يتم بناؤه من خلال تبادل الثقة واحترام حقوق الانسان والحرص الوطني المبني على تطلع الانسان نحو المستقبل.
ويقينا أن الجهات التي تستمرئ هذه الأفعال تخرج عن إطار العمل السياسي أو الاختلاف في المواقف، وتبتعد عن الاطار الانساني في التعبير عن موقف ما مهما كان شكل هذا الموقف، لأن استدراج وحوش الارهاب سواء داخل العراق أو عبر الحدود وإعدادها ذهنيا أو عمليا للقيام بمثل هذا الفعل ليس عملا سياسيا ولادينيا ـ بل لايعد موقفا اصلا – ولابد ان يقع صاحب هذا الموقف تحت طائلة العقوبة القصوى في الزمن الاستثنائي الذي يستوجب ان لانغالي فيه بالتمسك بصيغ مساواة المجتمعات الغربية في قوانينها وتقليدها في طرق تعاملها مع المجرمين او المتهمين بالعمليات الاجرامية.
من يتمعن في كميات المتفجرات التي يتم استعمالها في التفجيرات الأخيرة يدرك مقدار الخلل الكبير الذي تستغله تلك المجموعات فأطنان من المتفجرات ليست بالامكان اخفاؤها تحت طيات الملابس بل يتطلب نقلها واخفاؤها ومن ثم تداولها واستعمالها بتخطيط دقيقاً، وعملية تفخيخ السيارات بهذه الطريقة يحتاج الى معامل محلية وأماكن لم نستطع حتى اليوم من التوصل سوى الى عدد قليل منها، وحتى هذا العدد القليل لم نتعرف على اصحابها والمسؤولين عنها، ويبدو ان عملنا الاستخباري والامني ضعيف ولايتناسب مع تطور عمل المجموعات الارهابية التي صارت تطور عملها بما يخدم جرائمها ورغباتها المريضة،ويتناسب مع حجم الجرائم، واستعمال اطنان من المتفجرات والسير بها مسافات ولو مئات الأمتار يدلل على ثقة المجموعات الارهابية بأختراقها تلك المسافة وصولا الى اهدافها التي تم التخطيط لها.
واذا كان بعض يعتقد بالضبابية والتعقيد في هذا النوع من الجرائم، فان تلك الضبابية والتعقيد يزولان عن هذه الجرائم عند كشفها والتعاون المثمر والجاد من جميع الأطراف السياسية، لأن حياة الناس مهما كانت عقائدهم واجناسهم وقومياتهم وأديانهم هي امانة مقدسة، وان بروز هذا التعاون بشكل صادق وجدي يتعدى الاتهامات وتبادلها بين القوى السياسية من اجل المكاسب السياسية الانية، حيث يجب ان تكون المهمة الوطنية الأولى هي كشف الفاعل والمخطط وتجفيف تلك المنابع لحفظ حياة الناس ودرء الخطر عنهم، وهذه المهمة اهم بكثير من مهمات اخرى يمكن الاختلاف عليها او تأجيلها.
أن اختلالات عديدة تتوسط البحث في قضية الجرائم الارهابية الأخيرة في العراق تستدعي لفت النظر ومثلما يتحتم معالجة الوضع الأمني من قبل السلطة المكلفة بهذه المهمة، فان السلطة مطالبة بتفعيل عملياتها ضد الارهاب والقضاء عليه وفق مخطط شامل لايسمح لهذه المجموعات استغلال اية ثغرة لارتكاب الجريمة والاستمرار بأقترافها، وأن القوات العراقية قادرة على ذلك اذا كان بنيانها بعيدا عن التخندق الطائفي والحزبي، وعدم استغلال تلك الجرائم ونتائجها الكارثية المروّعة في الخلافات السياسية او الترويج في العمليات الانتخابية، يعني هذا ان ملاحقة الجناة وشركائهم من المهمات التي تسهم في استقرار الأمن وحفظ دماء الناس وينبغي ان تلقى الدعم والتأييد من جميع الأطراف المشاركة في العملية السياسية، لأن دماء الناس أمانة في اعناق جميع الكتل، ومن واجبها ان تجد القواسم المشتركة التي تعزز استقرار الحياة في العراق.
وهذا الأمر يتطلب اعادة دراسة خطط المواجهة والملاحقة التي تعتمدها القوى الأمنية، وتشخيص الأخطاء والخطوات السلبية التي تم اقرارها سابقا، ومراجعة الخطوات وتشخيص مكامن الخلل والأخطاء التي مورست والتي تم ارتكابها، بالاضافة الى التوحد في الموقف المشترك والذي يشترط فيه التطابق مع الارتقاء بحالة الوعي الوطني واحترام القانون وهو ما يمكن معه التصدي لهذه المجاميع التي تعتمد على التمويل الداخلي او الخارجي أولا، وترتكز على الاختلافات بين القوى السياسية ثانيا، وتستغل السلبيات والخطوات الخاطئة في عملها، بالاضافة الى وجود حاضنة فكرية تؤمن انتاج الارهابيين المفخخة في بلادنا فيتم تسويقهم واستعمالهم كقنابل في ارتكاب تلك الجرائم البشعة، بالاضافة الى عدم القبض على تلك الرؤوس التي تقوم بالتخطيط لتلك العمليات
المسيحيون فـي العراق.. ملـح الأرض
الانصات المركزي 26/6/2010 :
لم تزل أديرة الحيرة (حيرتا) والفرات ونينوى شاهدا على تلك الحقبة التاريخية التي تشير الى عراقة المسيحيين في العراق، ولم يختلف المؤرخون في أصالتهم وارتباطهم بتربة العراق، والمتابع لأحداث التاريخ القديم والحديث سيجد صفحات ناصعة ومآثر إنسانية ورموز تفتخر بها الأجيال من المسيحيين الذين رسموا تلك الحياة بأرواحهم وعرقهم.
لم تزل أديرة الحيرة (حيرتا) والفرات ونينوى شاهدا على تلك الحقبة التاريخية التي تشير إلى عراقة المسيحيين في العراق، ولم يختلف المؤرخون في أصالتهم وارتباطهم بتربة العراق، والمتابع لحوادث التاريخ القديم والحديث سيجد صفحات ناصعة ومآثر إنسانية ورموز تفتخر بها الأجيال من المسيحيين الذين رسموا تلك الحياة بأرواحهم وعرقهم.
المسيحية التي كانت منتشرة في بلاد ميسوبوتاميا قبل أن يحل عليها نور الإسلام بأكثر من خمسة قرون، بقيت حتى بعد حلول الإسلام ونزوح القبائل العربية للسكن في حواضرها، حيث تفاعلت الكنيسة مع ذلك الدين الذي يلتقي بها في التوحيد، وأمتزج المسيحيون مع أخوتهم من باقي الأديان لترصين تلك الحضارة والبناء الإنساني منذ لحظات انتشار الإسلام الأولى، فبقيت كنائسهم وطقوسهم مقدسة ومحترمة، وكبرت مفاهيم وقيم التعايش السلمي ضمن المجتمع من خلال التمازج الإنساني والشعور الاجتماعي في البلد الواحد، لم يلتفت احد في تلك الحقب إلى إلغاء المساواة بين أهل الأديان الأخرى وبين المسلمين، ولم تكن تلك الناس قد عرفت التفرقة والتباين بسبب القومية أو الدين، ولم يعرف لهم اضطهادا أو ترويعا مثلما تعرفه اليوم وتمارسه بعض العقليات التي فتك بها فيروس الحقد الأعمى وسيطر على نفوسها الأجرام، فعاشوا في آمان الله متمسكين بالعراق، ممتزجين بترابه وحالمين بمستقبله.
وإذا كان القرن الأول الميلادي قد أكد على وجودهم وحضورهم، فإن المدائن سجلت لهم أول الكنائس فيها بعد أن اضطهدهم الرومان وحرموا عليهم عبادتهم وصلواتهم، وبقيت مدنهم الصغيرة وقرآهم الجميلة عنوانا للنظافة والأناقة وشكلا من أشكال المجتمع المسالم، ومع كل تلك العراقة والأصول العربية القديمة لم يتفاخر أحد منهم بأي منها.
بعد تأسيس الدولة الأموية والعباسية وما تلاها من دول، ستجد المسيحيين في الصفوف الأولى للبناء لايطمحون للسيطرة، ولايجنحون لإيقاع الأذى بأحد، ولا يغدرون ولا يتآمرون، عنوان ديانتهم المحبة والسلام، وشعارهم التسامح والإيمان، فكان منهم الصناع والقادة والمترجمين والمعلمين والفلاسفة، وشهد التاريخ نهاية بشعة لكل من عمل على إيقاع الأذى بهم أو شرع في ترويعهم.
وإذ يتعرض أبناء العراق من المسيحيين اليوم لهذه الحملة الهوجاء التي تنم عن تخلف مرتكبيها تدفعهم الكراهية والحقد لخراب الحياة في العراق قبل تخريب حياة المسيحيين وتهجيرهم من بيوتهم الآمنة وأماكن عملهم وسكنهم.
وإذ يسجل التاريخ الحديث اليوم بمرارة هجرة المسيحيين وفراقهم العراق على مضض، فأنه يسجل أيضا فداحة الجريمة وهول الخسارة التي يسجلها الزمن المرير على العراق حاضرا ومستقبلا.
وإذا كان المسيحيون في العراق قد لعبوا دورا بارزا في كل مناحي الحياة العراقية، فإن ذلك نابع من إيمانهم بدورهم في تأسيس حياة تليق بالإنسان في العراق، وأن استمرار هجرتهم بهذا الشكل تشكل خسارة جسيمة للعراق، وافتقادا لطاقات وكفاءات علمية متميزة يفقدها العراق وهو بأمس الحاجة إليها.
وإذا كان المجتمع العراقي يفتخر ويزهو بتلاوينه الدينية والقومية، فإن المسيحيين ملح العراق، ولا يقع عبء حمايتهم والعمل على تكريس حريتهم الدستورية على الحكومة العراقية وحدها، بل أن المجتمع بأكمله حتى يستكمل بهاء وجوده وألوان مجتمعه الزاهية، وحتى يبرهن ويعكس إيمانه بالمساواة والحرية والأمن والكرامة الطريق الكفيل لتأسيس نظام ديمقراطي يضمن للفرد حرية الفكر والعقيدة والضمير، وهي مهمة يقع جزء كبير منها على الأحزاب السياسية وعلى منظمات المجتمع المدني، وأن يأخذ القضاء دوره في معاقبة من يرتكب بحقهم تلك الجرائم الإرهابية بظروف مشددة ليكون عبرة لغيره ممن تسول له نفسه ارتكابها.
من يقرأ تاريخ العراق السياسي بعقل منفتح وضمير صاف يدرك حجم التضحيات التي قدمتها شريحة المسيحيين في العراق، ومع كل تلك التضحيات الجسام، ومع العمليات الغادرة التي طالت رجال دينهم وكنائسهم، فلم يزالوا متمسكين بغصن الزيتون والدعوة لتأسيس حياة تليق بالإنسان المجلل بالسلام والمحبة في بلدهم العراق، داعين دوما للبناء بديلا عن الهدم، وللتسامح بديلا عن الانتقام.
الجميع مدعو لدراسة حالة هجرة المسيحيين في العراق والسعي بشكل جاد وبطرق علمية وعملية مدروسة لإيقاف هذا النزيف العراقي الذي بدأ يتسع ويكبر دون أن ننتبه حرصا منا على مداواة جروح العراق
جـلال طالباني القاسـم العراقـي المشـترك
13/3/2010 :
في جلسة ضمتني والكاتب العربي الدكتور أحمد أبو مطر والرئيس مام جلال وبعض المناضلين الكرد بمنتجع دوكان في السليمانية في العام 2005، وبعد أن استذكر مام جلال علاقة كردستان بقضية فلسطين عموما، وتحدث عن عمله في المقاومة الفلسطينية وعلاقاته بقيادتها، تحول حديثنا نحو الشأن العراقي وهو محور الساعة الضروري. وفاجأت مام جلال بأننا في العراق اليوم بحاجة لقاسم مشترك، شخصية عراقية تشكل هذا القاسم المشترك يكون جامعا لكل المكونات العراقية، ويشكل توافقها عليه، وليس غير جلال طالباني قاسما مشتركا للاحزاب والتجمعات والكتل السياسية في العراق، بعربها وبكردها وتركمانها وكلدانها وآشورييها وارمنييها، قاسم مشترك للمسلمين والمسيحيين واليهود والمندائيين والأيزيديين في العراق، لم يكن ضمن إهتمام طالباني تلك الأمنية التي طرحتها بحضوره، بل حتى لم يعطها الأنتباه، وحاول تغيير دفة الحديث، وعدت لتذكيره بأننا في العراق اليوم بحاجة ماسة لقاسم مشترك يضمن وحدتنا ويساهم في تأسيس دولة القانون، شخصية تمتلك الثقافة والتاريخ النضالي وتتميز بعلاقات مع جميع القوى السياسية في العراق، ودار حديث ذو شجون في مقر مام جلال بدوكان، وحين انتهت زيارتي تلك بادرت لكتابة موضوع عن القاسم العراقي المشترك ونشرته فعلا في موقع إيلاف الالكتروني، وبعد تلك المقابلة بفترة تم تكليف طالباني برئاسة الجمهورية ليصبح رئيسا لهيأة الرئاسة.ولظروف العراق التي يمر بها تم الأصرار من جميع الكتل والتجمعات السياسية على أختيار جلال طالباني رئيسا لجمهورية العراق، وتم انتخابه لرئاسة جمهورية العراق بتاريخ 22 نيسان /2005.
كان في انتخاب جلال طالباني رئيسا لجمهورية العراق دلائل ونتائج عديدة، ويمكن ان يكون اولها كسر الطوق الشوفيني المفروض على حياة العراقيين بأن يصير رئيسنا عراقيا كرديا، وثانيها أن هذا الرئيس يتم انتخابه من قبل مجلس النواب ممثل الشعب، ليكون اول رئيس منتخب للعراق، ومن بينها أننا نجد ان انتخاب جلال طالباني اختيارا في مصلحة العراق لما يحمله من ثقافة ووطنية وعطاء وحكمة تؤهله لتبوأ مثل هذا المركز الرفيع،وحين دعتنا مؤسسة المدى لحضور مهرجانها السنوي في هولير ( أربيل) عاصمة أقليم كردستان لحضور فعالياتها والمشاركة في برامجها في العام 2006، كان من ضمن الفعاليات أن قام رئيس جمهورية العراق جلال طالباني بتوجيه الدعوة للمدعوين في المهرجان لحفل غداء في منتجع دوكان، وكنت من بين من لبوا تلك الدعوة، وكنت جالسا في الصفوف الخلفية بجانب صديقي الصحفي الكبير مصطفى صالح كريم نائب نقيب الصحفيين في كردستان ونائب رئيس تحرير جريدة الأتحاد، وأثناء كلمة مام جلال طالباني بحضور المدعوين كنت من بين من تحدثوا، وذكرته بأنني لن اخاطبه بالرئيس أو فخامة الرئيس، وإنما سأسميه القاسم العراقي المشترك، وتحدثت له بما يجيش في خاطري من هواجس وانتقادات، وكررت له بأنني لن اخاطبه الا كقاسم مشترك لكل العراقيين أمام حشد المثقفين العراقيين.
اليوم مضى على تلك الحادثة سنوات طويلة، وجرت أحداث عديدة، غير أن الذي لم يتغير واقع الشعب العراقي وحاجته الى القاسم المشترك، وبعد تلك الفترة تعكس المواقف التي سجلها طالباني مواقف ايجابية في سبيل مصلحة الوحدة العراقية، وسجلت الجماهير العراقية لطالباني موقفه الذي جسد وحدة العراق وسيادتها وحرصه واحترامه للدستور.
وجلال طالباني من مواليد 1933، ولد في قرية كلكان التابعة لقضاء كويسنجق قرب بحيرة دوكان. أسس الاتحاد الوطني الكردستاني سنة 1975م، وبدأ حركته المسلحة سنة 1976وإذ تتنادى بعض الأصوات التي تمعن في الاصرار على ان العراقيين غير متساويين امام القانون بسبب القومية خلافا لما جاءت به المادة 68 من الدستور، وان شروط المرشح للرئاسة وفقا لما يريده بعض منهم وليس كما فصلتها المادة 68 من الدستور، وتخرج بعض الأصوات من كهوف الماضي تتعكز على بقايا التطرف القومي تطالب بأن لايكون الرئيس عراقيا وكرديا لغايات تنم عن الأمراض والأسباب الدفينة.
ولما كان العراق ولم يزل بحاجة للقاسم المشترك، ولشخصية يمكن ان تجمع شمل الأطراف المشتركة في العملية السياسية، شخصية ترتفع فوق قوميتها ومذهبها لتكون قاسما عراقيا، وكان جلال طالباني قاسما عراقيا مشتركا بحق، جسد كل الأفكار التي يعتقد ويؤمن بها كعراقي قبل ان يكون كرديا، أن أحدا لم يشد بالفترة التي قضاها جلال طالباني رئيسا للجمهورية، ولم يتم تقييم تلك الفترة سياسيا، وسجلت انتقادات وسلبيات عديدة على الأداء والمواقف التي وقفتها هيئة الرئاسة، غير أن الضمير والوجدان يقرران أن جلال طالباني كان أكبر من رئيس الجمهورية وسيبقى في هذه المرحلة لايمثل ترشيح التحالف الكردستاني فقط إنما يشكل القاسم العراقي المشترك.
دعم استقلالية القضاء
الانصات المركزي 14/12/2010 :
المرحلة التي انقضت من تاريخ العراق بعد انتهاء الدكتاتورية لم تخل من سلبيات وأخطاء،ومن اختلاف في وجهات النظر،وهي مرحلة تخللتها أحداث جسام،وعثرات ومطبات وضعت عمدا بقصد إعاقة مسيرة الحياة في العراق،سنوات
لم تخل من حزن وآسى ووجع لامس أرواح العراقيين، فرحهم وأيامهم الممتلئة بالفرح والشمس،وسرق منهم حلمهم ببناء دولة تحترم الدستور والقوانين، يتساوى فيها العراقيون أمامه دون تمييز بسبب القومية أو المذهب أو الدين أو الأصل أو الجنس أو المعتقد، وهو ما أكده الدستور العراقي ويتمسك به جميع العراقيين.
وفي هذه المرحلة انشغلت الحكومة عن أمور غاية في الأهمية بقصد توفير الأهم، ويمكن أن نقول إنها نجحت في إعادة الحياة إلى مدن وشوارع العراق، فقد تمكنت الحكومة من أن تعيد بعض البهجة لوجوه العراقيين وتزرع الأمل مجددا في نفوسهم بعد زمن من القنوط واليأس،واستعادت العديد من أبناء العراق الذين صحت ضمائرهم،فأعادتهم إلى حضنها،فكانوا سيوفا على الإرهاب والانتصار لأهاليهم وأعراضهم وأموالهم، تمكن العراق من أن يبدأ مرحلة البناء التي توقفت مع توقف شرايين الحياة بين المدن العراقية الجميلة، وعادت الشركات الأجنبية تتزاحم حول الاستثمار والبناء وانجاز المشاريع، وصارت المحافظات تتباهى فيما بينها بإعادة تخطيطها والبدء بانجاز مشاريعها التي حرمت منها، وخلال تلك المزاحمة في حرب الحكومة على الإرهاب وخلايا الاجرام والعصابات المنظمة،تم تأجيل كل حقوق الكرد الفيليين والمسفرين من أبناء العراق، وتم تأجيل مشروع البطاقة التموينية التي تقلصت بالتدريج وما عادت تساند الأوضاع الاقتصادية للفقراء،وتم تأجيل مشروع مكافحة البطالة ومشاريع الإسكان ومحاربة الفقر وغيرها العديد من المشاريع التي تحتاجها أكثر شرائح الشعب.
غير أن الحرص على استقلالية القضاء يشكل المفتاح الأساسي لدولة القانون، واستقلالية القضاء التي أكدها الدستور العراقي تعد أرضية ترتكز عليها عملية التطبيق العادل للقوانين،كما ترتكز عليها أيضا عملية تشكيل السلطة القضائية المتكونة من المحكمة الاتحادية العليا ومجلس القضاء الأعلى ومحكمة التمييز الاتحادية وجهاز الادعاء العام وهيئة الأشراف القضائي وجميع المحاكم الاتحادية القضائية الأخرى،ومثل هذه الأرضية تحتاج ليس فقط إلى الرصانة والحكمة والمعرفة القانونية، بل ينبغي أن تحتاج الى الشخصية الوطنية المستقلة الرصينة والنزوع نحو الاستقلالية والأيمان الحقيقي بدولة القانون.
وقيادة السلطة القضائية ليست أمرا سهلا مثل قيادة باقي السلطات، ليس لأن الإرث القضائي والقانوني مع كل مخلفات القوانين والإجراءات الموروثة ثقيلة،وليس لأن الاجتهاد في العمل القانوني والتطبيقي يخضع إلى ضوابط العمل القضائي، وليس لأن عدد القضايا والدعاوى المعروضة والمحسومة صارت أرقاما كبيرة،بل لأن الرقابة على التطبيق السليم والحرص على دستورية القوانين والأنظمة مهمة ليست يسيرة، فالرقيب وهو يؤدي واجبه لابد من أن يجد من لايعتقد بصحة وسلامة قراراته التي تخالف رغباته واعتقاده،وتفسير النصوص يتطلب الدقة والمهنية العالية والحرفية في العـمل الـقانـونـي بالإضافة إلى الثقافة القانونية العالية،والفصل في المنازعات يتطلب التدقيق والتمحيص والغور في تفاصيل النزاع ومن ثم الفصل بقرار أقرب الى العدالة والقانون أن لم يكن من بين ثنايا العدالة والقانون.
ومادامت المهمات الملقاة على عاتق القضاء العراقي مهمات ثقيلة،وهي جزء من المهمات الوطنية التي تتحملها الحكومة ومجلس النواب والأحزاب العراقية الوطنية ومنظمات المجتمع المدني،لذا فأن هذه القيادة التي تخضع لضرورات المرحلة والضوابط التي أشرنا اليها سابقا تتطلب من الضمائر الحية في مجلس النواب أن تجعل مصلحة العراق فوق المصالح والرغبات الشخصية، وأن تسعى إلى تقدير القضاء بشخوص قيادته التي أثبتت موقفها الوطني وقدرتها على تخطي الصعاب وتجاوز أكثر المحن التي مرت بها السلطة القضائية، والتي رسمت لها علامة بارزة في النزاهة والقدرة على القيادة والحكمة والتجربة الطويلة والعريقة في العمل القضائي، وأن تدقق في تفاصيل المنجز من عمل السلطة القضائية ودور المحكمة الاتحادية الكبير والشجاع في مهمتها، بالإضافة الى دور مجلس القضاء الأعلى والمحاكم الاتحادية التابعة له، مرورا بقافلة الشهداء الأبرار من القضاة التي سجلت لها حيزا متميزا ضمن مسيرة العراق الجديد،بالإضافة إلى دور قضاة محكمة التمييز،وهم النخبة المتميزة من رجال القضاء في العراق،وخلاصة تجربة طويلة من العمل القضائي،ويمثلون أرفع ما وصل إليه القاضي من مكانة ومنزلة في درجات الترقية القضائية،وهم بأمس الحاجة لأن تلتفت جميع الجهات المعنية لطبيعة عملهم المضني والدقيق وحاجتهم الماسة لأعداد أضافية أخرى كأعضاء أصليين في محكمة التمييز الاتحادية،عدد يتناسب ليس فقط مع حجم وعدد الدعاوى والقضايا التي تحال عليهم، بل مع حجم وعدد نفوس شعب العراق وأعداد القضايا المدنية والجزائية وغيرها المنجزة في المحاكم كافة،وحتى يمكن أن يؤدوا عملهم على الوجه الأكمل،مع ماتوفره لهم السلطات الأخرى من ظروف ومكاسب يتمتع بها أقرانهم من أعضاء محاكم التمييز في المنطقة، وهو مطلب ملح ومستعجل لإسناد محكمة التمييز الاتحادية برفدها بعدد كاف من الأعضاء الأصليين مع توفير كافة الموجبات والمستلزمات التي تتناسب مع مكانتهم ومركزهم القضائي الرفيع، هذا في حال أن يسعى الجميع إلى احترام وتوقير أعضاء هذه المحكمة العريقة وتاريخها الناصع في تاريخ العراق الحديث، وذلك
بالإضافة إلى دور الادعاء العام كركن أساسي من أركان العدالة والرقيب الأمين على المشروعية والحفاظ على الأموال العامة واحترام تطبيق القانون والإسهام في حماية الأسرة والطفولة، ولما لأهمية هذا الجهاز القضائي من دور كبير ومهم.
كما للأشراف القضائي ذلك الدور المهم في ترصين العمل القضائي،ومساهمته الايجابية والفعالة في رصد الظواهر السلبية ومعالجتها،وكذلك الدور الأهم لعمل القضاة في المحاكم الاتحادية وهم يجاهدون في سبيل تطبيق القانون وتحقيق العدالة بالقرارات والأحكام المدنية والجزائية الصادرة من المحاكم بجميع اختصاصاتها.
وبما ان مجلس النواب ابتدأ دورته الجديدة بعد أن تم انتخاب رئيس مجلس النواب ونوابه وإعادة انتخاب رئيس الجمهورية،وتكليف الرئيس للسيد نوري المالكي لتشكيل الحكومة باعتباره مرشح الكتلة النيابية الأكثر في المجلس،فأن ما يجعل المرء يعتقد بأننا خطونا الخطوات الأولى الصحيحة باتجاه الحرص على المبادئ الأساسية التي أكد عليها الدستور نصا، وعلى المجلس أن يتفهم بقلوب مؤمنة بمصلحة العراق وشعبه،وبثقل الأمانة التي أولاها شعب العراق لهم أن يحرصوا على ماحققه القضاء العراقي من دور مهم وما وفره من مشاعل أنارت طريق العدالة والقانون،حيث ساهم في رسم خطوط عريضة وواضحة لقضاء عراقي يشكل بداية الطموح لطريق الاستقلالية التي لاسلطان عليها في قضائها غير القانون،والتي لايمكن لأية سلطة غير سلطة القانون ان تتدخل في قراراتها وإجراءاتها أو في شؤون العدالة.
وإذ نحيي دور القضاة العاملين في مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الاتحادية العليا ودورهم الكبير في رسم سياسة العدالة والقانون في العراق،فأننا لم نزل نعتقد إننا في بداية الطريق وبحاجة أكيدة لجهود وحضور الشخصيات القضائية المجاهدة،وأن يكون شعارا مخطوطا بصفاء الضمائر لكل نواب المجلس أعضاء السلطة التشريعية في العراق،من أن القضاء مستقل لايمكن أن يتم تطويعه لمصلحة حزب سياسي أو فئة أو مذهب أو دين أو قومية،وأن نحرص على أن يكون القضاء العراقي يمثل الحياد والسلطة التي نحتكم إليها ونحن مطمئنون من عدالة قراراتها ورصانتها،وأن القضاء حين يقول كلمته الفصل فأن من الطبيعي أن عددا صغيرا لايرتضي حكمه،إلا أن عددا أكبر وأكثر يجد الأنصاف والعدالة والقانون في قراراته، وبالتالي فأن المصلحة الوطنية ومن يعتقد بأن المصلحة العليا تتغلب على نوازعه الشخصية وخلافاته ورغباته المتقاطعة مع الحق والحقيقة سيجد حتما أن القضاء وهو يؤدي دوره بشخوص قيادته ورجال قضائه هم جنود العدالة وسدنتها، وان ترصين جبهتهم ومساندتهم مساندة أكيدة لمستقبل العراق، وأن تلك المواقف الرصينة لاتعزز من موقف وقوة القضاء العراقي فحسب، بل أنها ستساهم في ترصين وترسيخ أسس دولة القانون التي يسعى ويطمح إليها جميع العراقيين.
من يفصل في الخلاف بين السلطة الاتحادية والإقليم في تفسير النص الدستوري؟
الانصات المركزي 25/1/2010 :
تتفق جميع الاطراف وكل من يختلف في راي وتفسير ان الدستور العراقي هو الفيصل في جميع الخلافات، وهو المرجع في تاسيس الحكم في القضايا التي فصل فيها ضمن مواده.
لذا فان جميع القضايا التي ستكون مثار اختلاف بين السلطات وبين الاقاليم والمحافظات مردها الى الدستور الذي فصل اختصاص السلطات الاتحادية وسلطات الاقاليم بشكل واضح لالبس فيه، ولعل من بين ابرز الاختلافات التي برزت خلال الفترة الحالية هي مسالة النفط وقانونه وصلاحيات السلطة الاتحادية وصلاحية الاقليم.
واذا كان الدستور هو القانون الاسمى للبلاد فان ثبوت كون النصوص الواردة فيه جامدة لااثر لها في الواقع، ينتج لنا قناعة من ان السلطات البائدة التي تعاقبت على حكم العراق كانت تريد ان تكون هذه النصوص غبارا وستارا لذر الرماد في العيون، وشعارات وفقا لرغباتها ومصالحها السياسية وسياستها الشوفينية، مما يولد لدينا الاصرار اليوم في العراق الجديد على ترجمة النصوص الدستورية الى واقع نلمسه بايدينا، ونجسد تطبيقاته الانسانية الى ان تفهم هذه العقول بان لشعب كردستان الحق في الحياة، وان المساواة في الدستور حالة واقعية تتحول الى واقع ملموس، وان التجربة الفدرالية هي الطريق السليم للوصول الى العراق الديمقراطي الموحد وان الاختلاف في وجهات النظر وفي التفسير حالة اعتيادية تحل بالطرق المتمدنة والمتناسبة مع المنهج الديمقراطي في العراق.
اقر الدستور العراقي عند نفاذه اقليم كردستان وسلطاته القائمة كاقليم اتحادي، وبهذا الاقرار المنصوص عليه في متن المادة 117 فقد منح الشرعية الدستورية لقيام الاقليم، حيث ان الدستور اشار الى تكوين النظام الاتحادي في جمهورية العراق من عاصمة واقاليم ومحافظات غير منتظمة ضمن اقليم وادارات محلية، ومنح الصلاحيات المشتركة بين الحكومة الاتحادية وبين الاقاليم حيث اعطى الافضلية لقانون الاقليم في حال وجود خلاف في التطبيق بينهما حيث منح الدستور الحق لكل محافظة او اكثر تكوين اقليم وفق الالية التي فصلها.
ويشترك اقليم كردستان في المجلس التشريعي الاتحادي الذي يضم ممثلين عن الاقاليم والمحافظات غير المنتظمة في اقليم وينظم عمل هذا المجلس قانون يتم صياغته واصداره باغلبية ثلثي اعضاء مجلس النواب، كما يشترك الاقليم في تشكيل المحكمة الاتحادية العليا التي تاخذ على عاتقها مهمة الرقابة على دستورية القوانين وتفسير النصوص الدستورية عند وجود اختلاف في التطبيق، والفصل في القضايا التي تنشا عن تطبيق القوانين الاتحادية والقرارات والانظمة والاجراءات الصادرة عن السلطة الاتحادية، وكذلك الفصل في المنازعات التي تحصل بين الحكومة الاتحادية والاقاليم والمحافظات والبلديات والادارات المحلية، كما تفصل المحكمة في الاتهامات الموجهة لرئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والوزراء، كما تصادق المحكمة الاتحادية العليا على النتائج النهائية لعضوية مجلس النواب وتفصل المحكمة في تنازع الاختصاص بين القضاء الاتحادي والاقليمي والمحافظات وان قرارات هذه المحكمة باتة لاتقبل الطعن تمييزا حيث انها ملزمة لجميع السلطات.
كما يشترك الاقليم ضمن الهيئات التي عدها الدستور مستقلة لضمان حقوق الاقاليم في المشاركة العادلة بادارة مؤسسات الدولة المختلفة وفي البعثات الدراسية والحلقات الدراسية والتطويرية وفي الاشتراك ضمن الوفود التي تحضر المؤتمرات الاقليمية والمؤتمرات الدولية حيث يتكون الوفد من ممثلي الحكومة الاتحادية وممثلي الاقليم وممثلي المحافظات غير المنتظمة بقانون. كما يشترك الاقليم في الهيئة العامة لمراقبة وتخصيص الايرادات العامة في الدولة الاتحادية للتحقق من عدالة توزيع المنح والقروض والمساعدات بموجب استحقاقات الاقاليم والمحافظات التي لم تنتظم ضمن اقليم، ويشترك الاقليم في مجلس الخدمة العامة الاتـحادية الذي يتولى تنظيم شؤون الوظيفة العامة ومايتعلق بالتعيين والترقية والتكوين والترفيع. ويحق لسلطة اقليم كردستان بمقتضى نصوص الدستور (المادة 120)، وضع دستور للاقليم يحدد هيكل السلطات فيه والية عمل تلك السلطات، ومن الطبيعي ان يكون دستور الاقليم منسجما ولا يتعارض مع الدستور الاتحادي، وان لسلطة الاقليم ان تمارس جميع الصلاحيات الممنوحة للسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية ماعدا ما تم تحديده حصرا من صلاحية السلطة الاتحادية.
ويحق لسلطة الاقليم ان تقوم بتطبيق نصوص الدستور الاتحادي عند عدم وجود نص يحكم قضية معينة او عند وجود تناقض او تعارض في ذلك الامر، كما يحق لسلطة الاقليم تعديل القانون الاتحادي في الاقليم، في حالة وجود تناقض او تعارض بين القانون التحادي وقانون الاقليم، بخصوص مسالة لاتدخل ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية (المادة 121/ثانيا).
كما يتم تخصيص حصة عادلة من الايرادات المتحصل عليها اتحاديا، للاقاليم والمحافظات تكفي للقيام باعبائها ومسؤولياتها، مع الاخذ بعين الاعتبار الموارد الخاصة للاقاليم والمحافظات، وتدقيق الحاجة الفعلية لها وفقا لنسبة السكان فيها. وفي الباب الرابع من الدستور ضمن اختصاص السلطات الاتحادية حددت المادة 110 من الدستور الاختصاصات الحصرية للسلطة الاتحادية، وجاء نص المادة 111 مطلقا في ان النفط والغاز هما ملك الشعب العراقي في كل الاقليم والمحافظات، وعقبت المادة 112 ان الحكومة الاتحادية تقوم بادارة النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية (بالمشاركة مع حكومات الاقاليم) والمحافظات المنتجة على ان توزع واراداتها بشكل منصف يتناسب مع التوزيع السكاني في جميع انحاء البلاد، وجاءت الفقرة ( ثانيا ) من هذه المادة واضحة وصريحة وشفافة من ان الحكومة الاتحادية زائدا حكومة الاقليم تقومان برسم السياسات الاسترتيجية اللازمة لتطوير ثروة النفط والغاز بما يحقق اعلى منفعة للشعب العراقي معتمدة على احدث تقنيات مبادىء السوق وتشجيع الاستثمار.
ونصت المادة 114 من الدستور على ان الاختصاصات المشتركة هي حصرا ضمن الفقرات السبع وهي رسم سياسات التنمية والتخطيط العام ورسم السياسة الصحية وسياسة الموارد المائية والسياسة التربوية والتعليمية وسياسة البيئة وتنظيم مصادر الطاقة الكهربائية وتوزيعها وادارة الكمارك.
وجاء نص المادة 115 واضحا في كل مالم ينص عليه ضمن هذه الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية ان يكون من صلاحية الاقليم والمحافظات التي لم تنتظم في اقليم، وفي مالم يرد ضمن الصلاحيات المشتركة الواردة اعلاه، تكون الاولوية فيها لقانون الاقليم في حالة الخلاف بينهما. واذا عدنا للتحدث عن الخلاف في التفسير والصلاحيات فان الدستور هو الفيصل ونصوصه هي الحكم، الى جانب ان نص المادة 93 من الدستور جعل اختصاص المحكمة الاتحادية العليا في الرقابة على دستورية القوانين والانظمة النافذة وفي تفسير النصوص القانونية، فضلا عن الفصل في القضايا التي تنشا عن تطبيق القوانين الاتحادية، والفصل في المنازعات التي تحصل بين الحكومة الاتحادية والاقليم. وفي غياب تشريع واضح وشفاف لقانون النفط تكون نصوص الدستور هي الاعلى والاسمى، وتكون المحكمة الاتحادية هي المرجع النهائي حيث ان قراراتها بمقتضى نص المادة 94 باتة وملزمة للسلطة الاتحادية ولسلطة الاقليم.
هل ستحل المـادة 140 من الدستور مشكلة كركوك زهير كاظم عبود
الانصات المركزي 24/2/2010 :
كركوك مدينة يسكنها الخليط من العراقيين من مختلف القوميات، حالها حال أي مدينة عراقية أخرى، اتسمت بالإنسجام والوئام والتمازج الإنساني بين مكوناتها، وهذا الإختلاط لاينفي كونها مدينة من مدن كردستان العراق اسوة بأربيل والسليمانية أو دهوك. مشكلة كركوك لم تكن في الإنسان، ولافي تأريخها الكردستاني، ولا في حقائق التأريخ التي تبقى حاضرة لايمكن تجاوزها، ومشكلة كركوك ليس في مجموع نسب سكانها، وليس في تقسيمها بينهم.
مشكلة كركوك تكمن في مخططات السلطات التي أرادت تحريف حقيقة مكوناتها الأثنية، وتغيير معادلة الوجود البشري الحقيقي فيها، تلك السلطات التي ابتليت كما في جميع سياساتها بالفكر الشوفيني المقيت، حيث تريد أن يتحول التاريخ والأنسان فيها وفقا لما تريد على أساس تغليب قومية على أخرى.
وكركوك التي تسكنها قوميات متعددة ((العرب والكرد والتركمان والكلدان والآشوريين والسريان والأرمن )) تميزت بذلك التلون القومي والأنسجام الانساني لولا المخططات التي اعتمدتها السلطات الحاكمة في العراق، والتي أرادت أن تحيلها الى منطقة يغلب عليها الطابع العربي على حساب الكرد والتركمان وبقية المكونات الأخرى.
والمتابع لقضية كركوك يلمس تلك المخططات التي بدأت مع بداية قيام الحكم الملكي وقيام الدولة العراقية، فقد سعت تلك الحكومات المتعاقبة على التغيير بشكل مستمر لم يتوقف حتى مع تغيير تلك الحكومات، وبلغت تلك المخططات البشعة في قيام النظام الصدامي بترحيل اعداد كبيرة من الكرد والتركمان واحلال مجاميع بشرية من العرب بديلا عنهم، بالإضافة الى القرارات الرسمية التي تعرض منح الموظف الحكومي العربي القومية الذي ينتقل الى كركوك ليقيم فيها، قطعة أرض يقوم ببنائها مع مبلغ عشرة الاف دينار يعادل اكثر من 3300 دولار، مع أتباع وسائل ضغط وإبتزاز على المواطن الكردي لتغيير قوميته الى العربية، مع اقتطاع مقاطعات تسكنها الغالبية الكردية وإلحاقها بالمناطق العربية، وإلحاق مناطق عربية بديلا عنها بمنطقة كركوك، والقيام بترحيل عشرات الآلاف من المزارعين من مناطق الفرات الأوسط وتسليمهم الأراضي الزراعية في كركوك لإستغلالها والسكن فيها من خلال إنهاء عقود أصحابها الشرعيين من الكرد والتعاقد مع الوافدين الجدد، بالإضافة الى وسائل عديدة يكتشفها العاقل يوما بعد يوم من أجل تغيير حقيقة تلك المدينة ما يستوجب الأمر أن يعاد الحال الى ما كان عليه، فيعاد المهجرون الى ديارهم وتلغى قرارات تغيير القومية ويتم التنسيق في سبيل إيجاد وسائل وقرارات تنصف الجميع وتعيد للمدينة صورتها مع الإقرار بحقيقتها التأريخية.
وكان النظام في عهد صدام قد أوغل في إعتماد تلك السياسة الشوفينية المتطرفة في تلك المدينة، فلحق الغبن والظلم ليس أبناء الكرد وحدهم بل طال ذلك التركمان والكلدان والآشوريين والأرمن والسريان من أبناء تلك المدينة.
ومن الطبيعي أن تقوم نزاعات حول الملكية العقارية بشكل حاد بعد سقوط النظام الصدامي، بالإضافة الى ما سيسبب عودة النازحين والمهاجرين الى بيوتهم وأراضيهم من أشكاليات مع تلك المجاميع التي تملكت الأراضي بقرارات رسمية ضمن سياسة السلطة حينها.
ولمس المسؤولون عن زمام السلطة في المرحلة الأنتقالية للدولة العراقية بعد 7/4/2003 تلك الأشكاليات حيث وضعوها ضمن أولويات تتطلب الحلول السريعة، فنصت عليها المادة الثامنة والخمسون من قانون أدارة الدولة العراقية للمرحلة الأنتقالية، حيث كان النص صريحا وواضحا جاء فيه:
أن تقوم الحكومة العراقية الانتقالية ولاسيما الهيئة العليا لحل النزاعات المالية العقارية وغيرها من الجهات ذات العلاقة، وعلى وجه السرعة بإتخاذ تدابير من اجل رفع الظلم الذي سببته ممارسات النظام السابق والمتمثلة بتغيير الوضع السكاني لمناطق معينة بضمنها كركوك، من خلال ترحيل ونفي الأفراد من أماكن سكناهم، ومن خلال الهجرة القسرية من داخل المنطقة وخارجها، وتوطين الافراد الغرباء عن المنطقة، وحرمان السكان من العمل، ومن خلال تصحيح القومية، ولمعالجة هذا الظلم على الحكومة الأنتقالية العراقية اتخاذ الخطوات التالية:
1/ فيما يتعلق بالمقيمين المرحلين والمنفيين والمهجرين والمهاجرين، وإنسجاما مع قانون الهيئة العليا لحل النزاعات الملكية العراقية والإجراءات القانونية الأخرى، على الحكومة القيام خلال فترة معقولة، بإعادة المقيمين إلى منازلهم وممتلكاتهم، وإذا تعذر ذلك على الحكومة تعويضهم تعويضا عادلا.
2/ بشأن الأفراد الذين تم نقلهم الى مناطق و أراضي معينة، يتعين على الحكومة البت في أمرهم حسب المادة 10 من قانون الهيئة العليا لحل النزاعات الملكية العقارية، لضمان إمكانية إعادة توطينهم، اولضمان إمكانية تلقي تعويضات من الدولة، او امكانية تسلمهم لأراضي جديدة من الدولة قرب مقر اقامتهم في المحافظة التي قدموا منها، او إمكانية تلقيهم تعويضاً عن تكاليف انتقالهم الى تلك المناطق.
3/ بخصوص الاشخاص الذين حرموا من التوظيف او من وسائل معيشية اخرى لغرض اجبارهم على الهجرة من اماكن اقامتهم في الاقاليم والاراضي، على الحكومة ان تشجع توفير فرص عمل جديدة لهم في تلك المناطق والاراضي.
4/ اما بخصوص تصحيح القومية فعلى الحكومة إلغاء جميع القرارات ذات الصلة، والسماح للاشخاص المتضررين، بالحق في تقرير هويتهم الوطنية وانتمائهم العرقي بدون إكراه او ضغط.
5/ لقد تلاعب النظام السابق ايضاً بالحدود الادارية و غيرها بغية تحقيق اهداف سياسية. على الرئاسة والحكومة العراقية الانتقالية تقديم التوصيات الى الجمعية الوطنية وذلك لمعالجة تلك التغييرات غير العادلة. وفي حالة عدم تمكن الرئاسة من الموافقة بالإجمـاع على مجموعة من التوصيات، فعلى مجلس الرئاسة القيام بتعيين محكم محايد و بالاجماع لغرض دراسة الموضوع وتقديم التوصيات. وفي حالة عدم قدرة مجلس الرئاسة على الموافقة على محكم، فعلى مجلس الرئاسة أن يطلب من الأمين العام للأمم المتحدة تعيين شخصية دولية مرمـوقة للقيام بالتحكيم المطلوب.
6/ تؤجل التسوية النهائية للاراضي المتنازع عليها، ومن ضمنها كركوك،الى حين استكمال الاجراءات أعلاه، وإجراء إحصاء سكاني عادل وشفاف والى حين المصادقة على الدستور الدائم. يجب ان تتم هذة التسوية بشكل يتفق مع مبادئ العدالة، آخذاً بنظر الاعتبار إرادة سكان تلك الاراضي.
والنص المذكور يقر بممارسات سببت الظلم وإرباك حياة الناس في المنطقة، كما ينص على عمليات ترحيل ونفي وهجرة قسرية وتوطين غرباء وحرمان من العمل وتغيير للقومية وفي سبيل وضع الحلول الآنية والسريعة نصت فقرات تلك المادة على جزء من تلك الحلول وأجلت التسوية النهائية الى حين استكمال الاجراءات اعلاه، واجراء احصاء سكاني (عادل وشفاف) والى حين المصادقة على الدستور بعد أخذ إرادة اهل كركوك بعين الإعتبار.
ماورد ضمن نص المادة اعلاه يؤكد حقيقة ما وقع على اهل المدينة ومالحقهم من ضيم وظلم وتزوير للحقائق مارسته السلطات عليهم، وحين تنص مادة قانونية أو دستورية على مثل هذه الحقائق فأنها تؤكد أقرارها لتلك الحقيقة، حينها لانحتاج الى مساومات أو أختلافات حادة، حيث أن الحل الأنساني هو ما يحتاجه الناس في كركوك، والحل الأنساني يبدأ من التطبيع وينتهي بالأستفتاء، يفترض أن تتحمل الحكومات التي حلت مسؤوليتها ازاء تلك الحلول، وكان عليها أن تنتهج نهجا انسانيا في سبيل التمهيد لحلول أكثر شمولا لصالح الأنسان في المنطقة، غير إن التراخي والمماطلة سيطرا على الموقف، بالإضافة الى بروز النزعات الشوفينية مرة أخرى بشكل مباشر أو غير مباشر، ظاهر للعيان أو مبطن.
وحين أقر الدستور نص في المادة 140 منه مؤكدا أن على السلطة التنفيذية أن تتخذ الخطوات اللازمة لإستكمال متطلبات المادة السابقة، مع أن الواجب يقتضي منها أن تسعى الى تنفيذ تلك الخطوات دون حاجة لتذكيرها بنص دستوري، وأكد النص أن التطبيع والإحصاء العام والأستفتاء في كركوك (والمناطق الأخرى المتنازع عليها لتحديد إرادة مواطنيها) في مدة تم تحديد اقصاها في 31/12/2007.
وانتهت المدة المذكورة وتم تمديد الفترة الزمنية لحل تلك المتطلبات دون أن نلمس جدية التطبيق ضمن تلك المرحلة التي سيتم تمديد تأريخها مرات عديدة، في حين تتراكم أشكاليات أكثر، وعدم تطبيق سياسة التطبيع ولا اجراءات الأحصاء العام وبروز سياسات الأنفعال ورد الفعل التي تمارسها أحزاب وتجمعات سياسية ضمن المدينة.
بالتأكيد أن النص الدستوري لن يحل المشكلة مالم يحظ بإلتزام قانوني وبسياسة تلتزم بها السلطة التنفيذية،حيث أن الإقرار بسياسة الأمر الواقع تزيد المشكلة تعقيدا وتحقق الرغبات الشوفينية التي أرادت تلك السلطات البائدة تحقيقها على حساب أبناء مدينة كركوك من القومية الكردية، بالأضافة الى جدية والإيمان بحقائق مدينة كركوك بعيدا عن تلك الأفكار التي سادت بفعل سياسات السلطات البائدة، وبعيدا عن القفز على حقائق التاريخ، وبعيدا أيضا عن سياسة التهاتر والأنفعال في المواقف والتصريحات.
واللافت للنظر ورود عبارة (والمناطق الأخرى المتنازع عليها) ضمن النص، فأذا كانت قضية كركوك هي المشكلة التي تتنازع عليها عدة اشكاليات وتراكمت عليها العديد من الأسباب التي نتجت عنها تلك الأختلافات، فأن بقية المناطق الأخرى لايختلف عليها أحد بعد أن يترك أمر اختيار إلتحاق اهلها باقليم كردستان من عدمه الى أهلها ضمن الأستفتاء.
إن بقاء المشكلة معلقة على حساب استقرار الناس يؤكد أن النص الدستوري لم يجد له محلا من التطبيق السليم، مع أن جميع الأطراف المعنية تتطابق في موافقتها على التطبيع والأحصاء ثم الأستفتاء الخاص بالمدينة، ولم يزل الزمن يمضي وإن بصيصا من الأمل في حلول انسانية سريعة ومستعجلة تسبق الحل النهائي.
ولم تزل هناك تلك العقليات التي تفكر بمعاندة الحقائق ومخالفة التأريخ، ولم تزل هناك عقليات لاتريد الأقرار بالواقع الأنساني لهذه المدينة المعطاء، هذه العقليات التي لاتريد الخير لأهل كركوك مهما اختلفت قومياتهم. ومن المؤكد أن لأهل هذه المدينة حقوقا ثابتة، يتطلب الأمر أن تسارع السلطة التنفيذية لأعادة الأعتبار الأنساني للمرحلين والمهجرين، وأعادة الناس الى ممتلكاتهم وعقاراتهم وأراضيهم الزراعية كجزء من مشروع التطبيع، كما عليها أن تبحث عن الحلول الإنسانية لساكني المخيمات في أطراف كركوك من ابناء كردستان والسعي لأصدار قوانين التعويض التي تمكن هؤلاء من استعادة حقوقهم المسلوبة، واعمال العقل والحكمة في أخماد كل بؤر التوتر والأنفعال وعدم السماح لمن يريد إن يصطاد في الماء العكرأن يبحث له عن منفذ لإشعال فتيل البارود، فالمدينة في حال عدم الإستقرار ولم يجد اهلها تلك المواقف التي تعيد لهم وحدتهم وحياتهم التي خربتها تلك السلطات والعقول المتلبسة بالتعصب القومي الأعمى، والتي حاولت أن تزور التأريخ وأن تلغي الحقائق عن مدينة كركوك، دون أن تنسى إلغاء القرارات والمخططات التي نهجتها السلطة السابقة حول المدينة، وأخيرا ينبغي أن يكون الحل عراقيا منسجما مع ما خدم الإنسان في هذه المدينة التي جسدت الوحدة العراقية دينيا وطائفيا وقوميا وسياسيا.
الفرصة التاريخية التي ستضيعها السياسة التركية
الانصات المركزي 18/7/2010 :
من حق أي دولة أن تتخذ من الإجراءات الكفيلة التي تحمي أمنها وسيادتها وقانونها ضد كل من يرفع السلاح ضدها، وخصوصا إذا لم تكن لديه مطالب مشروعة وأهداف إنسانية، ومن حق تركيا أن تتخذ من الإجراءات الكفيلة التي تعزز سيادتها على جميع الأراضي التركية، وأن تتخذ الوسائل الكفيلة بحماية أمنها وشعبها من أي مجموعة ترفع ضدها السلاح، وتلك تعتبر من مهام الدولة الأساسية.
والمجموعات البشرية في تركيا التي طالبت بحقوقها المشروعة ولم تجد طريقا غير إعلانها رفع السلاح لتحقيق تلك المطالب بعد أن تحقق اليأس عندها من عدم أقرار تركيا بتلك المطالب التي تعتمدها مواثيق حقوق الإنسان والأعراف والقوانين الدولية، كما يقر بها بشكل صوري الدستور التركي أيضا.
ولكن قبل كل هذا إلا يمكن للسيد اوردغان وأقطاب السلطة التركية أن يسألوا ضمائرهم عن الأسباب التي دفعت بهذه الشباب لترفع السلاح ضد السلطة التركية ؟ وهل أن هذه المجموعة تطالب بتحقيق مطالب شخصية ومادية أم انها ترفع مطالب مجموعة بشرية موجودة في تركيا لها حقوقها المشروعة وعليها واجبات المواطنة ؟ وهذا الواقع يتطابق مع الشعارات والمطالب التي ترفعها وتناضل من اجلها وتدفع بأرواحها ثمنا لتلك المطالب المشروعة.
وإذا كانت الدولة التركية تسعى لفرض أسس التعايش السلمي واعتماد لغة الحوار في سياستها فأين ترجمة تلك السياسة من حملات الإبادة واعتماد لغة الموت والرصاص ؟ في ملاحقة المسلحين الذين يصرون على المطالبة بتحقيق النصوص التي جاء بها دستور تركيا عليهم ومساواتهم واعتبارهم مواطنين حقيقيين لهم كامل الحقوق المشروعة.
وإذا كان الانفتاح الديمقراطي في تركيا مطلوب، فأن من بوادر هذا الانفتاح إيقاف سياسة الإبادة لشعب كردستان تركيا أولا، والإقرار والاعتراف بتلك المجموعة البشرية التي لن تتمكن لا تركيا ولا كل حلفائها من الاستمرار باعتماد سياسة الإنكار والإلغاء والتهميش والإبادة البطيئة مهما أستمر الزمن واشتدت حمى القتال وارتبكت الأوضاع واختلطت المواقف.
أن اعتماد سياسة العقل بديلا عن سياسة العنجهية والقوة هي الحل الوحيد الذي يمكن أن يوقف عملية سفك الدماء واستمرار التضحيات دون توقف، وأن سياسة العقل التي أوصت بها جميع الأديان والشرائع تدفع بالإقرار بحقوق الآخر واعتبار ما يحبه الإنسان لأخيه مثلما يحب لذاته، وأن البشر متساوين في الحقوق والواجبات، واعتماد سياسة العقل تدفع بتركيا لأن تحسب مقدار خسارتها الإنسانية وما تحدثه من خسائر إنسانية وبشرية في صفوف المعارضين والثوار، قبل أن تحسب حجم قوتها ومقدار سيطرتها الأمنية ومصالحها السياسية.
وتتوضح يوما بعد يوم معالم التعاون الستراتيجي بين العديد من دول المنطقة في مساندة الدولة التركية التي تسعى ضمن سياستها الحالية إلى اعتماد عمليات ألإبادة لتلك المجموعة البشرية، ولهذا فأن على تركيا تترتب مسؤولية إنسانية قبل أن تكون تاريخية في هذا المجال.
أن الانفتاح الديمقراطي الذي تبجح الساسة الأتراك بأعتمادة لن يتحقق سوى بترسيخ أسس معايير السلام والشراكة الحقيقية بين مكونات المجتمع التركي، والتي لن تتمكن الدولة التركية مهما تغيرت سياسة حكامها وأحزابها الحاكمة إلا بالإقرار بأن المساواة يجب أن تكون حقيقة فعلا وليس شعارات براقة لأغراض الدعاية الإعلامية وسياسة خلط الأوراق.
