×

  رؤا

الإلتباس في كتابة التاريخ وكيفية مواجهته

19/10/2026

  20/6/2010 :

توافق الفكر الشوفيني في العراق مع العقلية العربية المريضة التي كتبت التاريخ، وانسجم مع قضية إنكار الحقوق والغرور القومي المتعكز على ماخلفه الماضي، ويبرز هذا ليس فقط في انكار حق الكرد وبقية القوميات في الحياة وتقرير المصير، بل في تشويه حقائق التاريخ والجغرافية معا، وكانت السلطات التي تعاقبت على حكم العراق حتى نهاية حقبة الدكتاتورية تنشر الثقافة المشوهة.

وتعتمد التزوير في التاريخ وتمعن في ممارسة تلك التشويهات، حتى نشأ جيل من العراقيين ملتبس الثقافة، وشريحة كبيره بعيده عن معرفة حقائق الحياة المشتركة بين القوميات والأديان، وابتعدت عن المعاني الحقيقية للحرية وحق الاختيار وتقرير المصير والشراكة الأنسانية في الحياة، اوحتى في مجال تطبيق المفاهيم الدينية والشرعية في الحياة، وأن الأفضل هو من يجسد المعاني الأنسانية في المحبة والسلام والتآخي، بدلا أن تكون للقومية والعشيرة والمذهب الأفضلية كما تقول شرائع حقوق الانسان، أو على الأقل الأنسجام في قراءة اصول نظريات حقوق الانسان في التاريخ القديم، ولعل مراجعة بسيطة تجسد لنا مستوى العقلية التي تكتب التاريخ، فقد كتبوا عن الكرد من خلال اشتغالهم بعلم الانساب بشكل ملتبس وبعيد عن حقائق التاريخ، ومع أن ابن خلدون يؤكد عند اختلاف الأنساب وتباين الدعاوى ان يستظهر كل ناسب على صحة ما ادعاه بشواهد الاحوال والمتعارف عليه من المقارنات في الزمان والمكان، ومايرجع الى ذلك من خصائص القبائل وسمات الشعوب والفرق التي تكون فيهم متنقلة ومتعاقبة في بنيانهم.

فيذكر المسعودي في مروج الذهب ومعادن الجوهر بالصفحة 122 من بحثه: أما أجناس الكرد وانواعهم فقد تنازع الناس في بدئهم، فمنهم من رأى انهم من ربيعة بن معد بن عدنان، انفردوا في قديم الزمان، وانضافوا الى الجبال والاودية، دعتهم الى ذلك الالفة، وجاوروا من هنالك الامم الساكنة المدن والعمائر من الأعاجم والفرس، فحالوا على لسانه وصارت لغتهم اعجمية.

ولكل نوع من الكرد لغة لهم بالكردية، ومن الناس من رأى أنهم من مضر بن نزار من ولد كرد بن مرد بن صعصعة بن هواز، وانهم انفردوا في قديم الزمان لوقائع كانت بينهم وبين غسان، ومنهم من رأى انهم من ربيعة ومضر وقد اعتصموا في الجبال طلبا للمياه فحالوا عن اللغة العربية لما جاورهم من الأمم.

ومن الناس من ألحقهم بإماء سليمان بن داوود عليهما السلام، حين سلب ملكه ووقع على امائه المنافقات الشيطان المعروف بالجسد، وعصم الله منه المؤمنات أن يتبع عليهن، فعلق منه المنافقات، فلما رد الله على سليمان ملكه ووضع تلك الإماء الحوامل من الشيطان قال: اكردوهن الى الجبال والأودية، فربتهم امهاتهم وتناكحوا وتناسلوا، فلذلك بدء نسب الكرد، ومن الناس من رأى ان الضحاك ذا الافواه الذي تنازعت فيه الفرس والعرب من اي الفريقين هو، ان الناس تخلصوا منه الى الجبال فتوحشوا وتناسلوا في تلك الجبال