اعتماد لغة العقل بين موازنة المصالح الإنسانية بديلا عن المصالح الذاتية والمكتسبات الآنية، فقضية من يرفع السلاح بوجه الدولة التركية يعتمد المصالح الإنسانية، ووفقا لما أقرته الشرائع والقوانين الدولية، ولن تتمكن المصالح الدولية التي تتحكم في المنطقة اليوم الاستمرار بنجاحها في رسم تلك السياسة وبسطها على الواقع الكردي أبدا، وقدمت المجموعات المقاتلة مشاريع سلمية وإنسانية ودعوات للحوار لم تجد لها الأذن الصاغية ولا العقل المتبصر لاستغلالها، ولم تجد لها القاعدة والاستجابة التي تدلل على سعة العقل والبصيرة لدى السلطة التركية.
إن الواقع اليوم يقرأ قرارات وخطوات في السياسة التركية لاتعتمد العقل ولا تقتنع بالحوار وتبتعد عن المنطق، بل حتى لاتفكر بحل المشاكل التي تجتاح الشارع التركي وفقا للتصريحات التي يطلقها قادة تركيا اليوم، اعتقادا منهم أن إرادة الشعوب يمكن أن تقهر وفقا لظروف الزمان والمكان، واعتماد سياسة قصر النظر، مما يحقق خسارة بالغة للمستقبل التركي في حسابات الإنسانية.
إن أمام حزب العدالة والتنمية فرصة تاريخية في تحقيق السلام واعتماد المحبة والشراكة والأخوة بدأ يضيعها بإصرار قيادته على اعتماد سياسة قصف القرى الكردستانية بالمدفعية والصواريخ وترويع الفلاحين وتشريدهم وتحقيق المزيد من الضحايا، وخرق الحدود العراقية مرات متكررة اعتمادا على الوضع العراقي الهش، وتحقيق المزيد من التحالفات الدولية على حساب قضايا شعبها، والإصرار على اعتماد سياسة الإبادة الكردية، والجنوح لرأي العسكرتارية في تصوير عمليات الإبادة التي سيسجلها التاريخ بالكثير من المأساة والعار لما يحدث للسكان العزل من المدنيين الآمنين في القرى الكردية.
إن الفرصة التاريخية التي سيضيعها حكام تركيا في عدم جنوحهم للسلم، وعدم تبصرهم في مسؤولياتهم الجسام بحفظ أرواح شعب تركيا مهما كانت قومياتهم وأديانهم.
وأمام المشاريع السلمية التي طرحتها تلك المجموعات من موقع المقتدر الصلب والصامد حقنا للدماء وسبيلا للوصول إلى حلول إنسانية تحقق مصالح مشتركة للطرفين، ضيعت تركيا تلك المشاريع والدعوات وسط ضجيج الدبابات وهدير الطائرات ودوي القنابل والصواريخ، خلافا لقوله تعالى (( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم)).
حل مجلس النواب
18/7/2011 :
يشكل مجلس النواب السلطة التشريعية في العراق والتي تتكون بالاضافة للسلطة التشريعية من السلطة القضائية والسلطة التنفيذية، وتنظم عمل مجلس النواب نصوص اوردها الدستور العراقي في مواده (49 – 64)، ويضع المجلس نظاما داخليا لتنظيم سير العمل به. غير أن هناك حالات وأن عالجها الدستور الا اننا ومن باب التوضيح وتسليط الضوء ينبغي ان نعرضها مساهمة في نشر الثقافة القانونية، خصوصا وأن هناك تساؤلات تثار حول طبيعة عمل المجلس والطرق القانونية والدستورية لحل المجلس.
ومن النصوص التي اكدها الدستور رسم آلية الأنتخاب، حيث نصت الفقرة ثانيا من المادة (56) على ذلك، وحددت انه قبل خمسة واربعين يوما من تاريخ انتهاء الدورة الانتخابية السابقة يجري انتخاب مجلس النواب الجديد من قبل الشعب وفق الآلية والصورة التي رسمها الدستور وحددها قانون الانتخاب، وبعد ظهور النتائج والمصادقة على النتائج النهائية للانتخابات العامة لعضوية مجلس النواب، يدعو رئيس الجمهورية مجلس النواب المنتخب للانعقاد خلال مدة لاتتجاوز خمسة عشر يوما من تاريخ المصادقة على النتائج النهائية للانتخابات، حيث تنعقد الجلسة الاولى برئاسة اكبر الاعضاء سنا، ويجري البت في صحة عضوية كل عضو من قبل مجلس النواب، ويقوم المجلس بالنظر في حالات الطعن بصحة العضوية المقدمة اليه خلال مدة ثلاثين يوما من تاريخ تسجيل الاعتراض ويجري البت في صحة الأعتراضات المقدمة باغلبية ثلثي الاعضاء، وقرار البت في صحة العضوية الصادر من المجلس، وهذا القرار غير قطعي إذ يجوز الطعن فيه امام المحكمة الاتحادية العليا، وقرار المحكمة الأتحادية العليا بات ونهائي( قطعي ) بهذا الخصوص وملزم لكافة السلطات ( 94 من الدستور )، وبعد كل هذا يجري تأدية الاعضاء اليمين الدستورية المقررة والمنصوص عليها في الدستور، ويجري انتخاب رئيس ونائبين عن طريق الانتخاب السري المباشر، وبعد اكتمال هذه المهمة يباشر مجلس النواب بالعمل البرلماني وفق دورة انعقاد سنوية بفصلين تشريعيين امدهما ثمانية اشهر، ويمكن تمديد الفصل التشريعي لدورة الانعقاد بما لايزيد على ثلاثين يوما بناء على طلب من :
1 -رئيس الجمهورية
2 -رئيس مجلس الوزراء
3 -رئيس مجلس النواب
4 -خمسين عضوا من اعضاء مجلس النواب
وفي حال اعتقاد عدد من الأعضاء بعدم فاعلية مجلس النواب يتم طلب حل المجلس بطلب من قبل ثلث من اعضائه، و يجب ان يقترن الطلب بموافقة الاغلبية المطلقة (أي أكثر من النصف)، كما يمكن حل مجلس النواب بناء على طلب من رئيس الوزراء بعد ان يجد عدم الانسجام والفاعلية بين عمل المجلس والحكومة، أو عدم كفاءة وتفاعل المجلس مع القوانين والقرارات التشريعية المطلوبة على ان يقترن هذا الطلب بموافقة رئيس الجمهورية، وبشرط ان لايكون هذا الطلب خلال فترة الاستجواب المقررة لرئيس الوزراء من قبل المجلس، وفي حال موافقة رئيس الجمهورية يصار الى انتخابات عامة جديدة في البلاد خلال مدة لاتتجاوز60 يوما تبدأ من تاريخ حل المجلس، كما يعد مجلس الوزراء ايضا مستقيلا الا انه يواصل عمله لتصريف الأمور العامة.
وفي حال الموافقة على حل المجلس فأن الأمر ينسحب على الحكومة بأعتبارها تستند في تكليفها على طلب المجلس الذي طالبت بحله، وفي هذا الأمر تختلف الدساتير في اقتران حل المجلس بحل الحكومة، حيث ان الدستور الكويتي حدد ضمن المواد 102و107 أنه إذا رأى مجلس الأمة عدم إمكان التعاون مع رئيس مجلس الوزراء رفع الأمر إلى الأمير، وللأمير أن يعفي رئيس مجلس الوزراء ويعين وزارة جديدة أو يحل مجلس الأمة، في حين ان الدستور اللبناني نص في المادة (5) منه أنه يحق لرئيس الجمهورية ان يتخذ قرارًا معللا وبموافقة مجلس الوزراء على حل مجلس النواب قبل انتهاء مدة النيابة، بينما نص الدستور المصري في المادة (36) منه على ان لا يجوز لرئيس الجمهورية حل مجلس الشعب إلا عند الضرورة وبعد استفتاء الشعب، ويصدر رئيس الجمهورية قرارًا بوقف جلسات المجلس وإجراء الاستفتاء خلال ثلاثين يومًا، فإذا أقرت الاغلبية المطلقة لعدد من أعطوا أصواتهم الحل اصدر رئيس الجمهورية قرارًا بحله، اما في الدستور السوري فقد منحت المادة (107) منه الحق لرئيس الجمهورية أن يحل مجلس الشعب بقرار معلل.
وهناك من الدساتير التي لاتمنح اي سلطة لأحد بما فيها رئيس الجمهورية حق حل البرلمان او مجلس النواب كما في دستور الولايات المتحدة الأمريكية، في حين أن الدستور الفرنسي يمنح هذا الحق لرئيس الجمهورية بالتشاور مع رئيس الوزراء.
هناك حالات توجب الطلب بحل مجلس النواب، منها عدم التوافق مع الرغبة الشعبية، وتغليب المصالح الشخصية على العامة، بالأضافة الى وجود حالات من الخلاف الذي لايمكن تجاوزه او حله يؤدي الى مواقف سلبية وتشنجات بين عدد من الأعضاء أو الكتل السياسية وبين الحكومة، مما يعرقل عملها ويضع عقبات كبيرة امام تنفيذها لخطتها أو استحالة العمل بيسر لتحقيق المصلحة العامة.
كما يحدث ان لاتتناسب تطلعات الشعب مع عمل المجلس بما يتعارض ويتناقض مع ضرورة تطور عمل المجلس بأتجاه تحقيق رغبة وأرادة شرائح المجتمع، بما يكفل امانته التي وضعها الشعب في اعضائه، مما يستدعي بالضرورة للمراجعة الشاملة بما ينسجم مع المبادئ العامة للدستور.
أن وجود مجلس النواب يعني تفاعل مكونات السلطات الاتحادية التشريعية والتنفيذية والقضائية، وبالتالي ضرورة الانسجام والتفاعل بين هذه السلطات، بما يحقق الاستقرار والرؤية المتكاملة في بناء الدولة وفق ما يحقق المبادئ العامة في الحقوق والحريات المدنية منها والسياسية، بالأضافة الى ضرورة شعور الشعب بأن المجلس يمثل مصالحه وتطلعاته وسعيه لمستقبل افضل.
ان من بين اهم مهام مجلس النواب تشريع القوانين الاتحادية والرقابة على اداء السلطة التنفيذية والبت في مشروعات القوانين التي تقدم من رئيس الجمهورية ومن مجلس الوزراء ومن عشرة من اعضاء مجلس النواب او من اللجان المختصة في المجلس، وعلى هذا الاساس فان هذه المهام من شأنها تسهيل عمل الحكومة وأنجاح خطة عملها، والسعي للأنسجام بما يحقق تلبية المطالب الانسانية المشروعة والملحة للناس، مما يدعو ان تكون العلاقة بين المجلس والحكومة علاقة إنسجام وتعاون وتنسيق، دون ان تكون الخلافات السياسية بين الكتل عائقا ومعرقلا لهذه العملية مما يجعل العلاقة متشنجة وسلبية وبالتالي تنعكس على الناس.
من يحمي الضحايا ؟
) 25/8/2010 :
نص الدستور العراقي على حق الإنسان في الحياة والأمن والحرية، مثلما نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة الثالثة منه على أن لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه.
الحق في الحياة قررته الرسالات السماوية وجميع الأديان، والحق في الحياة من الحقوق التي تتلازم مع كل إنسان من لحظة الولادة وحتى لحظة الوفاة، وليس فقط الدساتير والقوانين الدولية من يحمي هذا الحق ويصونه ويحميه، بل لايمكن أن يتجاوز احد سواء كان شخصا طبيعيا او معنويا على هذا الحق فيحرم احداً منه إلا وفقا للقانون.
ويتعرض شعب العراق اليوم الى هجمة شرسة من مجموعات دينية وسياسية متطرفة تستخدم من ضمن أسلحتها الفتاكة، أشكالا من الأساليب والأدوات غير المألوفة إزاء قتل المدنيين العزل، فقد لجأت تلك المجموعات الى استخدام الأسلحة الكاتمة للصوت، وهي أسلحة معدة للقتل بشكل سهل ويسير على مرتكب الجريمة، خصوصا بين أعداد المدنيين العزل وتجمعات الناس، كما تستخدم تلك الجماعات انتقاء بعض ( البهائم البشرية ) لتسويقها على أساس ان انتحارها يشكل لها عملية دينية تستوجبها الشريعة الإسلامية لقتل أكبر عدد ممكن من المدنيين أو حتى العسكريين.
كما استخدمت تلك الجماعات عمليات زرع العبوات الناسفة واللاصقة الغادرة لقتل الضحايا بأساليب لاتخلو من غدر وخسة تحت شتى الذرائع والأسباب، بالإضافة الى تفخيخ السيارات والدراجات الهوائية لقتل البشر دون تحديد !!!. ومن الطبيعي أن تلك الجماعات معرضة للمساءلة القانونية فيقعون تحت طائلة قانون الإرهاب العراقي وهو قانون تم تشريعه لمواجهة الظروف الحالية التي يمر بها الإنسان في العراق، وتحكم بعض نصوصه بالإعدام في حال توفر الأدلة ضد المتهم، وبالرغم من انه لايلبي الطموح فلم يساهم في عملية الردع المطلوبة، ولم يتم تفعيل الأحكام الصادرة بحق القتلة والإرهابيين على الوجه الذي يتناسب مع الوضع الأمني في العراق.
وقبل أن تتم إدانة المتهم يتم توفير ضمانات عديدة للمتهمين في تلك القضايا، تصل تلك الضمانات التي تؤكدها لوائح حقوق الإنسان وكررها الدستور العراقي ونصت القوانين العراقية على وجوب توفير تلك الضمانات للمتهم، ويبقى العديد من تلك الحقوق للمتهم بعد إدانته، تصاحب تلك الضمانات دعوات صريحة وعالية للمطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام بأي شكل من الأشكال بحق المدانين من المجرمين الذين اكتسبت قرارات حكمهم الدرجة القطعية.
وفي كل تلك المطالبات والضمانات التي تتوفر للمتهم وللمدان بالجرم تغيب الحقوق التي ينبغي أن تتوفر للضحايا، فعمليات قتل المدنيين تندرج وفق نطاق عمليات الإبادة الجماعية، فالفقرات الأولى والثانية من تعريف الإبادة الجماعية ينطبق على الأفعال الجرمية التي ترتكب في قتل المدنيين والعسكريين لأنها تستهدف قتل اكبر عدد ممكن من البشر، بالإضافة الى التعمد بإلحاق الأذى الجسدي أو المعنوي أو المادي بالجماعات البشرية، وهذه الجرائم تعد من الجرائم الخطيرة التي تمس الحياة البشرية في العراق. وفي تطور نوعي للمشرفين على تنفيذ العمليات الإجرامية، استهدف شرطة المرور ورجال القضاء واغتيال قيادات رجال الصحوة واستغلال الوضع السياسي المربك والأمني الهش قام احد البهائم المفخخة بتفجير نفسه وجسده النتن وسط تجمع بشري ليقتل مالا يقل عن 40 شابا وجرح 100، البهيمة المنتحر في ساحة باب المعظم بالقرب من بناية وزارة الدفاع القديمة وسط تجمع لشباب متطوعين للعمل في القوات العراقية المسلحة، تم نقله من منطقة قريبة من ساحة التجمع، وحتما بسيارة اخترقت العديد من السيطرات، وحين وصلت السيارة قريب من مكان التجمع، تم إنزاله وهو يحمل كل تلك الكمية من المتفجرات بين فخذيه، وصدرت له التعليمات بأن يخترق التجمع لقتل اكبر عدد ممكن من البشر، وفي حال تمكن نقطة التفتيش تشخيص البهيمة يقوم بتفجير نفسه أيضا.
ان تسلل البهيمة المفخخة لم يكن لوحده، ولابد من التوصل الى خيوط الرؤوس المدبرة ومعرفة الطرق التي تفد بها تلك النماذج من المداخل البرية المشروعة بمستمسكات مزورة أو غير المشروعة بالتسلل، وفي كل الأحوال نفتقر الى العيون التي ترصد وتتابع، ونفتقر الى الحس الأستخباري والنشاط الأمني المتناسب مع حالة الخطورة التي يعيشها المواطن، وأن لايتم تسجيلها رقما يتم تناسيها بانتظار مجزرة جديدة ينفذها من لم يتم القبض عليه من تلك الرؤوس التي لم يطلها القانون حتى اليوم. ويتم تقديم العديد من المتهمين الى العدالة بعد أن تتوفر معهم الأدلة التي تكفي لأحالتهم على المحكمة المختصة وفقا للمادة التي تتناسب مع فعلهم الجرمي، غير أن التحقيق يبقى مقتصرا ومبتورا إذا لم يستدل على الرأس المنظم لتلك العمليات والمدبر لتلك البهائم المفخخة والمورد لتلك الأسلحة الفتاكة، ومن اللافت للنظر أن مثل هذا الأمر بقي خافيا حتى على المختصين، فلم يتم القبض على رأس أية شبكة ولا عن الممول المالي أو التسليحي أو الرؤوس التي تنظم عمليات القتل الجماعي، ويكتفى باعتراف المتهم معززا بالأدلة المعتبرة ليتم الحكم عليه، لتنتهي القضية تبعا لذلك ـ في الوقت الذي يبقى الرأس طليقا - يقوم الرأس المدبر بأعداد بهيمة أخرى أو مجرم آخر لارتكاب جريمة جديدة في مسلسل الضحايا الذين فاقت أعدادهم المعقول، في حرب ضروس وشرسة غير متكافئة بين عناصر مدججة بالأسلحة الفتاكة، وبين بشر ليس لهم سوى أرواحهم المجردة هاجسهم توفير الخبز لعيالهم ولحظة من لحظات الحياة لهم ولآسرهم مع كل سلبيات واقع الخدمات الأساسية المتردية في العراق.
أن الأسلحة الكاتمة هي أدوات معدة للقتل حتما مما يوجب أن تلتفت الهيئة التشريعية لرفع عقوبة حيازة هذا السلاح الى العقوبات القصوى المقررة قانونا، فمجرد حيازتها تتساوى مع استعمالها، وكذلك الاتجار بها أو بعتادها، وأن لايتم المرور على ضبط السلاح الكاتم للصوت مرورا سريعا تحت ذريعة جريمة القتل التي تستغرق الحيازة، فمجرد الحيازة تشير الى وجود عمليات غادرة ترتكب بهذا السلاح الذي بات اليوم منتشرا في العراق دون أن تكشف السلطات مصادره وطرق الحصول عليه.
ان المؤسسة الدينية بشكل عام اليوم لم تأخذ دورها في إصدار الفتاوى التي تحرم الانتحار وتبصر تلك البهائم المفخخة من الخديعة التي يقعون فيها من أن جرائمهم هي أعمال دينية واجبة في الجهاد ضد العراقيين الكفار، مع ما اشتهرت به المنطقة العربية من قدرتها على إنتاج الأغبياء والمخدوعين والعقول المنغلقة، ولاتلقي منها سوى الاستنكار والاستهجان الذي لايعدو أن يكون معنويا ورمزيا، في حين أن بإمكانها أن تحدد موقفها وتساهم بشكل فاعل في تحريم ماحرمه الله من عمليات الانتحار والغدر وتفجير البهائم المفخخة وسط حشود الناس الأبرياء من خلال المحاضرات والإرشاد والتوعية والفتاوى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من شر تلك البهائم المنقادة دون عقل.
وإذا كانت النصوص التشريعية التي نصت عليها لائحة حقوق الإنسان وأكدها الدستور العراقي في توفير الضمانات للمتهمين والمجرمين في تلك القضايا، يترتب أن نلتفت الى حقوق الضحايا أيضا، فحق الحياة من الحقوق المقدسة للأنسان الذي كرمه الله وفضله على كثير من المخلوقات.
ولذا فأن المسؤولية القانونية توجب المطالبة بأن نضمن حق الضحايا في دفاع منظمات حقوق الإنسان التي يتوجب عليها أن تسعى للدفاع عن حق الإنسان في الحياة والحرية، وأن يكون البشر متساوين أمام القانون دون تمييز، وانه لايجوز حرمان الضحايا من حقها في الحياة والأمن والحرية، وأن لذوي الضحايا حقوقاً أيضا ينبغي أن لايكون الدستور والقوانين النافذة وحدها من ترعاها وتضمنها، بل أن على منظمات حقوق الإنسان تلك المسؤولية الكبيرة التي توجب عليها أن تضع سبل الحماية ووسائل الضمان لحق الإنسان في الحياة انسجاما مع تلك النصوص، وأن يكون دفاعها وفقا لما يحمي الناس من جرائم الإرهاب والشبكات لصالح الحياة البشرية عمليا ووفقا لمعطيات الواقع الذي تعيشه المنطقة.
الهيئــات المستقلــة فــي الدستــور العراقــــي
21/6/2010 :
تضمنت نصوص الدستور العراقي لعام 2005 أحكاما ضمن الفصل الرابع في باب (الهيئات المستقلة)، حيث أعتبر الدستور المفوضية العليا لحقوق الإنسان والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات وهيئة النزاهة من الهيئات المستقلة التي لاتخضع لرقابة السلطة التنفيذية (المادة 99)، ووضع أمر مراقبتها بيد أعلى هيئة تشريعية في البلاد وهي مجلس النواب وحدد أعمالها بموجب قوانين صادرة لتنظيم عملها بموجب تلك القوانين.
وبهذا فأن الدستور أعطى لهذه الهيئات القوة القانونية التي تحميها من تدخل السلطة التنفيذية والقضائية، وحدد لها عملها والجهة التي تستطيع أن تقوم بحلها.كما أعتبر الدستور كل من البنك المركزي العراقي وديوان الرقابة المالية وهيئة الأعلام والاتصالات ودواوين الأوقاف من الهيئات المستقلة أيضاً، كما حدد الدستور ارتباط هذه الهيئات بمجلس النواب وأن يتم تنظيم أعمالها بقوانين، باستثناء دواوين الأوقاف التي ربطها بمجلس الوزراء، مثلما ترتبط مؤسسة الشهداء أيضاً بمجلس الوزراء وأن يتم تنظيم عمل كل منهما بقانون.
وكما أشار الدستور إلى تأسيس هيئة عامة لضمان حقوق الأقاليم وكذلك المحافظات غير المنتظمة بإقليم فيدرالي، تأخذ على عاتقها أسس المشاركة العادلة في إدارة مؤسسات الدولة الاتحادية المختلفة بما فيها الزمالات والبعثات والوفود والمؤتمرات الإقليمية والدولية تتكون هذه الهيئة من ممثلي الحكومة الاتحادية والأقاليم والمحافظات غير المنتظمة بإقليم ومن المؤكد أن تكون مثل تلك الهيئة مستقلة لاتخضع للسلطة التنفيذية بالنظر لكون عملها يشمل حقوق الأقاليم أو المحافظات التي لم تنضو تحت إقليم، ومن الطبيعي أن تكون خاضعة إلى مجلس النواب الاتحادي.
كما أسس الدستور هيئة عامة لمراقبة وتخصيص الإيرادات الاتحادية تأخذ على عاتقها التحقق من عدالة توزيع المنح والمساعدات والقروض الدولية بموجب استحقاقات الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة ضمن إقليم، والتحقق من الاستخدام الأمثل للموارد المالية الاتحادية واقتسامها، واعتماد الشفافية والعدالة عند تخصيص الأموال لحكومات الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة بإقليم وفق النسب المقررة قانوناً والتي يتم اعتمادها وفقاً لقرارات مجلس النواب وبما يضمن العدالة في توزيع المنح والقروض والمساعدات لغرض بناء الأقاليم والمحافظات الأخرى.
ولغرض تنظيم شؤون الوظيفة العامة الاتحادية أسس الدستور مجلساً للخدمة العامة الاتحادية ينظم تكوين الوظيفة والترقية والتعيين فيها وفقاً للقانون الذي ينظم عملها وأن يكون هذا المجلس مستقلاً أيضا.
وأكد الدستور على مواصلة عمل هيئة دعاوى الملكية بوصفها هيئة مستقلة وبالتنسيق مع السلطة القضائية والأجهزة التنفيذية الأخرى، وخصها بقانون جديد، ومنح حق حل هذه الهيئة لمجلس النواب بأغلبية ثلثي أعضاءه، مع كل التداخل العملي بين عمل الهيئة واختصاص القضاء المدني العراقي، إلا أن وجود مثل هذه الهيئة بعد تشكيل الحكومة الشرعية المنتخبة يخلق أيضا نوعا من التداخل في العمل وإيجاد نوعاً من المؤسسات المتشابهة في الشكل والمضمون.
كما سمح الدستور للهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث بمواصلة عملها بوصفها هيئة مستقلة وعدل اسمها لتصبح تحت أسم هيئة المساءلة والعدالة، والزم عملها أن يكون بالتنسيق مع السلطة القضائية والأجهزة التنفيذية في إطار القوانين المنظمة لعملها وبهذا أشرك عدة سلطات كان الدستور قد أكد على ضرورة الفصل بين عملها ضمن هذه الهيئة مما يجعل قراراتها هجينة لاتتبع طريقا واضح المعالم في التطبيق والمرجعية، وحدد الجهة التي ترتبط بها هذه الهيئة بمجلس النواب، وخول بمقتضى البند الثاني لمجلس النواب أن يقوم بحل هيئة اجتثاث البعث ( المسائلة والعدالة ) ( بعد انتهاء مهمتها، ولم يتم تحديد المدة ) بالأغلبية المطلقة، مع كل الإشكاليات التي تسببها في عملها إزاء عملية المصالحة وعملية الانضواء ضمن العملية السياسية القائمة.
أن وجود هيئات مستقلة تمارس عملها بالتنسيق مع القضاء العراقي بعد مرور أكثر من سبع سنوات على سقوط نظام الدكتاتورية تصدر أحكامها وقراراتها فيما يتعلق بحياة الناس وحقوقها يجعل من هذه الهيئات بمستوى السلطات القضائية التي يراد لها أن ترتفع بالأداء بما يتناسب مع المرحلة الجديدة للبناء العراقي، أن لم يكن وجودها يتشابه مع عمل مؤسسات فاعلة أخرى ويراد لها أن تأخذ دورها في إرساء قواعد العمل القانوني والقضائي في العراق، وبقاء هذه الهيئات يخلط الفهم القضائي والقانوني، حيث غيب النص المراجع القانونية التي يتوجب أن تنظر بالطعون التي يقدمها أصحاب الشأن ليكون قرارها باتاً ومكتسباً للدرجة القطعية، كما غيب النص القوانين التي يمكن أن تستند عليها في إصدار قراراتها الحاسمة، فأن وجود مثل هذه الهيئات يجعل عملية التدقيق متداخلة بين السلطتين القضائية والتنفيذية بالإضافة الى تعارض في التفسير والفهم للعديد من النصوص القانونية، وفي هذا الأمر نوعاً من أضعاف القضاء العراقي الذي يفترض أن يأخذ شكل استقلاليته وتصديه لحسم القضايا المعروضة عليه وفقاً للقوانين المعمول بها، ووفق آلية القرارات القضائية ومدد الطعن والجهات المختصة بالنظر في هذه الطعون والتمسك بنصوص القوانين الإجرائية المعمول بها في المؤسسة القضائية، باعتبار أن القضاء العراقي مختصاً بالفصل في المنازعات التي تحصل بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم أو المحافظات، وأن لاسلطان على القضاء لغير القانون.
فالمفوضية العليا للانتخابات في العراق وأن كانت فكرتها جاءت من لدن الأمم المتحدة، الا ان مهمتها انتهت مع قيام الدولة العراقية الجديدة بانتخاب مجلس النواب والرئيس والحكومة، وبعد أن أشرفت على انتخاب الحكومة المؤقتة والدستور والبرلمان العراقي الجديد.
ورغم تسجيل حوادث التزوير وإساءة استخدام لنظام تسجيل الناخبين الإ ان هذه لم تمثل سوى الاستثناء من القاعدة العامة، وبغض النظر عن السلبيات والايجابيات فأن المناقشة تدور حول جدوى الاستمرار مع وجود سلطات شرعية وفاعلة من عدمه !!.
وقد قرر مجلس النواب أخيراً الموافقة على تمديد عمل المفوضية العليا المستقلة للانتخابات وأعتبر هذا التمديد بمثابة تصريف الأعمال لحين انتهاء اللجنة القانونية التي أحيل إليها أمر الهيئة حيث تم تمديد العمل بقانون المفوضية لمدة ثلاثة اشهر أو عند تشريع قانون آخر أو عند اقرب الآجلين كما يقول القرار الذي صوت لصالحه 153 عضو من أصل 175 كانوا حاضرين، ويبدو أن الاتجاه في بقاء عمل المفوضية قائما وساريا بالرغم من عمليات الصرف المالي والأنفاق ( غير المعقول ) على ما تقوم به من أعمال.
ويتعين على الحكومة تطبيق نصوص الدستور بأمانة باعتباره القاعدة القانونية العريضة التي ترسم المستقبل العراقي، فيما يخص التطبيق الفيدرالي والسلطات الاتحادية وقضية الحقوق والحريات العامة والإحصاء السكاني والوضع القانوني للمحافظات غير المرتبطة بإقليم والالتزام بحل أنساني لقضية كركوك، ومع بقاء المفوضية العليا قائمة فأنها أيضا تتمتع بالاستقلال ولن يستطيع سوى مجلس النواب حلها والاستغناء عنها وفق نصوص الدستور، وان المجلس السابق أتجه لتمديد عمل المفوضية لتدقيق وضعها القانوني قبل أن يدرس أمكانية حلها، والقرار يعد خطوة تساهم في إبقاء هذه الهيئات المستقلة بالرغم من انتهاء دورها وفاعليتها في هذه الظروف.
أما الهيئة الوطنية لاجتثاث البعث التي تحولت الى هيئة المساءلة والعدالة فقد عملت خلال المدة من تشكيلها بأمر الحاكم المدني الأمريكي وحتى انتخاب السلطة العراقية الشرعية وفق المسارات التي تم تحديدها في إقصاء درجات معينة من المنتمين الى حزب البعث البائد عن العمل في مفاصل السلطة العراقية، مع العلم أن العديد من قيادات المخابرات والأمن والاستخبارات والأمن الخاص ممن ارتكبوا الجرائم في الزمن الصدامي البغيض لم يكنوا بدرجات حزبية عالية ولا يمكن أن يطالهم قانون الاجتثاث، مما يجعل عملية التطبيق غير مجدية وغير فاعلة أو عادلة لتحقيق نتائجها، كما أن عدم وجود ضابط قانوني لعملها، يجعلها سلطة أحادية تستطيع أن تقرر دون تدقيق أو نقض وفق الضوابط التي اشرنا لها آنفاً، بحجة استقلاليتها في العمل المناط بها وتطبيقها الضوابط بشكل آلي لايخدم الهدف الحقيقي، مما جعل نتائج أعمالها لاتخدم عملية الاستقرار والضوابط القانونية، فالهيئة سلطة داخل جسم الحكومة لاتستطيع السلطة التنفيذية مواجهة قراراتها أو مخالفتها.
وإذا كان الدستور قد حظر كل نهج يتبنى العنصرية والإرهاب أو التطهير الطائفي أو يمهد له أو يمجد أو يروج أو يبرر وبخاصة البعث الصدامي في العراق ورموزه وتحت أي مسمى، فأن هذا الأمر لايعني منع نشاط هذا الفكر البائد فحسب، لما تحمل الشعب العراقي بكل قومياته وأديانه ومذاهبه الويل والدمار منه، بل ينبغي العمل وفق الإطار العلمي والعملي لاجتثاث الحزب البائد،، وهذا الأمر يخرج من أطار عمل المساءلة والعدالة حيث تفتقر للوسائل القانونية والقضائية، كما تفتقر للهيكلية التي تتحول بموجبها الى محاكم استثنائية تصدر قرارات حكم بحق المواطن العراقي، مما يجعل وضعها القانوني استثنائي لاموجب له بعد ان تشكلت الحكومة الشرعية وبدأت قضايا الاستثناء بالانحسار ودولة القانون بالتطبيق السليم.
وأمام أعادة النظر في بعض قضايا الدستور العراقي نجد انه من المفيد جداً ولصالح المستقبل العراقي أعادة النظر في الهيئات المستقلة التي تشكلت بعد سقوط النظام الدكتاتوري وقيام العراق الجديد في الفترة الانتقالية، ولعل من أهم هذه الهيئات هي هيئة المسائلة والعدالة، والمفوضية المستقلة للانتخابات، وأن تتم دراستهما و جدواهما وموازنة السلبيات والايجابيات في الأداء والنتائج بعيداً عن الانفعال والعواطف أمام بلد يراد له أن يرمم الخراب الذي حدث وأن يشرع في بناء تأخر أكثر من نصف قرن ليلحق بركب الأمم.
وأذا كانت ثقتنا بالقضاء العراقي تدفعنا لتعزيز استقلاليته، فأن الأمر يوجب علينا ان لانشرع في تشكيل هيئات تتنافس مع القضاء العراقي في زمن استقلاليته، أو تتشابه في إصدار قرارات تفتقر لموجبات العمل القانوني، وتعارضها معه في العديد من الوسائل والسبل التي تتم بها معالجة الواقع العراقي الذي يتطلبه الكثير من العقلانية والمفاهيم الوطنية في بلد بدأ يتسع الخراب به بديلاً عن رتق الجراح ومداواة العلل.
لقد تم انتخاب مجلس للنواب في تحدي عراقي للإرهاب ليس له مثيل يدل على تمسك العراقي بنهج الفيدرالية والديمقراطية وحقوق الإنسان كمعالم إنسانية ومنظومة قيم تحفظ للعراق وحدته وسيادته والتي جاء بها الدستور العراقي، وهذا المجلس لايمكن أن يتحدد في هذا الظرف بالسلطات التي وردت في نصوص الدستور، إنما يتفاعل مع المرحلة الدقيقة التي يعيشها العراقي في هذا الظرف، ويعطي أكثر مما يأخذ، وأن يكون الصوت الحقيقي لحاجة المواطن العراقي بعيداً عن البيروقراطية والتعالي وبعيداً أيضا عن الانتماء للطائفة والقومية والحزب، فكل نائب يفترض ان يكون ممثلا للعراق ولكل العراقيين، ومن خلال هذا المنظار فأن مهمات وطنية كبيرة تترتب عليه ان يؤديها، مثلما عليه تدارس الحاجة الماسة والخطورة التي تنتجها وجود هيئات متعددة للقرار العراقي لارقيب عليها ولاجهات نقض لقراراتها، هيئات تصدر قرارتها بحق المواطن وتشل يده أحياناً عن المساهمة في الإصلاح وإعادة الحال في المشاركة والاندماج، هيئات تغلق كل الطرق بوجه بعض العراقيين ممن يمكن الأستفادة منهم علمياً او أنسانيا أو سياسياً او أجتماعياً، تستند في قراراتها أحياناً على تقارير مغرضة أو إخباريات لاتصلح للإدانة وفي أحيان أخرى لتشابه في الأسماء أو ربما في حالات بعيدة عن القبول والحقيقة لأسباب عديدة، وتدفعهم دفعاً للاصطفاف مع أعداء العراق الجديد، وتحرص ان يكونوا عقبات ومعوقات في سير العملية السياسية أن لم يكنوا الأداة التي تشترك في الجريمة، وبهذا نخسر ليس فقط تأخير عملية البناء وإنما نخسر العديد من أبناء العراق دون مبرر أو سبب منطقي، لخلق هوة بين العراقيين لايخدم المستقبل العراقي ولاحتى الوقوف بوجه التيارات العنصرية أو التكفيرية او الإرهابية التي تغذيها مثل هذه القرارات.
فتح نوافذ العراق لأبناءه أكثر جدوى من غلق النوافذ والبقاء في عتمة الأنغلاق، وعلى مجلس النواب أن يدرس بعناية الحريص حاجة المستقبل العراقي، وأن يدرك جميع أعضاء مجلس النواب إنهم أعضاء لأهم مرحلة من مراحل تأسيس العراق الديمقراطي الفيدرالي، وسيكتب عنهم التأريخ العراقي بدقة، عليهم ان يدركوا أنهم يؤسسون والأساس ينبغي ان يكون متيناً ورصينا ليتم تشييد العراق الجديد عليه، عراق يتسع صدره للجميع دون استثناء.
الهيئات مستقلة وتعدد الجهات المستقلة تخرجها من الرقابة والأشراف، وإذا كانت هذه الهيئات بمستوى القضاء العراقي يتوجب ان تستقل عن السلطة التنفيذية و لكن الازدواج واقع عملياً والتداخل في العمل موجود وأن لم يتم الكشف عنه، وتعدد الجهات التي تعالج الهم العراقي يجعله يزداد وتتعدد معه الاجتهادات وليس من مرجع سوى مجلس النواب الذي لايملك مراجعة كل قرار يصدر من هذه الهيئات انما عليه ان يدرس جدواها وحاجة العراق لها في ظل الظروف الطبيعية بعد ان تخلصنا من هيمنة الفكر الشمولي وسلطة الطغيان والمحاكم الاستثنائية في العراق
عن المعارضة السياسية
27/7/2010 :
تختلف المعارضة داخل إطار العملية السياسية منها خارجها، فداخل تلك العملية تلتزم جميع الأطراف بضوابط ومبادئ الدستور الأساسية الخاصة بالحقوق والحريات، وتخضع وفقا لذلك إلى عملية التنافس الديمقراطي المنظم والمشروع، ويتعين على المعارضة طرح برنامجها السياسي وتصورها الخاص في كيفية قيادة المجتمع، ولها أن ترصد الأداء ووسائل الإدارة ونقدها وتقويمها وفقا لبرنامجها.
حيث تتحمل الأغلبية التي فوضها مجلس النواب تشكيل الحكومة والتي تدير السلطة مسؤولية الإدارة والحكم، وعليها أن تعمل على إحداث التغيير داخل المجتمع نحو الأحسن والأفضل، وفي سبيل تحقيق دور المعارضة داخل مجلس النواب يتعين عليها أن تبرهن للشعب أن برنامجها ورصدها للأداء الأكثر جدوى ويحقق التطور ويخطو نحو تحقيق الشعارات التي طرحتها السلطة في برنامجها قبل الانتخابات.
ومفهوم المعارضة داخل بنية العملية السياسية يتحدد في المفهوم التنافسي الذي يحميه الدستور وتقره القوانين، ضمن الإطار الديمقراطي المشروع الذي تلتزم بممارسته جميع الكتل والكيانات السياسية، داخل السلطة أو خارجها، مع الحكومة أو مع المعارضة.
هذا التنافس الديمقراطي المشروع لايعبر عن تجسيد لمبادئ الديمقراطية وسياسة العمل الجماعي فحسب، بل سيكون دافعا وحافزا في التنافس لتقديم الوسائل والسبل الكفيلة بتحقيق الرخاء والآمان وضمان تطبيق معايير حقوق الإنسان التي ينتظرها الشعب.
إن الانسجام السياسي ضمن الإطار العام يكون الأرضية التي تقف عليها جميع الكتل السياسية المتنافسة، غير أن الاختلاف في الرؤى والوسائل حالة مطلوبة ومشروعة، ويتعين على السلطة توفير الأجواء الديمقراطية للمعارضة واحترام قراراتها وارادتها ونقدها البناء الايجابي وحقها في ادارة الصراع المشروع دون استخدام أية وسائل تعرقل عملية الأداء أو تلجأ إلى الوسائل غير القانونية وغير السلمية في احداث التغيير.
في الأنظمة الديمقراطية يتم احترام المعارضة، وقد يتم التشاور والتباحث معها ضمن أطار السياسة الخارجية أو القرارات الوطنية المهمة، أو ذات الطابع التحولي العام، وقد يحدث بعض التقارب والانسجام بين الحكومة والمعارضة، فتتحمل المعارضة بعض المسؤولية في السلطة.
وبهذا الشكل فأن المعارضة لا تعني تغيير النظام واستلاب السلطة من الحكومة وإسقاطها بقدر ما تعني تغيير الأوضاع القانونية والسياسية نحو الأفضل وبما يحقق عملية التغيير السلمي، ويتعين على المعارضة أن تفهم دورها الايجابي في التعارض، وهو دور بناء أيضا، لأن دور المعارضة خارج السلطة المعادي لوجودها يعني الهدم والسعي لتغيير شكل الحكم، وهو ما يجعلها أداة ووسيلة لتغيير النظام وفقا لأرادتها بصرف النظر عن الأسباب الأخرى.
ووفقا للنظام الديمقراطي سيكون هناك الأغلبية والأقلية، الفائز والذي يليه في الانتخابات، والكتلة البرلمانية الأكثر عددا تكون هي الكتلة المكلفة باختيار رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة، في حين تشكل بقية الكتل المعارضة، وهي تشكل صمام الآمان والجدار الذي يشكل الحماية والرقابة الذي يريدها الشعب، وبهذا المعنى ستكون المهمة الرقابية دافعا لعدم التفرد بالسلطة، وبالإضافة إلى الدقة في الأداء ووجود رقيب على أداء الحكومة من خارجها، مع وجود البديل الشرعي في حالة الإخفاق أو الفشل والتلكؤ في تنفيذ الشعارات والوعود المطروحة.
وفي سبيل تحقيق الديمقراطية من قبل المعارضة يتعين عليها أن تسلك سلوكا حضاريا متناسبا مع واقع النظام السياسي وبما يدفع لتطوير مفاهيم وأساليب العمل الديمقراطي، والالتزام بمبادئ الدستور في احترام رأي الأكثرية، وعلى الحكومة أن تأخذ رأي المعارضة بعين الاعتبار وتعمل على تحقيق مطالبها لأن الأمر سيزيدها قوة ومنعة سعيا إلى دولة القانون والمؤسسات.
وإزاء تجربة الحكم الفيدرالي في العراق اليوم تشكل فسحة الحرية وتكوين المعارضة حالة صحية وشرعية، على أن تكون ضمن الإطار القانوني المحدد دستوريا، وعلى أن تعي المعارضة مهما كانت أسباب تعارضها مع السلطة، أنها تعمل ضمن مرحلة التخطيط الأولي لأرضية العمل السياسي الديمقراطي، وضمن عملية البدء بالشروع في بناء تجربة سياسية نتجت عن مخاض طويل من الكفاح المسلح والمرير، يعبر عنه نضال شعب وتضحيات جسام من اجل أن تكون تلك التجربة التي ينبغي أن تلبي طموحات الشعب وأن تحافظ على مكاسبه، وفي نفس الوقت تمارس اطار تعارضها مع السلطة، وأن تكون بمستوى تلك التضحيات والتاريخ النضالي للشعب العراقي.
وأن مرحلة بناء الإنسان والوطن تتطلب التعاون المثمر بين الحكومة والمعارضة، مثلما يتطلب الرصد والمتابعة والنقد الايجابي بعيدا عن أية خطوات تعرقل البناء والتخطيط للمستقبل، مثلما على الحكومة أن تبحث عن وسائل التقارب والانسجام مع المعارضة واحترام قراراتها والعمل سوية على تأسيس خطوات للبناء الديمقراطي في بلد يحتاج مثل هذه الخطوات.
ونعود لنقر بأن المعارضة حالة صحية تخدم العملية السياسية بكل تأكيد، وتعد مظهرا من مظاهر الديمقراطية.
الأمن والقانون
الانصات المركزي 7/1/2010 :
يجافي الحقيقة من يعتقد بتقصير القوات المسلحة او الشرطة في اداء واجباتها بالتصدي للمجموعات الارهابية، ليس فقط الغبن انما يحاول طمس دورها الملموس في التصدي ومواجهة مجموعات شرسة تعتمد الارهاب وتمتلك المال والمواد والوسائل التي تمكنها من ارتكاب العمليات الاجرامية.
يخطيء من يظن ان التقصير من جانب القوات المسلحة في عدم قدرتها على انهاء كل امكانيات العمليات الارهابية.
فقد تصدت القوات المسلحة وعناصر الشرطة الى عمليات التشظي والانتشار لتلك المجموعات، وواجهتها بصدور شبابها، وتحدت وجودها ومواقعها ونازلتها في سواترها وخنادقها، فاجتثت منها ما تتمكن من اقتلاعه من الاماكن التي تمترس بها، ولاحقت من تتمكن من ملاحقته، وحصرتهم في مناطق محددة ومعينة، وجنبت العراق شرورهم وحصرت البهائم المفخخة التي تمكنوا من تسويقها ضمن مناطق نعينة.
الهجمة الشرسة التي قامت بها مجموعات الارهاب والاجرام في العراق كانت ليس فقط شرسة ـ انما كان يمكن لها ان تؤدي الى تمزيق جسد العراق – وكان يمكن ان توقع الفرقة الطائفية او القومية، الا ان تلك المواجهة التي وقفتها القوات المسلحة، وتلك الوقفة الشجاعة التي وقفها رئيس الوزراء نوري المالكي، انتجت تلك الحصيلة التي تمكنت معها كسر شوكة الارهاب والمجموعات الاجرامية.
وحتى يمكن ان نسترجع تلك السنوات العجاف التي مرت على العراق، يقينا ان استعراض تلك الايام يدلل بما لايقبل الشك ان تلك القوات المسلحة وعناصر الشرطة ادت واجبها بجدارة وقدرة وسجلت لها تلك الوقفة العراقية الوطنية المشهودة.
المواجهة التي تمت بصدور تلك العناصر، وبارواح الشهداء الذين نازلوا المجرمين ووضعوا حياتهم وهي اغلى ما يملك الانسان قربانا لان يستعيد العراقي حياته وكرامته وامنه، ولايمكن ان نختزل المواجهة في عملية تسلل فيها الارهابيون بجبن وخسة لينفذوا عملية جبانة.
علينا اولا ان نضع امام انظارنا كل تلك المواجهات، وعلينا قبل ذلك ان نحاسب بضمير منفتح وصاف ماحصد العراق، وبعد تلك المعادلة نحسب الخسائر التي حصلت - على ان لايغب عن بال أحدنا - ما آل اليه العراق اليوم من نعمة الامن والامان ومن قدرات القوات المسلحة في السيطرة على الشارع والمدن.
وقبل ان نحاسب المسؤول عن الخروقات التي حصلت، علينا ان نتحاسب حول القدرات التي صارت عليها القوات المسلحة، ليس فقط في المدن، انما خارج المدن وعلى الحدود، وان نضع امام اعيننا ما تتطلبه المرحلة من موقف وطني في التوحد ضد الارهاب وفي مساندة القوات المسلحة.
الموقف الوطني في التماسك الذي تتطلبه المرحلة بعيدا عن الاتهامات والمحاور والخنادق مهما كانت اسبابها، فالمرحلة تتطلب الموقف العراقي الواحد الذي يكون فيه الجميع صوتا واحدا وفريقا واحدا من اجل دحر قوى الشر وملاحقة مجموعات الاشرار لابعادهم عن اطفالنا وعن اهلنا وعن مقرات دوائرنا الرسمية.
ومع كل هذا علينا ان نقرا العمليات الاخيرة التي نفذتها المجموعات الارهابية الاجرامية بواسطة بهائم متفخخة، والتي راح ضحيتها عراقيين من كل القوميات ومن كل المذاهب والاديان، يعني هذا ان كل العراق مستهدف دون استثناء، فقد احترقت ورقة الطائفية لدى الارهاب، ولم تعد ورقة التطرف القومي والديني فاعليتين، فتم اعتماد الورقة الاخيرة، وهي استهداف كل العراقيين.
واذا كان الاستهداف لكل العراق ؟ فاين موقف العراقيين ككل ؟
واذا كانت المجموعات الارهابية تستمد المعونات المالية واللوجستية من خارج الحدود، فاين هو الموقف الموحد للعراقيين المستهدفين لتلك المجموعات ؟
ان ما تقوم به القوات المسلحة من عمليات يسجلها التاريخ العراق بفخر، انما هو الموقف الوطني في المرحلة الراهنة، والذي يساهم بشكل فاعل واكيد في ترسيخ الامن ومعالم الاستقرار وتثبيت دعائم دولة القانون، وهي المهمة الاساس التي نجح رئيس الوزراء نوري كامل المالكي في ارساء معالمها ضمن المرحلة القصيرة التي شرع بها في العمل وانتهى بها الى نتائج باهرة يحق له ان يفتخر بها.
والاهم من كل هذا ان الاستقرار الامني المتزامن مع العمليات التي تقوم بها فصائل القوات المسلحة والشرطة ضد اوكار ومجاميع الارهاب، تجري ضمن نطاق القانون والدستور، ولم تكن هناك الحاجة لوضع استثنائي او تعليق لنصوص القانون، وبقاء القانون سيد الساحة يدلل بما لايقبل الشك اصرار القيادة العراقية على ان يكون القانون سيد الموقف، وان تكون دولة القانون فعلا لا قولا.
القانون والامن يتلازمان في خندق واحد، ويتطلب الامر منا جميعا مساندة ومعاضدة للقوات المسلحة وللشرطة العراقية في معركتها الوطنية ضد فصائل الشر والارهاب، ويتطلب الموقف الوطني ان نترك خلافاتنا ومصالحنا في وقفة واحدة لمصلحة الانسان في العراق، وان تتناخى الاحزاب الحريصة على حياة الانسان، وان تتناخى الشخصيات السياسية لتاجيل خلافاتها واختلافاتها من اجل العراق، لتثبيت دعائم القانون ومساندة القوات المسلحة والشرطة، وحتى لانترك منفذا للارهاب يستغله من اجل ايقاع خسائر اخرى في جسد شعبنا العراقي الاصيل.
واذ يجد القضاء العراق نفسه في الموقف المتفاعل مع الحرص على سيادة القانون، فانه يبذل كل جهده من اجل اعلاء كلمة القانون والعدالة والتمسك بالمباديء العامة التي اوردها الدستور في الحقوق والحريات، ولهذا يجد ان ما تقوم به القوات المسلحة جدير بالمساندة من اجل استتباب الامن ودحر التجمعات الارهابية التي تريد العبث بالحياة في العراق، والتي تستهدف كل العراقيين دون استثناء.
ما يتطلبه الموقف العراق الوطني التوحد والمساندة، خصوصا خلال الفترة التي تحتظر بها التنظيمات الارهابية في العراق، بعد ان تم تحديدها وتنظيف المحافظات منها، و انقاذ بعض المناطق التي تتخذها مخابيء وملاذات، وستنتهي حتما امام هذا الموقف والاصرار الذي تقفه بجدارة قيادة القوات المسلحة في هذا الظرف الذي يشكل انعطافة تاريخية في حياة شعبنا المتطلع الى عودة الحياة في العراق دون تلك المجموعات التي تريد استلاب حياته ومستقبله.
واذا كان الامن هاجس الجميع، فان القانون ايضا العنصر الثاني الذي نلمس نتائجه من خلال مواقف السلطة القضائية التي تساهم في تثبيت دعائم سلطة القانون وتمارس دورها الفعال ضمن الاستقلالية التي حددها دستور جمهورية العراق لسنة 2005، بعد ان انتهى زمن المحاكم الاستثنائية والظروف الاستثنائية وتعليق القوانين والدستور
«المتهم بالإرهاب ودعم العنف».. مطلوب قضائيا
7/6/2010 :
تحت شتى الشعارات تحاول بعض الشخصيات المتهمة بارتكاب جرائم أرهابية وتمويل مرتكبي تلك الجرائم ودعم العنف في العراق عقد مؤتمرات في دول الجوار، وهي بهذا المسعى وتحت غطاء مقاومة الاحتلال، تحاول تمرير مثل هذه المؤتمرات بقصد زعزعة الأمن واحباط جهود بسط الأستقرار والأمن في البلاد، وبقصد خلق حالة من التنافر بين العراق وتلك البلدان التي توفر لها تلك الفرص تحت تلك الشعارات.
ان تلك الشخصيات المتهمة بارتكاب جرائم أرهابية ضد أبناء العراق تحاول ان تلبس لبوس المقاومة وتتسلل الى تلك التجمعات والمؤتمرات إنما تزيد من اعمالها الداعمة للعنف والقتل الجاري ومساندة مجموعات القتل والأرهاب.
أن وجود متهمين من بين تلك الشخصيات هو الذي يدعو للغرابة، إذ يتوجب على تلك الدول أن تساهم بالقبض على تلك الشخصيات وتسليمها الى العراق لأجراء محاكمتها عن الاتهامات الموجهه اليها، لاسيما أن الاتهامات بأعمال ارهابية وجرائم يندى لها الجبين.
بعد ان حاولت تلك المجموعة ان تعقد اجتماعاتها المبطنة في تركيا، تحاول اليوم استغلال رئاسة اسبانيا للاتحاد الأوربي للتجمع مرة أخرى. وبدلا من ملاحقة تلك الشخصيات دوليا وقضائيا فأنها تتبرقع برداء سياسي تحت ذريعة المقاومة السياسية، يتم تجمع تلك الشخصيات في مدينة خيخون / بمقاطعة أرساسيا بأسبانيا للفترة من 18-20 من حزيران المقبل.
ومع صدور القرارات الدولية التي تلزم الدول بالتعاون في سبيل مكافحة الأرهاب بشتى الوسائل والسبل، فأن على تلك الدول تفهم واقع العراق وحقيقة الاتهامات التي طالت تلك الشخصيات مع توفر الضمانات القانونية الأكيدة في المحاكمات العادلة، وفي سبيل تحقيق وتسهيل عملية القبض على تلك الشخصيات التي تم تسليم الشرطة الدولية (الأنتربول) ملفاتهم، وقد حددت النصوص أن الإجراءات المتبعة في الإنابة القضائية وتسليم الأشخاص سواء كانوا من المتهمين الذين لم تزل قضاياهم قيد التحقيق أو المحكوم عليهم من الذين صدرت بحقهم أحكام من المحاكم العراقية إلى الدول الأجنبية يجب أن تراعى الأحكام و النصوص المذكورة في قضايا تسليمهم، والإنابة القضائية فيما يخصهم، مع مراعاة أحكام المعاهدات والاتفاقيات الدولية وقواعد القانون الدولي العام، بالإضافة إلى مبدأ المعاملة بالمثل الذي يجب مراعاته والعمل بموجبه مع تلك الدول.
وفصلت تلك المواد القانونية بين مبحث الإنابة القضائية وبين مبحث تسليم المجرمين، وشمل المبحث الأخير المتهمين بارتكاب جريمة وقعت داخل ارض العراق أو خارجه، وكانت القوانين العراقية تعاقب على ارتكابها بالسجن مدة لاتقل عن سنتين أو أية عقوبة أشد، أو أن تكون الجريمة معاقبا عليها أيضا وفقا لقانون الدولة الأجنبية طالبة التسليم، كما يشمل أيضا المحكومين بأحكام صادرة من المحاكم العراقية مدة لاتقل عن ستة أشهر أو أية عقوبة اشد، كما يشمل التسليم أيضا إذا كان الحكم قد صدر من محكمة أجنبية بنفس العقوبة.
واشترطت النصوص لصحة التسليم أن لاتكون الجريمة المطلوب التسليم من اجلها جريمة سياسية أو عسكرية وفقا للقوانين العراقية.
ومن الطبيعي أن يتم اعتبار جرائم الأرهاب وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية من الجرائم التي لا تدخل في باب الجرائم السياسية لخطورتها الاجتماعية وأثرها الإجرامي على المجتمع البشري كما سنتطرق لاحقا.
ولم يجوز القانون العراقي تسليم الأجنبي في حالة ما إذا كانت الجريمة المطلوب التسليم من اجلها جريمة سياسية أو عسكرية وفقا للقوانين العراقية، كما لم يجوز القانون التسليم إذا كانت الجريمة تجوز المحاكمة عنها أمام المحاكم العراقية بالرغم من وقوعها بالخارج.
كما لم يجوز القانون أيضا تسليم الشخص إذا كان رهن التحقيق أو قيد المحاكمة داخل العراق عن نفس الجريمة، أو انه كان قد صدر فيها حكم ببراءته أو إدانته أو قرار بالإفراج عنه من محكمة عراقية أو من قاضي التحقيق أو أن الدعوى الجزائية قد انقضت وفقا لأحكام القانون العراقي أو لقانون الدولة طالبة التسليم.
وفي حال كون الشخص المطلوب تسليمه رهن التحقيق أو المحاكمة أمام المحاكم العراقية، وعن جريمة غير الجريمة المطلوب تسليمه عنها، حينها يتم تأجيل النظر في عملية تسليمه حتى يصدر قرار بالإفراج أو البراءة أو الإدانة ويتم تنفيذ العقوبة في القضية المنظورة أمام المحاكم العراقية.
أن أهمية تسليم المجرمين تأتي من باب الملاحقة القانونية والقضائية استكمالا للقضية التحقيقية المعروضة أمام القضاء، والتوصل الى توفر الأدلة ضد المتهم من عدمها، ليصار الى إصدار قرار بالإحالة أو بالإفراج من سلطة التحقيق وحسم القضية.
وتسليم المتهمين أو المجرمين المتواجدين في دولة أخرى خارج العراق، بناء على طلب من السلطة العراقية مقترنا بأوامر قضائية تفيد وتشمل ارتكاب المتهمين جرائم في العراق أو خارجه ضد العراق، ما يستوجب التحقيق معهم وإخضاعهم للإجراءات القانونية، وصولا إلى القرار الفاصل في التحقيق والمحاكمة، أو بصدور حكم قضائي عراقي من محكمة عراقية يستوجب التنفيذ.
وتتقيد الدول بشكل عام بعدم التسليم في قضايا الجرائم السياسية، وهو مبدأ واضح وجرى الاتفاق عليه، غير أن القانون الدولي والعراقي وما درجت عليه القوانين للعديد من الدول، أن يتم استثناء الجرائم الإرهابية من مفهوم الجريمة السياسية، كما أن هناك بعضاً من الإجماع الدولي على استثناء بعض الجرائم من مفهوم الجرائم السياسية، حيث أن الجمعية العامة للأمم المتحدة كانت قد أجمعت بقرارها المرقم 3074 في 3 كانون الأول / ديسمبر 1973 على عدم شمول مجرم الحرب والمتهم بالجرائم ضد الإنسانية أيا كان المكان التي ارتكبت الجريمة فيه موضوع تحقيق، ويكون الأشخاص المذكورون محل تعقب وتوقيف ومحاكمة، وتتم معاقبتهم عند توفر الأدلة في تلك المحاكمة، كما أشارت الفقرة 7 من القرار المذكور من انه لايجوز لجميع الدول منح ملجأ لأي شخص توجد دواع جدية للظن بارتكابه جريمة ضد السلم أو جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية، وإزاء ذلك لايمكن اعتبار تلك الجرائم سياسية بأي شكل كان.
القوانين الدولية أكدت على التعاون من اجل القبض على المتهمين بهذه الأفعال الخطيرة وتسليم مرتكبيها الى الدول الطالبة لمحاكمتهم وفقاً للقانون، استنادا لما لقيه المجتمع البشري من جرائم وتصفيات وحملات إبادة بشرية تستر مرتكبوها خلف حصاناتهم الدستورية وسلطاتهم.
وفيما يخص الوضع العراقي بعد سقوط سلطة الدكتاتورية، فقد ألزمت الأمم المتحدة الدول الأعضاء بمقتضى نص الفقرة 16 من القرار الصادر من مجلس الأمن برقم 1546 لسنة 2003، ألزمت كافة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة أن تمنع عبور الإرهابيين الى العراق ومنه، وتمنع تزويدهم بالأسلحة وتوفير التمويل لهم، وكل ما من شأنه دعم الإرهابيين.
وأن تأخذ جميع الدول بالاعتبار وجود ضرورة خاصة لاتخاذ تلك الإجراءات على الصعيد الدولي، بغية تأمين ملاحقة ومعاقبة الأشخاص المذنبين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والجرائم الإرهابية، وتتعاون الدول بغية وقف تلك الجرائم التي تستهدف الإنسانية والحيلولة دون وقوعها، كما تتعاون من أجل تقديم هؤلاء الى المحاكمة وفقا لما اتفقت عليه المنظومة الدولية بصدد التصدي لنشاط المجموعات الإرهابية، والمتهمين بقضايا جرائم الحروب والجرائم ضد الإنسانية والسلام.
وقانونية تسليم المجرمين تأتي من حرص القانون على توفير إجراءات تحقيقية عادلة ونزيهة يفترض أن توفرها السلطة القضائية، باعتبار أن المتهم بريء حتى تثبت أدانته، وتحكمها إجراءات قانونية محددة وفق نصوص قانون أصول المحاكمات الجزائية، بالإضافة الى ترسيخ مبدأ احترام القانون وقرارات القضاء بين الدول.
أن الإلزام القانوني والأخلاقي يلزم كافة الدول بعدم إيواء الخارجين على القانون أو النظام وعدم تشجيعهم على التمادي في مسلكهم الضار بأمن دولتهم أو الدول الأخرى، أو مدهم بالسلاح أو المال أو تدريبهم على أعمال العنف والإرهاب والتخريب ومكافحة نشاطاتهم المعادية واعادتهم الى دولتهم بعد اتخاذ الإجراءات المناسبة في حقهم.
والالتزام بالمعاهدات والاتفاقيات الدولية معيار لاحترام الدول للقانون، ودليل على حرصها على امن وسلامة الإنسان في كل مكان، ومن يحرص على أبناء شعبه عليه أن يحرص على أبناء الشعوب الأخرى، ويعينها في التصدي لمرتكبي تلك الجرائم بالمساهمة في القبض عليهم وتقديمهم للعدالة، وكما أن منطق القانون والعدالة يقتضيان الوقوف بحزم مع حق المجتمع في حماية نفسه من الجريمة والمجرم، فأن ضمانات أكيدة للمتهمين يتم الالتزام بها وتطبيقها، ووفقا لهذه المعايير ستسود العدالة ويتحقق منطق الالتزام بالنصوص والقوانين التي تكفل للجميع المساواة، كما سيعكس بشكل مباشر ذهنية تلك السلطات في عدم وضع غطاء أو حواجز تحمي المجرم أو المتهم مهما كانت التبريرات والأسباب، والتاريخ سيكتب تلك المواقف حتما.
وحين نتحدث بشكل مجرد عن قضايا تسليم المتهمين أو المجرمين، فأن ما يعنينا هو المتهمون في قضايا الإرهاب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحروب والانتهاكات ضد البشرية أو المجرمون الذي صدرت بحقهم أحكام جزائية من محاكم عراقية مختصة.
حيث يلزم القانون الدولي التكاتف والتعاضد بين الدول الأعضاء لتطبيق معايير العدالة وملاحقة المجرمين والمتهمين بهذه الجرائم، وان تسمو على تقاطعاتها واختلافاتها من أجل تلك المهمة النبيلة، حماية للبشر من تلك الجرائم التي يرتكبها الأشخاص المسؤولون في تلك السلطات، ولايمكن قبول أن يكون المتهم بهذه الجرائم في حماية دول تحارب الأرهاب وتحرص على علاقاتها الدبلوماسية ومصالحها، وتحترم التزاماتها الدولية ومكانتها.
الحرية الشخصية في الدستور
12/10/2010 :
إذا كانت الحرية تعني الكيان القانوني الذي يتمتع به الإنسان ضمن المجتمع، فأن ضوابط تلك الحرية تؤكدها نصوص الدستور دون الإخلال بحرية الآخرين ودون أن تتعدى على حقوقهم، والحرية الشخصية تلتصق بالشخص تمتزج مع كيانه، لايمكن فصلها عنه، غير أن الواقع العملي يقر بوجود تعارض لممارسة مثل تلك الحرية من قبل سلطات معينة، فتنظر الى الحرية الشخصية تعدي على حدودها ونظرتها السياسية، وتجاوز للخطوط التي لاتريد لأحد تجاوزها، بالإضافة الى اعتبارها تلك الحرية انفلاتا وممارسة خارج أطار تنظيم المجتمع حسب اعتقادها.
غير أن الحرية لاتعني فقط الممارسات السلوكية المنضبطة أو التي تنعكس ايجابيا عن الفرد، ولاتعني ايضا التعبير عن الأرادة دون قيود محددة، إنما تكون أيضا الحماية التي يضفيها الدستور والقوانين على ممارسة افعال تلك الأرادة، فلا تضع قيودا على أفكاره ولا حدودا لمساحة ممارسته، ولا خطوطا حمراء على آراءه ووجهات نظره، لأن تلك القيود والخطوط تلغي العديد من مفاهيم الحرية الشخصية وتتعارض مع مبدأ الإقرار بالحرية الشخصية.
وعلى هذا الأساس فأن مفهوم الحرية يتجانس اعتمادا على أرادة الفرد، فهو حر بالأصل ومهمة الدولة تنظيم تلك الحرية دون تقييدها أو تحديدها، وأن تلك القوانين التي أسست على وفق نصوص الدستور حلت لتنظيم تلك لحرية، وكل تلك الضوابط ونصوص القوانين جاءت بموافقته باعتبار أنه تم إقرارها بموجب الآلية الدستورية الخاضعة لقرارات مجلس النواب، والذي تم انتخابه بالأصل وتم تفويضه من قبل الشعب، فأضحى المعبر الحقيقي عن صوت الشعب، وصار الدستور هو القانون الأسمى والأعلى للبلاد، وهو الذي يؤكد على تنظيم الحريات والحقوق للمواطن.
ووفقا لهذا الأساس فأن أي تحجيم لنصوص الحرية دينيا أو قوميا وبأي شكل كان يعتبر انتهاكا وتعديا سافرا على معانيها، ولايمكن القبول بمنطق دين الأكثرية أو قومية الأكثرية أو مذهب الأكثرية في النص، لأن النص دائما عام يسري على الجميع، وهو نص مطلق ويجري على إطلاقه، وهذا الإلزام ليس فيه استثناء ولاقيود، وأن إلزام دين أخر بقوانين دين الأكثرية سحق للحرية الشخصية وتجاوز على المبدأ،ولهذا أكدت المادة ( 42 ) من الدستور على ان لكل فرد حرية الفكر والضمير والعقيدة، وهذا الحق يشمل معاني العقيدة والفكر وحرية الضمير التي يعتنقها الإنسان بشكل عام دون تقييد او تحديد، كما أن وضع قومية أخرى تحت عباءة قومية أخرى في النصوص تعارض مع مبدأ الحرية، وعليه فأن الحاجة الى نصوص دستورية تضمن الحرية الشخصية لاتقع تحت التحديد وتحكم جميع الأديان المتعايشة، وتسري أيضا على كل القوميات المتعايشة، ونلاحظ هنا انه لا أثر للأقلية والأكثرية في الحقوق الشخصية، ولا حواجز في تطبيق ضمانات الحرية الشخصية، مادام الهدف الأسمى هو الإنسان، وحيث أن الدستور يؤكد على المساواة الإنسانية، بغض النظر عن الدين أو القومية أو الجنس أو المذهب أو العقيدة أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي، مثلما يؤكد على احترام الحرية الشخصية ويضفي عليها الحماية، فإنه أيضا يضع الضوابط وعدم التجاوز على القيم والنظام العام، ولايمكن للإنسان أن يشعر انه متحرر أو انه يملك القدرة على ممارسة حرياته بشكل غير مقيد إلا حين لايجد تلك القيود والحدود تحدد نشاطه وتقيد حركته وتمنع ممارسته لتلك الحرية، ولا يشعر بتلك الحدود والحواجز إلا عند ممارسة القمع والمنع خارج أطار النص الدستوري بأي شكل كان، وكل قوانين أو ممارسة أو تعليمات تخالف النصوص الدستورية باطلة لاقيمة لها، وكل تقييد للحرية التي كفلها الدستور مجرد من السند القانوني، ولذا يعتبر بعض أن الحرية هي الممارسة السلوكية دون ضغوط ضمن أطار القانون.
ولذا تجد أن العديد من أوامر المنع والإرغام القسري التي تصدر عن رغبة السلطة لاتجد لها أساسا من التطابق مع احترام الحرية الشخصية، وتجد إن العديد من القرارات المبطنة التي تتبرقع بحجج وأسباب لايسترها الدستور ولا تسندها الحرية الشخصية ماهي الا ممارسات قمعية وسلوك مستهجن يتناقض مع مفهوم الحرية الشخصية التي ضمنها الدستور.
وعودة لمراجعة النصوص الدستورية القديمة التي تنظم الحرية الشخصية في العراق، نجد أن نصوص القانون الأساسي العراقي الصادر في العام تؤكد 1925 ضمن المادة السابعة على أن الحرية الشخصية مصونة لجميع سكان العراق من التعرض والتدخل، ويأتي هذا النص منسجما مع الفضاء المطلق للحرية الشخصية، فلايمكن التعرض لتلك الحرية ولا التدخل في خصوصياتها، بالتأكيد على صيانتها والضمانات التي يوفرها الدستور وبالتالي القوانين، مثلما يستمر النص في عدم جواز القبض على الإنسان أو توقيفه أو إجباره على تبديل مسكنه أو تعريضه لقيود، أو إجباره على الخدمة في القوات المسلحة إلا بمقتضى القانون.
فالقبض على الإنسان أو توقيفه يشكل تعديا صارخا على حريته، لكن هذا الحق يتم تأجيله أو التجاوز عليه مؤقتا إذا كانت هناك شكوى أو جريمة أو قضية جنائية، وهذا التجاوز يستمر مادام الإنسان متهما أو ثبت ارتكابه الجريمة لأن العقوبة وتقييد الحرية منطق معاكس للحرية الشخصية، وإجبار الإنسان على أداء الخدمة العسكرية ضريبة وطنية لكنه يؤديها ضمن قانون يشمل جميع العراقيين دون استثناء، ويؤديها المواطن خلال فترة محددة يتم تسريحه منها بعد هذه المدة، فهذه المدد هي قطع لسريان تمتع الإنسان بحريته الشخصية، الا أن هذا القطع لايكون الا بقانون ووفقا واستنادا على نص دستوري.
ونتلمس هنا إن الضوابط القانونية هي التي تحدد أبعاد التعدي على الحريات الشخصية ضمن القوانين، والحرية الشخصية ليست حرية الجسد، بل تتعداها الى حرية الفكر والعقيدة، حيث أورد الدستور المؤقت الصادر في العام 1958 إن حرية الاعتقاد والتعبير مضمونة وتنظم بقانون، مثلما أكد في المادة 11 منه على صيانة الحرية الشخصية ولا يجوز التجاوز عليها إلا حسب مقتضيات السلامة العامة ووفق قانون.
ومع أن دستور عام 1964 جاء خاليا من تلك النصوص، إلا انه تعكز على نص المادة ( 19 ) التي تؤكد المساواة بين العراقيين في الحقوق والواجبات العامة، وعاد في المادة ( 29 ) ليؤكد على حرية الرأي والبحث العلمي،وسار على ذات النهج دستور عام 1968 حيث أكد في المادة ( 31 ) على حرية الرأي والبحث العلمي، وجاء منسجما ومتطابقا مع نصوص الدستور الذي يسبقه، ويلاحظ تلك الخشية من الحرية الشخصية وضوابطها القانونية التي ظهرت ضمن نصوص الدساتير المؤقتة التي سنتها الحكومات التي تعاقبت على حكم العراق للفترة من 1963- 2003دون أن تسمع رأي الناس أو المختصين أو تجري استفتاء الشعب عليها، حيث دأبت تلك السلطات أن تفرض كل النصوص الدستورية على الناس وتلزمهم بها وبذلك تنتهك أصلا كل معاني الحرية الشخصية وتسحق مبادئها.
وجاء قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية ليؤكد في المادة ( 13 / آ ) بان الحرية العامة والخاصة مصانة وفي الفقرة ( ب ) أن الحق بحرية التعبير مصان، ثم فصل العديد من الحقوق الشخصية منها حرية العقيدة والفكر وحرية الشعائر الدينية وحرية التنقل وحرية السفر وحرية الاجتماع السلمي والانتماء الى الجمعيات وحرية تشكيل النقابات والأحزاب والانضمام اليها وحرية التظاهر والإضراب السلمي والحرية للعراقي بحياته الخاصة ضمن الفقرة ( ح )، ومع أن هذا القانون مؤقت ويحكم فترة مؤقتة من التحول السياسي والدستوري في العراق، الا أن التعديد لشكل الحريات لم يكن كافيا.
وأما في الدستور العراقي الحالي، فقد ورد في باب الحقوق والواجبات الدستور النافذ أنه يضمن في المادة ( 16 ) بأن لكل فرد بغض النظر عن قوميته أو دينه أو جنسه أو مذهبه أو لونه أو أصله أو وضعه الاقتصادي أو الاجتماعي خصوصيته الشخصية بما لايتنافى مع حقوق الآخرين ومع الآداب العامة.
ونلاحظ الدقة في التأكيد على مفاصل تلك الحرية، فالحرية الشخصية متعددة الجوانب لايمكن وضعها ضمن أطار محدد، وعلى هذا الأساس أشار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حين اعتبر الأساس هو الحماية القانونية للحقوق، وأن لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي وبالتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين، بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود، بالإضافة الى حق الإنسان بان يعترف له بالشخصية القانونية، وأن لكل فرد الحق في الحياة والحرية وفي الأمان على شخصه، مثلما تؤكد العديد من الدساتير الأوربية على تلك الحقوق، ولم تلجأ الى تقييد وتعداد تلك الحقوق، أنما لجأت الى اعتماد حمايتها بشكل مطلق وعام، فعملية تحديد شكل الحريات يقيد النص، والنص العام مطلق يجري على أطلاقه كما ذكرنا، مع وجود الضوابط التي تعمل حين يكون هناك تعدي على حريات الآخرين أو تناقض مع مفهوم الآداب العامة.
وليست المشكلة في وجود النص الذي يحمي الحقوق والحريات، فالعديد من الدساتير تدرج تلك النصوص في دساتيرها، إلا إن الممارسات العملية تنحو بعيدا عن الإقرار بها واحترام تلك الحرية الشخصية، بل حتى لاتؤمن بتوفيرها وممارستها وتتجاوز حتى على تلك النصوص، وإزاء تلك الممارسات التي أكثرها نتاج تراكم الماضي وثقافة التسلط وتفخيم الذات على حساب الأخر، ثقافة الأحسن والأقدر والأكبر، ثقافة القومية الواحدة والدين الواحد والعقيدة الواحدة والمذهب الواحد والحزب الواحد، نشعر بالحاجة الماسة الى الثقافة الدستورية والتثقيف الشعبي والتبسيط في نشر معاني الحرية الشخصية، وتوضيح معانيها وممارساتها في الشارع العراقي، وغرسها في أذهان الجيل الجديد يتحصن بها لمستقبله.
والمتمعن في مفاصل حركة الدولة والهيئات العاملة يلمس ذلك ألابتعاد عن تطبيق مبدأ ضمانات الدستور للحرية الشخصية، وثمة من يدافع مبررا تلك الأفعال المخالفة لمبدأ الحرية الشخصية بالرواسب التي خلفتها الأنظمة البائدة، وثمة من يقول بأن النص الدستوري يخالف الواقع، وثمة من يقول بأن هذه النصوص الذي تقر بالحرية الشخصية لاتتعدى ما تريده السلطة وفق مفهومها لمعنى الحرية الشخصية، وفي كل الأحوال فأن التطبيق الواقعي واحترام النص والاعتقاد أهميته وضرورته في مفصل الحياة اليومية للإنسان العراقي من الأهمية بحيث يشكل أحد أعمدة الانتقال والتطور باتجاه المستقبل المنشود على الأقل لصالح الأجيال القادمة.
إن فقدان الحرية يعدم معاني الحياة الإنسانية، كما أن توفر الحرية دون صيانة لكرامة الإنسان تعديا صارخا على آدميته وكيانه الإنساني،وما يميز الدولة الحديثة اليوم مقدار التزامها بتلك الحريات واحترامها لها، بالإضافة الى صيانتها وحمايتها لحريات الأفراد الشخصية، والحرية الشخصية جزء من الوطنية، ولذا فأنها ليست منوطة بإرادة الشخص فقط، إنما هي مسؤولية والتزام، وضمن هذا ألإطار سيكون هناك اعتبار للقيم الإنسانية التي اكتسبها المجتمع، باعتبارها أحد روافد القانون، ولايمكن أن تكون تلك الحرية الشخصية منفلتة أو دون ضوابط أو دون معاني إنسانية، ولأن بناء المجتمع الديمقراطي الموحد يتطلب وجود تلك الحريات الشخصية مقترنة بالضوابط والمعاني الإنسانية والتي تتعارض حتما مع الفوضى والتسيب والانفلات التي تتناقض مع مفهوم الحرية بشكل عام، تلك المعاني التي لاتتقيد بديانة معينة ولا بقومية معينة ولا بمذهب معين، فالتقييد بأي شكل من الأشكال تحجيم لقدرة النص الدستوري على الحكم، وإعاقة لجعله لايجري على أطلاقة.
ومن أهم مهمات المجتمع التضامنية حماية الحرية الشخصية واحترامها، ووفقا لهذا سيوفر لها المناخ الملائم لتطوير المجتمع دون تفاوت ثقافي ودون مخاطر على مستقبله ودون حواجز ومطبات تعيق عملية البناء، وتساهم تلك المهمة ليس فقط في نمو تلك الحرية بل الى قوة ومتانة المجتمع، والتحصن من الاستحكام القسري والتفرد السلطوي وسيطرة الأمراض الدفينة في عقول الحكام.
على مجتمعنا أن يدرك التجارب التي مرت بها بلدان لم تكن بأحسن من حال مجتمعنا وتتشابه مع أوضاعه، غير أنها وازنت بين حرية الفرد الشخصية وبين حقوق المجتمع، وأصرت على احترام الحرية الشخصية وحمايتها الدستورية والقانونية، وساهمت حمايتها لتلك الحرية في بناء بلدانها بشكل صحيح
صلاحيات اقليم كردستان في الدستور العراقي
الانصات المركزي 23/2/2010 :
ليس غريباً أن نقرأ بعض الكتابات التي لم تزل تفكر بعقلية السلطات الشوفينية التي تعاقبت على حكم العراق بالحديد والنار، ولم تزل بعض العقليات التي تفكر بمنطق السيد والعبد والمالك والمستأجر، ولهذا لن نستغرب من ظهور مثل هذه الأفكار التي لاتستوعب متغيرات الحياة ولاواقع الأنسان العراقي الجديد، كما ليس من الأنصاف أن يقفز المتابع لقضية حقوق شعب كردستان الدستورية على الواقع ليحاول تناسي التهميش والحرمان والظلم الذي طال هذا الشعب حقبة زمنية ليست بالقصيرة، فقد تحمل شعب كردستان في العراق ليس فقط عدم الأعتراف بلغتهم وقوميتهم وتأريخهم، وانما بالتنكر لحقهم في الحياة وحقوقهم حتى التي نصت عليها الدساتير المتعاقبة والتي زعمت فيها أن الوطن شراكة بين العرب والكرد والتركمان وبقية المكونات القومية للعراق او التي زعمت نصوصها على المساواة بالحقوق بين العراقيين،
ولهذا فأن ترجمة نصوص الدستور العراقي الى واقع ملموس وبما يحقق تجسيد الشراكة الحقيقية في الوطن يعزز الثقة ويزيح تراكمات الظلم ويحقق الهدف في دحر الفكر الشوفيني المنتشر في العراق بفضل السياسات الشوفينية المتعاقبة لفترة غير قصيرة من عمر العراق، ويساهم بشكل أنساني لرسم معالم الحياة العراقية في منطقة كردستان أو في أية منطقة أخرى.
وأذا كان الدستور هو القانون الأسمى للبلاد فأن ثبوت كون النصوص الواردة فيه جامدة لاأثر لها في الواقع، ينتج لنا قناعة من أن السلطات التي تعاقبت على حكم العراق كانت تريد أن تكون هذه النصوص غباراً وستاراً لذر الرماد في العيون وشعارات وفقاً لرغباتها ومصالحها السياسية وسياستها الشوفينية، مما يولد لدينا الأصرار على ترجمة النصوص الدستورية الى واقع نلمسه بايدينا ونجسد تطبيقاته الأنسانية الى ان تفهم هذه العقول بأن لشعب كردستان الحق في الحياة.
وأذ لم يفرق القانون الأساس الصادر في العام 1925 بين المواطنين بسبب القومية أو الدين أو اللغة في المادة السادسة منه، فأنه حدد في المادة السابعة عشرة من أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية بما يتعارض مع نص المادة السابقة التي تقر وتعترف بأختلاف اللغات بين العراقيين، ويتوضح التوجه الذي ينكر حق شعب كردستان ضمن نصوص دستور يؤسس لأول حكومة وطنية، اما الدستور المؤقت لعام 1958 والصادر بعد قيام الجمهورية العراقية فقد اورد نصين متناقضين الأول ينص على أن العراق جزء من الأمة العربية، وهذا الأنتماء يشمل جميع المكونات بينما ورد النص الثاني ليؤكد بأن العرب والكرد شركاء في هذا الوطن ( المواد 2 و 3 ) مشيراً الى انضواء الكرد تحت عباءة الأمة العربية التي يكون العراق جزءاً منها.
بينما جاء الدستور المؤقت لعام 1964 ليس معتبراً العراق جزءا من الأمة العربية فقط، وأنما أوجب على الكرد والتركمان والكلدان والآشوريين أن يعملوا لتحقيق الوحدة العربية الشاملة التي تلتزم الحكومة بتحقيقها في أقرب وقت ممكن كما ورد بنص الدستور مبتدئاً بالوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة (مصر لوحدها في تلك الفترة)، ونصاً مثل هذا يلزم قوميات غير عربية للسعي لتحقيق الوحدة العربية لايدل سوى التوجه الشوفيني المقيت الذي يريد ان يلتزم الجميع بما تقرره القومية القائدة والحاكمة ويعبر عن مستوى عقلية الحاكم، وأقر الدستور المؤقت المساواة بين العراقيين وأنه يقر بالحقوق القومية للكرد ضمن الشعب العراقي في وحدة وطنية متآخية، ولم يحدد معالم هذه الحقوق ولاجديتها وحقيقتها، كما لم تتجسد في الواقع العملي الذي عاشه العراق ضمن تلك الفترة والتي لم يتمتع بها الكرد سوى بحروب طاحنة أكلت الأخضر واليابس من رجالهم وحلالهم وأوقفت التقدم الحضاري والأنساني ليس في كردستان فحسب بل في عموم العراق.
وجاء الدستور المؤقت لعام 1968 ليؤكد ايضاً أن الشعب العراقي (بكل مكوناته القومية) جزء من الأمة العربية وهدفه الوحدة الشاملة التي تلتزم الحكومة على تحقيقها، وأقر الدستور المؤقت ضمن المادة 20 منه على الحقوق القومية للكرد ضمن الوحدة العراقية، وبقي كغيرة لايحدد معالم هذه الحقوق ولاتفصيلها ولاتطبيقها في الواقع العراقي ويكفي لأثبات ذلك حملات الأبادة العسكرية والحملات العسكرية المستمرة التي شنتها جيوش السلطات المتعاقبة لقمع صوت شعب كردستان ومحاولة أذلالة وجعله قابلاً بالسياسة الشوفينية التي تنهجها تلك السلطات عملياً وخضوعه للأمر الواقع عبر قوافل الآلاف من الشهداء.
أن وضعاً مأساويا في غبن حقوق أكبر القوميات التي تعيش في العراق بعد ان جرى تقطيع اوصال وطنها الأم الى عدة أوصال في مناطق متعددة، يدلل على ان العقول الظلامية والنزعات المريضة لم تزل راسخة في عقول وقلوب بعض المهتمين بالجانب السياسي في العراق، وهذا الأمر ناتج من نواتج السياسة العقيمة والحقن القومي المريض الذي قام به الحكام الذين سيذكرهم التاريخ العراقي مجللين بالخزي والعار لما الحقزه بالعراق من خراب ودمار وتخلف.
وبعد سقوط الطاغية وأنهيار سلطاته الهشة التي كان يدعمها بأجهزة الأمن والمخابرات والأمن الخاص، أصبح العراق في وضع استثنائي بصدد ترتيب اوضاع البيت العراقي ورسم السياسة المستقبلية للعراق، حيث ساهمت اغلب الأحزاب والشخصيات العراقية الوطنية في ذلك، ومع كل الشحن الشوفيني في العقل العراقي وتلبس مفاهيم عديدة خاطئة في عقول ابناء العراق من العرب وخشيتهم من (سطوة الكرد) و(انفصالهم وعصيانهم الدائم وتبعيتهم للأجانب وكونهم يشكلون خطراً على الأمة العربية!! وغير ذلك من كلمات الشحن الشوفيني البغيض التي لاتمت للحقيقة والواقع ولا لخلق ابناء شعب كردستان النبيل بأية صلة مثلما كانت السلطات البائدة تحقنها في العقل العربي، وقف العديد ضد مفاهيم دستورية حديثة دون معرفة أو تدقيق أو مناقشة أعتقاداً منهم بأنها الضرر القادم والذي سيحل على العراق، ووقف العديد ضد حقوق شعب كردستان أعتقاداً منهم انها أضعاف لحق العرب أو التركمان والكلدان والاشوريين في الحياة، متناسين أن الشعب الكردي كان متمتعاً بشبة استقلال عن السلطة المركزية منذ العام 1991 ولغاية 2003 وطيلة تلك الفترة ورغم دقتها فقد مورست سياسة عقلانية وعملية بما يحفظ للعراق وحدته ويجنب شعب كردستان الويلات والدمار الذي لحق به لسنين طوال، وايضاً يضع شعب كردستان ضمن نظام دستوري يمكنه من أستعادة مافاته من بناء للأنسان ولمعالم الحياة والبنى التحتية في اقليم كردستان وللعراق الأتحادي ايضاً كنموذج حضاري وأنساني متميز.
ولهذا فقد تناخى الكرد مع العرب والتركمان والكلدان والآشوريين للتصويت على نصوص الدستور العراقي ليصبح العراق وفق الأرادة العراقية جمهورية نيابية ديمقراطية أتحادية.
أقر الدستور العراقي عند نفاذه أقليم كردستان وسلطاته القائمة كأقليم أتحادي، وبهذا الأقرار المنصوص عليه في متن المادة 113 فقد منح الشرعية الدستورية لقيام الأقليم، حيث أن الدستور أشار الى تكوين النظام الأتحادي في جمنهورية العراق من عاصمة وأقاليم ومحافظات غير منتظمة ضمن أقليم وإدارات محلية، ومنح الصلاحيات المشتركة بين الحكومة الأتحادية وبين الأقاليم حيث اعطى الأفضلية لقانون الأقليم في حال وجود خلاف في التطبيق بينهما حيث منح الدستور الحق لكل محافظة أو أكثر تكوين اقليم وفق الالية التي فصلها.
وأعتبر الدستور أن اللغة الكردية بالأضافة الى اللغة العربية هما اللغتان الرسميتان في العراق وأن يتم تحديد نطاق المصطلح بقانون يحدد معالم اللغة التي يتم تطبيقها في الأقليم، كما يتم أصدار الأوراق النقدية والطوابع وجوازات السفر باللغتين تطبيقاً لمبدأ المساواة واستناداً لما ورد في الفقرة ( 5 ) من المادة الرابعة من الدستور الذي حدد نطاق اللغة الرسمية ووفق القانون، ولهذا لن يتحمل العقل الشوفيني أن يجد طوابع بريدية أو قطعا نقدية مكتوباً عليها باللغة الكردية لأنه اعتاد وأدمن السيادة الواحدة للقومية الواحدة، مثلما لايتحمل العقل الشوفيني ان تكون جوازات السفر مكتوبة باللغة الكردية ولا أن يكون طابع بريدي بلغة الكرد، كما انه لايصدق ان في العراق شعباً اخر له كل مقومات الدولة الفيدرالية التي توحد ضمنها في أقليم يتمتع بكل موجبات النصوص الدستورية للعراق الأتحادي.
ويشترك أقليم كردستان في المجلس التشريعي الأتحادي الذي يضم ممثلين عن اٌلأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في أقليم وينظم عمل هذا المجلس قانون يتم صياغته وأصداره بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب، كما يشترك الأقليم في تشكيل المحكمة الأتحادية العليا التي تأخذعلى عاتقها مهمة الرقابة على دستورية القوانين وتفسير النصوص الدستورية عند وجود اختلاف في التطبيق، والفصل في القضايا التي تنشأ عن تطبيق القوانين الأتحادية والقرارات والأنظمة والأجراءات الصادرة عن السلطة الأتحادية، وكذلك الفصل في المنازعات التي تحصل بين الحكومة الأتحادية واٌلأقاليم والمحافظات والبلديات وألادارات المحلية، كما تفصل المحكمة في الأتهامات الموجهة لرئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والوزراء، كما تصادق المحكمة الأتحادية العليا على النتائج النهائية لعضوية مجلس النواب وتفصل المحكمة في تنازع الأختصاص بين القضاء الأتحادي والأقليمي والمحافظات وأن قرارات هذه المحكمة باتت لاتقبل الطعن تمييزاً حيث انها ملزمة لكافة السلطات.
كما يشترك الأقليم ضمن الهيئات التي عدها الدستور مستقلة لضمان حقوق الأقاليم في المشاركة العادلة بأدارة مؤسسات الدولة المختلفة وفي البعثات الدراسية والحلقات الدراسية والتطويرية وفي الأشتراك ضمن الوفود التي تحضر المؤنمرات الأقليمية والمؤتمرات الدولية حيث يتكون الوفد من ممثلي الحكومة الأتحادية وممثلي الأقليم وممثلي المحافظات غير المنتظمة بقانون.
كما يشترك الأقليم في الهيئة العامة لمراقبة وتخصيص الأيرادات العامة في الدولة الأتحادية للتحقق من عدالة توزيع المنح والقروض والمساعدات بموجب استحقاقات الأقاليم والمحافظات التي لم تنتظم ضمن أقليم، ويشترك الأقليم في مجلس الخدمة العامة الاتـحادية الذي يتولى تنظيم شؤون الوظيفة العامة ومايتعلق بالتعيين والترقية والتكوين والترفيع.
ويحق لسلطة أقليم كردستان بمقتضى نصوص الدستور بوضع دستور للأقليم يحدد هيكل السلطات فيه وآلية عمل تلك السلطات مع عدم التعارض مع الدستور الأتحادي، وان لسلطة الأقليم أن تمارس جميع الصلاحيات الممنوحة للسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية ماعدا ما تم تحديده حصراً من صلاحية السلطة الأتحادية.
ويحق لسلطة الأقليم ان تقوم بتطبيق نصوص الدستور الأتحادي عند عدم وجود نص يحكم قضية معينة أو عند وجود تناقض او تعارض في ذلك الأمر.
وفي سبيل منح الأقاليم فرصة للتخطيط وبرمجة أعادة اعمار الأقاليم التي خربتها الانظمة الدكتاتورية واوقفت الحياة فيها مدة غير قليلة من الزمن، فقد منح الدستور الأتحادي لسلطة الأقليم تأسيس مكاتب في السفارات العراقية وضمن البعثات الدبلوماسية تأخذ على عاتقها مهمة متابعة الشؤون الثقافية والأجتماعية والأنسانية لأبناء الأقليم وفقاً للفقرة رابعاً من المادة 117 من الدستور، وهذه المكاتب لاتعني بأي شكل من الأشكال تعارضها مع البعثة الدبلوماسية.
ولاتتناقض مع عملها وكما لاتشكل سفارات مستقلة كما يشيع بعض المغرضين والشوفينيين الذين لايتحملون ليس فقط من تمتع شعب كردستان بحقوقه الأنسانية، وانما حتى في عدم فهم النصوص الدستورية التي توجب ان تكون هناك مكاتب تؤسس لمتابعة شؤون الأقاليم، وانما تؤسس هذه المكاتب لمتابعة الشؤون الثقافية والأجتماعية والأنمائية
أطفال الكرد نوارس تحلق في سماء الشهادة
الانصات المركزي 24/4/2010:
لم تتمكن سلطة النظام البائد تنفيذ اعمال الأعدام بالرصاص ومن ثم الدفن في مقابر جماعية بأطفال الكرد مثلما يتم تنفيذه بالرجال والنساء مهما أختلفت أعمارهم وأجناسهم.
لم يكن لهؤلاء الأطفال قدرة على الوقوف مثلما بقي اهاليهم، ولم تكن السلطة المجرمة تفكر سوى بوسائل القتل، وحتى الأطفال الرضع والصغار والقاصرين لم يكنوا خارج أطار عقلية المجرم ومخطط الجريمة.
شهد أحد سواق الشفلات ( وهو عربي ) انه سيق مع ماكنته الى الجهد الحربي كغيره ممن سيقوا عنوة، وكان مكان عمله ضمن قاطع كردستان، وشاهد مئات الكرد نساء وشيوخ ورجال وشباب وهم يتم انزالهم من السيارات العكسرية ليتم تقييد اياديهم الى الخلف، ومن ثم يتم صفهم امام حفرة قام بنفسه في شقها بالأرض، ثم يأتي الأمر بالرمي من مجموعة مكلفة بهذه المهمة.
وأشد ما علق بذاكرته أن احد النسوة المؤنفلات كانت قد ولدت اثناء نقلها في حوض السيارة العسكرية، وعمدت الى وضع الوليد ملفوفا ببعض الخرق بجوار السيارة التي توقفت بهم، ثم ذهبت الى قدرها صامتة، وهي لم تزل تعاني من الام المخاض والولادة، والوليد لم يزل ملطخا بدمه، وبعد ان تمت عملية قتل تلك المجموعة البشرية بالرصاص حيث كانت جريمتهم أن الله خلقهم وهم كرد.
وعند عودة أعداد الرماة من مهمتهم وسائق الشفل انتهى من اعادة التراب فوق جثثهم التي تم رميها بعد حفلة الرمي داخل الحفرة، وبعضهم لم يزل حيا يتلوى ويتحرك، سمع أحد الرماة صوت بكاء لطفل رضيع، جال بعينيه وشاهده سائق الشفل وهو يرفعه من الأرض، ثم يتقدم به الى آمر الوحدة العسكرية التي تمارس عمليات القتل بأسم ( الأنفال ) وهو برتبة نقيب، أمر هذا الآمر دفن الطفل الوليد وهو حيا، وفعلا تم وضعه في أطراف الحفرة ليقم سائق الشفل بدفنه وهو حي.
هذا الوليد لم يكن يعرف قوميته، ولم ينطق الكردية، وحتى لم يطالب بحقوقه المشروعة، ومع كل هذا تمت تصفيته ودفنه حيا أمام انظار الله الذي يمهل ولايهمل ابدا.
ونعتقد أن عمليات جينوسايد الكرد التي اطلق عليها الأنفال لم تعد خافية على أحد، كما لم يعد هدف ابادة شعب كردستان خلال فترة زمنية تبناها النظام البائد غير معروفة، وتظهر للعيان مئات الجثث والمقابر الجماعية التي يتم اكتشافها لتلك المجموعات.
وظهرت اخيرا في منطقة ( جمجمال ) رفات مائة طفل قضوا ضمن حملات الأنفال، لأسباب عديدة، لعل من بينها انهم كانوا مع اهاليهم المبعدين ضمن قلاع نائية ومناطق غير مأهولة، حيث تم ابعادهم واحتجازهم فيها، ليقضوا مرضا وجوعا وعطشا.
نعوش صغيرة تلفها اعلام كردستانية بحجمها منثور عليها زهور كردستان، باحتفال مهيب تم تشييع تلك الأرواح الطاهرة البريئة، بعد ان تم اكتشاف جثثها، لعل من الأنصاف أن نقف لها اجلالا.
ولكن من يتمعن في تعدد الوسائل التي حاربت بها السلطة البائدة الطفولة في كردستان، لأعتقادها أن تلك المجاميع البريئة لاتعدو ان تكون ( بيشمركة ) للدفاع عن حقوق شعب اريد ابادته، فباد الله من يريد به السوء.
وتنتشر جثث الشهداء الصغار مع أهاليهم في كل مناطق العراق وليس ضمن المناطق المحاددة لكردستان فقط، ففي منطقة السماوة، فقد جرى الكشف عن مقبرة جماعية جديدة بالقرب من السماوة على بعد 230 ميلا الى الجنوب الشرقي من بغداد تضم نحو 1500 جثة. وأوضح محققون ان واحدة من الجماجم التي عثر عليها تعود لسيدة مسنة، كما تم العثور على طفلة مع لعبتها، فيما تعرف خبراء الأدلة الجنائية على هيكل عظمي لفتاة لا تزال ممسكة بحقيبة يد. وتقف المقابر الجماعية التي تضم هياكل عظمية للكرد من مختلف الاعمار، الذين دفنوا في المواقع التي اعدموا فيها في تلك الفترة، شاهدا على وحشية نظام صدام. وكان خبراء الأدلة الجنائية قد فحصوا المقبرة الجماعية الجديدة التي اكتشفت بمنطقة السماوة على نهر الفرات. ومن المعتقد ان رفات الاشخاص الذين عثر عليهم في هذه المقبرة الجماعية التي تضم 18 حفرة طولية، تعود الى الكرد الذين قتلوا خلال عامي 1987 و1988 خلال حملة الأنفال.
وكان عدد من تم حصرهم ضمن جرائم الجينوسايد لأبادة شعب كردستان العراق ب 182 ألف انسان، الا ان هذا العدد في تزايد مستمر بعد اكتشاف المقابر الجماعية للكرد بين فترة واخرى، ويوما بعد يوم يثبت الواقع أن النظام البائد كان يستهدف كل شيء في كردستان، فقد عمد الى أبادة البشر والشجر وعيون الماء، والأشد خسة محاربته للطفولة التي ستبقى تحلق فوق السماء نوارس خضراء تذكرنا بحجم تضحيات شعب كردستان، وسعة الوجع الذي يلم بأهالي الضحايا، ان الشفقة والتعاطف وحدهما ليسا كافيين لتخفيف الوجع، اذ لا بد من عمل شيء ملموس لعوائل الضحايا، وهو مالم نلمسه حتى اليوم.
واجبات المحامي وأخلاقيات المهنة
إن مهنة المحاماة من المهن الاختيارية التي يمارسها الحقوقي ، وتعد من المهن المهمة التي يتسلح أفرادها بالمعرفة القانونية والثقافية بشكل عام ، وتعرف بأنها المهنة التي تساعد الناس في الوصول الى طرق الحق المقررة ، وسلوك السبل القانونية التي لايعرفها المواطن من غير الحقوقيين ، وهي من الأعمال المساندة للقضاء أن لم تكن جزءاً فاعلاً وأساسياً في جسد المؤسسة القضائية ، ومكملا لعملها في تحقيق العدالة.
وتعني مهنة المحاماة معاونة المدعي أو المدعى عليه للوصول الى الحق ، وسلوك الطرق القانونية المنصوص عليها في متون القوانين لاستعادة الحقوق المغصوبة او المسلبة او المسيطر عليها من دون وجه حق أو المتنازع عليها الى أصحابها ، والمساهمة في الوصول الى الحقيقة ،
ويعتبر بعض أن المحاماة قنطرة الناس للوصول الى الحق والجسر الذي يسهل لهم العبور الى الحق ، حيث يفترض أن المحاماة تعني الدفاع عن حقوق الناس أمام القضاء وحماية تلك الحقوق من التعدي .
ويتمتع المحامي بالاستقلالية التامة ، إذ لاسلطة فوق سلطة القانون ، وبهذه الحرية فإنه غير مقيد بطريق معين ، و يستطيع المحامي سلوك مختلف الطرق التي رسمها القانون ، والتي خبرها المحامي من خلال دراسته القانونية وثقافته وسعة أطلاعه على القوانين والنصوص ، للوصول الى استعادة الحق الى أصحابه وهو بهذا نصير للحق إذ لايعقل أن ينتصر للظالم أو المجرم مقابل تلك الأجور ،فمهنة المحاماة أرفع من تلك الصورة وأنبل من تلك الأفتراءات ، فالمحامي يدافع عن المظلوم حماية له من الظلم والغبن ، ويعرض ظروف المتهم أمام العدالة لتطبيق ماتراه متناسبا ، كما يتعاضد ويتعاون مع المحكمة في سبيل بسط الحقيقة لتسهيل صدور الحكم العادل ، ومادمنا نؤكد أن المحامي قاضي واقف فأننا نؤكد أن المحاماة جزء لايتجزا وفاعل من جسد المؤسسة القضائية .
ويتطلب العمل ضمن مهنة المحاماة الانتساب الى نقابة المحامين العراقيين لتسجيل أسمه عضوا فيها ، والانتساب يتطلب شروطا قانونية حددتها النصوص الواردة في متن قانون المحاماة .
يحكم عمل المحاماة في العراق قانــون برقم 173 صدر في عام 1965، وأجريت عليـــه تعديلات عديدة .وتشترط المادة الثانية من هذا القانون من ضمن شروط ممارسة مهنة المحاماة أن يكون المحامي متخرجاً من كلية القانون او مايعادلها ، أي انه حائز على الشهادة الجامعية الأولية في القانون ( البكالوريوس ) ، أو ما يعادلها من إحدى الجامعات العراقية أو العربية أو الأجنبية المعترف بها قانونا .
ويشترط القانون على المتقدمين للانتساب للنقابة من خريجي الجامعات العربية والأجنبية المعترف بها قانونا النجاح في امتحان إضافي تجريه النقابة لكل متقدم للحصول على عضوية نقابة المحامين ، يقوم مجلس نقابة المحامين بتعيين المواد المطلوب أجراء الاختبار بها .
وأعتبر قانون المعهد القضائي وقانون التنظيم القضائي ممارسة مهنة المحاماة خدمة قضائية يمكن لمن توفرت به شروط القبول في المعهد ومارس العمل مدة لاتقل عن ثلاث سنوات أن يتم قبوله في المعهد القضائي .
وانسجاما مع نصوص قانون التنظيم القضائي الذي منح القاضي وعضو الادعاء العام كامل الراتب والمخصصات التي يتقاضاها عند إحالته على التقاعد إذا أكمل احدهما السن القانونية المقررة ، فقد منعت الفقرة ثالثا من المادة الثانية من القانون على هذه الشريحة الانتساب للنقابة .
وأكدت الفقرة رابعا من المادة المذكورة على أن يكون المحامي حســن السمعة أهلا للاحترام الواجب لمهنة المحاماة ، يتمتع باحترام الناس بما يليق برفعة وسمو المهنة التي يمارسها ، ومنها انه غير محكوم بجناية أو جنحة مخلة بالشرف ، وغير معزول من وظيفة كان يشغلها لأسباب تخص خيانة الأمانة والاختلاس والرشوة والسرقة وكل ما يخص الذمة المالية والشرف .
وفي الفقرة سابعاً أن يكون غير مصاب بمرض عقلي او نفسي يمنعه من ممارسة المحاماة ، وبهذا النص يشترط القانون أن يتمتع المحامي بكامل قواه العقلية والنفسية ليمارس تلك المهمة النبيلة ، ولا توجد عوارض عقلية أو نفسية تمنعه من ممارسة هذا العمل ، ولايعقل ان يقوم المحامي بممارسة عمله مع تلك الأختلالات العقلية أو النفسية ، بأعتباره أمينا على قضية الحقوق .
ونظمت المادة الثالثة من القانون عمل المحامي من غير العراقيين مع عدم الإخلال بأحكام الاتفاقيات الخاصة المعقودة بين العراق والدول الأخرى فيما يخص تنظيم عمل المحاماة ، حيث يعقد العراق الاتفاقيات الخاصة بتنظيم عمل المحاماة بين العراق وتلك الدول على أساس المبادلة بالمثل أو اعتبارات أخرى ضمن تلك الاتفاقيات القانونية ، وانسجاما مع تلك الاتفاقيات منح القانون الحق للمحامي المنتسب الى إحدى نقابات المحامين في الأقطار العربية أن يترافع في ( قضايا معينة ) أمام محاكم العراق في الدرجة المقابلة لدرجته ، وبهذا فأن حق الترافع للمحامي العربي مقيد وليس مطلقاً، وهذا التقييد حددته العبارة التي وردت ضمن الفقرة الأولى من المادة الثالثة (( في قضايا معينة))، كما اشترط النص أن يمارس المحامي العربي هذا العمل ضمن الدرجة المقابلة لدرجته ، فإن كانت صلاحياته محددة مارسها وفق هذا التحديد في العراق، وإن كانت مطلقة مارسها على إطلاقها في العراق أيضا .
واشترط النص أيضا حصول موافقة نقيب المحامين العراقيين على عمل المحامي العربي في العراق وترافعه في هذه الدعاوى ، وأن تقترن هذه الموافقة بموافقة وزير العدل العراقي ، وأستثنى النص المحامي المنتسب الى نقابة المحامين السوريين من شرطي المبادلة بالمثل وموافقة النقيب لاعتبارات سياسية فرضتها ظروف وزمن التعديل وليس لها ما يبررها اليوم عمليا .
وبهذا يجوز للمحامي العراقي أن يشرك معه ( في قضية معينة ) محاميا عربياً منتسباً لأحدى نقابات المحامين على أن يتم التثبت من شرط استمراره على ممارسة المحاماة في بلاده ، وشرط أن تكون بلاده تسمح للمحامي العراقي بالترافع بمثل تلك القضايا .
ويجوز للمحامي العراقي بمقتضى نص الفقرة ب من المادة المذكورة أن يشرك معه في قضية معينة محاميا غير منتسب لإحدى نقابات المحامين في الدول العربية ، بعد استحصال إذن نقيب المحامين ووزير العدل ، بعد التثبت من استمراره على ممارسة المحاماة في بلده ونوع صلاحياته .
من خلال ماتقدم نخلص الى مايلي :
1- الأصل أن القانون أباح للمتخرج من كليات القانون أن ينتمي الى نقابة المحامين والعمل في المحاماة .
2- ولايحق لمن لم ينتسب للنقابة أن يمارس مهنة المحاماة ، غير أنه يحق لدوائر الدولة أن تقوم بتوكيل محام او تنيب عنها احد الموظفين الحقوقيين لتمثيلها أمام المحاكم في القضايا المعروضة بحدود مبالغ معينة .
3- وان الانتماء الى النقابة لايكون إلا للمواطن العراقي والفلسطيني المقيم في العراق بالنسبة للقانون العراقي وأن يكون هذا العضو متمتعا بالأهلية المدنية الكاملة .
4- ويشترط على ممارسة المحامي العربي أن يكون مسجلاً بنقابته في بلده فعلاً ويمارس العمل بالمحاماة عمليا في بلاده ، وأن تكون صلاحيته متناسبة مع الدعوى وأن يكون هناك تطبيق لمبدأ المقابلة بالمثل بين بلده والعراق .
5- وأن يستحصل المحامي العربي على موافقة مجلس نقابة المحامين العراقيين ، وان يصدر النقيب اذنا خطياً بذلك ، وتقترن هذه الموافقة بموافقة السيد وزير العدل في حال توكله بقضية تعرض امام المحاكم العراقية .
ووفق ضوابط السلوك المهني يجب أن يكون المحامي يحترم المهنة التي يمارسها ولا يسيء اليها بأي شكل كان ، ومن بين أشكال هذه الإساءة أن يتلفظ بعبارات لاتليق بالمحامي بان يطلقها نحو الخصم او وكيله او تجاه المحكمة التي يترافع أمامها ، وأن يبتعد عن أسلوب التهجم والطعن لإرضاء خصمه أو لكسب ود ورضا بعض أطراف الدعوى .
إن المحامي لايقتصر دوره على إسداء النصائح والتوجيهات القانونية ، ولا على الدفاع عن موكليه انما يتسع دوره المهم داخل المجتمع ، فيساهم على تطويره من خلال ثقافته القانونية ومن خلال منزلته ومكانته المتميزة في المجتمع .
أن على المحامي أن يستمع بشكل دقيق لموكله ويطلع على مستنداته ، وأن يتحدد عمله في حدود الوكالة والدعوى التي توكل فيها .
ووفق هذا فأنه مؤتمن على حقوق موكله عليه أن يبذل كل جهده في سبيل إيصال الحق وتحقيق العدالة ، فيعمل بإخلاص ووفق ما يمليه عليه ضميره المهني والقانوني ، ووفق طاقته وأمكانياته ، وأن يحقق الهدف الأسمى في ذلك ، وليس من أخلاق المحامي أن يتصل بالخصم أو يتفق معه بأي شكل كان ، وأن لايفشي أسرار موكله ، وأن لايقدم المشورة والمساعدة القانونية للخصم ، وأن تكون أجوره القانونية وفقا للنسب المحددة في القانون .
والخروج عن هذه الأخلاق يبيح للمحكمة أن تتخذ من الإجراءات القانونية مايحفظ لها حقها ويصون لها سمعتها ، كما يحق للنقابة أن تحيل المحامي الى الذي يخل بواجباته المهنية او الحط من قدرها او بمايمس سمعة وكرامة المحامين ان تحاكمه تأديبيا ، ومن ضمن العقوبات التأديبية التي تفرضها النقابة على المحامي ان يتم منعه من مزاولة عمله مدة مؤقتة ، او فصلة نهائيا من عضوية النقابة .
وحماية للمجتمع من الاستغلال منعت المادة الرابعة الجمع بين مهنة المحاماة ورئاسة الحكومة وكذلك تولي منصب الوزارة أو تولية الوظائف العامة أو الاستخدام لدى الشركات التجارية مطلقا ، ولدى الشركات المؤسسة بموجب امتياز خاص من الدولة ، حيث لايمكن إن يتم الجمع بين هذه المراكز القانونية ومهمة المحامي .
ومن الجدير بالذكر أن المحامي لايحق له ممارسة عمله في المحاماة مالم يؤد يمينا أمام رئيس محكمة الاستئناف بحضور نقيب المحامين أو من ينوب عنه نصها :
((أقسم بالله العظيم أن أؤدي أعمالي بأمانة وشرف وأن أحترم القانون وأحافظ على سر المهنة وأرعى تقاليدها وآدابها)).
إن هذا اليمين تركز على أمور واسعة ومتعددة يفترض الالتزام بها من قبل المحامي أمام الله وداخل ضميره ، منها أنه ملزم ويتمسك بأداء عمله القانوني المهني بما تفرضه قواعد وقيم الشرف والأمانة ، وهذه القواعد والقيم غير مسجلة وغير محددة بل تعتبر من القيم الإنسانية التي يتمسك بها المجتمع وتعترف بها الأعراف والتقاليد ، كما تنسحب تلك الأمانة على محافظته لأسرار مهنته ، فالمحامي كالطبيب ، يستطيع أن يتعرف على أسرار وقضايا الناس ، وهو بالتأكيد مؤتمن عليها ، لايمكن بأي حال من الأحوال أن يقوم بنشرها أو التباهي بمعرفتها أو فضحها وبيعها ونشرها ، وبعد كل هذا فأنه حتى يمكن أن يكون محاميا يلتزم بتقاليد مهنة المحاماة وآدابها بما يليق بسموها ورفعتها ، وبما يحافظ على مكانتها وسمعتها واحترامها أمام القضاء وأمام المجتمع ، والأخلاق في مفهومها الخاص بمهنة المحاماة هي جزء من الأعراف المهنية التي دأبت على الالتزام بها تلك النقابة العريقة ، وتلك القيم التي سادت العمل القضائي ، والتي عبرت بحق عن قوة الانسجام بين القضاء الواقف والقضاء الجالس .
وكما وردت العديد من النصوص تشير الى منح المحامي تلك المنزلة المهمة التي ترعاها القوانين وتلتزم بها مؤسسات السلطة التشريعية والقضائية ، لهذا فأن القانون منح تلك المنزلة للمحامي حيث منع القانون الدوائر الرسمية وشبه الرسمية مراجعة المحامي أو التوكل في قضايا أمامها مالم يكن مسجلا في النقابة ، حتى يمكن أن يكون العمل منضبطا ومحصورا بأعضاء النقابة لايزاحمهم فيه حتى الحقوقي غير المنتسب للنقابة ، بل، اشترط نص المادة السابعة عشر على الدوائر الرسمية والشركات التي تعين محاميا للدفاع عن مصالحها ومتابعة حقوقها أن ترسل صورة من الأمر بتعيينه اليها .
كما أشارت المادة 43 من القانون على تحمل المحامي المسؤولية في حال تجاوز حدود الوكالة او الخطأ الجسيم .
وعلى المحامي أن يسلك تجاه القضاء مسلكا يتفق وكرامة القضاء وهي مسألة غاية في الأهمية وتخص الجانب الاعتباري والأخلاقي في المهنة ، وأن يتحاشى كل مايؤخر حسم الدعوى ويتحاشى كل مايخل بسير العدالة .
ويخضع كل محام اخل بواجب من واجبات المحاماة او تصرف تصرفا يحط من قدرها او قام بعمل يمس كرامة المحاماة او يخالف حكما من أحكام قانون المحاماة الى المحاكمة التأديبية .
كما أشارت المادة 229 من قانون العقوبات العراقي النافذ الى معاقبة كل من أهان موظفا او اي مكلف بخدمة عامة او مجلسا او ( هيئة قضائية ) او ادارية أثناء تأدية واجباتهم او بسبب ذلك .
وبهذا فإن لمهنة المحاماة تقديرا ودورا كبيرا في المجتمع ، إضافة الى المنزلة الكبيرة التي أولاها المجتمع والقانون لشخص المحامي بأعتباره مدافعا صلبا وأمينا عن قضية الحقوق ، ولذا فإن العديد من القيادات السياسية والوطنية بزغت من خلال تلك المهنة ، حيث شهد التاريخ العراقي الحديث تلك النخب الواعية من المحامين العراقيين الذين ساهموا بشكل فاعل في مسيرة النضال العراقي.
*قانوني ـ السويد
الاعتراف بالخطيئة .. جلد الذات أم صحوة الضمير ؟
25/10/2010 :
هل هو جلد الذات أم صحوة الضمير؟ حين تقدم قيادات وكوادر من حزب البعث في العراق قبل وفاتهم على أدانة الحزب والسلطة والتنصل من الممارسات والأفكار والاعتذار من الشعب العراقي وقواه السياسية الوطنية؟
هل هو موقف ينبع من الضمير أم تراجع عن وحل الخطايا بحق الشعب؟
هل يعني هذا أن القيادات لم تزل يختلط عندها مفهوم الوصول الى السلطة بغض النظر عن طرق الوصول وتعارضها مع القيم والمبادئ التي يطرحها البعث، أو أن هناك تشابكاً بين الحقيقة والدجل السياسي وبين الواقع والوهم؟
هل كان في مخيلة فؤاد الركابي وهو أمين سر القيادة القطرية والوزير الشاب الذي تمنحه الثورة والجمهورية الفتية بعد سقوط الملكية ثقتها ومكانته بين القوى السياسية الوطنية في العراق في أن يكون أول المرتدين على فكر حزب البعث؟ هل كان يدرك أن تراجعه عن فكر البعث وتشخيصه للأخطاء والخلل سيكلفه ما تبقى له من حياته بل وحتى سمعته؟ هل كان فؤاد الركابي يعاني من أزمة ضمير حين يعترف بتفاهة الفكر والأفكار التي كان يدافع عنها ويعلن تراجعه عن الاعتقاد والأيمان بها؟ ويستمر في اعترافاته وهو سجين من أنه كان يشعر بالخطأ الفادح والضرر الذي ألحقه بشعب العراق، وكان أيضاً يشعر بثقل المسؤولية جراء ما جلبه لشعبه وأهله من ويلات ودمار، ومقدار الوزر الذي يحمله بين ثنايا قلبه وضميره تجاه ما أرتكبه بحق الجمهورية الفتية التي أريد لها أن تكون التجربة الديمقراطية الرائدة وبحق الزعيم العراقي الوطني عبد الكريم قاسم.
ومضى الرجل الى حتفه بيد رفاقه الذين ذبحوه لكونه أكتشف الخطوط البشعة التي تنتشر بين تجاعيد الوجه البعثي البشع، مضى الرجل بعد أن تخلص من عقدة حزبه وأنتهى مع نهاية علاقته بهذا الحزب أبداً نهاية أشبه ما تكون بالمأساة.
كانت الاعترافات التي سجلها بعض لفؤاد الركابي تدلل على مقدار الهوة التي تفصله عن حقيقة كون البعث فكراً ريادياً وحقيقياً ويصلح للعراق أو للأمة العربية!! كانت الاعترافات التي سجلها فؤاد الركابي محاولة جريئة وشجاعة كونه كان يشغل مركز أمين سر القطر لحزب البعث بعد قيام الجمهورية، وأول من يسجل هذا التراجع في وقفة ضميرية بميزان الخطأ والصحيح.
وبعد فؤاد الركابي كان ثمة أشخاص آخرين سجلوا تراجـعاً ضميرياً قبل أن يرحلوا الى ربهم، لعلهم كانوا يريدون أن يلاقوا ربهم بأقل نسبة من الخطايا والأخطاء بحق شعبهم وبلدهم أو لعلهم أرادوا أن تبقى ذاكرة العراقيين عنهم غير ذاكرة العراقيين عمن أرتكب الجرائم والخطايا بأسم البعث بحق هذا الشعب وبقي مصرا عليها، ولكن أبرز هذه الأسماء القيادية كان (السيد هاني الفكيكي) والذي صار عضواً في القيادة القطرية للبعث، وبقي الفكيكي مستمراً في عضوية القيادة زمناً ليس بالقصير، حتى داهمته نوبة الضمير فهزته، وتقدم ليقدم اعترافاته ضمن كتاب من تأليفه أسماه (أوكار الهزيمة) سجل فيه تراجعه ونقده ليس لأفكار البعث، بل لمجمل تكوين ونشأة ومسيرة هذا الحزب وممارساته المخالفة لأبسط حقوق الإنسان، وأستمر الفكيكي في الاعتراف بما أرتكبه مع مجموعة رفاقة من خطايا بحق شعب العراق، ومدى حجم الجرائم التي أرتكبها البعثيين ومقدار الجرائم والأخطاء التي سجلها رفاقه بحق الحركة الوطنية العراقية، إضافة الى تسجيله بجرأة النتائج التي آلت الى هذا الوضع الكارثي حين كان الطاغية يجز رقاب أهل العراق بأسم حزب البعث.
كانت اعترافات هاني الفكيكي جديرة بالدراسة والتدقيق، فالرجل يريد أن يجلد ذاته ويشخص الأخطاء التي أرتكبها وسجلها التاريخ العراقي بحقه، وأستمر يعترف بشكل صادق وصريح وجريء من أجل أن يجعل ضميره في الميزان، ومع أن اعترافاته هذه جاءت بعد أزاحته من قيادة البعث، الا أنها تسجل صفحة من صفحات صحوة الضمير وعودة الإحساس بالحرص الوطني الى روحه الذابلة والمتشابكة القضايا، حيث تعج بالخطايا والآثام والتي لم يكن الفكيكي متأكداً في يوم ما أنه سيتخلص منها، لكنه سطرها بعده بكتاب متداول بأيدي أهل العراق يحكي فيه قصة الهزيمة التي ألبسوها لشعب العراق وحكاية الوهم البعثي الذي فجع العراق به، وأبقاه مرجعاً لمن يريد الاستفادة من تجربته في التراجع الضميري عما يسيء الى شعب العراق.
ويأتي بعد هاني الفكيكي (طالب شبيب) وهو من أعضاء القيادة القطرية أيضاً، ومن الوزراء ومن الذين تبوئوا المناصب العليا في دولة البعث، وبعد أن هوى الى قاع الشعب وركنته الأيام وأمام كثرة الخطايا والبلايا التي أمتحن بها العراق من فكر الحزب الذي أراد به ميشيل عفلق أن يحقق حلمه في تسلط الحزب على كل الدول العربية تحت شعار الأمة الواحدة التي عمل البعث في الأمعان بتفريقها وشرذمتها والرسالة الخالدة التي لم يستطع أحد أن يفك لغز خلودها، سجل طالب شبيب صحوة الضمير هذه بعد أن أخذته السنين وهده الزمن وعافته السلطة، فسجل حقائق أريد لها أن تغيب، وحقائق أخرى كانت غائبة فعمل على صحوها، وربما كانت صحوة الضمير لدى طالب شبيب أشد من سابقية مثلما صورها الكاتب الدكتور علي كريم سعيد الذي قام بتسجيل اعترافاته في كتابه (عراق 8 شباط 1963 من حوار المفاهيم الى حوار الدم – مراجعات في ذاكرة طالب شبيب) والتي يقول فيها (لا نستطيع كعراقيين أن نعتذر عن ذنوبنا أو عيوبنا أمام أنفسنا والآخرين لأنه منحنا الفرصة وختمها بقوله لقد بلغت من العمر ما يجعلني عاجزا عن الكذب أو الخيانة...) وقد أنساق الرجل وراء صحوة الضمير فأعاد التوازن الى نفسه وحلل بصدقية الذي يريد أن يتخلص من خطاياه وذنوبه ويصحو ضميره حتى رحل عام 1977 تاركاً خلفه تراجعانه العديدة عن خطايا ارتكبت بحق العراق وبحق قواه الوطنية، وعن جرائم يندى لها الجبين فارتكبت بحق شخصيات وطنية في العراق.
وتجيء رسالة أو لنقل وصية البعثي نزار حمدون الذي شغل لفترة طويلة ممثل العراق الدائم في الأمم المتحدة ووكيل وزير الخارجية في العراق، ليقدم اعترافاته قبل وفاته على شكل رسالة يعتذر فيها لشعب العراق عما سجله مع سلطة الطاغية من خطايا ويحذر الشعب العراقي والقوى الوطنية من خطر هذا الأفعى الذي ألتهم البعث وكاد أن يلتهم العراق.
وبالرغم من أن صحوة الضمير التي اعترت حمدون بعد أن اكتشف رحيله مصابا بمرض السرطان، وأنه ملاقي ربه لا محال، لم يكن له الخيار سوى الاعتراف بالذنوب أمام شعبه ووطنه برسالة سجلها بخطه وسلمها للصحافة في واشـنطن حيث مات فيها وتم نقله الى العراق، في حين بقيت كلماته تدلل على مدى الازدواجية والمعاناة الشديدة في الضمير الذي تعانيه قيادة البعث.
وبقي العديد من قيادة البعث يعيش كبت الضمير حين يكون متردداً أو خائفاً من موقف الاعتراف، أو منح الضمير أجازة أمام ولوغ البعض في جرائم لم يصح منها، ولم تنتابهم وخزة الضمير بالنظر لموت ضمائرهم أو وجدوا أن طريقهم مسدود، وأن خطاياهم كبيرة لدرجة أنهم شخصياً لم يستطيعوا أن يصدقوا أن الجماهير العراقية ستتقبل صحوتهم وتراجعهم واعترافهم واعتذارهم أمام الكم الهائل من الجرائم والخطايا التي ارتكبت بحق شعب العراق.
وبقي العديد في دوامة الخطايا والذنوب متحملين ما أرتكبوه بحق شعبهم ووطنهم، يتحملون ما صار اليه العراق وما آل اليه الحال، وبشكل واضح وصريح ما حققوه من مأساة لشعب العراق لم يسجلها التاريخ لأي حزب أو مجموعة أو جماعة أو تنظيم من قبل في تاريخ العراق البعيد أو المعاصر.
لقد صحى العراق بالوقت الذي لم يزل العديد من القياديين البعثيين في غير حالة الصحو والمراجعة الضميرية، صحا العراق ولم يزل البعض نيام مخدرين فوق شعارات ذابلة ومستلة من بين أوهام وأحلام لاتمت للواقع بشيء، وعملت على جرجرت شعب بأكمله الى هزائم عسكرية وسياسية متلاحقة و الى تناحر سياسي حاد وتفرق وطني من الصعب أن يستعيد لحمته وتقاربه، وتشر ذم اجتماعي وتخـلف اقتصادي وتبعثر لقدرات وثروات العراق، والى مستنقع لوث الوطن بوحل الاحتلال في زمنهم وبقدرتهم وبإرادتهم وبأفعالهم وبعملهم في تمزيق القوى الوطنية في العراق، كما، الفترة الزمنية التي أظهرت فشل تجربة البعث وعدم صحة التخيلات التي رسمها على أساس أنها أهداف رئيسية في العمل السياسي فقد أثبت التاريخ والفعل العراقي عدم قدرة هذا الفكر على العطاء بقدر ما أثبت قدرته على الأخذ والاستيلاء والاستحواذ فقط، كما أن الفكر أبرز لنا حالات مرضية وظواهر وهمية، ولم يكن صدام حسين الا ظاهرة من ظواهر البعث ونتيجة من نتائج الشعارات الوهمية، ولم يكن صدام حسين الا ظاهرة من ظواهر البعث التي أريد لها أن تكون تجربتها في العراق وليداً مشوهاً عليلاً وناقص الأهلية، ولم يكن البعث بعيداً او يستطيع أن يلغي ما يتحمله من قسط الفجـيعة التاريخية والوطنية في العراق، مما سيجعل التاريخ يسجل هذه المحنة والكارثة التي حققها في العراق، كتجربة جديرة بالانتباه أمام أنظار العرب والعالم.
الفتنة الطائفية من يريد إيقاظها ؟
12/8/2010 :
كاميرا فيديو مراقبة خاصة لأحد الأسواق التجارية في منطقة الأعظمية صورت العملية التي نفذها الاسبوع الماضي عناصر في تنظيم القاعدة ضد نقاط تفتيش للجيش ، وأسفرت عن مقتل 16 شخصا بينهم ثلاثة جنود تم إحراق جثثهم.
الكاميرا كانت مثبتة على محل تجاري في المنطقة، فيها تسجيل كامل للعملية التي تظهر مسلحين يهاجمون حاجزا للجيش ويطلقون عليه النار من أسلحة كاتمة للصوت ويزرعون عبوات ناسفة تم تفجيرها بالتعاقب قرب المكتبة وراس الحواش وساحة عنتر وشارع عمر بن عبد العزيز ثم يحرقون جثث الجنود ، ثم وضعوا راية ما يسمى (دولة العراق الإسلامية) (ائتلاف بقيادة القاعدة) قرب الجثث، قبل أن يلوذوا بالفرار. و أن ثلاثة على الأقل من المسلحين الذين ظهر ان عددهم بين عشرة و15 وقعوا بالفعل في أيدي القوات الأمنية ، وان احدهم يعمل محاميا.. هذه العملية ينبغي دراستها وتحليلها بدقة ، فهي عملية من نوع خاص داخل منطقة الأعظمية ، التي دخلها المسلحون مدججين بالأسلحة المكشوفة وبأقنعة مرتكبين جريمة بشعة مزودين بكواتم الصوت ومنسحبين من المنطقة التي يقع عليها بلاء غريزة الثأر والانفعال ، ويتحمل الأبرياء من أهلها جزءا من نتائج هذه الكارثة الإنسانية .
ربما لانناقش هنا الخلل في التنسيق بين مفارز ومجموعات التفتيش وقياداتهم ، ولا نناقش أهمية كاميرات المراقبة في التقاط الحدث ، وربما لانناقش أيضا خطورة الفعل الإجرامي الذي وقع وراح ضحيته عراقيون أبرياء ، المهم في هذه القضية وغيرها مسألتين غاية في الأهمية ، أولهما ضرورة التوصل في التحقيق ليس الى مرتكبي الجريمة فقط إنما الى الممول والمخطط والرأس المدبر في مثل هذه الجرائم ، وعدم وضع ملفها ضمن الملفات الغافية . والمسألة الثانية هو الدفع باتجاه أحياء الفتنة الطائفية التي قد تحرق الأخضر واليابس إذا ما تمكنت مثل هذه العناصر من إشعال جمرها .
ليس الخلل في انتماء الإنسان الى طائفة دينية أو سياسية أو اجتماعية ، الخلل في التعصب الأعمى الذي يجعل صاحبها يسقط جميع من لاينتمي الى طائفته، والتعصب الأعمى يقود الى الضلال وانعدام العقل والخروج على المنطق .
وليس غريبا أن تكون في العراق طوائف ومذاهب وأديان متعددة ومختلفة ، فقد شهد لهم التاريخ والزمن ذلك الانسجام والوئام والألفة التي جعلت دوما قدسية الإنسان وحقه في الحياة فوق اعتبارات الانتماء للطائفة .
وذهب العديد من المحللين والكتاب الى إن مايزيد العراق قوة ومنعة ومتانة في البناء الإنساني ، ذلك التمازج والاختلاط الديني والمذهبي والقومي ، ولذلك يجد من يقرأ تأريخ العراق الحديث أن المسيرة الوطنية والعمل السياسي وبناء الدولة العراقية ، لم يكن يفرز تلك الخصوصية بين الإنسان والمذهب أو الطائفة أو الدين ، ومن يريد التثبت من تلك المعلومة عليه أن يتابع حياة الشخصيات والرموز العراقية ، حيث سيعجز عن معرفة الانتماء الديني أو المذهبي لكل منهم ، يدلل هذا مع وجود الانتماء للطائفة والمذهب أن الوطنية كانت القاسم المشترك للجميع ، بالإضافة الى عدم إيقاظ الفتنة الطائفية في إسقاط كل من يختلف دينيا أو طائفيا بأي شكل من الأشكال ، وإنهاء وجوده أحيانا كدليل من أدلة انعدام العقل والخروج على المنطق .
أن التطرف غير الطبيعي للطائفة يلغي العقلانية ويعدم الموضوعية ، وينعكس بالتالي بالضرر على المتعصب والطائفة بشكل عام ، وهذا التطرف ضمن مجتمع متعدد الطوائف والأديان والمذاهب ، يحدث أثرا سلبيا على الحياة ، ويولد جراحا بليغة في الجسد الوطني ، وبالتالي تمزيقا لتلك الوحدة والانسجام والوئام ، ويلغي كل معاني الانسجام والتسامح وسبل السلام بين شرائح المجتمع ، وبالتالي خلق حالة من التشرذم والشروخ التي لن يتم التئامها الا بعد فترة ليست بالقصيرة ، وسيتحمل المجتمع نتائجها بثمن باهظ يتم على حساب حياة المجتمع وأمنه ومستقبله.
وإذا كان الولاء للطائفة يلغي الولاء للوطن ويعد جميع مظاهر المشتركات في الحياة الإنسانية داخل المجتمع ، فالى ماذا يريد من يشعل فتيل الطائفية أن يصل ؟ وعلى ماذا يراهن ؟ وكيف يتم إيقاظ تلك الفتنة الغافية والنار الخامدة تحت الرماد والتي ستلهب نيرانها الجميع ، بما فيهم مشعلوها ومن يشتغل عليها .
وإذا كان المسلمون في بلد مثل العراق على دين واحد ، ويوحدهم مع بقية الأديان الإله الواحد والحياة العراقية المشتركة ، فكيف يمكن أن يتم الغاء الآخر وشطب حقه في الحياة والاعتقاد ؟ وكيف يمكن أن نسمح للمتعصب الطائفي أن يصدر أحكامه بقتل الآخر ومصادرة أمواله وإلغاء حياته لأنه يختلف معه طائفيا أو دينيا ، دون أن نقم جميعا بمحاسبته والتصدي له ومحاكمته وتحجيم دوره الاجتماعي ، وبالتالي عزله وفقا لمعايير الدستور والقانون لخطورته الاجتماعية على المجتمع .
أن تشخيص الخلل الطائفي ، والإشارة الى من يساهم في إشعال النار الطائفية يتدفأ عليها ويحرق بها غيره ، وأن التشخيص وحده لايكفي مالم يقترن بفعل مادي يتطابق مع القانون ، اذا كنا حقا جادين لتأسيس قاعدة لسلطة القانون ، ولمجتمع يحترم القوانين .
اذا لم نحاسب من ساهم في قتل المسيحيين وطردهم من بيوتهم وبلداتهم ، وإذا لم نعلن نتائج التحقيق ، لن نعالج الفتنة ومسببيها ، وإذا كنا لانلاحق من يجبر المندائيين على تغيير ديانتهم قسرا وبالأرهاب ومصادرة حقهم في الحياة ، ويسعى الى استئصالهم من الحياة العراقية ، لن نكون جادين في مسألة إخماد الفتنة ومعرفة مسببها إذا لم نلاحق قتلة الأيزيديين .
ولنا أن نلاحظ أن جميع التنظيمات التكفيرية والإرهابية والمتطرفة جميعها تتفق على قتل وتهجير الناس، وهذا التوافق في الموقف ليس اعتباطا ، وهذا الاتفاق الجنائي لم يأت عفويا ، فثمة مشتركات بينهم ، فالطائفي يلتقي مع التنظيم الإرهابي ، في الوقت الذي نلتقي نحن أبناء العراق من كل الديانات بقواسم مشتركة ، ما يوجب علينا أن يكون موقفنا موحدا ضد الطائفية وضد الإرهاب ، ولهذا فأن المسلم مهما كان مذهبه والمسيحي والأيزيدي والمندائي واليهودي حين يشعر أن له أخا حقيقيا يسند ظهره ويحميه ويقاتل معه ويموت دونه ، سيشعر أنه جزء من هذا الوطن الذي يراد استلابه منه ، وحين يشعر بتلك الوقفة سيتمسك بجذوره المتينة في ارض العراق ولن يغادر بيته وأرضه مطلقا ، ولن يستجيب للتنظيمات الإرهابية أو الطائفية المتطرفة .
التوحد الوطني المطلوب ليس في تجميع الموقف السياسي للقوى الواعية والديمقراطية والنخب الثقافية فقط ، إنما هناك موقف انساني لايقل خطورة وأهمية عن الانكفاء والتراجع المروع الذي يعيشه الشارع العراق ، أن ننتصر لحق إخوتنا في الحياة العراقية ، وأن نقر انهم من بناة العراق الذي قام من عرقهم ودمائهم وجهادهم ، وإنهم رسموا تلك العجينة الملونة التي تعايش بها منذ الأزل أهل كل تلك الديانات الإنسانية التي عبدت الله ، وأن الإنسان بذاته هو الوطن فكيف يمكن أن نلغي وطنية الإنسان ونلغي تلك الروابط والجذور لرغبة مريضة من طائفي متهور أو فعل إجرامي من فاعل يستوجب محاكمته ومعاقبته .
الفتنة التي يراد لها أن تشتعل بين كل أهل العراق أكلت العديد من أجسادهم الطاهرة وأرواحهم الأطهر ، والفتنة الطائفية انسحبت على أهل تلك الديانات العراقية التي لم تمس العراق بأي سوء ، ولم تسهم في خرابه ، مثلما ساهمت الزمر الإرهابية والطائفية في ذلك الخراب الذي تحاول المجموعات الإرهابية أن تعيده الى الحياة .
الموقف الوطني الموحد لجميع القوى التي تؤمن بعراق اتحادي ديمقراطي تتطلبه الظروف التي يمر بها شعب العراق ، وعدم فسح المجال لقوى الإرهاب لاستغلال تلك الفرصة الحرجة من تاريخ العراق السياسي الحديث استغلالا سيئا تتوحد خلاله قوى الشر والسوء ضد كل ابناء العراق ، مهما اختلفوا طائفيا أو دينيا .
المطلوب ليس فقط الرغبات والأماني ومتابعة تلك الجرائم الوطنية ، وهي من الجرائم الخطيرة التي تريد تخريب نسيج العراق الاجتماعي ، وتسعى بجدية الى خلق حالة من الفوضى يحقق فيها كل من تسول له نفسه رغباته المريضة أو نزعاته الخطيرة تجاه أهل تلك الديانات ، وأهانتهم وتحقيرهم وتهميشهم ، اذا كان هذا يخلو من صدقية الاعتقاد اليقين بضرورة تكريم الإنسان الذي كرمه الله ، بروح يمانية دينيا ، وعراقية صادقة وواضحة أيضا وبالسلوك ، بل في كل مناحي الحياة العراقية ، في العلاقات الاجتماعية وفي التعامل الإنساني بين كل الشرائح العراقية ، بما اتسمت به تلك الشرائح من سمو وخلق وقيم يميز بها المجتمع العراقي ، حيث أن كل المذاهب والأديان جزء من محيط البشرية وفق كل محاور الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياسية .
أن هذه المجموعات التي تنفذ جزءا من مخطط كبير لإدخال رأس العراق في عنق زجاجة الطائفية لاشغال أهله بقتال بعضهم البعض دون سبب ، والتفرج على هذه الحرب بين الأخوة ، بدلا من تعقب المجرمين وزيادة الوعي بين الناس وهم ضحايا الإرهاب الأول ، ووئد الفتنة الطائفية التي لم تزل نارا تحت الرماد
صحوة العراق بعد التخلص من الدكتاتورية والطائفية والشوفينية
) 31/7/2010:
يخطئ من يظن أن شعب العراق سيبقى منشغلا عن تلك الصحوة التي تعيد بهاء العراق ونقاء قيمه وتحقيق أسس الدستور المتجسدة في الحقوق والحريات، ويخطئ من يظن ان الزمن المر سيستمر يربك حياة الناس يسرقهم خلسة
وان تجمعات الإرهاب والاجرام والمتسترين خلف واجهاتهم سيتمكنون من إيقاف عجلة الحياة والمستقبل، وانهم سيتغلبون على نواطير العراق، وتبقى الثعالب تسرح وتمرح تختلس المال العام وتخون الأمانة وتسرق القوت من أفواه الفقراء فتزيد جوعهم جوعا وحرمانا، وتهدد وتتكالب على الخيرين من أبناء العراق، وتعيث فسادا وتنشر مخلفاتها فوق كل تراب العراق.
بعد كل هذه السنوات صارت تلك المجموعات على المحك وبانت حقيقتها وباتوا لايسترهم برقع ولا يفيدهم طلاء، وستذيب حرارة صيف العراق كل أصباغهم ومكياج وجوههم، فقد عرفهم المعدمون وصدق حدس العارفين والمحللين بهم، تشدقوا وزعموا غير أن حقيقتهم بانت واضحة فانكشفوا على حقيقتهم.
سيصحو العراق على غفلة من زمانهم، وسيشمر العاطلين والجياع والفقراء والمحرومين والمسروقين والمسلوبين سواعدهم يطالبون بحقوقهم من أموال العراق المكتنزة والمسروقة، وسيضج العراق بمطالبهم المشروعة، وسيسمعون هدير أصواتهم وهم يريدون شمسهم وأقمارهم ومدنهم وفرحهم المسروق وحقوقهم من زمنهم العراقي بعد أن رحل آخر الطغاة، ويقينا ستتم ملاحقتهم ومحاسبتهم، فقد منعوا الفرح وسرقوا الضحكات من عيون الأطفال، وأحالوا الحياة إلى لون قاتم، وأصروا أن يكون كل شيء في الزمن العراقي كالحاً وأسود مثل ضمائرهم، وحرموا الحلم ورائحة البرتقال والقداح ولون الجوري، ومنعوا الأقمار أن تحل في ليالي العراقيين، ومنعوا تباشير الفجر أن تحط باردة ومنعشة على مدن العراق تبشر بالخير الموجود فوق أرضه أو تحت ترابه أو في مياه العراق، ولم يوفروا ابسط الوعود التي اقسموا أغلظ الأيمان عليها، وزادوا أمراضنا الاجتماعية أمراضا أخرى فوقها.
سيصحو العراق على الأمان يسود الأمكنة والبيوت، والشوارع تجللها السكينة، ويعود العراق عراق وستنتهي كل أوقاته العصيبة، ولا احد فوق العراق.
سيصحو العراق وأبناءه يطاردون كل من يريد السوء بالعراق، وبالرغم من كل الفرص التي منحت لهم، لم يتمكنوا من التعايش مع حياة البشر الأسوياء، فحق عليهم أن يتم القبض عليهم، وأن يكون القانون والعدالة فيصلا بينهم وبين أهل العراق، وسيصحو العراق وأهله يطاردون كل أوكار الإرهاب مهما كان شكله ونوعه واسمه، فلا يجد الارهابي ملاذا ولا جحرا يخفيه عن أعين الناس، ستكنسهم الموصل مثلما كنستهم الرمادي، وستنظف ديالى جراحها لتغسل جسدها في مياه دجلة فتتعافى، وتعود البصرة طيبة كطعم الخستاوي مثلما كانت دوما ملاذا للطيبين، وتتطهر الإسكندرية والحصوة من بقاياهم، سيتخلص العراق من مخلفاتهم ويعود أنيقا نظيفا معافى.
وسيثبت العراق أن القاعدة ليس لها قاعدة حقا في العراق، وأن اهل العراق لهم أديانهم التي يتمسكون بها ويعتزون بها ويتفاخرون بها، ولايمكن لدين الإرهاب أن يسود بين بيوتنا وأهلنا، ولن يتمكن من خداع شبابنا ن ولا زرع فرقة طائفية بيننا، وليس فقط مجموعة القاعدة بل كل تنظيمات التخلف والسوء ومعهم البهائم المفخخة.
وسينتهي معه تاريخ القاعدة كـأثر بليغ السوء، وتاريخ حافل بالقتل والاجرام والخسة، وستلعنهم الأجيال العراقية القادمة، وستتذكرهم ثكالى العراق باللعنات بعد كل صلاة وهم يلغون في دماء أبناء العراق، وسيركضون في الشوارع يطلبون الرحمة والخلاص، فتضيق بهم السبل فيقتص منهم اهل العراق بسيف العدالة وقوة القانون التي تمسكوا بها وضحوا من اجلها، وسيعذبهم الله على كفرهم وجرائمهم وسيلعنهم حتى يوم الدين، وسيتعرف اهل العراق على تلك النماذج التي لها شكل البشر وأرواحها من البهائم المفترسة، والتي انتحرت وقتلت انفسها بقصد قتل الأبرياء من أطفال وشيوخ وفقراء العراق.
سيصحو العراق وهو يقرأ اسماء السراق والمختلسين ومن خان الأمانة والمال العام، وسيفتح سجلاً للمفسدين والفاسدين، وسيتعرف على تلك الأسماء التي تبرقعت وصبغت ألوان وجوهها، وارتدت غير ملابسها واكتنزت بالمال السحت من جوع الفقراء وحصتهم التموينية ومن دواء المرضى ودموع الثكالى والمعوزين، تمكنت أن تقوم بتهريب تلك الأموال تحسبا لتلك الأيام القادمة والتي باتت وشيكة الحلول.
تمكنت أن تشتري شركات وقصور وأن تدخر في بنوك أجنبية حسابات وأرصدة مختلفة، غير أن الحق سيظهر والحقيقة لايمكن أن تموت، وسيسجل التاريخ العراقي كل تلك الأسماء دون براقع، وكل تلك الأموال التي ستلطخ أيامهم ووجوههم وتأريخ أحفادهم.
سيعود العراق واحة للأمان لامجال للسلاح أن يرفعه أحد إلا باسم القانون، ولا مجال للاسلحة التي تتحكم بالمدن والقرى تحت أسماء مختلفة، ولا مجال للعصابات والتجمعات التي تعتمد الرصاص والقاذفات والهاونات والخناجر والذبح في الحوار وفي التعامل ضمن الحياة العراقية، فقد عاد العراق لأهله حيث ستعود لهم الخدمات التي أوقفها الطاغية وتخلفت الحكومات من بعده أن تعيدها لهم. وسيكون لنا جيش واحد تحت علم العراق الاتحادي، وشرطة عراقية وطنية واحدة تحت علم دولة القانون، ولامكان للجيوش الملثمة أو الكتائب المسلحة خارج إطار القانون، لن يكون السلاح مشهدا يرعب أطفالنا، ولن يتم رفعه إلا بأمر القانون.
ستعود الكهرباء الى مدننا وشوارعنا فيضا مبهرا، وقلادة تزين ليالينا ومسراتنا، ملونة وساطعة تنير زوايا شوارعنا ومدننا الفقيرة، وسيعود شارع أبو نؤاس كما كان يعج بالضجيج والبهجة، لاممنوعات إلا بأمر القانون، ولا أحد فوق سلطة القانون، وسيعود العراق معافى نقيا كما كان، لافرق بين العراقيين في الحقوق والواجبات، ولا سلطة للطائفة أو العشيرة فوق القانون، وسيعود ضريح الأمام أبو حنيفة زاهيا، وأنوار الكاظميون مبهجة، وستعود بغداد لاتنام الليل حتى يخط الضياء أريجه فوق دجلة، وتعود المياه الحلوة ليس كما كانت سابقا، إنما حلوة رقراق يشربها أهل البصرة الذين حرمتهم كل السلطات التي تعاقبت على غزو العراق منها، يشربها أهل البصرة حلوة كطيبتهم وشفافة كطبيعتهم، ويعود شارع الرشيد والسعدون زاهيا ومعلما من معالم بغداد تتباهى بنظافته واناقته ومحلاته، وتصير شوارع لاتسير فيها السيارات تزهو بجلاسها ومشاتها، ممتعة بناياتها وتسر الناظرين. سيعود العراق دون عسس ومخبرين، ولا أحد يراقب البيوت والشبابيك أو يتلصص على احد، ولاقوة للسلطة على المواطن إلا بالقانون، ولا قوة لكل مواطن إلا بالقانون، وسيقوم القانون بفعله الفاعل في معاقبة الطائفي ومن يروج للطائفية، وللعنصري ومن يروج للعنصرية، وسيتم الحكم عليه واحتقاره اجتماعيا ، فلا مكان للطائفي والعنصري بين مجتمع أهل العراق.
سيعود العراق لكل المسلمين وللمسيحيين وللمندائيين والأيزيديين ولليهود من أهل العراق، وسيعودون ينتشرون في مدن العراق وداخل قلوب الشرفاء والطيبين من أهل العراق، وسيعود النهار العراقي مشمسا دافئا، وسيصحو العراقيون وهم يشاهدون كيف يتراكض الدجالون والدعاة وكل من كان يحرمهم دفء الشمس وحلاوة الماء وعذوبة الضحكات ونسيم الفرات العليل، كل من كان يحجب عنهم النفط والبانزين والكهرباء والدواء والخدمات، سيتراكض الأدعياء يريدون تبديل ملابسهم وصبغ ألوانها القاتمة، فلم يعد سوقهم رائجا ولادجلهم ينطلي على أهل العراق، وستتحسر عليهم بعض فضائيات عربية كعادتها.
سيسحب كل مزور شهادته من أضبارته ويندس بين الصفوف خلسة عائدا الى مكانه، وحجمه الطبيعي، وسيعود كل مزور الى أهله يتحاشى الالتقاء بالناس بعد أن انكشف الطلاء وبان الزيف والتحريف، وتجاوزه على المكانة والمنزلة والمسؤولية، والتي لم يكن مؤهلا لها، فخدع نفسه قبل أن يخدع العراق.
سيعود العراق للعراقيين يعرف أولاده حقهم المقرر بالدستور، والخدمات والواجبات التي يجب على الحكومات أن توفرها لهم، ولن يجد المطبلون والمزورون أحدا يستمع إليهم أو يمكن أن يتم خداعه بعد أن انتهى الزمن المر.
سيعود العراق تحكمه القلوب المنفتحة والعقول النيرة، وسيكون الفيصل في العطاء الوطني والموقف الوطني في خدمة الناس، لا أثر لديانة الموظف العام أو مذهبه او قوميته في العطاء، وسيكون الفيصل في المكان المناسب تلك القدرة والإمكانية العلمية والمهنية والتحصيل لكل عراقي، ولاشيء غير المساواة التي ستمحو التحاصص والطائفية والتطرف القومي من سماء العراق.
وسيعود أبناء العراق متزاحمين على بذل ارواحهم وطاقاتهم لبناء العراق الجديد، العراق الذي تخلص من الدكتاتورية والطائفية والشوفينية، وبات بلدا يستحق الإنسان أن يحيا فيه أبدا
استقلالية القضاء العراقي في الدستور من ركائز دولة القانون
الانصات المركزي 30/1/2010 :
من بين أهم ركائز دولة القانون أن تخضع جميع السلطات فيها للقانون، وأن يتساوى الجميع أمام القانون دون استثناء، وأن توزيع وظائف الدولة بين السلطات الثلاث اعتمادا على نظرية فصل السلطات يحقق رقابة متبادلة ومهمات محددة، إذ تختص السلطة التشريعية بسن القوانين، وتقوم السلطة القضائية بتطبيق تلك القوانين وتفصل في المنازعات والخصومات المعروضة أمامها الى جانب رقابتها على عدم خرق الدستور كضمان من ضمانات مبدأ الشرعية، في حين تقوم السلطة التنفيذية بتنفيذ الأحكام والقرارات الصادرة عن كلا السلطتين.
شكلت نظرية فصل السلطات الدستورية قاعدة عملية لتنظيم عمل السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، وعدم تجاوز حدودها ضمن الإطار المرسوم لها، كما شكلت هذه النظرية الإطار العملي الذي يمهد للنظام الدستوري الديمقراطي البديل عن الأنظمة الدكتاتورية التي تحصر ممارسة كل هذه مهمات عادة بيد سلطة واحدة، ووفق هذا المنهج تكون جميع السلطات والمرافق تابعة للسلطة الواحدة، في حين تشكل نظرية فصل السلطات التي اعتمدها دستور جمهورية العراق لعام 2005 على أحد مبادئه الرئيسة، ومع إن هذه الاستقلالية بين السلطات لاتعني الانسلاخ عن منظومة العمل الدستوري، إلا أنها تعني عدم تعدي أو تجاوز أي منها على عمل ومهمات الأخرى، وهذه النظرية تعطي الاستقلالية والحرية للسلطة القضائية بما يتيح لها ممارسة دورها المهم في بناء دولة القانون وترسيخ مبادئ العدالة، كما يعطي للسلطة القضائية القدرة على الحركة وحرية الأداء والتطور ضمن دائرتها، الى جانب عدم تأثرها بالمواقف السياسية للسلطة التنفيذية، ودون ان تتقيد بمراقبة كلا السلطتين أو تدخل أي منهما في عملها أو في قراراتها، وبهذا تضمن ليس فقط قدرتها في التطبيقات القانونية السليمة للقوانين، وليس فقط حسم القضايا وتطبيق معايير العدالة والقانون بحيادية وعدالة وإنما تمكين المواطن من مقاضاة أي مركز من مراكز السلطتين التشريعية أو التنفيذية أمام القضاء في حال شعوره بخرق الدستور أو العمل بما يخالف النصوص القانونية، مما يدفعها للتطور والإبداع في عملية البحث والاستنتاج، وإيجاد القواعد القانونية المتناسبة مع الظروف، ولهذا يعد استقلال القضاء من المقومات الأساسية التي تسهم في تثبيت دعائم العدالة والقانون، وفي رفع مستوى الإداء.
ولايمكن بأي حال من الأحوال الاطمئنان الى قضية الحقوق إلا بوجود قضاء مستقل. وأن استقلالية القضاء تعني أيضا التزام مؤسسة القضاء العراقي بالحيادية وعدم الانحياز لأية جهة كانت، وعدم الخضوع في إصدار الأحكام والقرارات لأي من السلطتين أو للمصالح الخاصة ، وبالتالي عدم تمكين تلك المصالح من النفاذ داخل جسد القضاء، و عدم تمكنها من أحداث شروخ تحرف القضاء عن مسار الاستقلالية والحياد التي تتطلبها طبيعة العمل القضائي الذي يلزم أن يصدر احكامه وقراراته بمعزل عن أي مؤثر سوى القانون.
إن العمل على تجسيد نصوص الدستور التي تؤكد استقلال القضاء أمر حيوي لابد من تكاتف كل الجهود لإنجاحه، حيث إن استقلال القضاء تفرضه الضرورة مثلما تلزمه النصوص الدستورية، ومن اجل إن يتم تثبيت معالم دولة القانون التي طالما افتقدها أهل العراق زمنا طويلا في ظل حكومات الانقلابات المتعاقبة، ولم يشعروا بها في ظل الحكومات التي أعقبت النظام الملكي، الى جانب أنه يشكل الضمانة الحقيقية للخصوم مهما كانت مراكزهم القانونية. وهذا الأمر يدفع بالضرورة الى أن تهتم السلطة التشريعية والتنفيذية بوضع القضاء العراقي وتسهم في رفع كفاءاته ودعمه في الجوانب المعنوية والمادية. ليس المهم أن يتمكن القضاء العراقي من أداء دوره المرسوم دستوريا ووفقا لقانون التنظيم القضائي بشكل آلي وروتيني، وليس مهما إن يكون للعراق قضاء يسد الفراغ وقضاة يملأون أبنية المحاكم ويسدون شواغرها، إنما المهم في أن يكون هذا القضاء مستقلا بالمعنى الحقيقي للاستقلالية، حياديا بعيدا عن الميل الى أية جهة سياسية أو مراكز قوى أخرى ، وينأى بنفسه عن إن يكون طرفا في شؤون خارج اختصاصاته تبعده عن التمكن من أداء دوره الحقيقي، ويخرجه عن معانيه الحقيقية في الاستقلالية، واستقلالية القضاء العراقي تعني بناء قضاء مستقل قوي، يعتمد على رموز قضائية تتمتع بالكفاءة والخبرة، الى جانب حياديتها ونظافة سيرتها، والاستفادة من التجربة القضائية والسمعة التي كان القضاء العراقي يتمتع بها قبل حلول الدكتاتورية ومساهمتها في المساس بسمعة ومسيرة القضاء العراقي حيث كانت صفحة القضاء العراقي وبشكل نسبي نظيفة وجديرة بالتقدير، واستقلالية القضاء العراقي تعني قدرة هذا القضاء على التمسك بالحيادية وكسب ثقة المواطن في عدالته.
وليس غريبا أن تنص جميع الدساتير التي حلت في العراق منذ بواكير تأسيس الدولة العراقية مرورا بالدساتير المؤقتة لأنظمة الحكم التي سبقت عام 2003 وحتى دستور جمهورية العراق لسنة 2005، على استقلالية القضاء العراقي، وبالرغم انه في فترات متعاقبة لم يكن أي تجسيد حقيقي لهذه النصوص وللاستقلالية بمعناها الدقيق، مما أثر سلبًا على دور القضاء العراقي والإساءة إليه. وبالرجوع الى القانون الأساس العراقي الصادر في العام 1925 نجده ينص في( المادة الحادية والسبعين (على أن المحاكم مصونة من التدخل في شؤونها، ويؤكد النص المذكور على استقلالية السلطة القضائية، ويمكن ان تكون الفترة التي عاشها القضاء العراقي في ظل النظام الملكي - بالرغم من بعض السلبيات -، إلا أنها من وجهة نظرنا من أحسن الفترات وأكثر اقتدارا من فترات الحكومات الجمهورية التي أعقبته من ناحية استقلالية القضاء، أو التدخل في شؤونه وقراراته، أو محاولة وضعه تحت عباءة السلطة التنفيذية، أوعدم تمكين القضاء على تكوين رموز قضائية كبيرة رسمت لها صفحات ناصعة في تاريخ المؤسسة القضائية. وبعد صدور الدستور المؤقت الصادر في 27 تموز 1958، أكدت المادة ) 23 ( منه أن القضاة مستقلون لاسلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ولا يجوز لأية سلطة أو فرد التدخل في استقلال القضاء أو في شؤون العدالة. وكما أورد الدستور المؤقت لعام 1964 نصا ضمن المادة ) 85 ) يؤكد على استقلالية الحكام والقضاة، وسار الدستور المؤقت لعام 68 19على نفس النهج في المادة ( 76 ( منه.
جاء في قانون أدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية نص المادة ) 43 ( الذي أكد على استقلالية القضاء، ونص الدستور الصادر في العام 2005 على استقلالية السلطة القضائية ضمن عدة نصوص، حيث أكد في نص المادة ( 19 ) منه أن السلطة القضائية مستقلة، و أورد في المادة ( 88 ) إن القضاة مستقلون لاسلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ولا يجوز لأية سلطة التدخل في القضاء أو في شؤون العدالة. وهذه النصوص الدستورية المتقدم ذكرها إذا لم تجد من الناحية الواقعية تطبيقا واعيا وملتزما، رغم إن قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 أكد في الباب الرابع منه على الجرائم المخلة بسير العدالة، وحدد في الفصل الأول منه المساس بسير القضاء العراقي، حيث جاء في المادة ) 233 (كل من يحاول التدخل في عمل القضاء أو التأثير على قناعات القضاة القانونية بأية طريقة بالحبس مدة لاتقل عن ستة أشهر، الا ان التزام مجلس القضاء الأعلى بمبدأ الأستقلالية يبقى مطلوبا ومطلوب منه ايضا أن يعزز التزامه بالحيادية ويعكس هذا الاستقلال على ثوابت العمل القضائي كشرط أساسي لترسيخ مبدأ الاستقلالية. مر القضاء العراقي كغيره من المؤسسات الدستورية بظروف صعبة للحفاظ على استقلاليته في ظل توجه السلطات لخرق هذه الاستقلالية وعدم الالتزام بنظرية فصل السلطات، في محاولة لجعل القضاء وظيفة حرصا منها على سيطرة نظامها على الحقوق والحريات دون تقييد أو منع.
إن عدالة النظام القضائي تتلازم مع استقلالية هذا النظام، وأن هذه العدالة مرتبطة بشكل أو بآخر بعدالة القضاة واستيعابهم لدورهم وتطابق أحكامهم مع القوانين روحا ونصا بما ينسجم مع واقع العصر وحياة الناس في الزمن الحاضر وما يستجد من وقائع الحياة، ومحاولة استنباط النصوص القانونية وتطوير العمل القضائي، وتأكيد استقلالية القرار القضائي والسعي لتأصيل الاستقلالية حتى يمكن أن تصير ثابتة مع ما يصاحبها من عملية إصلاح النظام القضائي والقانوني في العراق الذي انتابه كثير من الخلل الذي أحدثته الأنظمة السابقة، لذا صار لزاما ان نعزز الثقة بالقضاء لدى المواطن العراقي، وصار لزاما ان تأخذ السلطة القضائية دورها في عملية الإصلاح، من خلال التدقيق في عملية اختيار القضاة أو الاستفادة من الطاقات والكفاءات القضائية والقانونية المقتدرة، مع استعادة لمسيرة القضاء العراقي قبل ان يختل ويتم تهميشه في زمن الدكتاتورية والاستفادة من تلك الفترة وما خطته من صفحات ومواقف يعتز بها القضاء. إن تثبيت دعائم الاستقلالية للقضاء العراقي فعلا وبشكل عملي يدفع بالعملية السياسية إلى خطوات ثابتة وراسخة، وإذا ما إطمأن المواطن إلى وجود جهة مستقلة تتمتع بالحيادية ان تخضع جميع الأطراف إلى قرارات القضاء، وبالتالي لايوجد هناك شخص أو حزب أو هيئة أو تجمع فوق القانون، إلى جانب حظر القضاء الاستثنائي وعدم منح الإداريين صلاحيات قضائية حتى يمكن حصر النظر في المنازعات كافة بالقضاء، وتعميق منهج حقوق الإنسان في عمل المؤسسة القضائية المدنية منها أو الجنائية، مع التاكيد بأن القضاء الاستثنائي بأشكاله وصوره التي كانت في العراق من المجالس العرفية والمحاكم الثورية والخاصة ومحاكم امن الدولة كانت جميعا تشكل مخالفة صريحة للدساتير و لمبدأ استقلالية القضاء ومخالفة للدساتير التي كانت سائدة في تلك الفترات. أن استقلالية القضاء لاتعني بأي شكل من الأشكال أن تكون الأحكام والقرارات القضائية خاضعة لطرق الطعن، وإنما تعني الالتزام بإجراءات التقاضي وإصدار الأحكام وفقاً للقانون. وأن يبذل القاضي أقصى مايستطيع لتحقيق العدالة، وحتى يتم تبلور مفهوم استقلالية القضاء العراقي يلزم أن تلتزم مؤسسات الدولة بعدم التدخل في الشأن القضائي أو العمل على إدخال عناصر منسجمة أو ملتزمة مع أحزابها أو تنظيماتها السياسية أو تجمعاتها الطائفية إلى الجسد القضائي، بغض النظر عن كفاءتها أو خبرتها مما سيحدث أثرا سلبيا مستقبلا على وضع القضاء العراقي، ويشكل حجر عثرة في طريق الاستقلالية. ويأتي تشكيل المحكمة الاتحادية العليا في العراق خطوة أكيدة على سبيل ترسيخ مبدأ الاستقلالية، وحرص من المشرع على أن تكون جميع الخطوات والقرارات التي تخطوها السلطتين التشريعية والتنفيذية تحت الرقابة القضائية ومن قبل جهة مستقلة.
ولتأكيد تلك الاستقلالية ينبغي تجسيدها من خلال إعداد القضاة اعدادا منهجيا ينسجم مع هذا المبدأ ومع ثقافة حقوق الإنسان التي يؤكدها العراق الجديد، ومن خلال عملية تطوير القضاء العراقي، ومن خلال تكييف النظام القضائي العراقي بما ينسجم مع الدستور ومع النظام الفدرالي الذي يسعى اليه العراق، والتركيز على مبدأ فصل السلطات في التطبيقات العملية والسعي لنشر الثقافة القانونية في المجتمع، من خلال منظمات المجتمع المدني والأحزاب الوطنية وحصانة القضاة وحمايتهم، وربط الشرطة القضائية بمجلس القضاء الاعلى.
ولمجلس القضاء الاعلى في العراق دور مهم في ترسيخ المبادىء والقيم التي اكد ها الدستور ونصت عليها القوانين، بأعتباره احد الركائز في الحياة الدستورية في العراق، وعليه يقع عبء تجسيد معالم العدالة والحرص على حسن تطبيق القانون، والسعي لمتابعة المحاكم على اختلاف درجاتها وانواعها، وبذل المزيد من الجهد في سبيل انجاز القضايا المعروضة وتسهيل ايصال الحق الى اصحابه، وتطوير العمل بما ينسجم مع المرحلة الراهنة، ورفد القضاء بالعناصر الكفوءة لحاجة القضاء الى مثل هذه العناصر من اجل رفع كفاءة المحاكم وكسب ثقة المواطن في تطبيق القانون وحماية الحقوق واشاعة العدل بالحيادية التي يتطلبها العمل القضائي.
مبدأ فصل السلطات
) 20/2/2011 :
تتكون السلطات الاتحادية في العراق بمقتضى نص المادة ( 47 ) من الدستور من السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، تمارس اختصاصاتها ومهماتها على أساس مبدأ الفصل بين السلطات، والسلطة التشريعية الاتحادية تتكون من مجلس النواب ومن مجلس الاتحاد (وهو مجلس تشريعي يضم ممثلين عن الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة بإقليم) ولم يتم إصدار قانون ينظم تكوينه وشروط العضوية فيه واختصاصاته وكل ما يتعلق به من مجلس النواب حتى اليوم.
أما السلطة التنفيذية الاتحادية فتتكون من رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء (والدولة كيان شامل يضم الحكومة والمواطنين الآخرين، والدولة باقية في حين أن الحكومة متغيرة وبالتالي فإن العراق يشكل دولة اتحادية وتكون الحكومة احد مكوناتها الأساسية)).
أما السلطة القضائية الاتحادية فتتكون من مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الاتحادية العليا ومحكمة التمييز الاتحادية وجهاز الادعاء العام وهيئة الإشراف القضائي والمحاكم الاتحادية الأخرى.
ووفق هذا المبدأ فإن السلطات ثلاث، ولايمكن ان تكون هناك سلطات أخرى، ومن الطبيعي أن يكون هناك اختصاص لكل سلطة من هذه السلطات، ومع أن التنسيق ضروري وموجود بين جميع تلك السلطات، إلا أن الدستور بين في نصوصه المهام الذي تضطلع بها كل سلطة، وبهذا فإن المشرع لم يحصر السلطات بيد جهة واحدة، كما انه أعطى صلاحية تدقيق القرارات والخطوات التي تقوم بها السلطة التنفيذية الى السلطة القضائية في حال خرقها النصوص الدستورية أو مخالفتها القوانين، كما منح السلطة التشريعية صلاحية مراقبة ومحاسبة السلطة التنفيذية في أعمالها، وهذه الرقابة لاتعني التسلط على قرارات الحكومة بقدر ما تعني الحفاظ على هيبة الدستور وعلى الحقوق والحريات التي جاء بها، بالإضافة الى تقديرها للقانون باعتبار أن الدستور اعتبر العراقيين متساوين أمام القانون، كما انه حدد جهة محايدة من بين تلك السلطات وهي السلطة القضائية، وهي صاحبة اختصاص في التفسير وتطبيق القوانين وإصدار الأحكام، والفصل في المنازعات، وخص هذه المهمة بالمحكمة الاتحادية العليا.
هذه الصلاحية نوع من الرقابة الدستورية إذ لم يشأ المشرع أن يبقي تلك التطبيقات وفقاً لاجتهادات الجهة التنفيذية، ولا لتفسير القوانين وفقاً لإرادتها، وحتى ينشأ نوع من الضمانات الحقيقية الكفيلة بتحقيق الأمن والحرية والحق في الحياة للمواطن.
كما يمكن الاستفادة من التجارب الدستورية التي نشأ على وفقها هذا المبدأ، وحقق نتائج إيجابية في التطبيق، ونوعا من الانسجام بين السلطات، وكفالة للحقوق التي نص عليها الدستور، وبذلك نضمن نوعا من الضمانات الأساسية لحقوق الإنسان، وتثبيتا لتأسيس دولة القانون والمساواة.
كما أن الالتزام بنظرية فصل السلطات يأتي رداً على تجربة السلطة المتمركزة بيد شخص واحد أو جهة واحدة أو سلطة واحدة ، حيث كانت التجربة المريرة التي خاضها العراق تحت سلطة الدكتاتورية مثالا على تلك التجربة التي خلقت نمطا من الاستبداد والطغيان ومركزية القرار بما يجعل جميع المؤسسات والسلطات الأخرى مشلولة وعاجزة، وبالتالي فإن تقييدا للحريات وتفسيرا مغلوطا للقوانين وتعسفا في استعمال السلطات سينتج عن ذلك.
وبهذا فإن القانون وهو مجموعة القواعد التي تنظم العلاقات بين أفراد المجتمع ببعض، وبينهم وبين الحكومة، يجب ان ينسجم مع تلك الرؤى والمبادئ الأساسية التي نص عليها الدستور، مما يعني أن هناك جهة تقوم بتشريع تلك القوانين تتقيد بذلك، وجهة أخرى تقوم بتطبيق تلك القوانين بأمانة ، وجهة ثالثة تقوم بالفصل في الاختلافات الناشئة عن تطبيق تلك القوانين والخروقات الدستورية الحاصلة، سواء بين الأفراد والحكومة، أو بين المؤسسات الحكومية نفسها.
إن الفصل بين السلطات ليس فصلا مطلقا، بل انه فصل نسبي، يعني أن هناك تواصل يشير الى وجود نشاط يمثل جانبا من جوانب السيادة، ويمثل الاختصاص لكل سلطة من هذه الاختصاصات، وباعتماد نظرية فصل السلطات يمكن كفالة تأسيس دولة القانون التي كانت ولم تزل حلم العراقيين من كل اتجاهاتهم السياسية والقومية والدينية والاجتماعية.
وبالرغم من الانتقادات التي قيلت عن هذا المبدأ، والتي تلخصت في أن السلطة القضائية خاضعة لقرارات السلطة التشريعية، بالإضافة إلى أن الحكومة ستجد قيدا ورقيبا على ممارسة أعمالها، وأن الحكومة منتخبة من مجلس النواب فلا مبرر لتقييدها ومراقبتها، كما أن الحكومة تحتاج الى بعض المرونة في الصلاحيات الاستثنائية ( الطوارئ ) التي وفرها لها الدستور وقيدتها السلطة القضائية، وأن تقييدها يؤدي إلى زيادة الأضرار الحاصلة ضمن تلك الظروف وتعرض الناس والبلد الى المخاطر، كما أنهم طرحوا أن الدولة بشكل عام مثل جسد الإنسان لايمكن أن تفصل أي عضو منه بشكل مستقل، وأخيرا زعموا بأن مبدأ الفصل بين السلطات مبدأ وهمي لاأساس له في التطبيق الدستوري السليم، إلا أن الانسجام بين السلطات مع تحديد تلك الصلاحيات، ووجود ترابط دقيق بينها باعتبارها جميعها تشكل هيكل الدولة الاتحادية، وعلاوة على ذلك فإن النص في الفقرة ب من المادة 2 من الدستور بعدم سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية يدفع لاعتماد هذا المبدأ المختلف تماما مع مبدأ المركزية، وأن لاديمقراطية دون اعتماد مبدأ فصل السلطات لأنه كما ذكرنا يشكل ضمانة من ضمانات الحقوق، وان العراق أكد ضمن نص المادة الأولى من الدستور أن العراق دولة اتحادية مستقلة ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي ( برلماني ) ديمقراطي، وهذا النص يؤكد بما لايقبل الشك خيار العراق في التمسك بمبدأ الفصل بين السلطات باعتباره يمثل المبدأ الأقرب لتحقيق الديمقراطية في التطبيق العملي، كما أن هذا المبدأ يجعل السلطات تدقق في تطبيقاتها القانونية وخطواتها العملية وتتجنب مخالفة الدستور والقوانين النافذة، بالإضافة إلى عدم وجود سلطة فوق سلطة أخرى، ولاسلطة تتحكم بسلطة ثانية، ووفق هذا المبدأ فإن تلك السلطات متساوية ومنسجمة وتحقق الهدف والمبدأ في الفصل الذي يجعلها جميعا تعمل وفق مبدأ الفصل والانسجام ، كما يمكن أن تكون تلك الانتقادات الموجهة لهذا المبدأ نتجت عن سوء التطبيق في التجارب الأخرى، حيث أن محاولة تسلط سلطة على أخرى يخلق نوعا من الحساسية والافتراق الذي لايخدم المبادئ الأساسية ولا التطبيق العملي، كما يمكن أن يكون سوء الفهم العام للمبدأ والتمسك باعتقاد نجاح النظام المركزي سببا آخر لنقد تلك النظرية.
ومن تدقيق الدساتير القديمة منها والحديثة في دول العالم، سنجد ان العديد منها اعتمد على الالتزام بمبدأ فصل السلطات باعتباره يحقق ضمان كفالة الحقوق وحماية لتلك الحقوق من أي اعتداء أو تجاوز يحصل من أي سلطة من السلطات، وتم تطبيق المبدأ المذكور في انجلترا ضمن دستورها غير المكتوب، كما أن فرنسا اعتمدت هذا المبدأ منذ قيام ثورتها في عام 1789، كما طبقته الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 1787.
وأخيرا فإن اعتماد هذا المبدأ يخلق نوعا من تخصص كل سلطة من السلطات التي تتكون الدولة الاتحادية منها بنوع من العمل والنشاط، وهذا التخصص يخلق نوعا من الإتقان والجودة في الأداء والتطبيق، كما أن الدول تلجأ الى اعتماد هذا المبدأ لتضمن نوعا من النزاهة والتطبيق العملي لرعاية الحقوق.
رحل مبارك دون أن يقرأ رسالته لصدام
8/2/2011 :
في رسالة كان قد وجهها الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك الى صدام حسين خلال احداث انتفاضة العراقيين في آذار 1991، يقول فيها: (اركن الى الحكمة وأستمع لصوت الحق، وأرضخ لأرادة شعبك الصابر و المجاهد، وأحقن الدماء، فأنت مسؤول امام الله والتاريخ).
الحكمة لايمكن ان تحل في عقل الدكتاتور، فهو يعتقد قطعا انه الوحيد القادر على قيادة الأمة ورئاسة الشعب، وأنه لا بديل عنه، وقد يعتقد ان ماهو فيه من موقع ومركز إرادة ألهية لايمكن بأي حال من الأحوال ان تكون لغيره، والحكمة لايمكن ان تحل في عقل القائد الضرورة لأعتقاده بأن كل قرار او أمر انما هو العدل والحق والصحيح، فيتمسك بالسلطة ورأس الحكم سنوات تتعدى العشرين والثلاثين وحتى تصل الى فترة بقائه حيا، ومن الممكن ان يجد من يسانده في هذه الأفكار يقينا أو نفاقا، فتساهم تلك المجموعة في صقل شخصية الدكتاتور وتلميعه.
وصوت الحق يضيع في زحمة صراخ الدكتاتور وانفعاله وحنقه، خصوصا وهو يعتقد أن كل حالة رفض او استياء تشكل مروقا وخرقا للشرعية وتعارضا مع حقه في قيادة السلطة، وصوت الحق لايمكن له ان يصل الى اسماع الدكتاتور لأن اصوات المنافقين تجب كل صوت عاقل وعادل ان يصل اليه.
والرضوخ لأرادة الشعب يمكن ان يتلمسها الأنسان من حالة الرفض عند القاعدة الشعبية، ومن النكات التي يتم ترتيبها وفبركتها ضد الرئيس وسلطته، ومن حالات القهر والظلم وقائمة الممنوعات الطويلة التي يغرق فيها الناس، ومن اعتبار كل معارض خائن وعدو للوطن تتم معاقبته وسلب حياته او ماله وتشريد عياله.
الرضوخ لأرادة الشعب يعني الأستجابة لتلك الأرادة، واحترام صوت الناس وخيارها، والرضوخ لأرادة الشعب يعني التعامل مع حالة الرفض التي سحبت كل انواع الشرعية من سلطة الرئيس، والرضوخ لأرادة الشعب يعني إعمال العقل وحلول الحكمة في عقل الرئيس وهو ما يفتقده صدام ومحمد حسني مبارك وغيرهما ممن يتشابه مع ظروفهما. وحقن الدماء حساب دقيق يمكن ان يجريه الدكتاتور إن كان للعقل عنده قيمه، ويمكن له ما دامت له اصابع باقية في السلطة أن يحرك بعض الوحدات العسكرية، وبعض الاجهزة الأمنية ويأمرها بأستعمال القوة والعنف والتدمير والتخريب لأسكات الأصوات، غير انه لا يمكن له ان يكمم الأفواه التي انطلقت جمعا، ولايمكن له ان يسيطر على جميع تلك الأصوات التي انفلتت من خوفها وتخلصت من رعبها ونزلت الى الشوارع تهتف بسقوط الدكتاتور وتطالب بمحاكمته.
وامام حالة تحريك بعض الأجهزة ستكون هناك ضحايا واصابات ودماء، هو ثمن يدفعه الناس للتعبير عن رفضهم للدكتاتور وسلطته، غير ان الدكتاتور نفسه يستطيع ان يحقن دماء الناس ويحفظ لهم ارواحهم ويعصب دمهم، فيقلب الأمور ويدقق الحسابات ثم يعيدها بسرعة، ويستطيع ان يجد له مخرجا شرعيا او شخصيا وينسحب يجرجر خيبته وفشله، مدموغا برفض الناس له رئيسا وقائدا، بعد ان قضم من تأريخ البلاد جزءا سجله تاريخه الأسود بما يحمله من مآس وتدهور وتدن، وبما سطره من قرارات وأوامر لاتنسجم ولاتستقيم مع ارادة الناس التي رفضه سرا ومن ثم جهارا. هذا المقطع من الرسالة القصيرة التي وجهها محمد حسني مبارك في ظروف عسيرة وصعبة لم يتعظ بها صدام، واهملها ونعت كاتبها بشتى النعوت المسيئة، ولم يعمل بما يمليه عليه العقل ولم تحل الحكمة في قلبه ولم يحقن دماء الناس، ولم يترك السلطة الا وقبله ذهبت الضحايا وإريقت الدماء الطاهرة الا انه رحل في كل الأحوال، رحل ومعه كل مساوئ التاريخ مدموغا بلعنة الناس لا يشفع له في الدنيا احد ويلعنه الناس ويحاسبه الله حسابا عسيرا في الآخرة.
مثل هذه الرسالة التي انطبقت على واقع محمد حسني مبارك، وهو يشاهد شعب مصر وهو يهتف بسقوطه مطالبا بمحاكمته، وشعب مصر وهو يصفه بالطاغية والدكتاتور والفرعون، مثل هذه الرسالة لم يتعظ بها مبارك وربما نساها وهو يعالج فرص بقائه في السلطة لسنوات أخرى بعد ان جثم فوق صدور المصريين سنوات عجاف طوال.
رحل مبارك الى غير رجعه تلاحقه لعنات المصريين والعرب، بعد ان ترك جراحا غائرة في جسد شعب مصر، وزاده فقرا وبؤسا وانتهك كرامته، وترك عائلته فوق كل المصريين، وحاله حال صدام كلاهما لم يترك فسحه للعقل ولا الحكمة في معالجة حال تمسكه بالسلطة، لم يتعظ كلاهما ولم يستمعا لصوت شعبهما، واستهانا بدماء اهلهما، واعتقدا وهما بانهما اكبر من الناس وان السلطة فصلت لهما فقط.
رحل مبارك وقبله صدام وسيرحل كل من على شاكلتهما، وستبقى هذه الحقيقة من حقائق التاريخ التي لايدركها الطغاة.
أهلي كرد فيلية
الانصات المركزي 2/8/2011 :
من يستمع الى الملحن والمطرب الفنان جعفر حسن وهو يشدو باغنية (( اهلي كرد فيلية )) من كلمات الشاعر المبدع فالح حسون الدراجي، يتلمس حجم وعمق المعاناة التي تغمر روح الكردي الفيلي ويتلمسها مشتركا معه العراقي العربي والتركماني والكلداني والاشوري.
من يتمعن في كلمات سطرتها انامل الشاعر فالح حسون الدراجي تبرعمت داخل روحه وهو يشعر بتلك المعاناة لما عرف عنه من احساس وطني ومواقف مشرفة، ولما يعرفه من تاريخ العراق الوطني الحديث والتصاقه بجزء من هذا التاريخ، وهو العربي ابن العربي، ليجسد تلك الروابط الاخوية المتينة وذلك الموقف الوطني الغيور على شعب العراق.
من تلك الكلمات التي امتزجت بابداع الفنان الكبير جعفر حسن تشعرك بالشموخ، وتتلمس المعاني فتعيدك الى الجراح التي غارت في جسد الكرد الفيليين وامتزجت بدموع الامهات التي لم يمسحها احد حتى اليوم، غير ان الاغنية تشكل لوحة من لوحات الضيم العراقي، وصورة من صور محنة الشعب في زمن الطغيان، تجعلك الاغنية تحلق في سماوات العراق تشارك ضيم السنين القاحلة تشعر بضيم الزمن المر.
من يريد ان يستعيد الماساة التي لم يعالجها احد حتى اليوم تلك المعالجة التي تنسجم وتستقيم مع ما لحق الفيلية من اضرار وظلم وضيم، بالرغم من كل المناشدات والمقالات والكتابات التي ناشدت العهد الجديد فليستمع للاغنية، فلم يزل الكرد الفيليون يتلقون الوعود والمساندة الاعلامية والكلام المعسول من كل الجهات، فتكدست تلك التمنيات والاحلام، وتزاحمت تلك الوعود والكلمات، الا انهم لم يقبضوا سوى تكرار لتلك الكلمات التي حفظوها.
ومع ان الواقع تغير، فلم يتم الالتفات الى تلك الاعداد من الشباب التي غابت عن اعين الاباء والامهات ولم يتعرف احد على مصيرها وقبورها واماكن دفنها، لم يلتفت احد الى التجارب الكيمياوية التي جرت على شباب من ابناء الكرد الفيلية، ولم يلتفت احد الى تلك المنافي الصحراوية القاحلة التي اكلت من الفيليين المئات من الرجال، ولم يلتفت احد الى تلك الاعداد التي تم تهجيرها تضللها سماء الله وارواحها الطاهرة وتم رميها خارج الحدود، ولم يلتفت احد الى طرق الالغام التي عبرتها جموع الكرد الفيلية.
لم يصور احد تلك المعاناة الانسانية التي مرت بها تلك الشريحة المنكوبة، ولم يسلط عليها الاعلام، ولم تدون قصائد الشعراء ما مر بها سوى تلك الكلمات النابعة من الروح التي كتبها ابا حسون، وهو يشعر ان اهله ليس فقط في مدينة الثورة ولا في العمارة والناصرية والموصل وهولير، انما يصطف مع الجموع التي لم تزل تنادي بانصاف الفيلية مما لحقهم من ظلم وتهميش وتعسف.
جعفر حسن (( فنان الشعب )) الكبير بفنه وروائعه يجسد تلك المعاناة بلمسة فنية ممتزجة بموسيقى ساحرة تنبع من عمق الارض التي تمسك الفيلية بجذورها، واعطوها من نبع ارواحهم ما تستحق منهم، وجعفر حسن الذي بدا مشواره الفني مع تباشير ثورة 14 تموز 1958، ودخل معهد الفنون الجميلة / قسم الموسيقى متسلحا بذائقة فنية عالية بالاضافة الى خبرة اكتسبها من مدينته الطيبة خانقين مستمرا بالعطاء الفني الملتزم.
تتلمذ على يد موسيقيين كبار من امثال منير بشيروغانم حداد وسالم حسين وجميل سليم وجميل جرجيس وكاك قادر من السليمانية، مارس التمثيل اضافة الى الغناء، ويعد قامة من قامات الفن العراقي بحق، وهو من ابناء الكرد الفيلية.
اما الشاعر العراقي فالح حسون الدراجي فيكفيه تلك القصائد التي يتغزل بها بالشعب وبالفقراء الذين ينتمي لهم، ويعد فالح من الشعراء العراقيين الكبار، وقد امتزجت كلماته النابعة من دفق الروح حيث يعيش وسط محنة المظلومين، ويتقدم الصفوف للعطاء للعراق واهله الطيبين، فيكتب بصدق وعفوية عن الوجع العراقي.
كلمات الاغنية التي تختزل محنة الكرد الفيلية وتصور مشاهد الاستلاب والممارسات الهمجية والمنافية لابسط حقوق الانسان، وفي الوقت الذي شكلت الاغنية مدعاة للفخر والتباهي بالكرد الفيلية، وبتاريخهم وعطائهم ومواقفهم التي سجلها التاريخ العراقي القديم والحديث بفخر، فان الاغنية وبكلمات الرائع جعفر حسن وشدو انغامه تجعلنا نرحل نستعيد همجية النظام المقبور، والليالي المظلمة والموحشة التي مرت على البنات والاولاد وهم يرمقون دموع اهاليهم وهم يتوجهون نحو المجهول متسلحين بارواحهم وضمائرهم، يقتاتون من حشاش الارض ويحتمون بظهور بعضهم من ذئاب الليل.
تمعنوا وانصتوا بمهابة الى اغنية الفنان جعفر حسن (( اهلي كرد فيلية ))، واستذكروا معي محنة تلك الشريحة المعطاء التي لم تستحق يوما الا التقدير والاعتزاز والاحترام.
جهــــــــاز الادعـــــــــاء العـــــــــــــــام
يؤدي جهاز الادعاء العام دورا مهما ليس باعتباره ممثلا للحق العام ومدافعا عنه، ونائبا عن الهيئة الاجتماعية ومتابعا لحقوقها، مع أهمية وخطورة هذين الهدفين الأساسيين، إنما يؤدي أيضا دورا مهما في السهر على حسن تطبيق القانون واحترامه ومتابعة خطوات التنفيذ ضمن الإطار القانوني الذي رسمه القانون. ووفقا لما تقدم فأن الادعاء العام جهاز أساسي لمراقبة المشروعية واحترام تطبيق القانون، فضلا عن مهمته النبيلة في الدفاع عن الحق العام في الدعاوى الجزائية أو المدنية التي تكون الدولة أو المجتمع طرفا فيها وفي بعض دعاوى الأحوال الشخصية تحقيقا لحماية الأسرة والطفولة.
ومن خلال هذا الدور الكبير يتشكل مكان الادعاء العام في البناء القانوني والقضائي، حيث تتكون السلطة القضائية الاتحادية في العراق من مجلس القضاء الأعلى، والمحكمة الاتحادية العليا، ومحكمة التمييز الاتحادية، وجهاز الادعاء العام، والمحاكم الاتحادية الأخرى وفقا لما قررته المادة 89 من الدستور.
وينسجم الادعاء العام مع الجهاز القضائي في سبيل تحقيق العدالة واتخاذ الإجراءات التي نص عليها القانون بشكل سليم، ويمكن أن يكونا توأم العدالة وطرفي الإسهام في تنفيذ القرارات والأحكام التي تؤمن الحقوق والحريات التي نص عليها الدستور وقررتها القوانين النافذة.
وبذلك فأن جهاز الادعاء العام من الأجهزة القضائية التي ترتبط بمجلس القضاء الأعلى، حيث أن ترشيح رئيس الادعاء العام يكون من قبل رئيس مجلس القضاء الأعلى الذي يقوم بعرض هذا الترشيح على مجلس النواب للموافقة على تعيينه وفقا لأحكام المادة 91 من الدستور.
ويعرف بعض الفقهاء الادعاء العام بأنه قضاء من نوع خاص قائم لتمثيل المجتمع، ويذكر الأستاذ عبد الأمير العكيلي والدكتور سليم حربة في كتابهما شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية ج 1 بغداد ص 63 إن العراقيين عرفوا وظيفة الادعاء العام منذ 2500 قبل الميلاد، وأن ألواح الطين شاهد على ذلك، إلا أن وظيفة الادعاء العام ليس بمعناها المعروف اليوم، وان الادعاء العام في العراق وظيفة حديثة نسبيا وان النشأة تعود الى القرن الرابع عشر في فرنسا، ويؤكد ذلك الدكتور أحمد فتحي سرور في كتابه الوسيط في قانون الإجراءات الجزائية – المجلد الأول – الطبعة الرابعة- دار النهضة العربية القاهرة 1981 ص 171 بان نظام الادعاء العام يرجع أصله الى فرنسا.
وفي جميع الأحوال فان الادعاء العام احد الأجهزة القضائية المهمة المرتبطة بمجلس القضاء الأعلى وان العدالة هي غايته وهدفه الرئيسي، أعضاؤه هم صوت الحق في المجتمع. فهو لا يمثل فقط الحق العام في المجتمع وإنما يسعى الى تحقيق العدالة من خلال التطبيق الصحيح والسليم للقانون جنبا الى جنب مع القضاة في إطار مراقبة المشروعية، والسعي لتحقيق العدالة مهمة كبيرة وشاقة يتحمل عبئها بالإضافة الى القضاء جهاز الادعاء العام، بما عرف عنه من حرص ومتابعة ومراقبة وتدقيق من أجل أن تكون كلمة القضاء رصينة وقراراته تخلو من الأخطاء والشوائب، وبالتالي تحقيق أقرب التماسات مع العدالة التي ينشدها المجتمع في ظل دولة القانون، إضافة الى ذلك دوره في حماية نظام الدولة وأمنها ومؤسساتها وأموالها وإسهامه في الكشف السريع عن الجرائم وحسم القضايا وتحاشي تأجيل المحاكمات بدون مبرر لاسيما الجرائم الماسة بأمن الدولة ونظامها الديمقراطي الاتحادي وتقييم التشريعات ورصد الظواهر السلبية، وتقديم المقترحات لمعالجتها والإسهام في حماية الأسرة والطفولة.
ومن يتصفح قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 يجد دور الادعاء العام الفاعل في المادة الاولى في تحريك الشكوى الجزائية، ويمكن اعتبار الأدعاء العام خصما شريفا كما يطلق عليه بعض الفقهاء وشراح القانون، والأمين والحارس على الدعوى العمومية التي يكون المجتمع طرفا فيها، وهو محامي المجتمع لضمان مصلحته وحقوقه وحمايتها.
ووفقا لما تقدم وعلى ضوء مهام الادعاء العام في التحري وجمع الأدلة والتحقيق، من خلال إقامة الدعوى بالحق العام مالم يتطلب تحريكها شكوى أو أذن خاص من مرجع مختص، ومراقبة التحريات عن الجرائم وجمع الأدلة الذي يستلزم الإجراءات التحقيقية، ولعضو الادعاء العام صلاحية قاضي تحقيق في مكان الحادث حين يكون القاضي غائبا، كما له دور مهم جدا في إبداء الرأي قبل أن يصدر القرار في نقل القضية التحقيقية في التحقيق أو في المحاكمة، وعلى الجهات القائمة بالتحقيق إخبار الادعاء العام بالجنايات والجنح وبالإضافة الى مراقبة السجون والمواقف وكل ما نص عليه قانون الادعاء العام
عانى هذا الجهاز العدلي المهم من المظلومية والغبن الفادح أبان العهد الاستبدادي المقبور وتجاهل الحقيقة المتوخاة منه وموقعه المناسب للإسهام في بناء المجتمع.فتم تحجيم دوره وتهميشه وتقييد النصوص التي يمكن أن يتحرك بالاستناد اليها ليأحذ دوره الفاعل في التنظيم القضائي وفي نشر القانون والعدالة في المجتمع، وهو بهذا الأمر لايختلف عن جهاز القضاء الذي ناله من السلطات البائدة العديد من الحيف والتقييد والتدخل السافر وغير المباشر بإنشاء المحاكم الصورية الاستثنائية التي سلبت من القضاء أسمه ومنعت عليه قول كلمة الحق.
عانى جهاز الادعاء العام ظلم وتهميش السلطات البائدة التي لم يتوافق عمله ومهماته مع سلطاتها ومخططاتها، وليس أوضح من التمايز الحاصل بين القاضي وعضو الادعاء العام مع أن الاثنين يشكلان ركني العدالة وأعمدتها الأساسية.
وإزاء هذا الدور الايجابي للادعاء العام فقد برزت فاعليته ضمن أطر الأنظمة القانونية العربية والمجاورة في المنطقة، وحظي الادعاء العام باحترام وتقدير ليس فقط بين المشتغلين بالقضاء والمهتمين بالقانون، إنما عرفته الساحة العراقية من خلال مواقفه ودفاعه عن المشروعية والتطبيق السليم للقانون ورصد الخروقات التي ترتكبها السلطة، فصار بالإضافة إلى تمتعه بالرصانة والثبات، يتمتع بتلك المنزلة التي حظي بها القضاء العراقي المدافع الأمين عن الحق والعدالة وتثبيت دعائم دولة القانون، وخصوصا بعد تثبيت استقلالية القضاء قولا وفعلا في العهد العراقي الجديد.
وإذا كنا قد ذكرنا بعضاً من مهمات الادعاء العام، فان مهمات اكبر يسعى الى تحقيقها من بينها الإسهام في رصد ظاهرة الإجرام والمنازعات وتقديم الاقتراحات العلمية والدراسات العملية المعززة بالإحصاءات والبيانات لمعالجتها وتقليصها بما يخدم المجتمع، كما يساهم الادعاء العام في عملية الإسهام بتقييم التشريعات النافذة ومدى مطابقتها للواقع المتطور، ودعم النظام الديمقراطي الاتحادي وحماية أسسه ومفاهيمه في إطار احترام المشروعية واحترام تطبيق القانون.
كما أن للادعاء العام دورا خطيرا في محاربة الفساد ورصد الظواهر المشينة المخالفة للقانون والتي تفشت في أجهزة الدولة منتقلة اليها من السلطة الدكتاتورية البائدة، التي كانت متخمة ومحملة بكل تلك الأمراض التي تكاد أن تفتك بجسد العراق وبسلطته اليافعة الجديدة.
مكانة القضاء في المجتمع العراقي
24/8/2011 :
عرف المجتمع العراقي بتقديره واحترامه للقضاء، وشواهد ووقائع التاريخ دليل على تلك المكانة التي تبوأها القضاء والقضاة في المجتمع العراقي، ويمكن أن يتم قياس هذا الأحترام وتلك المكانة بما كان المجتمع العراقي يتمسك بها.
ويمكن القول بأن احترام القضاء يعتبر من بين أهم المؤشرات التي تدلل على تقدم المجتمع ونزوعه للتطور، ومن هذا المنطلق فقد كانت جميع الحكومات في العالم تولي القضاء والقضاة أهتماما وتقديرا عاليين، فقد كان القضاء العراقي ولم يزل الملاذ الحقيقي والجهة المتمسكة بالحياد في سبيل انجاح دولة سيادة القانون.
ولعل الأستقلالية التي كانت على الدوام الصفة اللصيقة نصا بالعمل القضائي من بين أهم دعائم ذلك الدعم والأحترام، وبالرغم من المواقف والقوانين والمحاكم العرفية والأستثنائية التي وقفتها وشرعتها الحكومات السابقة، فقد بذل القضاء والقضاة جهدا متميزا من اجل ترسيخ قيم العدالة وتأسيس دولة القانون وممارسة الأستقلالية القضائية نصا وروحا وفعلا.
الأستقلالية والأحترام والتقدير من الصفات التي تستوجبها ليست فقط الضرورة التي تلتصق بمعايير تأسيس دولة القانون، بل انها من بين أهم القيم والأعراف التي تميز بها المجتمع العراقي، فالمجتمع له الدور الفاعل والمهم في ترسيخ تلك القيم والأعراف والتمسك بها بأعتبارها من القيم الأيجابية التي يجب ان نعتبرها من أعراف تساند التطور الأنساني للمجتمع وتقدمه، ومن الضروري أن ننقلها الى اجيالنا القادمة لما لها من تأثير أيجابي في البناء المجتمعي، فالمجتمع الذي يحترم القضاء يحترم القانون.
وقد اقترن احترام القضاء في العراق باحترام القانون، ويمكن ان تكون شواهد التاريخ المعاصر دليلا على ذلك، وقصص تاريخ العراق متعددة ومعروفة للجميع، ولأن القضاء العراقي كان يشكل الأطار القانوني لدولة المؤسسات، فأن جميع المحاكم الأستثنائية والطارئة لم تكن جزءا من هذا القضاء، وكانت الجزء النشاز خارج جسد القضاء العراقي، ولهذا فقد عمدت الحكومات العراقية السابقة على انشاء محاكم لاسند لها في الدساتير ولا القوانين الخاصة بالقضاء سلبت جزءا من اختصاص المحاكم لتصدر احكامها الظالمة وغير القانونية بحق العراقيين ولم تأخذ من القضاء سوى اسمه فقط.
واليوم بعد ان اكد الدستور العراقي على اعتماده على مبدأ فصل السلطات الثلات، واعتماده استقلالية القضاء فعلا وقولا، لتتشكل السلطة القضائية الاتحادية في العراق من مجلس القضاء الاعلى ومن المحكمة الاتحادية العراقية العليا ومحكمة التمييز الاتحادية وجهاز الادعاء العام وهيئة الاشراف القضائي والمحاكم الاتحادية الاخرى التي ينظمها القانون، فأن عهدا من الاستقلالية الفعلية للقضاء العراقي قد بدأ.
ومن الجدير بالذكر ان تتشكل ولاول مرة في التاريخ العراقي محكمة اتحادية عليا تختص بالرقابة على دستورية القوانين وتفسر نصوص الدستور وتفصل في القضايا التي تنشأ عن تطبيق القوانين الاتحادية، وتفصل في المنازعات التي تحصل بين الحكومة الاتحادية والاقاليم والمحافظات غير المنتظمة باقليم والادارات المحلية وتصادق على نتائج الانتخابات العامة لمجلس النواب وتفصل في الاتهامات الموجهة الى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والوزراء وتفصل في تنازع الاختصاص بين القضاء الاتحادي وهيئات الاقاليم القضائية والمحافظات غير المنتظمة باقليم، وقرارات هذه المحكمة العليا باتة وملزمة.
أن الأنصياع للقضاء وقراراته دليل على قناعة ومساهمة اكيدة في تكوين أطار دولة القانون، وهو طموح الجميع بما يكفل المساواة والعدالة.
وأمام حالة النقص المعرفي في الثقافة القانونية وتردي القيم والعزوف عن الأعراف الأيجابية يواجه القضاء العراقي حالات توصف بالسلبية ولا تعبر عن قناعة ممارسيها الذين يلجؤون الى الطعن بمسيرة القضاء ومحاولة ابراز الحالات السلبية وطمس معالم الخطوات الايجابية للبدء بتأسيس قضاء عراقي يتوازن مع طموح العراقيين في تأسيس دولة القانون والحريات. فليس من المعقول ان يتم الطعن بقرارات المحكمة الاتحادية والدستور يحترم هذه القرارات ويضفي عليها صفة الالزام والاحترام والقوة التنفيذية، لطالما اعتبر الدستور تلك القرارات التي تفصل في أهم مفاصل واشكالات الدولة والأقاليم والمحافظات والقوانين بحيادية وبحكمة افترضها في قضاتها.
ويواجه القضاء العراقي حالة قد تكون غريبة لم تمارس من قبل بعض العراقيين في صفحات الأنترنيت دون غيرهم من العرب، اذ لم يتقدم أي كاتب عربي او قانوني للطعن بشخصيات قضائية وبمسيرة القضاء في بلاده، بقدر ما نحتاج الى ترصين تلك المسيرة وتقديم التوجيهات والأرشاد والنقد البناء في سبيل ذلك، ونجد ان عملية التهديم التي يشارك بها البعض من على صفحات ومواقع الأنترنيت باسماء وهمية او مستترة لا تخدم المسيرة القضائية ولاتقدم اية خدمة لمسيرة العراق، ما دمنا نثق جميعا أن القضاء العراقي هو الحصن الذي يحتمي به الجميع، وهو السلطة المحايدة والمستقلة، وان اللجوء الى القضاء حق مكفول دستوريا للجميع دون استثناء، واحترام القضاء يمثل اللبنة الأساسية لأحترام القانون وهيبة الدولة، وبعيدا عن تلك الكتابات التي تمثل محاولات مقصودة كانت او غير مقصودة لعرقلة المسيرة التي لن تتوقف امام تلك التحديات لأن مثل تلك المحاولات بعيدة عن قيم العراقيين واخلاقهم، ولأن العراقي شكل بأخلاقه وقيمه على مدى الزمن الحديث عنوانا لأحترام القضاء، ومعرفته بابتعاد القضاء العراقي عن مساندة المحاكم الأستثنائية وغير القانونية التي تعكزت السلطات السابقة عليها، والقضاء العراقي النزيه والذي يسعى مجلس القضاء الأعلى ان يحافظ على تلك النظافة والسمعة والسيرة للقضاة حماة القانون والعدالة جزء مهــم وضروري لسيادة القانون، وأيجاد مرجعية نستند عليها ونحتمي بقراراتها من أي ظلم او حيف يصيبنا، وحتى تكون تلك السلطة عند حسن ظن العراقيين وجديرة بأحترامهم وتقديرهم لتأخذ دورها الريادي في عملية فصل السلطات وتأكيد استقلالية القضاء وتبوء المكانة اللائقة للقضاء العراقي في المجتمع وبين مثيلاته في الساحة القضائية.
أن نصوص الدستور حظرت انشاء محاكم خاصة او استثنائية وبذلك أصبح المواطن العراقي أمام القضاء العراقي فقط دون غيره، فلا محاكم خاصة ولا مجالس عرفية ولا جهات امنية خاصة تحاكم وتنفذ بعد اليوم، حيث لم تعد هناك سلطات قضائية تتمتع بها اية جهة تنفيذية، ولم يعد هناك حجز خارج اطار التوقيف القضائي والقانوني، كما حظر الدستور ايضا النص في القوانين على تحصين اي عمل او قرار اداري من الطعن فالقانون فوق الجميع.
وكلنا أمل في ان يساهم الجميع خارج القضاء او داخل السلطة القضائية في تأسيس ثقافة النقد البناء وأحترام قرارات القضاء الباتة والملزمة، والابتعاد عن الكتابات والتصريحات البعيدة عن الواقع والتي تقصد الاهانة او الأساءة لسمعة القضاء العراقي طالما كانت النية والهدف هو عرض موضوع او قضية وشكوى رسم القانون طرق عديدة لعرضها بأحترام ووفق أطار قانوني محترم، وطالما كانت الأحكام تصدر بأسم الشعب فانها قابلة للطعن امام الجهات التي حددها القانون، الالتزام بمثل هذه الممارسات القانونية يجعلنا نساهم في ترسيخ أسس ودعائم دولة القانون، لاننا جميعا بحاجة ماسة للتكاتف من اجل المساهمة في بناء الدولة التي تعتمد الحقوق وتحترم الحريات.
أن اطلاق الأحكام جزافا ودون علم يشكل ايضا اساءة بليغة للقضاء، وحتى نجعل احترامنا للقضاء العراقي عنوان ونبراس في عملية بناء الدولة التي يساهم الجميع في رص بنيانها وتأسيسها، علينا ان نتسلح بالثقافة القانونية وبقيم المجتمع الأيجابية ونبذ السلبية، وان نمارس النقد الهادف والبناء أيضا
عهد جديد في القتال مع حزب العمال الكردستاني
25/8/2011 :
أعلن السيد رجب طيب اوردغان (رئيس وزراء تركيا منذ 14 مارس 2003 ورئيس حزب العدالة والتنمية الذي يملك غالبية مقاعد البرلمان التركي) عن بداية عهد جديد في الحرب التي تشنها الدولة التركية بواسطة الجيش التركي بما يملك من ترسانة عسكرية حربا ضروسا لاهوادة فيها على عناصر حزب العمال الكردستاني الذي يطالب من ضمن مطالبه بالحقوق الشرعية والقانونية للكرد في تركيا.
والسيد رجب طيب أوردغان لن يختلف بشيء عن سابقيه الذين تباروا وتنافسوا في قتال الكرد وشن الحملات العسكرية لإبادتهم وقتل أخر عنصر منهم.
وإذا شكل عناصر حزب العمال الكردستاني جزءاً من المشكلة التركية، التي تعاني من جملة من المشاكل التي تستوجب المعالجة العقلانية والواقعية وفق ما تمليه مصلحة تركيا وشعبها المتنوع القوميات والأديان والمذاهب، فأن علاج هذه المشكلة يكون بالحوار والمحادثات والإقناع وحقن الدماء وتغليب المصلحة العامة على النعرات القومية او المصلحية.
المعالجة العقلانية المتعارضة مع منطق الحرب والقتال واستغلال الجيش في حرب تحصد أرواح العديد من الشباب من الجانبين، الحرب التي تتعارض مع مصلحة تركيا ومستقبلها وأقتصادها، الحرب التي تعني انقلابا على الخطط والمؤشرات التي التزمت بها تركيا قبل مدة وزعم السيد اوردغان انه يلتزم بها ويسعى لإيجاد الحلول في سبيل تحقيق مصالح الاطراف وتحقيق الأهداف المقبولة والمعقولة منها، فالرصاص وقذائف المدافع وصواريخ الطائرات لن تحل المشكلة مع الكرد، والقضاء على المجموعات العسكرية التي تتخذ من جبال قنديل او الجبال المجاورة للعراق وايران لن تسكت الصوت الكردي ولن تسهم في حل المشكلة، والسيد اوردغان يدرك ذلك جيدا، مثلما يدرك ان خرق الحدود التركية العراقية يعد تجاوزا وتعديا على حدود بلد جار له مصالح مشتركة مع تركيا.
ومن الغريب ان تسعى تركيا لعقد المؤتمرات التي تدعو للإقرار بحقوق الديانات والقوميات، في حين تسعى لغبن ثاني قومية في تركيا وتعالج مطالبتها بحقوقها المشروعة بالقنابل والرصاص، ومن الغريب ايضا أن تسعى تركيا حثيثا للإنضمام الى الإتحاد الأوربي الذي يشترط عليها احترام حقوق وحرية جميع المواطنين في تركيا وهي تقع في شباك التعارض والمعاندة والرفض للقرار المذكور دون ان تدري أو ربما عنادا وهي تظهر بهذا المنظر الملطخة اياديها بدماء ابناء شعبها.
وبدلا من معالجة حالة الفقر المريع والتخلف الواضح في جميع المستويات على مدن وشعب كردستان في تركيا تقدم على تناسي تلك الأمور وتعتقد انها تستطيع القضاء على صوت المطالبة بالحقوق أبدا.
ولهذا فأن تصريح السيد اوردغان بأعتماد القتل والمجازر والرصاص لقتال جزء من شعبه يدلل دلالة اكيدة على عدم رؤيته العميقة لواقع المكونات التركية ولا لمعالجة قضية الحقوق والحريات، وهو ما سيدفع تركيا الى التقهقر بدلا من التقدم، والى التـأخر والتقوقع بدلا من التطلع نحو المستقبل، فحرق القرى وقتل المدنيين وحتى المقاتلين في الجبال لن تكون الورقة الأخيرة التي يمكن معها لأوردغان أو غيره من المسؤولين في الحكومة التركية.
ولو عالج السيد اوردغان الأسباب التي أدت الى وقف المحادثات مع حزب العمال الكردستاني بدلا من تجييش القوات المسلحة، ولو فكر السيد اوردغان في ان يتخذ له عبرة من كل القيادات التي ناطحت شعب كردستان للقضاء عليهم واسكات اصواتهم دون جدوى فقد انتهت تلك الأسماء الى مزابل التاريخ في حين بقي صوت شعب كردستان مدويا لإستناده على الحق، ولو استعاد السيد اوردغان لتصريحاته ابان فوزه في الانتخابات في سعيه الإصلاحي لأيقاف نزيف الدم التركي والتعهد بالإصلاحات في مناطق كردستان تركيا بدلا من تغيير اللهجة والأسلوب وتبني القتال باسلوب جديد مثلما ذكر السيد اوردغان في اجتماعه الأخير في مجلس الأمن القومي التركي.
الطائرات التركية بكافة انواعها تخرق الأجواء والأراضي العراقية بزعم البحث عن عناصر حزب العمال الكردستاني، وهي تحصد كل شيء متحرك في المنطقة فتقتل الأبرياء وفلاحي القرى الحدودية وتدفع بمقاتلي العمال الكردستاني لعمليات اكثر تأثيرا وضراوة.
كان العديد من انصار حقوق الأنسان والسلام في المنطقة ينتظرون ان ينهج السيد اوردغان عهدا جديدا من السلام والتوافق والوئام بين مكونات تركيا، وان يبدأ عهدا جديدا تقر به تركيا بحقوق الكرد وتفتح صفحة جديدة لبناء تركيا على اسس وقواعد الحقوق والحريات ترفرف فوقها راية السلام والأخوة والحياة الجديدة بدلا من لون الدم وطعم الموت والرعب والخوف المنتشر في كل ارجاء تركيا، وهي التفاتة للعقل وقراءة لما جربه كل الحكام الذين تنكروا لتلك الحقوق فرحلوا محملين بالأسف واللعنات، وبقي صوت شعب كردستان ما بقي الحق، ولم تزل الفرصة سانحة لحقن الدماء.
عهد جديد من السلام والأقرار بحقوق القوميات بديلا عن عهد جديد من الموت والحرب والقتال والإبادة الجماعية.
المصالحة الوطنية ضرورة أم إشكالية؟
4/1/2011 :
لاتزال عملية المصالحة الوطنية تسير بخطوات بطيئة وسط طرق متعرجة ومتعددة تسبب التعثرات والمعوقات، ربما بسبب كون هذه التجربة جديدة على المجتمع العراقي، وربما بسبب ما صارت إليه الأوضاع الشائكة نتيجة ذلك التراكم الكبير من الإشكاليات التي ورثناها عن عهود سابقة، أو ربما للخصوصية التي يتمتع بها الفرد العراقي وبما عرف عنه من سمات الشخصية والقيم الاجتماعية والأعراف التي تتحكم بحياته.
غير ان ضرورة وطنية تمليها الظروف التي يمر بها المجتمع العراقي توجب اللجوء الى المصالحة الوطنية من اجل ان تسهم خطواتها الايجابية في دعم مسيرة دولة القانون والمشاركة الشعبية لجميع القطاعات الاجتماعية والسياسية في الحكم، وبالتالي تحقيق الخطوات الأولى لدعم المسيرة الديمقراطية للعراق، بعد أن تخطى العراق عامه السابع وهو لما يزل في دور تأسيس الأسس التي تقوم عليها دولة القانون.
وإذا كانت الخطوات التي تؤسس المصالحة خطوات شجاعة، فان خطوات أخرى لاتقل شأنا عنها تقف معها لاستكمال موجباتها، مثل الصراحة في تقبل مفهوم المصالحة، والتمسك بالأمل في اكتمال مشروعها الإنساني بالإضافة الى تحقيق المبادئ الأساسية لحقوق المواطن وواجباته بالشكل الذي رسمه الدستور لتشكيل قاعدة متينة وعريضة للمصالحة الوطنية، والايمان بأن المصالحة الوطنية تمهد الطريق لمشاركة الجميع في بناء المؤسسات على وفق الأطر الصحيحة والسليمة، وتتلازم قضية المصالحة مع قضية الحرية والكرامة التي يكفلها الدستور والقوانين، ووفقا لهذا فان قيم التسامح ستجد لها مكانا فسيحا في تلك الحريات.
ان نزع الرغبة في الانتقام ونبذ التطرف وإلغاء روح الانتقام والعداء الشخصي والتسامي عن التمسك بشهوة الدم ونبذ العداء المستحكم في النفوس، عملية ليست بالسهلة أو الهينة التي يمكن أن تتم ممارستها بيسر، أو الأيمان بها بسهولة، بل يتطلب الأمر إشاعة تلك الثقافة والقيم المساندة للصفح ونبذ الماضي والترفع عن إعادة إشعال جذوة الانتقام ونزعة التدمير، بل وتتطلب أيضا الايمان الحقيقي بتلك القيم، وأيضا تتطلب خلق أو انشاء قاعدة يمكن عليها ومن خلالها أن تنشأ تلك القيم السلوكية التي تمهد السبيل لسلوك طريق المصالحة.
والأمر لايتعلق بمديات الثقافة الشعبية في المجتمع بقدر ما يتعلق بإشاعة ثقافة التسامح واحياء القيم النبيلة والتمسك بالأقوال التي تترجم تلك السلوكيات والممارسات، وأن تنعكس الى أفعال تسهم في ترصين تلك القيم والقوانين والأعراف التي تخدم عملية المصالحة بشكل عام.
والأرضية والحاضنة التي يمكن لها أن تتبنى عملية المصالحة
الوطنية في العراق متعددة وموجودة، إلا إنها بحاجة للتفعيل لتأخذ دورها الريادي في ترسيخ قيم التسامح والصفح والعفو ومن ثم المصالحة بشكلها العام والوطني، والذي سيخدم عملية البناء القانوني والتطور والتقدم العراقي.
ومنذ قيام الحكم الجديد لم تزل هناك أصوات داعمة لمشروع المصالحة الوطنية ومساندة له، ولم تزل هناك من الشخصيات العراقية الوطنية من يسهم فيه، كما خطت الحكومات السابقة والحالية خطوات بطيئة بإنشاء وزارة للمصالحة الوطنية لم يكن لها دور فاعل وجدي في قضية المصالحة الوطنية، واقتصر دورها على اللقاءات والاتصالات وعقد المؤتمرات الإعلامية، وإطلاق التصريحات الممتلئة بالتمنيات والوعود لم يحصد منها العراقي سوى الريح.
الأحزاب الوطنية وفقا لبرنامجها جميعا ودون استثناء تتفق على ضرورة تفعيل قضية المصالحة الوطنية، والقيادات الدينية لجميع الديانات العراقية تتفق جميعها على ضرورة انجاح عملية المصالحة الوطنية، أعراف المجتمع وضوابطه الاجتماعية وعشائره تسعى وتتفق جميعها على ان المصالحة الوطنية في العراق ضرورة وطنية وقضية ملحة، وتجاوز لآثار الماضي وخطوة على الطريق الصحيح لاستعادة التلاحم الوطني ووحدة الصف الاجتماعي وتخطي العصبيات بكل أشكالها، تحقيقا لمجتمع القانون والعدالة والسلام والديمقراطية.
بالإضافة لكل هذا دور الدولة باعتبارها المنفذ الأساس لخطوات بناء المصالحة الوطنية، وهو ودور كبير ومهم لتذليل العديد من المصاعب والمعوقات التي تقف في وجه سير العملية، وقدرتها على توظيف إمكانياتها لتسهيل إنجاح المصالحة.
إن المصالحة الوطنية لاتعني بأي شكل من الأشكال عمليات ترقيعية أو ترضية خواطر شخصيات سياسية، ولا ترميم ماتهدم من بناء سياسي آني، يغيب عنها جديا عملية تهيئة الأجواء والمناخات الملائمة لأن يتبرعم غصن المصالحة الطري، وأن تكون التجربة العراقية متلائمة مع الواقع العراقي، واقع الشخصية والمجتمع العراقي المتنوع قوميا ودينيا ومذهبيا، وأن تكون هذه الخطوات ليس فقط فاعلة إنما سريعة حتى يتمكن العراق من الاستفادة من الزمان والإنسان، فلم تزل أعداد كبيرة من العراقيين مبعثرين في أصقاع الأرض، ولم تزل تلك الأفواج البشرية مرغمة على البقاء في دول الجوار.
وهنا يكون للحقيقة دور هام في مساعدة المجتمع على مواجهة الماضي، ولذوي الضحايا أيضا جانب مهم في هذه العملية، إذ من غير المعقول أن تتجاوز المجني عليهم وذويهم في العملية، وبالتالي فرز الأفعال وفقا للضوابط القضائية، الى جنايات وجنح ومخالفات، ويمكن أن نركز على جرائم الجنايات في المحاسبة، وأن ترتبط الجنح بمسألة الاعتذار، وأن يتم شمول المخالفات بالعفو التسامح، ومسألة التفريق على وفق أنواع تلك الجرائم منوط باللجان المختصة التي نفضل – من وجهة نظرنا المتواضعة – أن يرأسها قاض لما يمتلكه من معرفة قانونية وقضائية بتصنيف الأفعال الجرمية، وأن تكون تلك القرارات خاضعة للطعن بها أمام هيئة مختصة في محكمة التمييز الاتحادية، على أن يتم تحديد سقف زمني لانتهاء أفعالها وأعمالها، لتعلن بعد كل ذلك الانتهاء من تدقيق تلك الأفعال، وتبدأ صفحة جديدة يحكمها القانون، يكون فيها الجميع تحت سلطة الدستور وما يرتبه من حقوق وواجبات.
العامل الزمني عنصر مهم وأكيد، كما أن شمول الجميع بهذه المصالحة دون استثناء أمر ضروري للبدء بصفحة جديدة من تاريخ العراق الحديث، وحتى يمكن أن لاتتحول قضية المصالحة الوطنية الى إشكالية عراقية – كما يقول البعض – انما هي ضرورة وطنية تمليها ضروف العراق وتسعى اليها جميع الضمائر المخلصة التي تريد حقا تأسيس دولة القانون في العراق الجديد.
لاتزال عملية المصالحة الوطنية تسير بخطوات بطيئة وسط طرق متعرجة ومتعددة تسبب التعثرات والمعوقات، ربما بسبب كون هذه التجربة جديدة على المجتمع العراقي، وربما بسبب ما صارت إليه الأوضاع الشائكة نتيجة ذلك التراكم الكبير من الإشكاليات التي ورثناها عن عهود سابقة، أو ربما للخصوصية التي يتمتع بها الفرد العراقي وبما عرف عنه من سمات الشخصية والقيم الاجتماعية والأعراف التي تتحكم بحياته. غير ان ضرورة وطنية تمليها الظروف التي يمر بها المجتمع العراقي توجب اللجوء الى المصالحة الوطنية من اجل ان تسهم خطواتها الايجابية في دعم مسيرة دولة القانون والمشاركة الشعبية لجميع القطاعات الاجتماعية والسياسية في الحكم، وبالتالي تحقيق الخطوات الأولى لدعم المسيرة الديمقراطية للعراق، بعد أن تخطى العراق عامه السابع وهو لما يزل في دور تأسيس الأسس التي تقوم عليها دولة القانون. وإذا كانت الخطوات التي تؤسس المصالحة خطوات شجاعة، فان خطوات أخرى لاتقل شأنا عنها تقف معها لاستكمال موجباتها، مثل الصراحة في تقبل مفهوم المصالحة، والتمسك بالأمل في اكتمال مشروعها الإنساني بالإضافة الى تحقيق المبادئ الأساسية لحقوق المواطن وواجباته بالشكل الذي رسمه الدستور لتشكيل قاعدة متينة وعريضة للمصالحة الوطنية، والايمان بأن المصالحة الوطنية تمهد الطريق لمشاركة الجميع في بناء المؤسسات على وفق الأطر الصحيحة والسليمة، وتتلازم قضية المصالحة مع قضية الحرية والكرامة التي يكفلها الدستور والقوانين،
ووفقا لهذا فان قيم التسامح ستجد لها مكانا فسيحا في تلك الحريات. ان نزع الرغبة في الانتقام ونبذ التطرف وإلغاء روح الانتقام والعداء الشخصي والتسامي عن التمسك بشهوة الدم ونبذ العداء المستحكم في النفوس، عملية ليست بالسهلة أو الهينة التي يمكن أن تتم ممارستها بيسر، أو الأيمان بها بسهولة، بل يتطلب الأمر إشاعة تلك الثقافة والقيم المساندة للصفح ونبذ الماضي والترفع عن إعادة إشعال جذوة الانتقام ونزعة التدمير، بل وتتطلب أيضا الايمان الحقيقي بتلك القيم، وأيضا تتطلب خلق أو انشاء قاعدة يمكن عليها ومن خلالها أن تنشأ تلك القيم السلوكية التي تمهد السبيل لسلوك طريق المصالحة. والأمر لايتعلق بمديات الثقافة الشعبية في المجتمع بقدر ما يتعلق بإشاعة ثقافة التسامح واحياء القيم النبيلة والتمسك بالأقوال التي تترجم تلك السلوكيات والممارسات، وأن تنعكس الى أفعال تسهم في ترصين تلك القيم والقوانين والأعراف التي تخدم عملية المصالحة بشكل عام.
والأرضية والحاضنة التي يمكن لها أن تتبنى عملية المصالحةالوطنية في العراق متعددة وموجودة، إلا إنها بحاجة للتفعيل لتأخذ دورها الريادي في ترسيخ قيم التسامح والصفح والعفو ومن ثم المصالحة بشكلها العام والوطني، والذي سيخدم عملية البناء القانوني والتطور والتقدم العراقي. ومنذ قيام الحكم الجديد لم تزل هناك أصوات داعمة لمشروع المصالحة الوطنية ومساندة له، ولم تزل هناك من الشخصيات العراقية الوطنية من يسهم فيه، كما خطت الحكومات السابقة والحالية خطوات بطيئة بإنشاء وزارة للمصالحة الوطنية لم يكن لها دور فاعل وجدي في قضية المصالحة الوطنية، واقتصر دورها على اللقاءات والاتصالات وعقد المؤتمرات الإعلامية، وإطلاق التصريحات الممتلئة بالتمنيات والوعود لم يحصد منها العراقي سوى الريح. الأحزاب الوطنية وفقا لبرنامجها جميعا ودون استثناء تتفق على ضرورة تفعيل قضية المصالحة الوطنية، والقيادات الدينية لجميع الديانات العراقية تتفق جميعها على ضرورة انجاح عملية المصالحة الوطنية، أعراف المجتمع وضوابطه الاجتماعية وعشائره تسعى وتتفق جميعها على ان المصالحة الوطنية في العراق ضرورة وطنية وقضية ملحة، وتجاوز لآثار الماضي وخطوة على الطريق الصحيح لاستعادة التلاحم الوطني ووحدة الصف الاجتماعي وتخطي العصبيات بكل أشكالها، تحقيقا لمجتمع القانون والعدالة والسلام والديمقراطية.
بالإضافة لكل هذا دور الدولة باعتبارها المنفذ الأساس لخطوات بناء المصالحة الوطنية، وهو ودور كبير ومهم لتذليل العديد من المصاعب والمعوقات التي تقف في وجه سير العملية، وقدرتها على توظيف إمكانياتها لتسهيل إنجاح المصالحة. إن المصالحة الوطنية لاتعني بأي شكل من الأشكال عمليات ترقيعية أو ترضية خواطر شخصيات سياسية، ولا ترميم ماتهدم من بناء سياسي آني، يغيب عنها جديا عملية تهيئة الأجواء والمناخات الملائمة لأن يتبرعم غصن المصالحة الطري، وأن تكون التجربة العراقية متلائمة مع الواقع العراقي، واقع الشخصية والمجتمع العراقي المتنوع قوميا ودينيا ومذهبيا، وأن تكون هذه الخطوات ليس فقط فاعلة إنما سريعة حتى يتمكن العراق من الاستفادة من الزمان والإنسان، فلم تزل أعداد كبيرة من العراقيين مبعثرين في أصقاع الأرض، ولم تزل تلك الأفواج البشرية مرغمة على البقاء في دول الجوار.
وهنا يكون للحقيقة دور هام في مساعدة المجتمع على مواجهة الماضي، ولذوي الضحايا أيضا جانب مهم في هذه العملية، إذ من غير المعقول أن تتجاوز المجني عليهم وذويهم في العملية، وبالتالي فرز الأفعال وفقا للضوابط القضائية، الى جنايات وجنح ومخالفات، ويمكن أن نركز على جرائم الجنايات في المحاسبة، وأن ترتبط الجنح بمسألة الاعتذار، وأن يتم شمول المخالفات بالعفو التسامح.
ومسألة التفريق على وفق أنواع تلك الجرائم منوط باللجان المختصة التي نفضل – من وجهة نظرنا المتواضعة – أن يرأسها قاض لما يمتلكه من معرفة قانونية وقضائية بتصنيف الأفعال الجرمية، وأن تكون تلك القرارات خاضعة للطعن بها أمام هيئة مختصة في محكمة التمييز الاتحادية، على أن يتم تحديد سقف زمني لانتهاء أفعالها وأعمالها، لتعلن بعد كل ذلك الانتهاء من تدقيق تلك الأفعال، وتبدأ صفحة جديدة يحكمها القانون، يكون فيها الجميع تحت سلطة الدستور وما يرتبه من حقوق وواجبات.
العامل الزمني عنصر مهم وأكيد، كما أن شمول الجميع بهذه المصالحة دون استثناء أمر ضروري للبدء بصفحة جديدة من تاريخ العراق الحديث، وحتى يمكن أن لاتتحول قضية المصالحة الوطنية الى إشكالية عراقية – كما يقول البعض – انما هي ضرورة وطنية تمليها ضروف العراق وتسعى اليها جميع الضمائر المخلصة التي تريد حقا تأسيس دولة القانون في العراق الجديد.
مهمة القضاء وتنفيذ الأحكام
28/8/2011 :
تنتهي مهمة القضاء بصدور القرار القضائي واكتسابه الدرجة القطعية أما بتصديق المحكمة الأعلى على الحكم او لمضي المدة القانونية المقررة دون طعن من جهة ما، وبذلك يصبح الحكم قابلا للتنفيذ سواء كان حكما مدنيا أو جزائيا، وحتى نفصل بين البدء بالأجراءات والنطق بالحكم وبين تنفيذ تلك الأحكام، علينا ان نتعرف على الفاصل الأساسي بين مهمة القضاء ومسؤولية تنفيذ الأحكام القضائية التي قد تختلط عند البعض.
والحكم يعني القرار الفاصل في المنازعة المعروضة أمام القضاء، أو أبداء رأي المحكمة أو الهيئة القضائية في موضوع القضية المعروضة أمامها، ويشكل الحكم التعبير عن أرادة القانون، إذ لابد وأن يكون منطبقا وأحكام القوانين أو مضامين العدالة بشكل عام، ويعرفه بعض الفقهاء بانه كل قرار صادر من جهة قضائية وطنية أو دولية ذات ولاية ويفصل في موضوع الدعوى سواء كانت القضية جنائية أو مدنية أو ادارية أو أحوال شخصية.
وفي القضايا الجنائية التي يتم انجاز التحقيق الاولي والابتدائي فيها من قبل جهات تحقيقية مختصة، تتم تحت أشراف قضاة التحقيق ووفقا لقراراتهم، وبعد أن يجد قاضي التحقيق بنتيجة تلك التحقيقات إن الأدلة التي توفرت في القضية كافية لإحالة المتهم على المحكمة الجنائية المختصة بالفعل (جنحة أو جناية)، وتتحدد تلك المحكمة التي تحال عليها القضية التحقيقية وفقا للمادة القانونية التي تجدها محكمة التحقيق أنها تتناسب مع فعل المتهم، فأن كانت من اختصاص محاكم الجنايات أحيلت على الجنايات وفقا للاختصاص المكاني المحدد، ووفقا للفصل الخاص بتطبيق القانون من حيث المكان في قانون العقوبات النافذ في العراق والمرقم 111 لسنة 69 المعدل، ووفقا لنص المادة 55 من قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971، أو أن المادة المنسوبة لفعل المتهم تشكل جنحة مما يوجب الإحالة على محاكم الجنح (الجزاء سابقا).
وفيما يخص الدعوى الجزائية تستمع المحكمة الى شهادة المشتكين أو المجنى عليهم وشهود الأثبات وشهود النفي وتستمع الى اقوال المتهمين، وتقوم بتدقيق الأدلة الثبوتية المقدمة من قبل السلطات التحقيقية والمرفقة بالقضية، وبعد ان تدقق المحكمة جميع تلك الادلة التي قدمت اثناء التحقيق أو المحاكمة، والادلة هذه هي اقرار المتهم أو أفادته أثناء التحقيق أو المحاكمة ومحاضر التحقيق والمحاضر والكشوفات الرسمية الاخرى وشهادات المشتكين والشهود وتقارير الخبراء والتقارير الفنية المختصة ومحاضر الادلة الجنائية فيما يخص تدقيق صحة نسبة التواقيع ومطابقة الخطوط من قبل الخبراء الفنيين أو اية تقارير فنية أو رسمية تقدم في القضية، بالاضافة الى مناقشة جميع القرائن والادلة الاخرى المعتبرة قانوناً، بما فيها أذا طرحت أدلة جديدة تتم مناقشتها من قبل جميع الأطراف، والدلائل ليست ذات أثر واحد في عملية الأثبات، حيث أن أثرها يترك أمر تقديره الى المحكمة نظراً لأهمية دورها في أثبات القضية المعروضة أمامها، كما ليس للقاضي ان يحكم بعلمه الشخصي، وبعد أن تقوم المحكمة بتوجيه التهمة للمتهم على ضوء ما توفر لها من قناعة بأن الأدلة تكفي للأتهام، وفقاً لنص قانوني تحدده في ورقة التهمة وتقيد جواب المتهم عنها، وتستمع الى أقوال وكيله، فأن لم يكن له وكيل أو أنه انسحب لأي سبب كان أو أن المحامي توفي قبل أكمال دفاعه، فأن على المحكمة أنتداب محامي للدفاع عن المتهم وتتحمل الدولة اتعاب المحاماة حيث تتكفل خزينة الدولة بدفعها للمحامي المنتدب بعد اكتساب الحكم الدرجة القطعية، ويشار الى ذلك بفقرة في قرار الحكم، وبعد أن استمعت المحكمة الى دفاع المحامي المنتدب و آخر أقوال المتهم. وبعد أن تستكمل المحكمة جميع الأجراءات المنصوص عليها في قانون أصول المحاكمات الجزائية، تقرر تأجيل النظر في الدعوى لأغراض التدقيق،أو أن تقرر الأختلاء لفترة قصيرة في نفس اليوم، واثناء اختلاء المحكمة لتدقيق الادلة فأن لها السلطة المطلقة في تقدير كفايتها، وتخضع هذه الادلة لتقديرات المحكمة، كما أن للمحكمة أن تاخذ جميع ما دار وتمت مناقشته في جلسات المحاكمة من وقائع وأقرار بادر المتهم بالتصريح بها اثناء جلسات المحاكمة، وللمحكمة أن تأخذ من تلك الادلة والقرائن والسندات سبباً للحكم.
وخلال فترة التأجيل للنطق بقرار الحكم والتي لايجوز لأحد غير أعضاء هيئة المحكمة الحضور في جلسات المداولة المغلقة، تقوم المحكمة بالمداولة بين اعضاؤها ورئيسها الذين استمعوا الى جميع مادار في جلسات تلك المحاكمة، يتم خلال تلك الفترة تدقيق القضية والتشاور والمناقشة بين الأعضاء بما فيهم الرئيس، ويبدي كل منهم وجهة نظره بما تحقق له من دراسة القضية وما تجمع لديه من أدلة أثبات أو نفي فيها، يتم خلالها وزن الأدلة المقدمة أو نفيها أو اهمالها، وتقدير ما يمكن الأستناد عليه فيها.
أن المحكمة عند أصدارها قرار الحكم بالأدانة فأنها تأخذ بنظر الأعتبار الظروف القضائية المشددة الواردة في مواد الفصل السادس من قانون العقوبات (المواد من 135 – 140)، بالأضافة الى إمكانية المحكمة تطبيق الظروف القضائية المخففة الواردة في المواد 128 – 134 في قانون العقوبات.
ويتوجب على المحكمة أن تصدر قرار التجريم أو الأدانة مرفقاً مع قرار الحكم بالعقوبة، وقرار الأدانة أو التجريم هو القرار الذي يفصل القضية بشكل موجز ووافي، ويشير الى الأسباب التي استند عليها قرار الحكم في التجريم أو غيره من القرارات، بمعنى انه يحتوي على الأسباب الواقعية والقانونية والمنطقية، وتبرز أمكانية القاضي وقدرته في التفصيل الواضح والأيجاز الذي لايضر بأصول الأستدلال ووضوح القضية لمن يطالعها أو يدققها من هيئات قضائية تمييزية أو تدقيقية، وضمن قرار التجريم أو الأدانة يتم إيجاز تفصيلي للقضية يعتمد على إمكانية القاضي وقدراته وخبرته الموضوعية والثقافية في هذا المجال، كما يبرز ايضاً انعكاس فن القضاء وما أستطاع القاضي اختزاله من معلومات دقيقة ومهمة في القضية، وفي هذا القرار أيضاً تبرز ثقافة القاضي وأمكانياته في توضيح مفاصل القضية ومكامن الأسباب التي استندت عليها المحكمة أو التي لم تستند عليها في قرار الحكم، حتى يمكن إن يكون حجة وقاعدة أساسية يستند عليها قرار الحكم.
ويمكن أن تصدر المحكمة قرارها بالأتفاق، في حال أتفاق جميع الأعضاء والرئيس على وجهة نظر قانونية واحدة، أو أن يصدر القرار بالأغلبية ويتوجب في تلك الحال أن يقوم العضو المخالف بكتابة مخالفته تحريريا وبيان اسبابها وحيثياتها وربطها مع أضبارة القضية لعرضها على محكمة التمييز أو الهيئة التمييزية التي تدقق القضية وخلال فترة التدقيق التمييزي يتم النظر لطلب المخالفة بعين الأعتبار. ويتم أصدار قرار الحكم بناء على ما توفر للمحكمة من قناعة بأن الأدلة التي توفرت في القضية كافية للأدانة وان المتهم ارتكب ما تهم به فتصدر حكما بادانته وبالعقوبة التي تفرضها عليه قانونا،بما يتناسب مع العقوبة المقررة في المادة القانونية، والنصوص التي سبق أن اشار لها قرار التجريم في التطبيقات القضائية من ظروف قضائية مخففة أو مشددة ترافق تطبيق العقوبة وتحديد مدتها وفقا لذلك، اما اذا وجدت المحكمة إن الادلة التي توفرت لاتكفي للادانة فتصدر قرارا بالغاء التهمة الموجهة للمتهم وتقرر الافراج عنه، أو إن المتهم بريء مما أتهم به اذا اقتنعت المحكمة إن المتهم لم يرتكب الفعل المتهم به، أو إن الفعل لايقع تحت أي نص عقابي فتصدر حكما ببراءته من التهمة الموجهة اليه، أو انه غير مسؤول قانوناً فتصدر حكمها بعدم مسؤوليته مع اتخاذ التدابير التي ينص عليها القانون. ويتم اخلاء سبيل المتهم الموقوف عند صدور القرار ببراءته أو بعدم مسؤوليته أو بالافراج عنه إن لم يكن موقوفا أو مسجونا لسبب آخر.
أن مباديء كثيرة يضعها القضاة أمامهم عند المباشرة بكتابة قرار الأدانة والحكم، فالمتهم بريء حتى تثبت أدانته، والشك يفسر لصالح المتهم، ولايجوز للقاضي أن يحكم بعلمه الشخصي، ولايجوز تأسيس الحكم على رأي خارج نطاق الهيئة القضائية،ويطبق القانون الأصلح للمتهم، والمطالبة بالحق المدني تتبع الحكم الجزائي، كما لايصدر القاضي حكمه تحت تأثير العاطفة الشخصية أو الأنفعال، ولايحق للقاضي أن يكون رأيا ويعلنه قبل صدوره، وللقاضي الحرية الكاملة في تكوين الاعتقاد دون تدخل من أي جهة كانت. وبأنتهاء المدة القانونية المقررة للطعن، او بورود القضية مصدقة من محكمة التمييز الأتحادية في حال الجنايات، او من محكمة الأستئناف الاتحادية المختصة في حال الجنح، تنتهي القضية من امام القضاء، وتنتقل مسؤوليتها الى السلطة التنفيذية، ويصبح تنفيذ الأحكام من اختصاص الجهة التنفيذية.
وكثيرا ما نسمع الأنتقادات الموجهة للقضاء حول عدم الأستعجال في تنفيذ الأحكام والعقوبات، وهي مهمة لاتخص القضاء ولاتقع ضمن دائرة مسؤوليته، وحتى نكون منصفين فأن القضاء العراقي ليس له دخل في قضية سرعة تنفيذ الأحكام التي صدرت بحق المجرمين من الأرهابيين أو غيرهم وأكتسبت الدرجة القطعية، حيث ان القضاة مستقلون لاسلطان عليهم في قضائهم لغير القانون ولايجوز لأي سلطة مهما كانت التدخل في القضاء او في شؤون العدالة
إحالة المتهم الموظف على المحاكمة
تهدف عملية التحقيق الابتدائي الى تهيئة القضية التحقيقية لإصدار القرار فيها بالنتيجة التي توصل اليها التحقيق، بعد ان توفرت الأدلة والقرائن بشكل كافي او غير كافي او لم تتوفر اصلا، فتكون القضية التحقيقية مهيئة في دور التحقيق لأصدار القرار المناسب، أذ بعد انجاز عملية التحقيق الابتدائي التي يتولاها قاضي التحقيق، والتي يقوم بها المحققون تحت اشرافه .
يقوم قاضي التحقيق بتدقيق الأوراق التحقيقية الخاصة بالقضية تدقيقا من شأنه أن يراجع جميع ما توفر في القضية من أدلة وأسانيد وقرائن، ويرجع كل ما توفر ضمن سياق عملية التحقيق من أقوال الشهود والمتهم والمحاضر والكشوفات التي أجرتها سلطة التحقيق أو الصادرة من الجهات ذات الأختصاص، على أساس ما قررته المادة 130 من الأصول الجزائية بجميع فقراتها، فاذا وجد قاضي التحقيق ان الفعل لايعاقب عليه القانون أو ان المشتكي تنازل عن شكواه وكانت الجريمة مما يجوز الصلح عنها دون موافقة القاضي أو ان المتهم غير مسؤول قانونا بسبب صغر سنه فيصدر القاضي قرارا برفض الشكوى وغلق الدعوى نهائيا.
غير ان القاضي إذا وجد أن الفعل معاقبا عليه وان الأدلة التي توفرت في القضية تكفي لمحاكمة المتهم ، فيصدر قرارا بإحالته على المحكمة المختصة، اما اذا وجد أن الأدلة كانت لاتكفي لإحالته على المحاكمة فيصدر قرارا بالافراج عنه وغلق الدعوى مؤقتا وبيان أسباب ذلك ضمن القرار الصادر.
كما أن القاضي يقرر غلق الدعوى مؤقتا اذا وجد ان الفاعل مجهول اوان الحادث وقع قضاءً وقدرا .
أن قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 المعدل رسم كيفية تحريك الشكوى الجزائية، وحددت المادة 3 من القانون عدم جواز تحريك الدعوى الجزائية الا بناء على شكوى من المجني عليه او ممن يقوم مقامه قانونا ضمن دعاوى عديدة حددتها من 1- 7 من الفقرة آ، كما لم تجوز الفقرة ب من نفس المادة تحريك الدعوى الجزائية في الجرائم الواقعة خارج العراق دون اذن مسبق من السيد وزير العدل .
ونص القانون على الأحكام العامة للتحقيق الابتدائي وسماع الشهود وندب الخبراء والتفتيش وطرق الاجبار بالحضور بما فيها التكليف بالحضور والقبض وتوقيف المتهم وإخلاء سبيله وحجز أموال المتهم الهارب واستجواب المتهم وقرارات القاضي بعد انتهاء التحقيق.
والأصل في القضية التحقيقية بعد استكمال جوانبها الأصولية، أن يقرر قاضي التحقيق في حال توفر الأدلة الكافية ضد المتهم بإحالته على المحاكمة الى المحكمة المختصة بغض النظر عن صفته، وما أذا كان موظفا لدى الدولة العراقية أو انه كان مكلفا بالخدمة العامة أو انه غير ذلك ، تبعا لمبدأ قانونية الجريمة والعقاب، فالقانون لا يوفر غطاء لوقاية الفاعل من العقوبة التي يقررها القانون، غير ان هناك استثناء يتعلق بالجرائم الماسة بأمن الدولة الداخلي أو الخارجي وفي جرائم إهانة الحكومة او الوزارات أو الهيئات النيابية أو القوات المسلحة او شعار الدولة او علمها او الدول الأجنبية أو المنظمات الدولية او رؤوسائها او ممثليها أو علمها أو شعارها الوطني، وكذلك عن الجرائم التي تقع خارج العراق من عراقي ويعاقب عليها القانون العراقي، وهي المواد التي نص عليها قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل من 156-228 عقوبات، حيث لم يجوز القانون أحالة المتهم على المحاكمة أمام المحاكم الجزائية المنصوص عليها في هذا القانون الا بأذن من وزير العدل.
ومن الطبيعي أن الأمر يشير الى وجوب استحصال الأذن بالإحالة من قبل السيد وزير العدل في حال توفر الأدلة التي تكفي للإحالة ، لأن حالة عدم توفر الأدلة أو عدم كفايتها يوجب على قاضي التحقيق أصدار القرار بالإفراج وغلق الدعوى مؤقتا وفق المادة 130 /ب من الأصول الجزائية.
وحالة توفر الأدلة التي تكفي لمحاكمة المتهم (الموظف) تشير الى أستكمال مراحل عملية التحقيق الأولي والأبتدائي، كما تدل على تدقيق قاضي التحقيق للأدلة التي توفرت في القضية التحقيقية، او الأدلة التي كانت تكفي لأحالة المتهم على المحكمة المختصة، فتكون محكمة التحقيق قد قطعت شوطا كبيرا في هذه المرحلة ووجدت أن هناك ما يستدعي أن تتم أحالة المتهم على المحاكمة، غير أن القانون أشترط أقتران الأحالة في حال توفرت الأدلة الكافية للأحالة بموافقة الوزير المختص ودون تلك الموافقة تتهدم جميع اركان القضية التحقيقية، وتنتهي كل الأدلة التي توفرت وكانت تكفي للأحالة، كما تنتهي في حال عدم موافقة الوزير المختص على تلك الإحالة.
وما يعنينا في هذا البحث الموجز هو نص الجملة الأولى من الفقرة ب من المادة 130 من الأصول الجزائية فيما يخص توفر الأدلة الكافية لأحالة المتهم على المحكمة المختصة لمحاكمته، ووفقا لهذا فأن المتهم بجناية يحال على محكمة الجنايات بدعوى غير موجزة، وعلى محكمة الجنح بدعوى غير موجزة أن كان معاقبا عليها بالحبس مدة تزيد على ثلاث سنوات، وبدعوى موجزة أو غير موجزة في الأحوال الأخرى، غير أن هذه الإحالة تتقيد بالنسبة للمتهم الموظف ضمن شروط حددها نص المادة 136 من الأصول الجزائية.
وباستثناء المخالفات التي نص عليها قانون المرور رقم 48 لسنة 1971 المعدل، لم يجوز القانون ضمن الفقرة ب من المادة 136 من الأصول إحالة المتهم على المحاكمة في جريمة ارتكبت:
-1 أثناء تأديته لوظيفته الرسمية.
-2 بسبب تأديته لوظيفته الرسمية.
-3 أن يكون المتهم موظفا لم يزل في الخدمة.
الا بأذن من الوزير الذي يتبعه الموظف المتهم المذكور مع مراعاة ما تنص عليه القوانين الأخرى.
وعليه فأن أرتكاب الموظف المستمر بالخدمة فعلا يعده القانون جريمة يعاقب عليها أثناء تأديته لوظيفته الرسمية، والموظف الذي يرتكب فعلا يعده القانون جريمة بسبب تأديته لوظيفته الرسمية، وفي جميع تلك الحالات أن يكون الموظف المتهم مستمرا في الخدمة العامة ولم يزل مستمرا فيها، يقترن أحالة الموظف على المحكمة المختصة بموافقة الوزير المختص ـ الذي يتبعه الموظف أداريا – ودون تلك الموافقة تتوقف جميع الأجراءات القانونية ولايجوز قانونا احالة المتهم الموظف، وعلى المحكمة في حال صدور قرار بعدم الموافقة أن تصدر قرارها بغلق التحقيق وإيقاف الأجراءات القانونية لعدم استكمال الشروط الشكلية التي يتطلبها النص القانوني، وبالتالي يتم اخلاء سبيل المتهم الموظف أن كان موقوفا.
يشير هذا الأمر الى تعطيل قرار الإحالة في حال توفر الأدلة أو كفايتها للأحالة الا بعد صدور موافقة الوزير المختص الذي يتبعه الموظف المتهم المذكور الذي انجز التحقيق معه، ووجد قاضي التحقيق أن الأدلة أما أن تكفي أو متوفرة لأحالته على المحكمة المختصة، وموافقة الوزير المختص لازمة، ولا يستطيع قاضي التحقيق مناقشتها أو تجاوزها، إذ أن النص مطلق، والمطلق كما نعرف يجري على أطلاقة، ووفقا لهذا يستطيع الوزير المختص أن يشعر قاضي التحقيق بعدم موافقته على أحالة الموظف المتهم على المحكمة الجزائية المختصة دون ان يبدي السبب او المبرر، ووفقا لهذا فأن على قاضي التحقيق أن يصدر قرارا بغلق التحقيق وإيقاف الإجراءات القانونية وفقا للفقرة ب من المادة 136 من الأصول الجزائية.
ويبدو انتهاك معيار العدالة في تطبيق النص المذكور في حال طلب الجهات الحكومية من السلطة القضائية اتخاذ الإجراءات القانونية بحق من تعتقد انه ارتكب جريمة أو ضررا بالمال العام أو اختلاسا للمال، وحين تستمر السلطات التحقيقية في إجراءاتها القانونية وتستكمل القضية التحقيقية، وحين تجد تلك السلطة أن الأدلة المتوفرة تكفي للإحالة على المحكمة المختصة، فانها ملزمة بإستحصال موافقة الوزير المختص على إحالة المتهم المذكور على المحاكمة، وحين يصدر الوزير المذكور قرارا برفض إحالة المتهم المذكور فأنه ومهما كان السبب والتبرير يساهم في منع العدالة من أن تأخذ مجراها والقضاء من أن يقول كلمته، وكل ذلك استنادا لنص قانوني يبيح له هذا الانتهاك الخطير ودون أن يسأل عن تبريرات ذلك، وأننا نجد أن طلب اتخاذ الإجراءات القانونية أو الموافقة على اتخاذها يكفي لاستمرار تلك الإجراءات بانتظار صدور القرار القضائي البات والعادل في القضية التحقيقية والمنظورة أمام القضاء العراقي.
أن الأصل في ارتكاب الجريمة أنه لاعقاب على فعل أو امتناع الا بناء على قانون ينص على تجريمه وقت اقترافه، وانه لايجوز توقيع عقوبات أو تدابير أحترازية لم ينص عليها القانون، ويتحدد نوع الجريمة من حيث طبيعتها ومن حيث جسامتها، فاذا كانت الأدلة التي توفرت في قضية جزائية قد توفرت وصارت كافية في كل الأحوال لأحالة المتهم حتى وأن كان المتهم موظفا أرتكب الجريمة أثناء تأديته لوظيفته الرسمية أو بسبب الوظيفة، وأن تأخذ العدالة مجراها وأن تتم محاسبة مرتكب تلك الأفعال المخالفة للقانون، فأن كانت الأدلة التي توفرت كافية لأدانته قامت المحكمة المختصة بأدانته بعد أن تقتنع بالعقوبة التي تفرضها عليه، وأذا تبين أن الأدلة لاتكفي للأدانة فتصدر قرارها بالغاء التهمة والأفراج عن المتهم بمقتضى نص الفقرة ج من المادة 182 من الأصول الجزائية.
وحيث أن نص الفقرة ب من المادة 136 من الأصول لم تجوز إحالة الموظف المتهم على المحاكمة في جريمة ارتكبت أثناء تأديته وظيفته الرسمية او بسببها الا بعد الحصول على موافقة الوزير المختص الذي يتبعه الموظف المذكور، فأن الأمر يشكل إخلالا بالعدالة ويمنح سلطة للوزير المختص تمنع القضاء من قول كلمته الفصل في الجريمة المرتكبة تحت حجة الوظيفة او بسببها، وتمنع القضاء من إصدار قراره العادل، وأن هذا النص لايجد له ما يبرره أمام مساواة العراقيين دستوريا في الحقوق والواجبات امام القانون، كما أن عدم موافقة الوزير المختص يشكل إسهاما في حماية المتهم المرتكب للفعل المخالف للقانون ليس له ما يبرره.
بالأضافة الى ما يسببه النص المذكور من عرقلة في أنجاز وأستكمال القضايا الجزائية، حيث أن المحاكم الجزائية تبقى أسيرة بأنتظار قرار الوزير المختص، فأن وردت الموافقة قامت المحكمة بالأحالة، وفي حال عدم الموافقة قامت المحكمة بغلق القضية التحقيقية.
أن إلغاء العمل بنص الفقرة ب من المادة 136 من الأصول الجزائية يجعل عملية التحقيق مع المتهم الموظف تأحذ مجراها الطبيعي والقانوني دون عقبات أو قيود، لأي سبب وتحت أي زعم، لأن الأصل أن تكون نتيجة الفعل المخالف للقانون عقوبة رادعة تتناسب مع حجم الخطورة التي سببها الفعل. كما أن تقييد ايقاع العقوبة على الفاعل يتناقض مع مبدأ قانونية الجريمة والعقاب.
ونجد أن العمل باتجاه أصلاح النصوص القانونية بما تتماشى مع منطق القانون ونصوص الدستور ومفهوم دولة القانون، ان عملية الأصلاح القانوني توجب تدقيق تلك النصوص التي تعرقل عمل القضاء، وأن رفع شرط موافقة الوزير المختص على الإحالة في حال توفر الأدلة أو كفايتها، بأعتباره شرطا يتناقض مع مباديءالقانون والعدالة، يشكل ضرورة تمليها الظروف والأوضاع التي صار اليها العراق، وهو يسعى لتأسيس ركائز لدولة القانون المستند على نصوص الدستور، وفي هذا الأمر لاتكون هناك مشكلة في حالة صدور قرار من قاضي التحقيق بالإفراج عن المتهم وغلق القضية التحقيقية، الا المشكلة تبرز في منح السلطة التنفيذية المتمثلة بالوزير المختص سلطة التحكم بإحالة المتهم الموظف على المحاكمة من عدمه، ويمكن معه أن يمنع جميع الأجراءات التي يمكن اتخاذها بحق المتهم، كما يلغي القضية ويغلق التحقيق ويمنح الفعل فرصة الإفلات من العقاب، وهذه السلطة التي يمنحها قانون أصول المحاكمات الجزائية كان لها ما يبررها حين كانت السلطة تتركز مركزيا وتختزل كل السلطات بيد جهة واحدة، الا أن نظرية فصل السلطات التي أخذ بها الدستور العراقي والتزمت بها القوانين العراقية تتعارض مع تلك التوجهات البائدة، ولم تزل جميع المحاكم في العراق تعاني من هذه الناحية.
حق تقرير المصير
9/1/2011 :
أكد السيد مسعود بارزاني رئيس اقليم كردستان العراق في كلمته أمام المؤتمر الثالث عشر للحزب الديمقراطي الكردستاني ان الشعب الكردي واسوة بكل شعوب العالم له حقه المشروع في تقرير مصيره، وأن الكرد هم مكون عراقي رئيس وجزء من حلوله وأمانيهم في تامين حقوقهم في اطار العراق وليس على حساب اية مكونات اخرى.
يرى الفقهاء أن حق تقرير المصير يعني ((حق شعب ما في أن يختار شكل الحكم الذي يرغب العيش في ظلّه والسيادة التي يريد الانتماء إليها))، وهذا الحق هو جزء أساسي ولايمكن فصله عن المبادئ العامة لحقوق الأنسان، وهذا الحق أيضا نتيجة التضحيات والمخاضات التي ناضلت من اجلها الشعوب المسلوبة ألأرادة والمضطهدة، والتي سطرت في سبيلها الملاحم والتضحيات عبر نضالها الطويل خلال مسيرة الأنسانية، من أجل الأقرار بهذا الحق، بديلا عن الأستعمار، وعن سيطرة مجموعة بشرية على مجموعة أخرى بأي شكل كان.وجاء في المادة الأولى من العهد الدولي الخاص بالحقوق الأقتصادية والأجتماعية والثقافية المرقم 2200 في 16/ كانون الأول/ 1966، بأنه لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها، وهي بمقتضى هذا الحق حرة في تقرير مركزها السياسي، وحرة في السعي لتحقيق نمائها الأقتصادي والأجتماعي والثقافي.
كما ان كثيرا من كتّاب القانون الدولي المعاصر اعتبروا حق تقرير المصير من النظام العام الدولي تأكيدا علي اهميته، حيث ترسخ حق الشعوب في تقرير مصيرها كحق أساسي من حقوق الانسان، ومن هذا المنطلق أكدت القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة على ضرورة التمسك بحق تقرير المصير، وأن يكون للشعوب الحرية في أختيار شكل الحكم التي تراه متلائما مع ظروفها ومجتمعها، وأن للشعوب غير المستقلة أن تسعى وتناضل من اجل إستقلالها وتحررها وأن تحكم نفسها بنفسها.
أن هذا الحق منح بداية للأمم أو الشعوب والقوميات التي أُجبرت على الخضوع لقوميات أخرى في مرحلة المد الاستعماري أو الإلحاق القسري أو ضمن مخططات المصالح الدولية، وأن هذه الشعوب ترفض الخضوع وترغب بالحفاظ على هويتها وشخصيتها الوطنية، أو استعادة استقلالها الذي كانت تتمتع به، أو تحت ظل أية صيغة ترغبها أوتريدها.
وليس بالضرورة أن يكون حق تقرير المصير الانفصال أو الاستقلال، حيث لكل مجموعة بشرية ظروفها وأنماط حياتها وتواريخها المشتركة وخياراتها، وهناك من الشعوب ما تختار الاستقلال التام، بينما لجأت جماعات أخرى الى أختيار الحكم الذاتي أو النظام الفيدرالي،بينما فضلت أخرى البقاء تحت سيادة الدولة المركزية المسيطرة عليها برغبتها ورضاها، وهذا الحق منوط بالرغبة الشعبية التي يتم الأجماع عليها من قبل تلك المجموعة البشرية.
وازاء كل هذا فما الذي اثار النعرات الشوفينية مرة أخرى بعد أن طرح البارزاني حق تقرير المصير، ثم أكد اختيار شعب كردستان العراق للبقاء ضمن وحدة العراق الأتحادي الفيدرالي.
هل أن تحديد الاهداف المشروعة محرمة على الكرد ومحلله على غيرهم؟ و لماذا الكرد وحدهم من تحدد حقوقهم السياسة الدولية؟ وتمنعهم الدول الأخرى من الحصول على حقهم القانوني والطبيعي في الحياة وفقاً للمصالح والمتغيرات الدولية!! ولماذا الكرد وحدهم من لا يتمكن التمتع بتلك الحقوق التي صارت تطبق على كل شعوب الأرض، وفقا لعهود وشرائع دولية، والتي أقرتها الشرائع وأكدت عليها اللوائح الإنسانية؟ ومتى كانت هذه المصالح والرغبات تحد من مطالبة الشعوب بحقوقها المشروعة؟ وهل يمكن أن نتعكز على هذه الأسباب في التخفي الشوفيني الرافض لأعطاء الكرد حقوقهم المشروعة والأقرار بها؟
لانعتقد أن أي صاحب وجدان وضمير حي لايقر أن الكرد شعب لهم تاريخهم ولغتهم وكيانهم الخاص، وكما لانعتقد أن احداً من أصحاب الضمير والوجدان وممن يحترم حق الأنسان في الحياة على الأقل، لا يقر بأن الكرد شعب مثل باقي الشعوب، لهم ما لكل شعب في العالم، وحالهم حال الناس جميعا لايكبرون عليهم مثلما لايصغرون عنهم، وأنهم شعب لهم احلامهم وطموحهم وحقوقهم وواقعهم، وانهم كانوا يسكنون على أرض موجودة على الكرة الأرضية ولم يأتوا من المجهول ولم ينزلوا من المريخ مطلقاً!!
فأذا كانت هذه القواسم المشتركة في الأقرار بأن الشعب الكردي له وجود وتاريخ ولغة خاصة وكيان، وهذا الوجود قديم قدم الأنسان الذي ظهر في كهوف نياندرتال في مناطق كردستان، وتأريخ يسجل انهم من الشعوب القديمة والموغلة في القدم، وانهم مجتمع له خصوصيته في اللغة والتقاليد والأعراف والقيم، فأن كانت كل تلك الحقائق تدفع لمعرفة حقيقة ما للكرد من حقوق، علينا أن نقرأ الحقوق التي أكدت عليها الشرائع الدينية، كما يستلزم الأمر منا بعد ذلك التعرف على الشرعية الدولية لحقوق الانسان التي جسدها الأعلان العالمي لحقوق الانسان والصادر بتاريخ 10 كانون الاول 1948.
الأعلان العالمي لحقوق الانسان صدر حين شعرت المنظومة البشرية أن للأنسان كرامة وحقوق يتساوى بها البشر بشكل ثابت دون أعتبار للقومية أو اللون أو الجنس أو الدين، ويشكل هذا النداء الدولي الأساس والدعامة للحرية والعدالة والسلام في كل انحاء الكرة الأرضية، والكرد ضمن تلك المنظومة البشرية تتساوى مع بقية شعوب الأرض، ويشكل النداء العالمي واجهة عريضة للتطبيق الأنساني للقانون في عملية الأقرار بحقوق شعب كردستان.
ويقينا ان التغييب المتعمد لحقائق التاريخ، ومحاولات تشويه هذه الحقائق، ما يدفع لصحوة الضمير الأنساني نتيجة زمن مرير من الفقر والخوف والحروب والانتهاكات والظلم والطغيان والقمع والدكتاتورية، صحوة الضمير تلك نتيجة الأستعمار والمخططات الاستعمارية والتمزيق والمصالح الدولية والمعاهدات التي وضعت لتقسيم الناس، وأنعدام الأقرار بالحقوق والأستغلال، وسيطرة أمة على أخرى تحت شتى المزاعم والحجج بالأضافة الى تردي مستوى الحياة.
كل هذا وغيره كان الدافع الذاتي الذي دفع الأمم المتمدنة والتي تحترم الانسان وتعتبر حياته وقيمته اكثر قدسية وقيمة من الأرض، دفعها الى أيجاد فهم مشترك لمعاني حقوق الانسان وحق تقرير المصير والحرية من أوليات هذه الحقوق، وبالتالي الالتفات إلى كل تلك الوسائل التي تريد تخريب الحياة الآنسانية وتشويه حقيقة الشعوب، فتجد أساليب تواجه تلك الوسائل.
وشكل الأعلان العالمي لحقوق الانسان القانون الأعلى الواجب الالزام في العصر الحديث، ليس فقط قانونياً وانما يمتد لينسحب معنويا الى الدول التي تعهدت عن قناعة بهذا الالزام، وهذا الأعلان وأن كان إعلانا راسما للخطوط العامة لحقوق الأنسان التي أقرتها الشرائع قبله، فأن الالزام الأنساني والقانوني يبقى طوعيا.
وبالرغم من ان الاعلان العالمي لحقوق الانسان لم يكتشف امور غير موجودة في الحياة البشرية، الا أن الألزام الذي شكله في الأقرار بنصوصه التي تقر بمساواة الانسان في كل مكان بالحقوق والكرامة، جائت بنصوص منحت الحق القانوني للأنسان في التمتع بحقوقه دون تمييز بسبب العنصر أو اللغة او الدين أو الجنس أو الفكر السياسي.
وعلى هدى هذا الأعلان الواضح والصريح سارت العهود الدولية التي تقر بالحقوق المدنية والسياسية، بعد ان وجدت البشرية أن السبيل الوحيد لتحقيق المثل الاعلى المتمثل بالاعلان العالمي لحقوق الانسان في ان يكون البشر احراراً، وهذه الحرية لم تكن وليدة اليوم أو العصر الحديث فقد اعتمدتها الرسالة المحمدية وأكدتها الأديان السماوية وغير السماوية كلها، وجسدت تطبيقاتها الخلافة الراشدية، ولم تزل معياراً تعتمدها السلطات التي تحترم شعوبها وتلتزم بأسس الحياة الديمقراطية والدستورية، يضع محبي الأنسان والحرية في جانب يتعارض مع الجانب الذي لم يزل حتى اليوم ينظر الى الناس وفقاً لألوانهم وقومياتهم ولغاتهم، لذا فقد اقرت الدول جميعها (لجميع الشعوب) حق تقرير مصيرها بنفسها، وهي بمقتضى هذا الحق حرة في تقرير مركزها السياسي والقانوني، وحرة في السعي لتحقيق نمائها الاقتصادي والأجتماعي والثقافي.
وأذا كان حق تقرير المصير أساسا قائما ومحترما من تلك المجموعة البشرية وهي الأكبر، اليس الكرد من الشعوب التي يمكن لها ان تقرر مصيرها وفقا لهذه القوانين الشرعية والقانونية والدولية والدستورية؟
وأن لجميع الشعوب أن تسعى وراء أهدافها الخاصة، وأن تتصرف بثرواتها ومواردها الطبيعية، ومن المهم أن نذكر أن الأتفاقيات الدولية القانونية ركزت على أن على (الدول الأطراف) بما فيها التي تقع على عاتقها مسؤولية أدارة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي والأقاليم المشمولة بالوصاية، أن تعمل على تحقيق حق تقرير المصير وأن تحترم هذا الحق وفقاً لأحكام مواثيق الأمم المتحدة.
وتعهدت جميع الدول بأحترام هذا الحق وبكفالة الحقوق للشعوب الموجودة تحت ولايتها دون اي تمييز بسبب العرق او اللون او الجنس او اللغة او الدين او الرأي.
وبهذا آمنت الأنسانية متجسدة في اعلان حق تقرير المصير ومنح الأستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة، مهما كان شكل الهيمنة أو عدم الأستقلال، بأن لجميع الشعوب حقاً ثابتاً في الحرية العامة، وفي ممارسة سيادتها وفي سلامة ترابها الوطني، بل لايجوز أتخاذ ذريعة نقص الأستعداد في الميدان السياسي أو الأقتصادي أو الأجتماعي أو التعليمي ذريعة أو سبباً لتأخير منح الأستقلال.
وعلى هذا الأساس نجد انه من الطبيعي ان يكون مبدأ حق تقرير المصير في القانون الدولي يعطي الأمم والشعوب الحق والشرعية في اختيار أنماطها السياسية والفكرية والحضارية، وهكذا فقد أصبح واضحا ان لتلك الشعوب الحق في الاعتماد على وسائلها المتاحة، من أجل ارغام القوى المستعمرة على الاقرار بحقها المكفول لها بموجب ذلك الميثاق، ويدخل في سياق هذه الوسائل (وسيلة القوة والكفاح المسلح)، وأن لجوء الشعوب الى ألأستناد الى القوة سواء للدفاع عن نفسها أو لأرغام السلطة القامعة على الرضوخ للمبادي ء العامة للعدالة والحق والقرارات الدولية.
أن حق تقرير المصير هو مبدأ سياسي يقوم على أساس ((حق الشعوب المضطهدة في تقرير مصيرها أي التحرر من الاستعمار و السيطرة وتأسيس دولة مستقلة ذات كيان سياسي مستقل)) ذلك لان الشعوب متساوية في الحقوق، ويشمل حق تقريرالمصير الشعب الكردي لتوفر جميع مستلزمات هذا المبدأ فيه. فأذا كان للشعب الكردي حق تقرير المصير بمقتضى مباديء العدالة، وبمقتضى القرارات والقوانين الدولية، وأذا كانت تطلعات الشعب الكردي تتجسد في تطلعه المشروع لأستقلاله وتوحيد اجزاء كردستان المبعثرة تحت سيطرة العديد من السلطات التي لاتعترف بحق الشعب الكردي في حقه بالأستقلال وأية حقوق مشروعة أخرى.
نقف هنا في موقف الأختيار أما ألاقرار للشعب الكردي بحقه في اختيار حريته وأستقلاله، وهذا ما يتطابق مع القوانين والقرارات الدولية، أو ان نقف موقف الرافض لهذه الحقوق ورفض تطبيق القرارات الدولية تحت شتى المزاعم والحجج والتبريرات، مما يجعلنا ليس فقط نتجنى على شعب آخر بأرغامه على البقاء تحت سيطرة وسطوة قومية أخرى، بل الأمر يتعدى ذلك الى رفضنا للمباديء العامة للعدالة ولائحة حقوق الانسان، مما يجعلنا خارج السياق الأنساني والتطلع المدني للحياة الأنسانية وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
كما اننا اذا اعتقدنا بحق الشعوب في تقرير مصيرها، فاننا نقر بحق الشعب الكردي بحقه في الأختيار، وهذا الحق لم يكن سببه أو الحصول عليه بسبب موقف سياسي من مواقف الاقطاب الكبيرة في السياسة الدولية، أو رؤوس المصالح الدولية، فلم ينتظر الشعب الكردي من أحد ليطلب منه الحقوق، بدليل أنه لم يستشير احد حين قرر المواطن الكردي الالتحام بقيادته ولبى نداء أحزابه، ورفع السلاح بوجه السلطات التي تنكر عليه حقوقه، معرضا حياته للخطر، وتوحد صوت الشعب الكردي في المطالبة بحقه الأساس في الحياة، ولم ينتظر الشعب الكردي أمراً دولياً ليبدا يطالب بهذا الحق، ولم ينتظر الشعب الكردي امراً من دولة عظمى ليدافع عن حقه وكرامته.
ولكن ثمة من يسأل، انه اذا كان يحق للكرد أن يطالبوا بتقرير مصيرهم، لماذا لم يطالبوا بالأنفصال وتأسيس نواة جمهورية كردستان، بدلاً من المطالبة بالفيدرالية مع الحكم المركزي في العراق أو الحكم الذاتي قبله؟ وهل أن الفيدرالية تلبي طموحهم المستقبلي؟
الحقيقة ان ماتعرضت له الأمة الكردية يكاد يتشابه مع ماتعرضت له الأمة العربية، فكلاهما تم تقسيم اوصاله، وكلاهما تم تشريد ابناءه، ولكن الغريب أن تجد من ابناء الأمة العربية من ينكر هذا الحق على الأمة الكردية دون غيرها من ألأمم.
ومثلما بقي الحلم العربي في التوحد يراود العرب، بقي حلم التوحد الكردي املاً يراود الكرد، وهو حق مشروع تسعى له الشعوب بأرادتها وأختيارها.
وهذه الشعوب اذا ارادت حريتها وأستقلالــها فلاتطلبه من احد وتنتظر الموافقة، وانما يتم الحصول عليه بنتيجة النضال والتضحيات، وهو ما أقدمت عليه الجماهير الكردية التي صبغت صخور جبال كردستان بالدم والبسالة والصمود من اجل أن يبقى عالياً أسم كردستان، الا انهم اختاروا البقاء ضمن العراق الاتحادي الفيدرالي.
وأذا كانت الفيدرالية حقاً يمثل الحد الأدنى من حقوق الأمة الكردية، وأذا كان الجميع يقر بحقوق هذه الأمة التي سطرتها بملاحم النضال وبالتضحيات، وأذا كان الكرد في العراق يريدون أن يبقوا متلاحمين ومتوحدين ضمن فيدرالية عراقية ديمقراطية، فاننا بهذا الأقرار نتوافق بأمانة مع حق الكرد
ويؤكد البارزاني في خطابه ان هذا الحق المشروع يتم تحقيقه في المراحل اللاحقة وعبر النضال السلمي والعصري، وأزاء تطلعات وخيار الكرد اليوم التمسك بالبقاء ضمن الوحدة العراقية، مع تمسكهم بالفيدرالية، فأنهم ضمن نصوص الدستور العراقي الذي اشتركوا بوضعه والأستفتاء عليه، يتمسكون بالمحافظة على وحدة العراق وسيادته وسلامته وأستقلاله ونظامه الديمقراطي الأتحادي، وعلى هذا ألأساس فأنهم متساوين أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو القومية أو العرق أو الأصل أو اللون أو الدين او المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الأجتماعي والأقتصادي، وعليه فأنهم يتساوون اليوم في تكافؤ الفرص المكفولة لجميع العراقيين.
زمن جديد أن نجعل العراق في طريقه الصحيح لترسيخ اسس دولة العراق الفيدرالي
إنّ وعدَ الحر دَين
19/3/2011 :
ليس اكثر من شريحة الكرد الفيليين من شبعت من الوعود والكلام المعسول، وليس اكثر منهم من باتوا يحلمون باستعادة حقوقهم دون ان يلمسوا ولو جزءا يسيرا من تلك الحقوق، وليس اكثر من الكرد الفيليين من اوغل صدام في الحاق الاذى بهم جسديا وماديا ومعنويا،
وليس ايضا اكثر من الكرد الفيليين من اتفقت على مظلوميته جميع الاحزاب والشخصيات الوطنية والسياسية والتجمعات دون ان يجد موقفا او قرارا يجسد هذا الموقف الوطني والاجماع العراقي يدفع باتجاه ضرورة تشريع القوانين التي تعيد لهم الحقوق التي سلبت منهم من قبل اجهزة السلطة البائدة او التي يستحقونها في الزمن العراقي الجديد شرعا او قانونا، وليس اكثر منهم من دخل القنوط والياس الى نفوسهم من انهم لن يلتفت المشرع لهم وان لن يستعيدوا حقوقهم التي سلبتها منهم السلطة البائدة.
وحيث ان وعد الحر دين كما يقال، فقد بادر السيد رئيس الوزراء على اثر قرار الحكم الصادر من المحكمة الجنائية العراقية العليا باعتبار الجرائم التي ارتكبها النظام البائد بحق الكرد الفيليين من الجرائم ضد الانسانية، بادر السيد رئيس الوزراء الى اصدار بيان يتضمن الاقرار بمظلومية الفيليين وحقوقهم المشروعة ياتي قرار المحكمة الجنائية العراقية العليا كاشفا لما لحق بالكرد الفيليين من عمليات الابادة الجماعية والتهجير وتجريدهم من مواطنتهم والاستيلاء على ممتلكاتهم واخضاع شبابهم الى التجارب الكيمياوية ونفي اعداد كبيرة منهم الى بادية صحراء السلمان وغيرها من الجرائم التي كانت تستهدف ابادتهم والقضاء عليهم باعتبارها جريمة من جرائم الابادة الجماعية التي نص عليها قانون المحكمة رقم 10 لسنة 2005، ومعززا لما اقره مجلس النواب العراقي واكده مجلس الرئاسة في حينه بقراره المرقم (26) لسنة 2008، والمنشور بجريدة الوقائع العراقية بالعدد (4087) بتاريخ 22/9/2008، وازاء هذا القرار الكاشف لجزء من محنة الفيليين اصدر مجلس الوزراء العراقي قراره المرقم (426) لسنة 2010 بتاريخ 8/12/2010 بان يتعهد مجلس الوزراء بازالة (كافة) الاثار السيئة التي نتجت عن القرارات الجائرة التي اصدرها النظام البائد بحق ابناء الشعب العراقي من الكرد الفيليين (كاسقاط الجنسية العراقية وسحبها ومصادرة الاموال المنقولة وغير المنقولة والحقوق المغتصبة الاخرى).
ان التعهد في البيان الصادر عن مكتب رئيس الوزراء هو وعد بتحقيق الانصاف واستعادة الحقوق لمن تم نسيانهم في خضم انشغالات الحكومة ومجلس النواب، الا ان ثلاثة اشهر مضت على هذا التعهد وهو تعني فترة اخرى من الانتظار والترقب لم يزل ابناء الكرد الفيليين يتساءلون عن الفترة الزمنية التي تحتاجها الحكومة لتجسد لهم جزء من هذا التعهد، والفترة التي يحتاجها مجلس النواب ليصدر تشريعاته بخصوص قضيتهم التي صارت في مؤخرة الاهتمامات بعد ان كانت تاخذ صدارة قرارات مؤتمرات قوى المعارضة العراقية قبل سقوط الطاغية.
نثمن مبادرة السيد رئيس الجمهورية جلال الطالباني بتاسيس مكتب استشاري يخص الكرد الفيليين برئاسة السفير عادل مراد، وهي بادرة والتفاتة تنم عن حرص واهتمام، لكن الفيليين بحاجة الى قرارات وافعال وقوانين، بحاجة الى الملموس بعد ان اشبعتهم الوعود وغطسوا في الكلام المعسول، وماعادوا يثقون بهذا فقد فقدوا الامل وجعلهم الزمن في ادراج النسيان، وهم الذين تقدموا الصفوف وبادروا لتقديم القرابين والتضحيات واظهروا من المواقف الوطنية الشجاعة ما يفخر بها العراق.
التعهد الذي قطعته الحكومة على نفسها يمثل التزاما اخلاقيا وادبيا لم نزل نثق في ترجمته، ولم تزل الفرصة سانحة لترجمته الى الواقع، ومن يتمعن في قضية الكرد الفيليين سيجد انها متشعبة وبحاجة لقرارات واحكام وقوانين ترمم حالهم وتعيد لهم ثقتهم بالحكومة وتقر لهم بصريح الكلام وباعلى الصوت من انهم من يستحق التكريم والاجلال، وبانهم من يستحق ان نلم شملهم ونعيد لهم اهلهم المشردين حتى اليوم في مخيمات اللجوء في ايران، وان نكرم عوائل شهداؤهم، وان نبحث معهم عن جثث شبابهم التي غيبها النظام البعثي البائد. هذا التعهد لم يزل بعد ثلاثة اشهر بحاجة الى تفعيل ومتابعة، وهم في ترقب شديد بعد زمن ليس بالقصير انشغلت السلطة والحكام والسياسيين عنهم لشتى الاسباب. واذ يحتفي الفيليين كل عام بيوم الشهيد، فانهم انما يستذكرون تلك الكوكبة التي لم يتعرف احد على مصيرها، ولم تبذل السلطات التحقيقية ولا المسؤولة الجهد لتتعرف على اماكن دفن الجثث فان قلوبهم وضمائرهم بقيت معلقة بالعراق اينما رحلوا وكيفما حلوا.
ان لهذا التعهد ابعاده الانسانية والقانونية التي لم نزل نطمع ان نلمسها مترجمة وملموسة في اقرب فرصة حتى يمكن ان نزيل هاجس الشك والقنوط الذي غمر ارواح ابناء الكرد الفيليين، وجعلهم يدورون في اروقة المحاكم واللجان ودوائر الدولة الرسمية يبحثون عن حقوقهم المسلوبة دون ان يمسكوا بخيط يوصلهم الى نتائج بالطرق السهلة او اليسيرة، ومن سلبت السلطة البائدة حقوقه من الصعب عليه ان يستعيدها بطرقه الشخصية او الخاصة، ومن المحزن ان لاتقوم السلطة الجديدة باصدار القرارات والقوانين التي تزيل الظلم والحيف عنه، وتمهد له وسائل وسبل استعادة تلك الحقوق.
لم نزل ومعنا كل الحريصين على حقوق المظلومين والمهمشين من ابناء العراق يحدونا الامل ان نطالع تلك المشاريع القانونية المستعجلة التي تحيلها اللجان القانونية والمكتب الاستشاري لرئيس الجمهورية الخاص بالكرد الفيليين لان تترجم الحكومة الدين الذي قطعته على نفسها بحق الكرد الفيليين من ابناء العراق، وهم احق الشرائح العراقية ومعهم كل الذين تم تسفيرهم من ابناء العراق بزعم التبعية الايرانية، وجميعهم من ابناء العراق البررة، ومن الذين يستحق ان تلتفت اليهم الحكومة ومجلس النواب لمعالجة وضعهم الانساني.
وتستطيع الحكومة ان تنجز جزءا كبيرا من التعهد الذي قطعته على نفسها قبل انقضاء فترة المائة يوم التي قررها السيد رئيس الوزراء كفترة لقياس جدية ونجاح انجاز الوزير لمهامه الوزارية المناطة به، وقدرته على تحقيق انجاز البرامج والمشاريع الخاصة بوزارته امام ممثلي الشعب، باعتبارها جزء من منظومة الحكومة، وذلك بتشكيل لجان قانونية مختصة تاخذ على عاتقها تفعيل هذا التعهد بشكل فاعل و سريع، واحالة تلك المقترحات والقوانين الى مجلس النواب لانصاف الفيليين والمسفرين ورفع الظلم عن كاهلهم، واقتران تلك المشاريع بالقرارات والانظمة والتعليمات التي تصدرها الحكومة لتسهيل استعادة تلك الحقوق وازالة جميع تلك المخلفات التي تراكمت بفعل النظام البائد.
لم يزل الكرد الفيليين ومعهم ابناء العراق من المسفرين من يعتقد بان الزمن يمضي سريعا دون علاج لقضاياهم، وهم يعتقدون ان طول الزمن يقتل الامل ويجعل قضاياهم في طي النسيان، وان انصافهم واعادة حقوقهم المسلوبة تطبيقا لنصوص الدستور العراقي الذي ينص على حق العراقي في الحياة والامن والحرية، وانه لايجوز الحرمان من هذه الحقوق او تقييدها الا بناء على قانون او بناء على قرار صادر من جهة قضائية مختصة.
وان الجنسية العراقية حق لكل مواطن عراقي وهي اساس مواطنته، وانه يحظر اسقاط الجنسية العراقية عن العراقي لاي سبب من الاسباب، ويحق لمن اسقطت عنه طلب استعادتها بقانون ينظم ذلك.
وان الملكية الخاصة مصونة، ولايجوز نزع الملكية الا لاغراض المنفعة العامة مقابل تعويض عادل وينظم ذلك بقانون. ان استنطاق عذابات القمع القومي لابناء الكرد الفيليين والمسفرين من ابناء العراق بحاجة لترجمة فعلية، مثلما يكون لتعهد رئيس الوزراء التذكير بان وعد الحر دين، ولم نزل بالانتظار وان غدا لناظره قريب
حق الكرد في الأختيار السياسي
2012
لاتكمن المشكلة في كيفية معرفة الحق والحقوق ، فلهذه المسألة عدة طرق وأساليب للمعرفة والأقتناع ، المشكلة تكمن في أنكار الحق والتنكر للحقيقة بالرغم من وضوحها وسهولة اكتشافها .
ومن بين أهم الحقائق التي تتجسد عملياً في العراق وجود عدة قوميات متآخية ومتعايشة ومنسجمة ، ولكل قومية منها حقوق وواجبات ، ولايمكن بأي حال من الأحوال أن نقر أو نسلم بسيطرة قومية على أخرى ، فلكل قومية كرامتها ، ولكل قومية خصوصيتها ، والمنطق يقضي ان تكون لكل قومية حقوق تقتنع أن للقومية الأخرى مثلها ، وتداول العرب والمسلمين مقولة أن تحب لأخيك ماتحب لنفسك . وعملية الأقرار بحقوق الآخرين تحتاج ليس فقط إلى شجاعة وأيمان بحق الأنسان في الخيار والأختيار ، وليس فقط لجرأة في تقبل قضية الحقوق ، ولايحتاج أصحاب الضمائر الحية والمؤمنين بحقوق الأنسان إلى كل هذا ، فهم أصلاً يحترمون خيار الأنسان وكونه خلق حراً لايمكن أستعباده ولكل انسان شخصية قانونية ويتمتع بحماية النظام القانوني ، وأن جميع البشر أحرار ومتساوين في الكرامة والحقوق . ماتحتاجه قضية الحقوق الأعتقاد بالحق بسعته ومساحته دون حدود ، وماتحتاجه قضية الحق أن يتم نزع النزعات الشوفينية التي تلبست بها الروح نتاج الضخ والفهم الخاطيء والسيء لقضية حقوق القوميات في العراق ، وأخيراً ماتحتاجه قضية الحق هو العقلانية والحكمة والتروي في معرفة أين يكون الحق ؟ ومانحتاجه يكمن في الشجاعة بالأعتقاد أن للآخر حقوق ينبغي أن نضمنها ونصونها . جاء في القاموس المحيط للفيروز آبادي في الصفحة 1129 أن الحق من أسماء الله تعالى ، أو من صفاته ، ضد الباطل ويعني العدل وواحد الحقوق والحقة أخص منه . وأكد سبحانة وتعالى على قضية الحق وكررها مرات عديدة في سور القرآن الكريم ، ويكفي أن يرد في سورة البقرة لوحدها من القرآن الكريم كلمة الحق 22 مرة . والأسلام من الأديان التي تدعو لأحقاق الحق وتحث عليه ، ومن يطالع كلمات القرآن المجيد يدرك أهمية الحق والحقوق لدى الأسلام ، وأذا كان الأعلان العالمي لحقوق الأنسان قد صدر في نهاية عام 1948 فأن الأسلام أقر المباديء العامة للحقوق قبل الف واربعمائة سنة ، وقبل الأسلام أكدت الديانات جميعها على أحترام قضية الحق والحقوق وتقديس الأنسان . وجاء الأعلان العالمي لحقوق الأنسان رداً على التجاهل المتعمد لهذه الحقوق وأحتقارها مما أدى الى اعمال أثارت بربريتها الضمير الأنساني ، وكان البشر قد تنادوا ببزوغ عالم يتمتعون به بحرية القول والعقيدة وبالتحرر من الخوف والفاقة والأستعباد كأسمى ماترنو اليه نفوسهم . أن الأساس الذي أستندت اليه اللائحة الدولية في وجوب أن يتمتع الأنسان بحماية نظام قانوني من أن جميع الناس يولدون أحراراً ومتساويين في الكرامة والحقوق ولكل انسان الحق في الحياة والحرية والآمان على شخصه وأن لكل أنسان الحق في التعبير عن رأيه وأفكاره وأختيار شكل الحياة التي يريد وتضمنت النصوص الخاصة بالأعلان العديد من الحقوق غير أن مايهمنا في هذا البحث الموجز هو ما اوردته المادة الأولى من الجزء الأول من العهد الدولي الخاص بالحقوق والذي ينص : ( لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها ، وهي بمقتضى هذا الحق حرة في تقرير مركزها السياسي في السعي لتحقيق نمائها الأقتصادي والأجتماعي والثقافي ) ، ويورد في الفقرة الثالثة منه مايلي : ( أن على الدول الأطراف في العهد الدولي والتي تقع على عاتقها مسؤولية الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي والأقاليم المشمولة بالوصاية أن تعمل على تحقيق المصير وأن تحترم هذا الحق ) . أشرنا اعلاه الى النظرة الأنسانية التي حث عليها الأسلام في الحق والحقوق وترجم هذه التطبيقات من خلال الولايات الأسلامية التي كانت أشبه بالمستقلة عن الحكم المركزي ولعل الأمارة الأسلامية تشكل نوعاً من أنواع التقسيمات الأدارية ، والأمارات كانت تقسم الى أقاليم وتطور مفهوم الأمارة في الأسلام حتى صارت تمثل الحكم الذاتي المركزي الذي لايرتبط بالخلافة الا بالشكل ، ولعل الأمارة الخاصة والأمارة العامة تمثل نوعاً من تحديد الصلاحيات والمسؤوليات في الوقت الحاضر . ومن يستقرأ التاريخ الأسلامي يجد أن الحرص على أعطاء الشعوب حق تقرير مصيرها مبدأ حرصت الدولة الأسلامية العمل به والمحافظة عليه منذ أن تشكلت فكرة الدولة وبدأت الحضارة الأنسانية ، ثم تجسد ذلك في وجود الرسول ( ص ) ومروراً بالخلافة الراشدية ومن ثم الدولتين الأموية والعباسية ومؤشراً يدل على وضوح رؤية الأسلام لحقوق الأ،سان قبل أن يصدرها الأعلان العالمي . ومن ثم يأتي الأعلان العالمي الذي صدر في العاشر من كانون الأول 1948 ليؤكد الأجماع الدولي والحرص الأنساني على حق تقرير المصير وأحترام أرادة الأنسان ومنح الشعوب حريتها في بناء أسس حياتها وشكل دستورها وحكمها . وتأتي القضية الكردية من بين أهم القضايا التي تتصدر وجوب وضرورة أن نحقق مايوصل الى الحق ونتمعن في الشكل الدستوري الذي يحقق العدالة والحقوق للعراقيين بشكل عام وللكرد بشكل خاص ، هذا أذا كنا نعترف أن الكرد شعب أولاً ولم يأتوا من المجهول ثانياً وأنهم شركاء في هذا الوطن ثالثاً . وأذا وضعنا الرواسب الشوفينية التي كان لها الدور الأساس والفاعل في بروز ظاهرة التنكر للحق ورفض منح أي حق للكرد ، فأننا سنجد أن لهذا الشعب الذي تحمل مالاتتحمله الجبال من الظلم والضيم ليس له مبرر سوى سيادة العقل العربي الشوفيني ، ومحاولته الدفع بأتجاه أنكار الحق بزعم حماية الوطن وسيادة التراب ، وأشاعة نظرية أن الوطن أغلى من الأنسان ، ولايمكن أن نتعكز على اللعبة الدولية والمصالح السياسية التي كان الشعب الكردي أحد ضحاياها لنجزم بالتسليم للأمر الواقع ، فالكرد شعب له ماللشعوب وعليه ما للبشر دون منّة من احد ، بل ودون أن ينتظر من احد مؤازرة أو تعاضد ، فقضية الحق لاتقبل المساومة مثلما ليس لها حلول وسطية . فأذا أعتقدنا بماورد نكون قد خطونا الخطوة الأولى في أحقاق الحق الذي دعا اليه الأسلام قبل أعلان حقوق الأنسان الصادر من المجتمع الدولي . ونعرف كلنا حقيقة كون الكرد شعب لهم لغتهم وتاريخهم وخصوصيتهم وسكنوا هذا الجزء من أرض العراق منذ أن وجد الأنسان على هذه الأرض وحين نشر الفتح الأسلامي جيوشة كانت كردستان من المناطق التي ألتزمت بالدين الجديد بالنظر لتفهمها أسس الدين ومايحققه من أسس ومفاهيم أنسانية للشعوب . أن الكرد الذين أنتشروا في مساحة من الأرض توزعت وفقاً لخرائط الجغرافية والتقسيمات السياسية والمصالح الدولية بين عدة دول وتفرقت جموعهم ومجتمعاتهم حتى أن أقطار عديدة مثل الأردن ولبنان وسورية والعراق لم تزل فيها أحياء تسمى بحي الكرد ، هذا بالأضافة الى التواجد الكثيف في تركيا وسورية وآيران والعراق هم في الحقيقة مجتمع واحد وشعب مجزأ واحد لكنه يبقى شعب كردستان . ساهم الكرد سوية مع العرب في العراق جنباً الى جنب في تحمل الأضطهاد للحكومات التي كان الولاة يتسلطون بها بأسم الدين الأسلامي و التي توالت على حكم العراق وانتهت من جور وظلم السلطات العثمانية البائدة . وحين قامت ثورة العشرين كان الكرد من أوائل من أستجاب لنداء العلماء المسلمين وشيوخ العشائر في الفرات وتلاحمت الأخوة العراقية بحق في هذه المواقف التي سجلها التاريخ العراقي بفخر للعرب وللكرد والتركمان بالرغم من الظلم الذي كان يعانيه الكرد من الدولة العثمانية الا أن الأستجابة الوطنية في رفض الأحتلال مهما كان شكله ونوعه الدافع الذي دفع الشعب الكردي وقياداته في التصدي والمساهمة جنباً إلى جنب مع العرب والتركمان وبقية القوميات . وخلال الحكم الوطني العراقي ساهم الكرد مساهمة فعالة في رفد الجيش العراقي وبناء الحكومة ، وانصهروا ضمن النضال السياسي الوطني ليشكلوا قادة وقواعد تطالب بالحق لكل العراق قبل أن يطالبوا بحقوقهم المشروعة . والمنصف الذي يستقرأ التاريخ العراقي ينظر بعين الأعجاب للمساهمة الوطنية والتلاحم العراقي والشراكة الحقيقية في سبيل تحقيق طموحات الشعب العراقي التي تتوجت في ثورة 14 تموز 58 19. كانت مشكلة الكرد في العراق قائمة مع السلطات التي لم تستوعب مطاليبهم الأنسانية ولاأ قرت بحقوقهم المشروعة فأستغلت مواقعها وقدراتها العسكرية وامكاناتها المادية وشنت عليهم حروباً هوجاء طحنت أبناء العراق من كل القوميات وخسر فيها العراق الكثير الكثير من جميع القوميات أعتقاداً منها أن بأستطاعتها القضاء على حقوق الشعوب و تطلعها لحقها في الحياة ، دون أن يتم أعمال العقل في دراسة الحق والحقوق والتوصل الى محطات يمكن أن تكون قواعد وأسس للحياة العراقية الجديدة ضمن تحقيق الفيدرالية للكرد في العراق وهي تعني اختيار وسيلة من وسائل التنظيم السياسي للحياة ولاتشكل الفيدرالية نهاية حقوق الشعب الكردي ، ولهذا كانت القضية الكردية احد اسباب سقوط العديد من السلطات الشوفينية التي تعاقبت على حكم العراق . التضحيات التي قدمها الكرد لم تكن نوع من الترف السياسي أو من أجل مواقف ذاتية أو لمصلحة قائد سياسي أو حزب من الأحزاب ، كان الشعب الكردي في العراق برمته يحارب ويقاتل ويناضل ويضحي من أجل حقوقه المشروعة ، في الوقت الذي كانت القرى الكردية تحرق والبساتين تستباح والمحاصيل تتلف وتتوقف كل اشكال الحياة ، وتتوقف الدراسة والأعمال الحرة ، ويتم قتل الناس بالجملة من قبل أجهزة السلطة ، والعوائل من النساء والشيوخ والأطفال يتم دفنها ورميها بالرصاص وتضرب المدن بالكيمياوي والصواريخ وتحتل الوحدات العسكرية الأراضي الزراعية وتقلع الأشجار المثمرة وتغلق عيون الماء التي فجرها الله لنا من بين الصخور ويتم ترحيل المدنيين العزل الأبرياء الى مناطق صحراوية في وسط وجنوب العراق وتحويل حياتهم الى جحيم لايطاق وسط معسكرات تشبه معسكرات الأعتقال يتم امتهان حياة الناس فيها وسحق كرامتهم وتحول حياة الناس الى جحيم لايطاق وتدمره نفسياً . ومع كل هذا القهر والعذاب الأنساني بقي الكرد ينتظرون أن تخلص كل نزعات السلطات الشوفينية وتنتهي من صب حقدها وشرورها حتى تتأمل برهة من الزمن العراقي القادم الى ستصل بالعراق مع هذه النزعات التي تعمي البصر والبصيرة وتنشر مساحة الدم فوق كل حقول العراق ، والعطاء الكردي في التضحية لم يتوقف ولااستكثر الأرواح من اجل ان ترتفع راية الحق التي لابد ان تزهو عالية ترتفع وخفاقة فوق الجباه التي افتدت العراق وكردستانه بارواحها النقية والطاهرة لتسجل اروع الملاحم بين شعب يستمد ايمانه من حقه في الحياة وبين طغمة لم تفهم معاني الحياة ولاجماليتها الا مغمسة بالدماء وملطخة بالظلم والظلام . يتطلع الكرد في كل تضحياتهم للأنسان ولحياة وكرامة تليق به وتتفاعل ضمن الحياة البشرية ، وأن لاأحد فوق الآخرين والبشر سواسية ، ويتطلع الكرد في تضحياتهم للتعبير عن أصرارهم الأنساني والمشروع في ابقاء صوتهم عالياً ، وأن يكون لهم الحق في بقاء هذا الصوت حالهم حال أي شعب بالعالم . وبقي الكرد شوكة في حلق الطاغية العراقي لم يستطع أن يذلهم ولاأستطاع أن يقهرهم أو يجعلهعم خانعين لسلطته ، وكانت ساحة كردستان الشرارة التي لم تهدأ ولم تنطفيء في سلوك سبل أسقاط سلطة الطاغية بالتكاتف والتعاون مع أحزاب الحركة الوطنية العراقية . وبعد أن تحقق سقوط الطاغية ورحيله دون رجعة ، وبعد ان كنست الدكتاتورية من الزمن العراقي ، وبعد أن استعادت الجماهير حقها في الحياة يتحتم على أصحاب الوجدان والضمائر الحية أن يستذكروا أن الكرد شعب لهم خصوصيتهم وأعرافهم ولغتهم وثقافتهم وتاريخهم وانهم لم يأتوا من المجهول وأنهم شركاء في هذا الوطن شراكة أبدية وحقيقية لهم مالنا وعليهم ماعلينا ، وان الكرد قرروا بواسطة برلمانهم الشرعي وبالأجماع في العام 1992 أن الفيدرالية العراقية تليق بهم ولهم ، وأنها الشكل المناسب لسياستهم وشكل السلطة التي يريدون والتي سيحققها لهم شعب العراق من خلال الدستور العراقي القادم وشكل السلطة التي نريد للمستقبل ، وان الكرد كانوا السند المجاهد والدائم والأرضية الثابتة للحركة الوطنية العراقية التي يجب الأقرار بمواقفها ومساهماتها الوطنية . ومثلما يكون للكرد في العراق الحق في أختيار شكل الفيدرالية التي تتناسب مع الوضع العراقي ، فأن هذا الأمر لايخل بحقوقهم وتطلعاتهم الأ،سانية في أن يكونوا دولة واحدة وشعب واحد ، وأن لهم الحق أن يستعيدوا ما سلبته منهم اللعبة الدولية والمؤامرات الخارجة عن البعد الأنساني ، والتي جسدت تغليب المصالح على حساب كرامة الأ،سان وحريته . الخيار الان امام المواطن العراقي في أن يستذكر بوجدان العراقي النزيه وبضمير العراقي المناضل ماقدمه الكرد من تلك التضحيات العراقية الجسام ، وأن نحقق ما أمرنا الله به من أعطاء كل ذي حق حقه ، فقد قال الله تعالى في محكم كتابه المبين في سورة البقرة (( ولاتلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون )) .
مسؤولية الدولة والحاكم عن الأفعال المخالفة للقانون
تتجسد المسؤولية القانونية الدولية في الانتهاكات التي تقع على القانون الدولي والقوانين التي تحكم التصرفات غير القانونية التي تقع أثناء الحروب، بالإضافة الى الأعمال المتعدية وغير الإنسانية التي تقع على المدنيين في هذه الظروف، سواء وقعت تلك التصرفات من الدول أو من الأفراد كحكام ومسؤولين في تلك الدول، فالسلوك ألأجرامي أيا كان شكله أو مصدره هو سلوك مخالف للقانون ويستوجب المسؤولية القانونية من خلال تجريمه، ويتحمل الفاعل سواء كان الدولة أو الحاكم تبعات تلك المسؤولية في وقوع العقوبة القانونية عليه كنتيجة تبعية لتلك الأفعال التي جرمها القانون.
ومن الجدير بالإشارة أن إخلال الدولة بتعهداتها أمام مواطنيها يستلزم التزامها بالتعويض، والإخلال من الشخص المعنوي يحتم إلزامه بالتعويض بالنظر للإخلال الواقع في العقد الاجتماعي بين الدولة والفرد، أو في الالتزام الذي قطعته الدولة على نفسها تجاه الأفراد، وحيث أن الشخص المعنوي هو شخص افتراضي فمن الطبيعي أن يصار الى إلزامه بالتعويض تبعا لذلك.
ووفقا لهذا فأن الدولة التي ترتكب الأفعال الإجرامية تجاه أبناء شعبها أو تجاه الغير تتحمل المسؤولية القانونية ما يلزمها بالتعويض والإقرار بما يرتبه القانون الدولي من تبعات تلك الأفعال.
وفي أحيان عديدة يصار الى محاكمة المسؤول شخصيا عن الأفعال والجرائم المرتكبة تبعا لأحكام المسؤولية الجنائية عن الأفراد، إذا وجدت المحكمة أن المسؤول عن الانتهاكات والجرائم أرتكب تلك الأفعال خلافا لقواعد القانون الدولي بالإضافة الى توفر العنصر الشخصي في المسؤولية الجنائية، فتلجأ المحكمة في قرار الحكم الى تطبيق أحكام المسؤولية الجنائية باعتبار أن أفعال المسؤول (الحاكم) كانت ذات طبيعة جنائية فتعمد الى معاقبة المسؤول عن ارتكاب تلك الانتهاكات والجرائم، وتكون العقوبة مادية وجزائية وتلزم الدولة بالتعويض المادي والمعنوي، غير أن العقوبة التي تقع على تلك الدولة لاتنطبق على الحاكم، باعتبار أن الشخصية الطبيعية تختلف عن الشخصية المعنوية.
فالدولة تتحمل المسؤولية القانونية حين ترتكب قواتها المسلحة أو أفرادها المحاربين الفعل الجرمي انتهاكا لأحكام القانون الدولي وتحكم تلك المسؤولية اتفاقية لاهاي لعام 1907 التي تخص قوانين وأعراف وعادات الحروب البرية والنزاعات المسلحة (اتفاقية القوانين وعادات الحرب البرية) المعدلة باتفاقية جنيف لعام 1949، حيث تكون مسؤولية الدولة مسؤولية مباشرة عن تلك الانتهاكات والأفعال، وتكون في أحيان أخرى غير مباشرة تبعا لارتكاب مسؤول تابع لها تلك الأفعال المخالفة للقانون، غير أن المسؤولية تقع على تلك الدول سواء كانت المسؤولية مباشرة أو غير مباشرة وتبعا لنوع وشكل الضرر الواقع وتحديد الجهة التي قامت بالفعل حتى يمكن أن يتم تقدير حجم العقوبة وشكلها.
وغالبا ما تقع تلك الأفعال من الدولة بحق الأفراد المدنيين حيث يتطلب الأمر حمايتهم وإيجاد أساس قانوني في المعاهدات الدولية يحدد طبيعة تلك المسؤولية وشكل الانتهاكات الواقعة والنتائج المترتبة تبعا لذلك، وتلزم تلك المعاهدات جميع الدول رعاية الحياة البشرية وحماية الإنسان من الانتهاكات والإبادة وجميع أشكال الجرائم التي تقع عليه وفقا لما تنص عليه لوائح حقوق الإنسان.
ولذلك فأن هذه الانتهاكات تصل في أحيان كثيرة الى درجة خطيرة ، حيث أنها من الجرائم التي تهدد الجنس البشري، وكما تهدد أيضا حالة السلم والأمن الدولي، وتصل في تصنيفها الى الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية وجميع جرائم العدوان والتفرقة العنصرية، ما جعل المنظومة الدولية تعدها من الأعمال الإجرامية الخطيرة في القانون الدولي سواء كانت تلك الأفعال موجهة من دولة على دول أخرى أو من دولة على أفرادها أو أفراد دول أخرى.
ومع عدم وجود نظام يحدد خضوع الدول الى سلطة قضائية قبل أنشاء المحكمة الجنائية الدولية، إلا أن الاتجاه الدولي العام يؤيد فكرة المسؤولية الجنائية للدولة، ووفقا لهذا يتعين تحديد الجهة التي تفرض العقوبة وتوقع الجزاء وكيفية إيقاعه وتحدد حجم المسؤولية.
وإذا كانت المسؤولية الجنائية وسيلة رادعة من وسائل القانون الدولي، باعتبار أن الفعل المرتكب يعد جريمة وانتهاكا للقوانين والمعاهدات والأعراف الإنسانية، فأن تلك العقوبة تشكل الإدانة والتجريم القانوني وتنص على التشخيص الدقيق للأدلة والوقائع المادية، وتحمل المدان الحكم المادي والمعنوي الذي تفرضه المحكمة، كما تتحمل الدولة المعتدية تبعا لذلك المسؤولية الجنائية وتبعاتها القانونية.
وهناك من الفقهاء من يقول أن فكرة العقوبة للدولة التي ترتكب الفعل المخالف للقانون وتنتهك المعاهدات والقوانين الدولية لاتصل في حدودها وسقفها إلا إلى التعويض المادي، باعتبار أن الدولة شخص معنوي لا يمكن إيقاع العقوبة المادية عليه، ويرد على هذا القول ما لجأت إليه المنظومة الدولية من إيقاعات جزائية مادية على الدول التي ارتكبت الأفعال المخالفة للقانون الدولي كنزع السلاح والمنع من ممارسة نشاط معين كمنع الطيران الحربي وإيقاع الغرامات المالية، وكما في الإجراءات المتخذة في حال تهديد السلم والإخلال به ووقوع العدوان وفق البند 13 من المادة 39 من ميثاق الأمم المتحدة التي تقرر أن لمجلس الأمن ما يجب اتخاذه من التدابير التي لاتتطلب استخدام القوات المسلحة لتنفيذ قراراته مثل المقاطعة بأنواعها جزئيا أو كليا، ولكن في حال رؤيته بان هذه التدابير لم تف بالغرض يلجا عند ذلك الى المادة 42 في استخدام القوات العسكرية وما يلزم لحفظ السلم والأمن الدولي وإعادته الى نصابه، ومهما يكن من نتائج ينبغي الفصل بين القرار القضائي الدولي وبين القرار السياسي، حيث يشترط أن تكون تلك الأحكام صادرة من مؤسسة قضائية دولية حتى يمكن أن يتبين الفاصل بين العقوبة الجزائية القانونية وبين القرارات السياسية التي تصدر من الجهات الدولية مهما كانت تسميتها أو مركزها أو أسبابها ونتائجها، ودون أن تنسحب تلك العقوبات وتنعكس نتائجها على الشعب دون الحكومة المعنية بالعقوبة، كما في الاستيلاء على ممتلكات تلك الدولة وحجز ودائعها وأموالها أو فرض العقوبات الاقتصادية وحرمان شعبها من الاستيراد وبيع ثروته الطبيعية أو فرض قائمة من المواد الغذائية المحددة أو تقطيع تلك الدولة الى أجزاء رغما عن أرادة أهلها أو تخفيض قواتها العسكرية بشكل لايمكنها من حماية سيادتها وأراضيها.
غير أن هناك من الجرائم التي يرتكبها الأفراد ضمن أطار الدولة، وتصل تلك الجرائم الى مستوى الجنايات الخطيرة التي تمس المجتمع البشري وتتعدى على الكيان الإنساني ، مما يخرج الجريمة من إطارها الوطني، بمعنى أن القانون الوطني لم يعد من الممكن تطبيقه على هذا النمط من مرتكبي تلك الجرائم التي حددها وعرفها القانون الدولي وتحكمها المعاهدات والأعراف الدولية، وهي معاهدات ملزمة للدول التي وقعتها وصادقت عليها، وبما أن الفرد الحاكم أرتكب تلك الجرائم فأنه يقع تحت طائلة القانون الدولي بالرغم من أن هذا القانون يحكم الدول ولايحكم الأفراد ومع أن الحاكم لا يمكن اعتباره وفق المعيار الاعتباري شخصا من شخوص القانون الدولي، إلا أن القانون الوطني يصبح في مثل هذا الحال محل اعتبار وتطبيق لتحديد مسؤولية الفرد الحاكم وفقا للقانون الدولي والمعاهدات الدولية التي تلتزم بها، ويترتب وفقا لذلك محاسبته ومحاكمته وفقا لمعايير العدالة، بالرغم من الانتقادات التي وجهت من بعض الفقهاء المبنية على فكرة سمو القانون الدولي على القانون الوطني إلا أن الواقع يكمن في تطبيق القانون الوطني سواء في تطبيق التشريع الجزائي الداخلي أو في تطبيق المعاهدات والاتفاقيات الدولية.
ومن الجدير الإشارة الى أهمية دو الفرد (الحاكم) ووضعه في القانون الدولي، من خلال أمكانية مقاضاته دوليا سواء من قبل الجماعات أو المنظمات غير الحكومية أو من قبل الادعاء العام أمام المحاكم الوطنية أو المحاكم الدولية حسب مقتضى الحال.
ويمكن الإشارة الى الاتفاقية الدولية لحقوق الإنسان لسنة 1950 التي أشارت ضمن نصوصها حق كل شخص أو منظمة غير حكومية أو مجموعة من الإفراد التقدم بالشكوى الى لجنة حقوق الإنسان الأوربية لرفع الضرر من الانتهاكات الحاصلة سواء من الحاكم أو من قبل الدولة التي أخلت بالمعاهدة .
وكانت اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 قد نصت في المادة 146 على حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة وألزمت الدول باتخاذ التدابير الملزمة لفرض العقوبة الفعالة على الأشخاص الذين يرتكبون الجرائم الخطيرة أو يصدرون الأوامر بارتكابها، وأن يتم تقديم مثل هؤلاء الأشخاص الى المحاكمة بغض النظر عن جنسيتهم أو تسليمهم الى طرف آخر لمحاكمتهم طبقا لنص المادة 147 من نفس الاتفاقية .
وكانت محاكمات نورمبرج وطوكيو من بين أهم المحاكمات التي لفتت أنظار المجتمع الدولي الى ضرورة عقد المعاهدات التي تحرم إبادة الجنس البشري وتحرم الانتهاكات الخطيرة في اتفاقية جنيف، وتم تحديد مسؤولية الشخص الطبيعي ضمن اتفاقية إبادة الجنس البشري، سواء كان هذا الشخص الطبيعي من الحكام المسؤولين دستوريا أو من بين الموظفين العاملين في الدولة أو حتى من بين عموم الأفراد كما تشير المادة الخامسة من الاتفاقية الخاصة بإبادة الجنس البشري.
وجاءت المبادئ العامة التي صاغتها لجنة القانون الدولي التي قررتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها الصادر برقم 11-177 بتاريخ 21 نوفمبر 1947 تتضمن مسؤولية أي شخص ارتكب فعلا جريمة في القانون الدولي واستحقاقه العقاب ، ولايجوز التذرع والتحجج بمركز الشخص ومسؤوليته في الحكومة، كما لايجوز التذرع بأن السلوك المرتكب كجريمة كان بناء على أوامر من السلطة العليا ، ويجب محاكمة الجناة محاكمة عادلة، ووفقا لهذا تم تقسيم الجرائم الى:
-1 الجرائم ضد السلام الدولي
-2 جرائم الحرب
-3 الجرائم ضد الإنسانية
ومثلت تلك الجرائم الأسس الموضوعية للقانون الجنائي الدولي وساهمت في ترسيخ قواعد المسؤولية الجنائية الدولية للأفراد المتهمين بارتكاب الجرائم المذكورة طبقا لمعيار الاختصاص المكاني أو الدولي، وكانت البشرية قد تابعت عقد عدد من المحاكمات الدولية في دول عديدة مثل محاكمة مجرمي الحرب الألمان والتي نظرتها المحاكم الألمانية، والتي حاكمت الأفراد المسؤولين عن تلك الجرائم ولم تجنح لمحاكمة لنظام الألماني النازي، أو المحاكم التي شكلتها المم المتحدة والتي كان محورها الأساس جرائم الحرب وال
جرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية، كما امتدت لتشمل محاكمة مجرمي الحرب في يوغسلافيا، ومحاكمة أقطاب النظام العراقي البائد.
كما أكدت تلك القوانين والمعاهدات على عدم شمول المتهمين بهذه الجرائم الخطيرة بالتقادم المسقط للدعوى، حيث تبقى القضايا والجرائم المرتكبة قائمة حتى يصدر فيها حكما قضائيا عادلا وفقا لتحقيق قضائي وعادل تقوم به الأجهزة المختصة وتلتزم بموجبه بأصول المحاكمات وجميع الضمانات الأساسية في التحقيق والمحاكمة.
هل حقاً انتم تمثلون شعب العراق ؟
12/2/2012 :
كما أكد الدستور على شروط يتوجب أن تتوفر في المرشح، وبعد كل هذا يؤدي العضو يمينا بالله العلي العظيم أن يؤدي مهمته ومسؤوليته القانونية بتفان وإخلاص وأن يحافظ على استقلال العراق وسيادته، وان يرعى مصالح شعبه، وأن يسهر على سلامة أرضه وسمائه ومياهه وثرواته ونظامه الديمقراطي الاتحادي،
وان يعمل على صيانة الحريات العامة والخاصة، واستقلال القضاء، ويلتزم بتطبيق التشريعات بأمانة وحياد، وأن الله شهيد على كل ما ورد في نص القسم. مهمة ليست بالسهلة، وتكليف وطني كبير يقع على عاتق أعضاء مجلس النواب، وكل هؤلاء يمثلون العراق، وبصرف النظر عما يمثلون من قوائم واتجاهات، وبصرف النظر عما إذا كان ولاؤهم للقائمة أو للقائد أو للمذهب أو للقومية، وبصرف النظر عما إذا كانوا متفاعلين مع وضع العراق والعراقيين أم أنهم يتخشبون من اجل مغانم العضوية ومكاسب مادية باتوا يحلمون بها في زمن تردت فيه القيم في العراق.
ومع اليمين القانونية التي أداها كل عضو، هناك الالتزام الضميري، وشئنا أم أبينا فهؤلاء من تم انتخابهم لتمثيلنا، وهؤلاء من يقرر سياستنا ومصالحنا وقوانيننا، فهل هم ممثلون حقيقيون للعراق بعد هذا التقسيم؟ وهل هم مؤهلون لأن يكونوا ممثلين لهذا العراق وفي هذا الظرف العصيب بالذات؟ هل هم يستطيعون أن يتغلبوا على مذهبيتهم وعنصريتهم وحزبيتهم ويصونوا العراق باعتبارهم من يمثل شعب العراق؟ هل يقدر هؤلاء فعلاً على أداء مسؤولياتهم البرلمانية وأن يترجموا وعودهم الانتخابية التي طرحوها للناس في أن يسهروا على مصلحة العراقيين ويجنبونهم الحرب الأهلية ومخاطر التشرذم الطائفي المقيت؟ هل يمكن لهؤلاء أن يعبروا عن كل مناطق العراق باعتبار أن عضو المجلس هو ممثل عن كل منطقة من مناطق العراق بغض النظر عن منطقته الانتخابية.
وأمام تظاهرة ديمقراطية تخللتها بعض الخروقات والسلبيات مارس شعب العراق خياره في انتخاب من يعتقد انه المؤهل لتمثيله برلمانيا في العراق، في زمن ما بعد الدكتاتوريات والأنظمة الرجعية، هل راجع أحدهم ضميره في خلوته؟ هل كان حقاً يستحق أن يكون ممثلاً للعراق؟ هل يستوعب النواب ما يمر به العراق، ومتى يتم إدراك حجم الخراب الذي حل بالعراق؟
ويسألهم المواطن، متى تترجمون كلمات القسم الذي حلفتمونه أمام الله على أنكم جميعا ودون استثناء ترعون مصالح شعب العراق وترعون الحريات العامة وتتزاحمون من اجل الحفاظ على ثرواته ونظامه الاتحادي الديمقراطي؟
هل يعقل أن يكون بينكم من يريد تهديم صرح اللبنات الأولى لبناء العراق الديمقراطي الفيدرالي؟ وهل يعقل أن يكون بينكم من يحنث باليمين فيصير طرفاً في تخريب مصالح العراق وأن يعتمد القتل والذبح والتحريض والاصطفاف من اجل خراب العراق؟ في أي زمان انتم تقفون وعلى ماذا ستستقر سفائنكم؟
من منكم يعرف إن النيابة تكليف وليس تشريفا، وأنكم حينما اختارتكم الجماهير العراقية على أساس أن تكونوا خدما للشعب لا أسياده والطبقة التي تترهل على حساب جراحاته ودماء أبنائه.
أين اختفت عراقيتكم؟ وكيف تقلصت مفاهيم الوطنية في نفوسكم فطغت عليها العشائرية والمذهبية والحزبية حتى باتت هي اللغة التي بها تتعاملون، وصارت الاتهامات القاموس الذي به تتقاذفون، فأين صار الإنسان في العراق من مسؤوليتكم ومن حرصكم على تمثيله وشرفكم الذي أقسمتم به أمام الله والشعب.
أين صارت أعداد الشهداء الذين نحرهم الدكتاتور في زمن البغي والظلم من مجلسكم؟ وكيف لم تتذكروا فقراء العراق ومعدميه ممن يبيت دون طعام أو مأوى؟ وأين صار الكرد الفيلية الذين أوغل الطاغية في عذاباتهم؟ هل فكرتم بإعادة بيت مسلوب أو مال محجوز لعراقي مظلوم؟ وأين صارت أعداد المفصولين السياسيين والمدد التي عبرت ربع قرن على فصلهم وعذابات عوائلهم وانتظارهم لحظة سقوط الصنم؟ أين صارت إيرادات العراق الخيالية من النفط والثروات المعدنية من شوارعنا المخربة وقرانا التي لم تزل من مجاهل القصبات، وأين صار الماء والكهرباء والمجاري والقطارات والمطارات ؟ وأين صار الإنسان والأمان منكم ؟ ماذا حققتم خلال الفترة التي مرت علينا ؟ كيف لكم أن تراجعوا القرارات التي أصدرتم والتشريعات التي قررتم ؟ وكيف لكم أن تستذكروا التنابز والاتهامات والعبارات التي لا تليق بالعراق التي تداولتمونها في مجلسكم أو عبر الفضائيات المتربصة بكم وبالعراق؟ فهل انتم من تمثلون العراق؟
هل تفقدتم مواطنيكم الذين انتخبوكم وفوضوكم تمثيلهم في مجلس النواب؟ هل عرفتم كيف تعيش أعداد المتسولين في العراق؟ وماذا قدمتم للقضاء ليس فقط على الإرهاب والإرهابيين، وإنما على المخدرات وتجار السموم الدخيلة التي تدخل العراق بيسر وسهولة؟ هل عرفتم من يقود العصابات الإجرامية ومن يحرضها؟ ولماذا لم تكشفوا الأسماء وأنتم ممثلونا في المجلس؟ وكيف قبلتم التستر على الأسماء والمساهمة في أن تستمر تلك العصابات في قتل إخوتنا وأحبتنا ؟ هل بقيتم دون مخصصات أو رواتب شهراً واحداً؟ هل حاسبتم الوزراء عن أخطائهم وعن سلبيات عملهم؟ بل هل حاسبتم من يستخف بمجلسكم من الأعضاء فلا يحضر الاجتماعات ودون أن يبدي عذراً مشروعاً؟ هل فكرتم في قطع مخصصاته وراتبه عن مدة الغياب؟ هل تكاتفتم من اجل مصلحة عراقية دون أن تصطفوا مع أحزابكم أو طوائفكم أو قوائمكم أو مصالحكم؟ هل كان حقاً العراق أمام ضمائركم وعملكم في المجلس؟ هل وضعتم المصالح الشخصية والمكاسب الآنية والفردية وتغليب الأقرباء والأصدقاء على مصلحة العلماء والمختصين في العراق؟ هل فكرتم بطريقة تعيد العلماء والاختصاصيين للعراق؟ بل هل فكرتم لماذا يتم استهداف العلماء والفنيين في العراق ومن هي الجهة التي تستهدفهم؟ ولماذا يتم إفراغ العراق من فلذات أكباده؟
هل أنتم من يمثل شعب العراق وأنتم بهذه الفرقة وهذا التمزق؟ هل انتم تمثلون العراق وقنوات فضائية صفراء تقاذفكم وتشتمكم وتنعتكم بشتى الاتهامات وتتراكضون للجلوس أمام شاشتها؟ أين صارت وعودكم وبرامج قوائمكم ومقابلاتكم في التلفزيون وحرصكم على العمل وصون حريات الناس الذين يخافون السير في الشوارع، ويخشون أن يتعدى عليهم أحد باسم الدين تارة وباسم الوطنية تارة أخرى؟ هل سمعتم أيها السادة بموت عمال المساطر الفقراء الذين يتجمعون في أماكن العمل فجرا قبل أن يطل عليكم الصباح الجميل بتفجير حزام ناسف أو بانفجار مفخخة؟ هل عرفتم الذبح الشرعي بالسكين أو بالحراب أو بالموت غدرا أو بالرصاص؟ هل عرفتم أن لا حماية تحمي المواطن العراقي حيث فوض أمره الى الله؟
هل عرفتم وانتم تمثلون العراق أن سلاح الجيش العراقي كله وبكل أصنافه موجود في بيوت العراقيين، وربما ستجدون يوما ما طائرات حربية أو دبابات أو صواريخ طويلة المدى بانتظار الإشارة؟! هل انتم تمثلون العراق وعجزتم عن أن تجدوا غير علم صدام تجلسون تحته، وتستمتعون بنشيده الوطني؟
نصرخ فيكم وانتم تمثلوننا عربا أو كردا أو تركمانا أو كلداناً أو آشوريين، مسلمين أو مسيحيين أو ايزيديين أو مندائيين وهم طينة العراق الحرة، مهما كانت طائفتكم أو مذهبكم أو حزبكم، ومهما كان مشروعكم ورغباتكم الدفينة، نصرخ فيكم إن كنتم حقا من طينة اهل العراق ونهيب بكم أن تكونوا مرة واحدة للعراق، للقسم الذي أديتمونه جميعا، وان تجربوا مرة واحدة أن تتفقوا لمصلحة العراقيين في قضية واحدة ومشروع واحد يهدف الى حقن دماء الناس وحفظ أرواحهم وشرفهم، وألا مكان للقتلة بينكم، وان تجسدوا مرة واحدة الشروط التي توجبت أن تكونوا عليها، وأن تكونوا بحق من يصن حياة العراقيين ويصون حرياتهم العامة.
وتذكروا أن كل واحد منكم يمثل مائة ألف إنسان، مائة ألف ضمير ينتظر منه أن يصون حياته وعياله، وان يسهر على كرامته وحريته، وان يرعى مصلحة العراق، كل واحد منكم مسؤول أمام الله والتاريخ والعراق على أن يكون ابناً باراً للعراق، فهل انتم حقا أبناؤه البررة؟
تنشيط الذاكرة
لنعيد ذاكرتنا العراقية حول ضرورة تلبية نداء الشعب الكردي في تحقيق الفيدرالية
22/2/2004:
لم يخل بيان سياسي او برنامج عمل لحزب او تجمع عراقي من حق الكرد في الفيدرالية او مايشير الى ضرورة انصافهم ومنحهم الحقوق التي يستحقونها قبل ان تسقط السلطة الصدامية، ويبدو ان اجماعا وتاكيدا من جميع الاطراف السياسية العاملة في المجال السياسي المعارض على الاقرار بحق الكرد، وعزز هذا الامر في اجتماعات المعارضة العراقية سواء منها في مؤتمر صلاح الدين او واشنطن او لندن او مؤتمر الناصرية الاخير.
وشكلت تصريحات ومقابلات شخصيات سياسية عراقية معارضة للصحافة والقنوات الفضائية موقفا واضحا وصريحا ومشرفا من القضية الكردية وقضية الفيدرالية.
كما اكدت المؤتمرات القانونية التي تمت فيها مناقشة اطر المحاكمة والاتهام والنظام القانوني والقضائي في العراق، والتي حضرتها نخبة مميزة من القضاة والحقوقيين العراقيين المعارضين لسلطة الدكتاتورية، والتي اكدت وبقناعة كاملة على حقوق الكرد في الفيدرالية وضرورة تحقيق هذه الحقوق بما يخدم استقرار العراق ويحقق الطموحات المشروعة للشعب الكردي في كردستان العراق.
وكان الشعب الكردي وهو يحتضن هذه الحركات ويضفي عليها الحماية وماتمليه عليه موجبات الشراكة الوطنية والاخوة الحقيقية، بالاضافة الى موجبات الانسانية، ويقدم لها كل المساعدات الممكنة لعقد مؤتمراتها واجتماعاتها على ارض العراق يعتقد جازما ان هذه الحركات والاحزاب السياسية تدرك جيدا معنى هذه المواقف وايمليه عليها الضمير العراقي من تبعات التفكير بحلول ترسم مستقبل لجميع العراقيين عربا وكردا وتركمانا واشوريين وكلدان.
والموقف الذي سجلته هذه الحركات والاحزاب والشخصيات العراقية في مؤتمراتها ومقابلاتها لم يكن نابع من مجاملة الشعب الكردي على حساب العراق، وانما كان نابعا من ايمان هذه الاحزاب والحركات والتجمعات والشخصيات بحق الكرد الحقيقي في اختيار الشكل الدستوري في الحكم للمنطقة الكردية، مع معرفة الجميع باختيار الكرد للفيدرالية وبالاجماع في قرار البرلمان الكردي عام 1992 كشكل من اشكال الانظمة الدستورية المعمل بها في دول عديدة فقيرة او غنية متخلفة او متطورة.
واذا كان هذا الخيار مطلبا جماهيريا يكاد ان يجمع عليه الشعب الكردي بجميع احزابه وتجمعاته السياسية، مما يلزمنا ويترتب علينا اولا احترام هذا الخيار من خلال احترامنا لكلمة الاجماع التي اصدرتها الجماهير الكردية المطالبة بحقها المشروع في شكل الحياة التي تريد في العراق.
هذه المواقف التي سجلها التاريخ للاحزاب العراقية قبل ان يسقط ويتهاوى نظام صدام، حين لم يكن لنا ملاذ سوى ارضنا الطاهرة في كردستان العراق، وحين كانت هذه الا{ض القواعد الحقيقية للعمل السياسي المعارض ضد سلطة الطاغية، سواء منها المسلح او السياسي، او اعتبارها محطة ارتباط واتصال بين الداخل المحكوم بالحديد والنار وبين خطوط الخارج العاملة بمثابرة وجهد ملحوظ.
فاذا كانت المواقف مسجلة في صفحات التاريخ العراقي، واذا كانت الذاكرة العراقية لم تزل نشطة ولم تندثر المواقف والتصريحات والبرامج لهذه الاحزاب والشخصيات، فمن ان تستمد هذه الاحزاب والشخصيات التي بدات تماطل وتتلكا في احقاق الحق وتلبية مطلب اخوتهم الكرد في تحقيق الفيدرالية ضمن العراق.
الاشاعات والاراجيف التي تطلقها بعض الاصوات النشاز بقصد ذر الرماد في العيون واحداث الفرقة في المواقف المتباينة ازاء قضية الفيدرالية، لايراد منها الخير للعراق ولالمستقبل الشعب العراقي، ولاتشكل حلا جذريا لمشكلة الكرد والعراق بشكل عام، ولادفعا لتحقيق الديمقراطية في العراق والتي تكون الفيدرالية من اول خطواتها الديمقراطية.
لنعيد ذاكرتنا العراقية الى ماقبل سقوط سلطة الطاغية، ولنتذكر المواقف التي سجلتها قوى المعارضة العراقية في حينها ازاء القضية الكردية وضرورة تلبية نداء الشعب الكردي في تحقيق الفيدرالية ونقلب صفحات الالتزام الاخلاقي والوطني والتاريخي الذي سجلته المؤتمرات واللقاءات التي عقدتها الاحزاب العراقية.
ولنعد بذاكرتنا الى اصدارات هذه الاحزاب وقراءة مواقفها الوطنية والواضحة في ادبياتها ونشراتها الداخلية والخارجية لنجد حق الكرد في اختيار الشكل القانوني الذي يناسبهم فقرة اساسية ومهمة ولازمة من لوازم الاهداف العراقية بعد اسقاط سلطة الدكتاتور.
واذا كانت هذه المواقف تشكل موقفا ضميريا تمليه علينا المصلحة الوطنية والثبات على الكلمة والمواقف الثابتة والوفاء للعهد وستراتيجية الاهداف العراقية التي تخدم الية العمل الديمقراطي في العراق، خاصة ونحن نحاول ان نحقق مشروعنا الديمقراطي في المجتمع المدني، ونطبق كل تشريعات حقوق الانسان في هذا النظام السياسي والذي من اهم اسسه ان يتمتع الانسان بكافة الحقوق والحريات التي اوردها الاعلان العالمي لحقوق الانسان دون اكتراث للجنس او اللغة او العنصر او الدين او العقيدة السياسية.
فاذا كان للكرد حقوق في هذا العراق
واذا كان من حقهم ان يختاروا لاول مرة في العراق ممارسة حقهم في خيار الفيدرالية
واذا كان هذا الاختيار باجماع الكرد ويحقق لهم مطلبا مشروعا كما انه حلا جذريا لمشكلة عراقية تحمل فيها الشعب العراقي عربا وكردا واقليات اخرى المصائب والمصاعب وفقد من الارواح البريئة الكثيرة التي نزفت في حروب الجيش العراقي مع الشعب الكردي على ارض كردستان العراق
واذا كان هذا الخيار منسجم مع شكل النظام الدستوري والقانوني الذي سيقدم عليه العراق
واذا كانت الاحزاب العراقية التي ناضلت ضد سلطة البائد صدام وضحت واعطت الشهداء تقر بهذه الحقوق وتعمل من اجل تحقيقها
فعلينا ان نشخص العائق الحقيقي الذي يروم عرقلة مسيرة الديمقراطية في العراق والتي ترتبط بشكل لايقبل الانفصال مع تحقيق الفيدرالية للشعب الكردي في العراق.
ان للعراقيين عموما حقوقا اساسية وثابتة منها ماهو منصوص عليه في الدستور ومنها في القوانين المتفرعة عن هذا الدستور ومنها مامقرر بشكل ثابت واكيد في القرارات والوثائق الدولية التي تمس حياة الانسان بشكل عام، واذا كانت هذه القرارات والوثائق الدولية الملزمة فان سريان الزامها يمتد الى الشعوب قبل الحكومات، باعتبار ان عصرنا الراهن مع وجود هذه القرارات الانسانية لايسمح بتجاوز اية سلطة او منظمة على حقوق الانسان وارتكاب الجرائم ضد الانسانية، ومن هنا انطلقت الفكرة التي التزمت بها جميع الدول، من اعتبار القاعدة القانونية الدولية ملزمة في القانون الوطني ويتم الالتزام بها وتنفيذ ماورد فيها.
واذا كنا نلتزم كمجتمع متحضر حق الانسان في الحياة والاختيار، علينا ان نجنح للقبول بخيار الملايين الكردية بشكل الثوب التي ترتديه وبشكل ترتيب البيت المشترك الذي نعيش فيه ابدا.
علينا ان ننظر بعين المساواة وليس دونها للشركاء في هذا الوطن، وعلينا ان نقر بما لهم من حقوق مغبونة وممنوعة طيلة هذا الزمن الذي اوصل صدام الى السلطة واوصل العراق الى ماهو عليه الحال الان.
او على الاقل دعونا ننظر الى مامنعه النظام الصدامي من حقوق للكرد لنعمل على تحقيقها بدلا من الانسجام مع دعوات السلطة البائدة وهي التي تعتمد كلمة الحق التي يراد بها الباطل، في الحرص على وحدة العراق وسيادته وكرامته، وليس اكثر منها من فرط بكرامة العراق وسيادته وحقوقه.
ننظر الى القضية بعيدا عن التطرف والتعصب القومي الاعمى الذي استطاع الفكر المتعصب العربي ان يتشره بين عقول بعض الاخوة العرب فاعماهم عن تلمس الحقيقة والحق، هذا الفكر المنغلق والمعادي لحقوق الانسان والمتلبس بافكار الحصري وعفلق والبيطار والذي دحرج العراق الى الخلف مئات السنين،
هذه العقلية يجب ان نرميها الى مزابل التاريخ العراقي لكونها لاتصلح نهجا ولافكرا انسانيا يتناسب وينسجم مع هذا الزمن، وان نبدأ زمانا جديدا تتعزز فيه الحقوق وتتأكد فيه الشراكة الحقيقية بين العرب والكرد والقوميات المتآخية الاخرى في هذا الوطن الثري والمعطاء والذي احالته العقول المبتلية بالعماء الايدلوجي المنغلق الى دون خطوط الفقر.
لا للفيدرالية…!
|
الفيدرالية التي اختارها الكرد بقرار برلماني في 1992 لاينتظر موافقة
مجموعة لاتعرف لماذا لاتريد الفيدرالية ولاتعرف ماهو البديل ولاتعرف ماذا يحتاج العراق
|
17/2/2004:
ليس مستغربا ان تنطلق تظاهرة بائسة وصغيرة في بغداد تهتف بشعار (لا للفيدرالية), ويقينا ان جميع من هتف في هذه التظاهرة لايعرف اساس الفيدرالية ولا اشكال السلطة ومفهوم النظام السياسي ولا انواع واشكال الدساتير.. ويقينا ان جميع من سار في هذه التظاهرة لايعرف لماذا يطالب الكرد في كردستان العراق بالفيدرالية, وهل هم يحتاجون صوت هذا الذي يحتج على الفيدرالية وحاله حال الاطرش بالزفة .
فلا اعتراض له على الصيغة ولاعلى شكل الفيدرالية ولاعلى شكل الحكم غير انه لايعرف سوى شيء واحد ان ليس من حق الكرد ان ينادوا بالفيدرالية, وليس من حقهم ان يتمتعوا بالحكم الذاتي, وليس من حقهم المناداة بالانفصال, وليس من حقهم ان يشاركونا في السلطة, وليس من حقهم ان يعلو صوتهم على اصواتنا, وليس من حق برلمانهم ان يختار مايريد, وليس لهم حق في هذا الوطن بعد ان جاءوا من المجهول ليربكوا تاريخنا ويعرقلوا وحدتنا المنشودة, وليس من حقهم ان يرسموا مستقبلنا, وليس لهم في العراق حق .
ليس مستغربا ان تنطلق اصوات تسيء للضمائر الشريفة من العراقيين تنادي لا لحقوق الكرد في اختيار نموذجهم الدستوري داخل الوطن الذين اثبتوا انهم ليس فقط قدموا التضحيات الجسام من اجله, وانما الامناء الاصلاء للمحافظة عليه واعلاء مكانته والدفاع عنه وحمايته والموت في سبيله, والتمازج والتفاعل ضمن قواه الوطنية في احلك الظروف .
يشعر بعض فاقدي المروءة ومن تلبس بوهم علو القومية وافكار البعث واليمين الشوفيني بان للعرب تميزا وعلوا على بقية القوميات ليس في العراق فحسب بل في كل مكان من الارض .
المتمعن في ثنايا التاريخ العراقي يجد انها الاصوات نفسها التي انتجت فعلا كارثة بحق العراق حين اقدمت على ابادة الكرد وحرق قراهم وتدمير بيوتهم واستخدام السلاح الكيماوي والبيولوجي في ابادتهم بالاضافة الى تشريدهم في مجاهل الارض وابعادهم الى المناطق الصحراوية في جنوب ووسط العراق ودفنهم احياء في مقابر يتم اكتشافها يوما بعد يوم, ومنذ عام 1961 ولحد العام 1991 والجيش العراقي يقوم باقسى العمليات العسكرية في سبيل ابادة شعب كردستان العراق, قوافل لايتسع لها الورق من اسماء الشهداء والضحايا, هذا اذا صرفنا النظر عن اعداد الذين تمت تصفيتهم جسديا او ممن تم تنفيذ حكم الاعدام بهم, ومن الطريف ان يستكثر علي كيماوي وعزت ابراهيم الفيدرالية على الكرد وتنتقل عدوى رفض الحق الى عقول بعض السذج والواهمين والغارقين في خديعة حماية الوطن من الانفصال واعداء الامة العربية الواحدة التي لاتقبل القسمة على اثنين .
يجب ان ننادي بـ لا للفيدرالية ونلحقها بالموت للشعب الكردي الشقيق في العراق!
اي عدالة تستطيع ان تستوعبها هذه العقول حين ترسم الحياة للغير وتحدد مسار الحياة للغير وتوصف شكل الحياة للغير, وتختار اطر الحياة للغير, وحين يتململ الغير في ان له حقوقا مجرد حقوق, تثار الزوابع وتقوم الدنيا ولاتقعد, فاي حق يفهمون واي عدالة يريدون ?
ولعل هؤلاء لم يتعرفوا على تفاصيل الروابط التي يرتبط بها الكرد مع بقية القوميات في الحفاظ على كل مايمت للعراق بصلة, لعلهم لم يعرفوا مكابدة العرب والكرد والتركمان من سياسات سلطات شوفينية مقيتة كانت تعتبر العنصر العربي اعلى واشرف من بقية القوميات, وكانت ترسم لجعل العربي حاكما والكردي والتركماني والآشوري والكلداني محكومين دوما .
لعل قصورا في قراءة التاريخ العراقي وسفر النضال الذي سجله شعب العراق بعربه وكرده وتركمانه وكلدانه وآشورييه ضد سلطات الاحتلال وضد السلطات الغاشمة التي تعاقبت على تخريب العراق وتحويله الى سلخانة بشرية وسجون ومقرات تعذيب واقبية مرعبة, قصور في فهم كل هذا في عقول البعض .
لعل هذه العقول التي خرجت تنادي بلا للفيدرالية وكأنها تريد ان تهتف بلا للحق ولحقوق الكرد بالذات, لان تحقيق حقوق الكرد في هذا الوطن الفسيح والمعطاء سيوفر لهم حياة كريمة وانسانية تليق بهم بعد كل هذا العذاب والمهانة التي تتعارض مع حقوق الانسان, ولان توفير هذه الحياة سيمنحهم الفرصة في ان يرسموا مستقبلهم بأياد كردية وسيضمنون لاجيالهم القادمة حياة عراقية تليق بكرد كردستان العراق, وانهم سيوظفون نهضتهم وامكانياتهم ضمن شكل دستوري من اشكال السلطة الدستورية تسميه كل قوانين وحقوق الدنيا بالفيدرالية .
وهي لاتعني غير معناها الثابت ولا يمكن ان تنحرف يمينا او يسارا, الفيدرالية التي تعني حق الشعوب في تقرير مصيرها وحق الانسان في اختيار شكلا الحياة التي يريد, والفيدرالية تعني شكل من اشكال النظام القانوني, والفيدرالية في اشكالها الدستورية اما ان تتحد وفقها دولتان او اقليمان بدولة فيدرالية واحدة, او يتم ايجاد نموذج يمنح كل مقاطعة الحق في الفيدرالية مع بقاء الدولة الواحدة والوحدة الوطنية بعد تفكيك السلطة الدكتاتورية والعمل على نشوء دولة عراقية فيدرالية ذات سيادة ودستور من الجنوب حتى اقصى نقطة في كردستان ويتم توزيع الصلاحيات القانونية وفق مايرسمه ويقرره الدستور العراقي الذي سيتم التصويت عليه واقراره من قبل الشعب صاحب القرار الاول والاخير والشكل الاخير مايريده كرد العراق ومايتفق مع امال الشعب العراقي الذي يقول نعم نعم لفيدرالية اشقائنا واخوتنا الكرد شركائنا الحقيقيين في هذا الوطن الذي نسميه العراق .
الفيدرالية التي اختارها الشعب الكردي لايمكن لمظاهرة مجوفة لاتعي مصلحة العراق ولاتتعرف على مكامن الوجع فيه, ولاتفهم المشاكل التاريخية والسياسية والقومية التي يعانيها, ولاتعرف الحلول والاشكاليات التي تحتاج منه النظرة العاقلة والمنصفة, الفيدرالية التي اختارها الكرد بقرار برلماني في اجماع عام في العام 1992 لاينتظر موافقة هذه المجموعة التي لاتعرف لماذا لاتريد الفيدرالية ولاتعرف ماهو البديل ولاتعرف ماذا يحتاج العراق, غير انها تعرف انها تهتف لا للفيدرالية .
لن تعرف هذه المجموعة التي ما اصطف فيها متعلم عراقي واحد واعتمدت على تجميع البسطاء من الناس ان الفيدرالية نظام دستوري يقوم على وجود عدة وحدات سياسية ضمن الدولة الواحدة, ولن يعرف هؤلاء ايضا ان في الهند فيدرالية قبل ان نقرها في برلمان الكرد .
وهي نفس المجموعة التي هتفت بلا (للكمبيوتر) باعتباره آلة شيطانية, ولا للـ(CD) باعتباره جزءا من الكمبيوتر الشيطاني, وهي نفس المجموعة التي تستعد للهتاف دون ان تعي معنى الشعار الذي ترفعه وتنادي به اي شعار كان .
لن يحتاج الكرد الى صراخ القلة في تحقيق اهدافهم العراقية المشروعة, لان ماتطالب به الشعوب لاتمنعه هتافات المجوفين, ولارفض الواهمين, ولاعدم قبول التائهين .
لن يحتاج الكرد الى مساندة من لايفهم حق الانسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها وحق الشراكة في الوطن وحقوق التاريخ والجغرافية, لن يفهم حق الكرد من تلبس بفكر عفلق وايلي زغيب والياس فرح والفرزلي, ولن يتفهم حق الكرد من لم يعرف حقوقه اصلا.
وحين تتقدم هذه التظاهرة التي اضحكت العالم ليس على قلتها وليس على عدم اشتراك متعلم فيها, بل لسذاجة الهتاف حين تنطلي عليهم لعبة سمجة وبائسة تدعو لعدم اعطاء الكرد حقوقهم المشروعة, مقابل ماذا يتم هذا المنع ? ومن يمنع الكرد من تحقيق مطالبهم وامانيهم ? ومن يقرر انهم شركاء حقا في هذا الوطن او انهم مجرد خراعات للخضار في العراق ?
لن نستغرب ونحن نحصد مازرعه الفكر القومي الشوفيني في مجتمعنا ومدارسنا وبين عقول اطفالنا وداخل مناهج بعض الاحزاب القومية, وبعض الافكار التي نشرها ساطع الحصري والبيطار واستطاعت ان تهيمن على عقول البسطاء والسذج من اخوتنا .
انهم العصاة والانفصاليون والخونة وعملاء الاجنبي وعملاء الصهيونية والمتآمرين على سلامة البلاد ومن يريد السوء بسيادة العراق ودعاة التجزئة ومابقي في قاموس النعوت الباقية من صفات لاتليق بالحقيقة اطلقتها السلطات التي سحقناها وناضلنا من اجل اسقاطها فهل يليق ان ندع شعاراتها الجوفاء وكلماتها المنحطة التي تسيء للعراق قبل الاساءة للكرد ان تكون حاضرة بيننا .
انهم الاحزاب الشوفينية ومسببو الحروب والعصاة على الدولة في كل زمان ومكان وانهم بلا اصول ولاجذور ولاوطن لهم ويريدون ان يقضموا وطننا العربي ويحلمون بكردستان الكبرى في حين اننا نعطيهم اكثر مما يحلمون به نعطيهم رسالة خالدة ووطنا عربيا من المحيط الى الخليج وماعليهم سوى ان يرددوا امتنا الكردية اصلها عربية واحدة وستكون خالدة خلود الدهر رغم عاديات الزمن, فاي مسرحية هزيلة وهزلية في نفس الوقت نشاهد ? .
وما محاولات الكرد رفض الانصهار ضمن القومية العربية الا دليل على جنوحهم للانفصال, وما رفض الكرد لما نمنحه لهم من حقوق الا دليل على رغبتهم في الانفصال, وما رفض الكرد ان يكونوا تحت قيادتنا الحكيمة الا دليل على حبهم للموت والقتال, وفوق كل هذا فان لنا وطنا واحد وعلما واحدا وتاريخا واحدا وحلما واحدا, وليس للكرد وطن ولاتاريخ ولاعلم ولاحلم وهذه قسمة الحق وعدالة الشراكة الحقيقية في الوطن .
لا للفيدرالية ولتحيا معاهدة لوزان 1923 التي انكرت حقوقهم المشروعة التي اقرت بها معاهدة سيفر 1920
لا للفيدرالية ولمطالب شعب كردستان وحقوق الكرد شركائنا في الوطن .
لا للفيدرالية على الرغم من اننا نعي ان الفيدرالية ستتحقق حتى لو ارتطمت هذه الرؤوس بالجدران وصحت او لم تصح, وستتحقق الفيدرالية ليس فقط بارادة شعب كردستان ولابنضاله وانما بمساندة الشرفاء واصحاب الضمائر الحية والمنصفين والعارفين بحقوق الانسان وبالقانون وبنضال العراقيين العرب الذين لم تتوقف مسيرة نضالهم في تحقيق اهداف ومطالب الكرد منذ اول حرب غير عادلة شنتها السلطة العراقية بين الجيش العراقي وشعب الكرد في العراق .
وحين تتفهم هذه العقول حقيقة ماسجله التاريخ العراقي من مآثر وبطولات وتضحيات للكرد في كردستان .
وحين تعي هذه العقول كمية الدم والضحايا والشهداء الذين رسموا طريق النصر في كردستان .
وحين تعلم هذه العقول يقينا ان مطالب الشعوب لايوقفها الصراخ بعد ان سجلت سفر النضال الخالد .
ستعرف حقا ان الفيدرالية للكرد في كردستان قادمة .
بانتظار دستورنا العراقي الجديد
المطالبة الكردية بالفيدرالية اصبحت هاجسا عراقيا وطنيا
29/12/2003:
قضية الدستور من بين اهم القضايا التي تواجه العراق الجديد ومهمة اساسية من مهمات مجلس الحكم العراقي لتحقيق متطلبات القرار الدولي والوصول بالعراق الى الحرية والاستقلال وبداية العهد الانساني والديمقراطي المدني الجديد .
وعلى هذا الاساس ينتظر اهل العراق تشكيل اللـجان التي ستختص بكتابة مسودة مشروع الدستور العراقي. وعملية مناقشة مسودة مشروع الدستور والتي ستكون متشكلة من خيرة القضاة والحقوقيين والمتخصصين في المجال الدستوري ورجال الفقه والشريعة وحقوق الانسان، ستؤدي بالنتيجة الى ايجاد معالم واضحة لمسودة قابلة للتطوير والمناقشة والتعديل ، حتى يصار الى طرح المسودة على الشعب العراقي للتصويت عليها بموجب استفتاء حر وواسع يشمل كل العراقيين داخل او خارج العراق ممن يحق لهم التصويت على هذه الوثيقة الاساسية التي ترسم معالم الحياة المستقبلية للعراق.
ان عملية ايجاد الاسس التشريعية في مسودة الدستور العراقي مثل القيام بانشاء اساس في عملية بناء البيت، فالدستور حقا يشكل الاساس القانوني الذي يرسم معالم الحياة السياسية في العراق وفق مايحلم به المواطن العراقي.
مشاريع دستورية
وكان قد قدم عدد من الحقوقيين مشاريع دستورية متواضعة ، بالاضافة الى تشكيل لجنة من خيرة المختصين في اعداد مسودة للدستور من قبل المنظمة الوطنية للمجتمع المدني وحقوق العراقيين قدمت مشروعها المتواضع والذي ينم عن سعة اطلاع وخبرة ودراية في الشأن العراقي تستطيع اللجان المتخصصة ان تستفيد منها، وان تتم مناقشتها وفحص نصوصها، مثلما يمكن الاستفادة من الدستور العراقي الذي قدمته اللجنة المتخصصة بعد قيام الجمهورية في 14 تموز 1958 وهو من الدساتير المشار اليها بالمتانة والوضوح والشمول والايجاز .
ومن بين اهم المسائل والامور التي لن تغيب عن بال اللجان التي ترسم النصوص الدستورية المقترحة، مسألة فصل السلطات الثلاث التشريعية و القضائية و التنفيذية والتي اقدم النظام البائد على الغاء عملية الفصل في الدستور المؤقت السابق، وقد ثبت عمليا في الحياة العراقية ان الفصل بين هذه السلطات يشكل الضمانة الاكيدة وذات الجدوى العملية من اتباع الغاء الفصل بين السلطات ، وخاصة ان العراق مقدم على حياة ديمقراطية حقيقية وضمانات لحقوق الانسان .
ومن اجل ايجاد مؤسسة قضائية فاعلة ومستقلة ، ينبغي النص على ان يصار العمل بالنصوص السابقة التي تفصل مجلس القضاء عن سلطة وزير العدل .
كما ان ايجاد تشريع يحكم وجود المحكمة الدستورية العليا وكيفية تشكيلها وسلطاتها وقراراتها واستقلاليتها ، يشكل ضمانة دستورية اخرى واكيدة تعمل على ترسيخ المعالم الديمقراطية للحياة في العراق .
التجربة السياسية
ان مايميز العراق تلك التجربة السياسية التي مر بها منذ تأسيس الدولة العراقية بعد ثورة العشرين ولحد اليوم، وهذه التجربة ولدت لدى العراقي من خلال تجربته السياسية ومحنته الوطنية، تراكم السلبيات التي توارثها الناس جراء سياسات السلطات القمعية المتعاقبة ، وعرف العراقي حقوقا كانت غائبة ومغيبة ، مثلما عرف العراقي اشكال الانظمة السياسية للسلطة والحكم وعرف ايضا التجارب التي مرت بها الامم.
والمطالبة الكردية بالفيدرالية لاتمثل حقا فقط مشروعا من حقوق الكرد في العراق بعد نضالهم وتضحياتهم ومعاناتهم الطويلة طيلة فترة تاريخ العراق الحديث و الذي طالما قدموا بالاشتراك مع باقي القوميات في العراق التضحيات الجسام وخاضوا من اجله معارك طاحــنة اكلت العديد من شبابهم على مذبح الشهادة ، واجلت مستقبلهم ومسحت قراهم وبيوتهم ، ولهذا فان المطالبة بالفيدرالية اصبحت هاجسا عراقيا وطنيا يقتنع به العراقي بضميره ومن خلال ما مر به الوطن من تجارب سياسية وباعتبار الفيدرالية صيغة من صيغ العمل السياسي ضمن وحدة الوطن العراقي .
حقوق القوميات
ان مسالة الحقوق للقوميات التركمان والآشوريين والكلدان والاقليات الاخرى مسألة تمثل مطلبا وطنيا عراقيا ، فنحن بحاجة الى اقرار وطني بحقوق الجميع من الايزيدية والصابئة المندائية واليهود الى اقل شريحة اجتماعية موجودة في العراق ، مثلما نحن بحاجة ان نبحث عن الحقوق التي ضيعتها الانظمة السابقة بقصد او استخفافا بالانسان وحقه في الحياة ، وهذه الفرصة التاريخية التي تشير الى معالم حياة جديدة للعراق في المنطقة ، ستزيد بالتأكيد من قوة التلاحم والتكاتف الوطني ، مثلما تزيد الوطن منعة وتلاحما ووحدة .
ومن بين اهم الامور التي استجدت بعد زوال السلطة البائدة ، هي مسالة ازدواجية الجنسية والتي صارت امرا واقعا ، واصبح العديد من العراقيين ونتيجة غربتهم الطويلة وهجرتهم تخلصا من سلطة الطاغية قد اكتسبوا جنسيات البلدان الغربية التي يقيمون بها بالنظر لانطباق الشروط عليهم ، ولطول مدة بقائهم في غربتهم ، ومع ان مجلس الحكم العراقي اصدر قرارا بجواز ازدواجية الجنسية الا ان الامر بحاجة الى تنظيم ونصوص دستورية ترتب ذلك وتحمي الحقوق ، ومن يشملهم الامر كانوا من المضحين في سبيل معارضة واسقاط النظام البائد وفي سبيل ذلك كانت هجرتهم ، لذا يتحتم على اللجان المشرفة ان ترسم لهم النصوص التي تضمن مواطنتهم وتبيح لهم الحق في الاحتفاظ بجنسيتهم العراقية ، والعمل على دراسة مبدأ ازدواجية الجنسية ليحل العديد من المشاكل الآنية، اضافة الى ضرورة ليس فقط استعادة الجنسية العراقية للعراقيين المسفرين والمهجرين والمبعدين وانما ضرورة اعادة الاعتبار الانساني لهم بموجب نصوص دستورية ولايكفي قرار مجلس الحكم العراقي مع تقديري واحترامي له، فالمسألة تتعلق بشرائح طيبة وكبيرة من العراقيين مما يقتضي معالجتها دستوريا وبتأن ودقة.
كما ان مسالة التعويضات عن مصادرة الاموال والاستحواذ عليها من قبل السلطة البائدة دون وجه حق واستغلالها طيلة هذه السنوات ، مما يقتضي ان يمنح الدستور للقضاء العراقي الصلاحية الواسعة من خلال قوانين تمنح هذه الناس بعضا من حقوقها وبشكل سريع ويتناسب مع ضرورة عودة الحياة الطبيعية للناس في العراق ، بالنظر للتضحيات الجسام التي قدمتها هذه الشرائح العراقية الاصيلة .
مشروع الدستور الجديد
ان مشروع الدستور الجديد سيكون شاملا لما تريده كل شرائح الشعب العراقي متمثلة بالمستقلين والاحزاب العراقية الوطنية وبما يتناسب مع الواقع العراقي ، وبالنتيجة ماستتقبله الجماهير العراقية ، وهي الذي ستقرر مصلحتها في اقرار النصوص التي سترد في هذه المسودة لتصبح تشريعا ملزما ، تستند عليه التشريعات والقوانين في عراق المستقبل.
بالتأكيد ان المهمة التي ستقع على عاتق هذه اللجان ليست بالسهلة ولابالمريحة، انها ستأخذ مبادرة لم ماتبعثر من الحقوق ، وما ارتكبته السلطات من اخطاء دستورية وماغفلته النصوص المؤقتة للدساتير التي شرعت قبل هذا.
كما ستكون المهمة صعبة ايضا من خلال تعدد الآراء والمطالب وتعدد الافكار والاتجاهات ، ويقينا ان اللجنة ستمزج كل هذا في بوتقة واحدة للتوصل الى نصوص دستورية تختزل المحنة العراقية ومصلحة الانسان ووحدة العراق .
وحين تضع اللجان التي ستتشكل لاعداد مسودة الدستور امام انظارها مصلحة الشعب العراقي والوضع الانساني الحرج للعراق، فانها ستضع افكارا وتصورات مشتركة وتمتاز بواقعية وتتناسب مع ظروف المجتمع العراقي وتطوره المستقبلي باتجاه الحياة المدنية الديمقراطية، اضافة الى مايشكله مشروع الدستور من اهمية بالغة في رسم اسس ومعالم الدولة العراقية الديمقراطية المدنية المؤسسة على الحقوق المدنية يحلم بها المواطن العراقي ايا كانت افكاره ورؤاه والتزاماته.
التدخل في شؤون العراق.. بين الاطماع والوصاية
صحيفة (السياسة)الكويتية 21/2/2004:
لم يتعرض شعب من شعوب الارض للتدخل مثلما تعرض له شعب العراق. فقد هيمنت على حياته التدخلات الفارسية وتحكمت في مدنه ردحا من الزمن ثم تدخلت الدولة الرومانية فنبشت وحكمت وامرت وقسمت, وهكذا فعلت الدولة البويهية والسلجوقية, حتي صار الامر ان تحكم العراق دولة الخروف الابيض والخروف الاسود وبعدها تتدخل الدولة العثمانية باسم الدين لتجثم فوق صدر اهل العراق اكثر من ثلاثمئة من السنين العجاف.
وبعد ان صار عهد الثورة الصناعية, بدأت شعوب الارض تتمتع بالحرية والاستقلال وتتحكم وطنيا ببلادها بعد ان اضحت حقوق الانسان الاساس الذي تقوم عليه المبادئ العامة في العلاقات الانسانية في حين بقي العراق يتعرض لحملة من التدخل الانكليزي والهندي والايراني والتركي وحتى العربي , ولو كان بمستطاع الصومال ان تصل لما تأخرت عن هذا التدخل. وما ان قام العراقيون بثورتهم ضد النظام الملكي عام 1958 واختاروا النظام الجمهوري, انتشرت الاصابع الخارجية تعبث في الجسد العراقي فتعيث به فسادا وتنشر الوباء والدماء والجراد والموت والسموم والفرقة بين ابناء العراق حتى استتب لها الامر بدولاب دموي يحصد ارواح اهل العراق ويربك مستقبلهم ويسمم حياتهم .
والتدخل في الشان العراقي من قبل الاجنبي والعربي لم تكن صفحة جديدة, مثلما لم يكن سلوكا من دون معنى فقد كان له اسبابه الكثيرة وموجباته العديدة, ويكون هذا التدخل سافرا احيانا وفي احيان كثيرة مستترا وسريا ومخفيا يتلبس وجها غير الوجه الذي نعرفه ونكتشفه قبلا.
ويقينا ان العراقي الذي يقدم روحه وماله ومستقبله من اجل قضايا اشقائه, لم يكن يدور بخلده كل هذا التدخل في شؤونه الداخلية من اشقائه انفسهم الذين لم يتدخل في شؤونهم وقدم لهم الغالي والنفيس تضامنا ومشاركة منه لقضاياهم .
وعلى الرغم من تقديم العراقي لروحه وهي اغلى ما يملك الانسان, وماله وحلاله الا انه لم يكن يتدخل في التفاصيل الخاصة او القضايا الخاصة لاشقائه.
وبعد ان اطيح بالرئيس البائد صدام حسين وبدأت تظهر عورات هذا النظام الدموي, لم يكن استغراب اهل العراق للبكاء والحسرات التي تظهر على وجوه ومشاعر بعض اشقائه على ذهاب هذه السلطة الدموية ورحيل الطاغية الى مزابل التاريخ العراقي , حيث ان من حق اي انسان ان يعتقد ما يشاء ويؤمن بما يشاء ويحترم ما يشاء ويكره ما يشاء, لارقيب لدينا على ذلك مثلما من حق الناس ان تعطي وجهات نظرها وان تتجادل فتصر على معتقدها او تغير من مواقعها تبعا للحقيقة المعروضة فالمكتوي بالنار ليس كالمتفرج على لهيبها , لا اعتراض على هذا كله.
لكن ان يصل الى منع الكرد من المطالبة بحقوقهم القومية المشروعة والمطالبة بالفيدرالية كحل جذري للمسالة العراقية الداخلية, فهذا ليس من حقهم ونعده شانا عراقيا داخليا لايمكن لاحد ان يتدخل فيه او يفرض الوصاية في رأيه علينا , وان يتدخل البعض في محاكمة او عدم محاكمة المسؤولين السابقين في نظام الطاغية صدام في العراق فهذا ليس من حقهم.
شعب العراق بتنوعه القومي عربيا وكرديا وتركمانيا وآشوريا وكلدانيا وارمنيا يحمل من الوعي الثقافي والسياسي مالم يصله شعب في المنطقة وهو الجدير بان يختار نوع السلطة وشكل الحكم الذي يريد, وشعب العراق جدير بحياة دستورية وقانونية وحرة وديمقراطية وفيدرالية تليق به, فهو اول شعب اوجد القوانين على الارض, وهو اول شعب اوجد الحكومة والدستور على الارض, ومن فوق ارضه بدأت الاحرف الاولى للكتابة في التاريخ , وهو في هذه المحنة يشعر انه في حاجة ماسة لاحترام مشاعره وخصوصياته من تدخل الاغيار الذين لم يتدخلوا حين كانت رقاب اولاده تحت المقصلة الصدامية فقد كانوا اما راقصين واما وجلين او محايدين.
لن نستمد موجبات مانريد دون ان تكون ارادتنا هي الاولى ومعرفتنا بضروريات البناء السياسي المستقبلي هي التي ترسم مانريد , لدينا من الاحزاب العراقية العريقة التي خبرت النضال والكفاح ومنازلة الطاغية والخراب كل هذه السنين , وتحدت سلطته وقدمت من الشهداء والضحايا مالايمكن ان تصدقه الاذن والعين , يعني هذا ان لنا من التجربة السياسية مايؤهلنا ان نكون معلمين لامتعلمين .
الفيدرالية التي نناضل من اجلها حل جذري عراقي وليس عربيا , والفيدرالية التي نريد قررها البرلمان الكردي العراقي بالاجماع في العام 1992 , ولذا صار علينا لزاما ليس فقط ان نحترم القرار البرلماني الكردي , وليس فقط القبول بخيار الفيدرالية وانما نحترم ماكنا قد ناضلنا من اجله ودفعنا اعمارنا وارواحنا ومستقبلنا من اجل تحقيق الفيدرالية للكرد في العراق وهذه الفيدرالية هي جزء مهم من عملية التحول الديمقراطي والمجتمع المدني والاقرار بحقوق الانسان والتحول باتجاه حل جميع الاشكاليات في العراق حلا جذريا .
لن يسمح اهلنا في العراق بالوصاية باسم الاخوة , ولاالهيمنة باسم الدين , ولاالنفاق باسم القومية , ولن نسمح لاحد ان يتدخل في الشأن العراقي الداخلي , ويكفي ان قوافل الارهاب التي حصدت ارواح اطفالنا وشبابنا الابرياء كانت عربية , ويكفي ان التفجيرات والبهائم المفخخة التي وصلتنا كانت عربية , ويكفي ان الشر الذي عبر الحدود علينا كان من دول الجوار التي لم تكن جدية في اغلاق منافذها الحدودية لتمنع تسلل المتسللين والقتلة القادمين لنشر وزرع الموت والخراب بين اهل العراق .
فاذا كانت الفيدرالية ركنا من اركان الدستور العراقي فهي حتما مطلب عراقي وشكل من اشكال الحكم الذي نريد , واذا كان للعراقيين حقوق فسنرسمها باصابعنا ووفق وجهات نظرنا , قد نختلف ونتعارض ونتفق ولكن عراقيا دون ان تكون هناك اصابع اجنبية بيننا .
اتركوا لنا فرصة ان نرسم شكل الحكم الدستوري الذي نريد , واتركوا لنا ان نقف الى جوار ابناء شعبنا الكردي في الفيدرالية , واوقفوا عنا الحملات الاعلامية والتوابع الذليلة الرادحة والتي توقف عنها الرشى, ثقوا بان كل شيء سيعود الا سلطة الطاغية وعصر الدكتاتورية فانها ذهبت الى مزبلة التاريخ العراقي , ثقوا بان كل شيء سيعود بهيجا في العراق وسيعود التاريخ العراقي ناصعا ونظيفا متخلصا من لطخات وسخام صدام الذي اساء للشعب وفرط بالسيادة وخان الوطن وتناقض مع الشرف والقيم .
لنا خيارنا العراقي ولنا احزابنا العراقية ورجال ديننا من المسلمين الشيعة والسنة ومن المسيحيين ومن الصابئة المندائية ومن الايزيدية , ومن شخصياتنا الوطنية والسياسية والثقافية , وشعب يمتلك كل هذا التنوع والاختلاف جدير بان يستفيد من تجربته العراقية وتاريخه العراقي القديم .
التوحد العراقي المطلوب
|
باركوا لأخوتكم الكرد مايريدون لأنفسهم من لباس قانوني وشكل دستوري يحفظ لكم مستقبل العراق ،
ولاتخشوا منه ، وثقوا أن الفيدرالية شكل من أشكال النظم الدستورية في الحكم
|
29/2/2004:
افتحوا أذرعكم لبعض وتعانقوا بقوة عراقية من القلب وأجلوا خلافاتكم فقد حل زمن العراق الجديد .
يا أبناء سومر وبابل وأكد وآشور ودجلة والفرات هذا وطن ينام في بؤبؤ العين ويحل في الضمائر يناديكم كلكم لتبدأوا من جديد اعادة ما هدمه الطغاة والبغاة . أيها النشامى مهما كانت اختلافاتكم فأنكم دون استثناء تمنحون هذا الوطن من أعماركم وأيامكم وإبداعكم وعرقكم. الا يستحق منكم هذا البهي النقي وقفة تأمل أن تدعوا الان كل هذا السيل من الكلمات التي نطلقها كالرصاص ؟؟ ونعود لنتأمل كيف نعيد ترميم الحجارة المثلومة والسقوف المتهدمة وأرواحنا المبعثرة ووطن من أجمل بلاد الدنيا أرادوا له أن يتحول الى مقبرة خاوية منعوا عنها حتى جثث الأبناء .
أيها الأحبة يساركم ويمينكم معتدليكم والمتطرفين حزبيين ومستقلين عرباً وكرداً وتركمانا وآشوريين وكلدانا وأرمن من ضحى ومن يضحي ، من يرى الطريق غرباً أو شرقاً ، أيها الأحبة كلكم تريدون أن يكون الوطن بهياً ومعافى فلم هذه الجراح التي ليس لها مايبررها ونحن على أعتاب أن نستعيد بهاء الوطن؟ بوحدتكم الوطنية لن ندع أجنــبياً أو ارهابياً يزرع الموت ينفذ بين الصفوف ، وبالمحبة بيننا نبعد عنا أحلام الغرباء ، بتماسكنا وأخوتنا يصير العراق عراقياً ، وبالتآخي العراقي نبني سورا جديدا للعراق ، تكلله المحبة والشهامة والنخوة العراقية ومحبة الإنسان والسلام الذي دعت له أدياننا وأحزابنا ومضايفنا وأمهاتنا . احموا اطفالكم من رعب الإرهاب والقنابل الغبية والبهائم المفخخة ، وامسحوا عن اعينهم الخوف وهم في طريق المدارس ورياض الأطفال والملاعب والحدائق العامة ، ضاعفوا حماية عوائلكم وحرائركم من المتسترين باسم الدين والمتصيدين الذين يلايدون السوء والشر بأهل العراق .
بالسلام الذي طالما هتفنا له ودعونا له وحلمنا به ، أجلوا كل ماعداه من أجل السيد العراق ، وألغوا كل خلافاتكم فهو يستحق منكم هذا . انصتوا لصوت العقل وباركوا لأخوتكم الكرد مايريدون لأنفسهم من لباس قانوني وشكل دستوري يحفظ لكم مستقبل العراق ، ويوقف نهر الدم الذي صبغ العراق منذ عشرات السنين ، باركوا الحق ولاتخشوا منه ، وادحروا الباطل ومن يريد بكم السوء بوحدتكم وتوحدكم ، وثقوا أن الفيدرالية شكل من أشكال النظم الدستورية في الحكم ، مارستها قبلنا شعوب عديدة وثبت نجاحها . احصوا شهداء العراق من العرب والكرد والتركمان والكلدوآشوريين ، وباركوا لكل الأحزاب العراقية الوطنية التي ناضلت وجاهدت وضحت من أجل خلاص العراق من أصابع الجلاد ومخالب الطغيان ، واجعلوا المحبة العراقية سماءكم التي تستضلون بها ، فهي التي تحميكم من عاديات الزمن وتقلبات الطقس السياسي . احلموا كما تشاءون واكتبوا كما تحلمون فكل ماكتبتموه من أجل خدمة هذا الوطن الذي قدم له أخوتنا وأبنائنا وآبائــنا أرواحهم فداء له ، وطن هلهلت له بناتنا وهن يصعدن الى المشانق ، وطن لم تزل فيه قباب أئمتنا شامخة واذاننا عالياً واماكن عبادة الأيزيدية الأخرى رغم كل دمنا المستباح وتدق كنائسنا رغم كل إرهاب القتلة والمهووسين بالدم والموت ونقرأ فيه كتبنا المقدسة رغم كل سكاكين السلطة البائدة ورصاصها النابت في صدور أولادنا والمدفوع الثمن بايصالات رسمية .
وأسأل هل يستحق منكم هذا الوطن بعد ان تخلص من قبضة الشر والأشرار أن تتعانقوا ؟ أذن افتحوا أذرعكم وتعانقوا ، أطلقوا دموعكم ترسم نذر الوطن الذي نستعيد ، بللوا أيامكم بدموع الفرح ، ارسموا خارطة العراق فوق ضمائركم وأطبقوا عليها شغاف القلب ، ففي ضمير كل واحد منكم يغفو العراق . لا تفرطوا بوطن كان يرزخ تحت كل هذا الركام المتخلف من الضيم والقهر والألم والعذاب والدم والفراق والخوف والموت الذي يحصد أبناؤه .
أيها الأنقياء والأتقياء أيها الممتلئون شوقاً ودمعاً وألماً وقيحاً ، دعوة من وطن يقول لكم لنبدأ يومنا التالي بمحبة عراقية وكتابات عراقية لا اثر للتجريح فيها ولا أثر للاختلاف فيها نؤجل كل مابيننا حتى نستعيد وطننا المستباح .
اعيدوه كما كان قبل ان يحل الطاغية بيننا وقبل ان يصير زماناً أقل مانقول عنه أنه الزمن الأغبر حين نخجل ان يقول التاريخ ان عراقي مثل صدام كان قائداً للعراق .
دعوة للضمائر النظيفة والحية والمجاهدة والمناضلة والحالمة بعراق جديد وحياة تليق بالعراقيين ، دعوة للضمائر التي تفهم الحق والحقوق وتجعل الإنسان وحياته وسعادته ومستقبله أساساً في الحياة .
وهي فرصة سيسجلها لكم التاريخ سلباً أم ايجاباً ، لكم أو عليكم .
وأنتم وضمائركم ؟
الــكـــرد و وحــــدة العــــــراق
|
*مايدل على اخلاص الكرد لوحدة العراق ، اقرار الفيدرالية من قبل البرلمان الكردي عام 1992
*افكار الطاغية لم تزل تعشش في عقول بعض الساسة ممن يعتقد حقا ان نداء الكرد في اقرار الفيدرالية هي تجزئة للعراق ودعوة للانفصال
*ستتحقق الفيدرالية مهما حاول الاقزام والمتصايحين في العراء لانها مطلب جماهيري
*جميع الحركات العسكرية التي اقدمت على مقاتلة الشعب الكردي وغمط حقوقه المشروعة كانت تتستر بشعار وحدة العراق
|
13/2/2004:
حين شنت قوات الجيش الملكي في العراق عملياتها العسكرية ضد المدنيين الكرد كانت اليافطة والحجة التي زعمها النظام الملكي الحفاظ على وحدة العراق، رغم ان الكرد لم يكن يطالبون الا باقرار حقوقهم المشروعة ضمن الدستور العراقي وتحقيق الشراكة الحقيقية في الوطن عملا لاقولا
وواقعا لازعما.
واستطاعت القوة العسكرية غير المتكافئة ان تنتصر على الشعب الكردي وقيادته التي هربت الى اقصى الارض تخلصا من ملاحقة السلطة الغاشمة والظالمة في العهد الملكي.
وحين سقط النظام الملكي بثورة 14 تموز 1958، استبشرت الجماهير العراقية ان قيادة الثورة المتمثلة بالضباط الاحرار ستتفهم حقوق الكرد ومشروعية مطاليبهم ضمن العراق، وزادت الفرحة بعودة القيادات الكردية من خارج العراق، حيث تم استقبال الراحل الملا مصطفى البارزاني استقبال الابطال من قبل الشعب العراقي في الجنوب والوسط قبل شعب كردستان، ولم تمض سنوات حتى انقلب قادة الثورة على اماني واحلام وحقوق الكرد وتنكروا لها وقاموا بدفع قوات الجيش العراقي لقتالهم في منازلة غير متكافئة كانت فيها الجماهير الكردية من جانب ومن الجانب الاخر الجيش العراقي بكل ثقله وميزانه العسكري والبشري في المنطقة، ولم يكن سببا او ذريعة ترفعها السلطة غير وحدة العراق.
غير ان انقلابا غاشما واسودا حصل في الثامن من شباط في العام 1963 انهى السلطة واستلم حزب البعث الحكم وزعم ان له النية في تلبية حقوق الكرد وتحقيق طموحاتهم ضمن سياسته في الحكم غير ان قيادات الحزب وبما عرف عنها من سيطرة النوازع الشوفينية وغياب الرأي الاخر وحقوق الانسان، تنكرت هذه السلطة ليس فقط للمطالب الكردية العادلة، وانما طلبت مساعدة الجيوش العربية للقضاء على الشعب الكردي ولغرض اخماد صوته ومطالبه المشروعة، لان هذه المطالب تمثل الخطر الكبير الذي يتعارض مع مشروع الوحدة العربية الاجباري او الشعارات غير الحقيقية التي كان البعث يرفعها في حينه، وكل مزاعم السلطة كانت الحرص على وحدة البلاد وعدم التفريط بالسيادة وعدم تجزئة الوطن.
وحين انقلب عبد السلام عارف على حزب البعث في انقلاب تشرين 1963، انتظر الجميع ان تجنح السلطة الى لغة العقل والمنطق، وبما عرف عن عبد السلام ومجموعة الضباط المتسلحين بفكر اليمين المتطرف والتعصب القومي، مالبث ان دفعوا بقوات الجيش العراقي لقتال الكرد حماية للعراق من التفرقة والتجزئة ولغرض المحافظة على سيادة البلاد.
واشتدت المعارك وكثرت الضحايا بين جيش عسكري متدرب ومهيأ للقتال وبين شعب يدافع عن كرامته وحقوقه باسلحة بسيطة وبالاجساد الطاهرة.
وحين راح عبد السلام في حادث الطائرة التي احترق بها واستلم شقيقه عبد الرحمن عارف السلطة، كان قد اشار له الحكماء ان يجنح الى العقل والحوار مع الكرد فاستجاب الرجل، غير ان عودة سيطرة الفكر الشوفيني المتعصب والعروبي الذي لايقبل بغير الفكر الواحد اعاد القتال الى منطقة كردستان دون هوادة غير عابئ بما يقدمه العرب والكرد من تضحيات وغير عابئ ايضا بما يطرحه الشارع العراقي والاحزاب السياسية العراقية من تعاطف مع القضية الكردية وسيادة الشعار العراقي ( الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي للكرد ) والسلم في كردستان يمكن ان يعكس جانبا من جوانب التعاطف الجماهيري مع قضية الكرد في العراق، ولم يكن للسلطة العارفية من شعار سوى المحافظة على وحدة البلاد لغرض قمع الكرد وقتالهم.
وحين انقلب رفاق عبد الرحمن عارف كل من النايف والداوود وغيدان عليه واسقطوه وقاموا بتسليم السلطة الى البكر – صدام، الذين باشروا القضاء عليهم فورا، طرحوا صيغة جديدة للقضاء على القضية الكردية يتمثل في الاعتراف الشكلي في بعض حقوق الكرد، وبدات مرحلة تحسس مكامن الخطر والتحالفات السرية للقضاء على المطالب المشروعة للشعب الكردي الذي تنامت حركته من خلال حركته المسلحة والمقتدرة والتي اقامت تحالفات وعلاقات دولية جديدة ومثمرة ونزيهة، ولم تمض سنوات قليلة حتى تحالف البعث مع شاه ايران مقابل تنازلات مهينة ومخجلة وتمس سيادة العراق وكرامته واراضيه من اجل حصار الكرد والقضاء على حركتهم المتنامية.
وفرح النظام البائد بهذه النتيجة في معركته ضد الشعب الكردي متخيلا انه انتصر عليه، وكان يطرح في ادبياته ونشراته واعلامه ان الكرد انفصاليون يريدون تجزئة العراق، وانهم بصدد حماية العراق من التمزق والتجزئة قاموا بكل ما قاموا به، وان وحدة العراق هي هاجسهم الاساس وحماية سيادة العراق هي مايدفعهم لمثل هذه المواقف.
وحين انتفض العراق بعد هزيمة الجيش العراقي وقوات صدام في معركة الكويت 1991 وانتفاضة العراق على السلطة، بادر الكرد للانتفاض ضد سلطة صدام والسيطرة على مدن كردستان بالكامل والتحكم فيها، ولما استعاد الجيش الصدامي المدن العراقية الباقية، عجز ان يقتحم مدن كردستان التي ظلت منيعة ومحمية برجالها.
وبالرغم من كل الظروف الدولية والذاتية التي مرت بها السلطة المندحرة والمهزومة لم يجنح الكرد لاقامة كيان سياسي مستقل عن العراق، وبقيت الجماهير الكردية التي كانت تعيش حالة الاستقلال الفعلي والحقيقي عن سلطة المركز، بقيت تشكل الاقليم الكردي للعراق وبقيت ادارة الاقليم باستقلالية، ويقينا ان مايدل على صفاء نية واخلاص الكرد لوحدة العراق ما اقر به البرلمان الكردي في العام 1992 من اقرار ممثلي الشعب الكردي بالفدرالية كصيغة من صيغ الحكم الدستوري لمنطقة كردستان.
هذه الصيغة تمثل مطلبا شعبيا ينبع من مصلحة العراق ويدفع الى زيادة قوة العراق وتماسكه، بالاضافة الى كونه يمثل حلا اساسيا وشاملا للقضية الكردية.
والمتمعن في تاريخ العراق الحديث سيجد ان جميع الحركات العسكرية التي اقدمت على مقاتلة الشعب الكردي وغمط حقوقه المشروعة كانت تتستر بشعار وحدة العراق.
فجميع السلطات التي قاتلت الكرد لم يكن بهدف وحدة العراق حقا لانها تعرف ان سيادة العراق محفوظة ووحدة العراق يزيدها الكرد قوة في تحقيق حقوقهم وكرامة العراق من بقائهم ضمن العراق في فيدرالية يقرها الدستور ويلبي مطلبهم البرلماني والشعبي الذي ذكرناه، ولن يزيد سيادة العراق ماتنازلت السلطات السابقة لدول الجوار ومارضخت لمطالب دول اخرى وماتنازلت لدول من اجل ان لاتعط للكرد حقوقهم.
وبالرغم من كون السلطات التي تعاقبت على حكم العراق منذ العام 1958 ولحد سقوط الطاغية وحتى بداية الحكم العراقي الدستوري المنتخب لم تكن تمثل السلطة الدستورية الشرعية لغياب المؤسسات الدستورية التي اوجدها الشعب الكردي بالانتخاب في ظل غياب سلطة صدام.
فهل كانت حقا هذه السلطات تريد وحدة العراق التي كادت ان تضيع؟!!
وهل حقا كانت هذه السلطات تدافع عن وحدة العراق وتخوفها من قيام الكرد بتمزيق العراق؟
المنصف سيجد انه ليس فقط الهدف من كل هذا تخريب العلاقة الانسانية والشراكة الحقيقية والاخوة الازلية بين العرب والكرد، وليس فقط عدم قدرتهم على الاقتناع بحق الشعوب في تقرير مصيرها وحق اختيار شكل الحكم الذي يريده الانسان، وعدم ايمانهم بحقوق الانسان، وانما فوق كل هذا النظرة الشوفينية والاستعلائية التي سيطرت على نوازعهم المريضة وافكارهم المتخلفة حين ظنوا وتخيلوا انهم يستطيعون القضاء على صوت الشعب الكردي في تحقيق طموحه المشروع والانساني فسببوا الكوارث الانسانية لشعب العراق بعربه وكرده غير عابئين بالضحايا ولابالثروات المهدورة ولابالزمن الذي اعاق العراق عن التطور والتقدم.
ثمة حقيقة لم تزل حتى بعد زوال سلطة الطاغية، وهي ان افكار الطاغية لم تزل تعشش في عقول بعض الساسة ممن يعتقد حقا ان نداء شعب الكرد في العراق من خلال مطاليبه العادلة والمشروعة في اقرار الفيدرالية هي تجزئة للعراق ودعوة للانفصال دون ان يعي حقيقة الفيدرالية ودون ان يعرف تفاصيل وجع الانسان الكردي وجهاده ونضاله المرير من اجل الحق والحقوق.
ومن الطريف ان تتدخل دول لاعلاقة لها بالقضية العراقية ولابالتاريخ العراقي المشترك للعرب والكرد لتقرر موافقتها او عدمها على الفيدرالية وكان اهل العراق باتوا ينتظرون ماتقرره تركيا او ايران او مصر حتى.
على هذه الدول ان تعي حقيقة ان الفيدرالية ليست مطلبا كرديا وانما هي مطلب عراقي ناضل الشعب العراقي من اجله وقدم التضحيات والقرابين من اجل ان يتحقق.
كما على من لايفهم اسس الفيدرالية ان يطلب من المختصين في بلادة ان يقدموا له الاستشارة عن مفهوم الفيدرالية بشكل مبسط حتى يفهمها انها غير دعوات الانفصال التي يعتقدون.
ومع كل هذا فان في الفيدرالية حفاظ لوحدة العراق وسلامة وقوة العراق.
ويقينا ستتحقق الفيدرالية مهما حاول الاقزام والمتصايحين في العراء لانها مطلب جماهيري قدم الشعب العراقي من اجله الكثير ودفع الثمن غاليا.
رئيس الجمهورية ومجلس الرئاسة
الانصات المركزي 13/4/2010 :
خلال الفترة المنصرمة نص الدستور العراقي في المادة ( 138 ) منه على إحلال تعبير ( مجلس الرئاسة ) محل تعبير (رئيس الجمهورية )، وبذلك فان مجلس الرئاسة المتكون من رئيس الدولة ونائبي الرئيس يشكلون بمجموعهم ( مجلس الرئاسة)، وحدد الدستور من ان القرارات التي يتخذها مجلس الرئاسة تكون ( بالاجماع )، ومن اجل تسهيل عملية الاجماع التي تتطلب موافقة الرئيس ونائبيه جوز الدستور لأي عضو( الرئيس وأي من النائبين ) ان ينيب احد العضوين الآخرين مكانه، وبهذا فأن الدستور يفرض أن تكون جميع القرارات الصادرة من مجلس الرئاسة كانت تحظى بالأجماع وتوافق الأعضاء الثلاثة الرئيس ونائبيه.
غير أن العمل بهذا الشكل مشروط بمدة زمنية محددة، وهي الدورة الاولى لمجلس النواب، حيث ان العمل بالأحكام الخاصة برئيس الجمهورية يعاد العمل بها بعد نهاية تلك الدورة الاولى اللاحقة لنفاذ الدستور، وبهذا فأن مجلس الرئاسة سينتهي بنهاية الدورة المنصرمة ليصار العمل بما ورد في الدستور العراقي من أحكام خاصة برئيس الجمهورية.
ورئيس الجمهورية واحد من مكونات السلطة الاتحادية، وهو رئيس الدولة ورمز يتم انتخابه والأتفاق عليه يمثل وحدة العراق و يسهر على ضمان سيادته والمحافظة على استقلاله، وسلامة اراضيه، و يسهر على ضمان الالتزام بالدستور، كل ذلك وفقا لما رسمه هذا الدستور.
وأشترط الدستور العراقي فيمن يتم ترشيحه لرئاسة الجمهورية، أن يكون عراقيا بالولادة، ولم يشترط أن يكون من ابوين عراقيين بالولادة أنما اشترط عراقية الأبوين، وأن يكون كامل الأهلية وأتم الأربعين سنه من عمره، ويتمتع بسمعة حسنة لاشائبة على سلوكه وسمعته ومشهود له بالنزاهة والأستقامة والأخلاص لوطنه، وأن تكون له خبرة سياسية من خلال عمله في المجال السياسي سواء كان مرتبطا بأحد الأحزاب أو كان مستقلا، فقد أشترط الدستور إلمامه ومعرفته بالواقع السياسي لتشكل تلك المعرفة خبرة، بالأضافة الى عدم ارتكابه سابقا جريمة مخلة بالشرف.
ويتم انتخاب رئيس الجمهورية من قبل مجلس النواب في جلسته الاولى وفي حال حصول تنافس بين المرشحين يتطلب ان يحصل من يتم اختياره على اغلبية ثلثي عدد اعضائه، و في حال حصول تنافس وعدم حصول أي من المتنافسين على الاغلبية المطلوبة، يصار الى اجراء الانتخاب السري لأختيار رئيس الجمهورية، ويكون من يحصل على أكثرية الأصوات هو الفائز بمنصب الرئيس.
وحدد الدستور ولاية رئيس الجمهورية باربع سنوات، ويجوز لمن تم انتخابه رئيسا للجمهورية أن يتم ترشيحه لدورة ثانية فقط.
ويؤدي رئيس الجمهورية يمينا دستورية امام مجلس النواب بالصيغة التالية :
(("اقسم بالله العلي العظيم أن اؤدي مهماتي ومسؤولياتي القانونية بتفانٍ واخلاص وان احافظ على استقلال العراق وسيادته، وارعى مصالح شعبه واسهر على سلامة ارضه وسمائه ومياهه وثرواته ونظامه الديمقراطي الاتحادي وان اعمل على صيانة الحريات العامة والخاصة واستقلال القضاء والتزم بتطبيق التشريعات بامانة وحياد، والله على ما اقول شهيد". ))
ويحق لرئيس الجمهورية بمقتضى نص المادة ( 58 ) دعوة مجلس النواب الى جلسة استثنائية، وله ايضا تمديد الفصل التشريعي لدورة انعقاد مجلس النواب بما لايزيد على ثلاثين يوما، كما له بمقتضى نص الفقرة 1- ب من المادة ( 61 ) تقديم طلب الى مجلس النواب بسحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء.
يتولى رئيس الجمهورية الصلاحيات الاتية :
أولاً : اصدار العفو الخاص بتوصية من رئيس مجلس الوزراء باستثناء ما يتعلق بالحق الخاص والمحكومين بارتكاب الجرائم الدولية والارهاب والفساد المالي والاداري.
ثانيا ً: المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية، بعد موافقة مجلس النواب وتعد مصادقا عليها بعد مضي خمسة عشر يوماً من تاريخ تسلمها.
ثالثاً : يصادق ويصدر القوانين التي يسنها مجلس النواب، وتعد مصادقا عليها بعد مضي خمسة عشر يوما من تاريخ تسلمها.
رابعاً : دعوة مجلس النواب المنتخب للانعقاد خلال مدة لا تتجاوز خمسة عشر يوما من تاريخ المصادقة على نتائج الانتخابات، وفي الحالات الاخرى المنصوص عليها في الدستور.
خامساً : منح الاوسمة والنياشين بتوصية من رئيس مجلس الوزراء وفقا للقانون.
سادساً : قبول السفراء.
سابعاً : اصدار المراسيم الجمهورية.
ثامناً : المصادقة على احكام الاعدام التي تصدرها المحاكم المختصة.
تاسعاً : يقوم بمهمة القيادة العليا للقوات المسلحة للاغراض التشريفية والاحتفالية.
عاشراً : ممارسة اية صلاحيات رئاسية أخرى واردة في هذا الدستور.
ويعفى رئيس الجمهورية بالاغلبية المطلقة لعدد اعضاء مجلس النواب، بعد ادانته من المحكمة الاتحادية العليا في احدى الحالات الاتية :
1 ـ الحنث في اليمين الدستورية.
2 ـ انتهاك الدستور.
3 ـ الخيانة العظمى.
ولرئيس الجمهورية بمقتضى نص المادة ( 61 ) من الدستور تقديم طلب الى مجلس النواب بسحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء.
وبمقتضى نص المادة ( 81 ) من الدستور
يقوم رئيس الجمهورية مقام رئيس مجلس الوزراء عند خلو المنصب لأي سبب كان.
و عند تحقق الحالة المنصوص عليها في البند "اولا" من هذه المادة يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح آخر بتشكيل الوزارة خلال مدة لا تزيد على خمسة عشر يوما ووفقا لاحكام المادة (76) من هذا الدستور التي تقول اولا: يكلف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الاكثر عددا بتشكيل مجلس الوزراء خلال خمسة عشر يوما من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية.يتولى رئيس الوزراء الوزارة وفق ما نصت عليه المادة المذكورة.
وبمقتضى نص المادة ( 126 ) من الدستور يحق لرئيس الجمهورية ومجلس الوزراء مجتمعين أو لخمس (1/5) اعضاء مجلس النواب اقتراح تعديل الدستور.
واشترط الدستور ضمن الفقرة ثالثا من المادة ( 135) ان يشترط في المرشح لمنصب رئيس الجمهورية ان يكون غير مشمولا باحكام اجتثاث البعث
بعد الدورة الاولى لم يعد هناك مجلس للرئاسة أنما سيحل الرئيس يمارس صلاحياته الدستورية وفقا لما ورد في النصوص، وسيكون هناك دورا مهما وأساسيا لرئيس الجمهورية.
هذه الأهمية تكمن من ان تغييرا اساسيا سيحل في نصوص الدستور العراقي، اذ سيحل مجلس الاتحاد المنصوص عليه ضمن المواد 65-66 حين صدور قرار من مجلس النواب باغلبية الثلثين بعد الدورة الانتخابية الماضية والتي ستنعقد بعد حين.
|