وينتهي المسعودي ليسرد الاشهر عند الناس بخصوص نسب الكرد فيقول أن الأصح من انسابهم انهم من ولد ربيعة بن نزار. وبمرور سريع على تلك النظريات التي اوردها المسعودي وغيره ندرك أن هناك أحتمالات عديدة تتعارض في نسب الكرد الضائع في المنظار العروبي!! فهم عرب أصلا ولكن لسانهم اعوج بحكم مجاورتهم لأقوام تركية او فارسية أو آشورية أو كلدانية، كما انهم وحوش الجبال الباحثين عن المياه في أقاصي الجبال التي سكنوها وعافوا لغتهم بعد ذلك.

كما انهم من بذور الشيطان نتيجة التلاقح الأسطوري بين الشيطان وبين أماء سليمان، وفي كل الأحوال فأن ما يورده المسعودي ليس افتراضا او تخمينا، انما هو دلالة اكيدة على العقلية المتطرفة التي لا يمكن ان تقر بحق الاخر في النسب والوجود والحياة والكرامة.

فلا يمكن ان يكون للكردي نسب خارج اطار القومية والنسب العربي، وهو ليس له أدنى قيمة إنسانية مالم يطلبها منا نحن العرب، وعلى الكردي ان يستعيد نسبة ويعود الى الحضيرة العربية التي خرج منها لأسباب املتها الظروف حينذاك.

وهم ايضا شعب متوحش هرب من الضحاك ليلتحق بالكهوف الموحشة والجبال يهيم فيها، ويعزف عن تقديم الأضاحي من الفتيات الكرديات لتلك الأفاعي التي تخرج من كتفي الضحاك!!

كما ان النسب الشيطاني له اسبابه في تمرد الكردي على قسوة الطبيعة وتطويع الجبال بالأضافة الى ما عرف عنه من تمرد على الظلم وعلى السلطات التي تتعاقب تحكمه بالقوة.

مع ان الكرد عاشوا على جوانب الروافد اليسري لنهر دجلة حوالي القرن السادس ق.م وبذلك فقد تجاوروا خلال حقبة طويلة من الزمن مع الكاردومينيين الذين استشهد باسمهم زنيفون سنة 401- 400 قبل الميلاد.

كما ان الدلائل المستقاة من علم السلالات البشرية الانتروبولوجيا حديثاً تقول بأصلهم الآري ووجودهم العريق والقديم مع صفاتهم المميزة التي تتعارض مع الأفتراضات المبطنة التي تسيء الى تاريخهم وتحاول شطب الحقائق.

ومن اللافت للنظر أن العديد من مصنفات التاريخ العربي أشارت الى ذلك النسب الشيطاني للكرد، فبعد ان عجزت عن اثبات النسب العربي لهم، عادت لتشابك عناصر هذا النسب في وحدة سردية.

لعمرك ما ألكرد من نسل فارس ولكنهم من كرد بن عمرو بن عامر فهم كرد ولكنهم ينتمون للنسب العربي غصبا عنهم، هذه الصفحات التي لم تزل محفورة في الثقافة العربية المشوهة، بالرغم من الأسانيد والأدلة والوقائع التاريخية والقرائن التي توفرت في البحث العلمي الرصين، التي تؤكد وتجزم قومية الكرد وحقيقتهم التاريخية، والتي تثبت علاقتهم بالتاريخ الانساني القديم والحديث، الا أن الغريب ان هذه الثقافة المشوهة والتي لاتنم عن حرص اكيد على حقائق التاريخ، ولا على الشراكة الحقيقية في الحياة، ولا على التعلم من تجارب البشر في التعايش والأقرار بحق الآخر وحقوق القوميات، لم تزل فاعلة وتعمل في العقل العربي بوجه عام دون ان تجد من يتصدى لها او يعمل على تقويمها، حرصا على الحقيقة وأصول الحياة المشتركة وثقافة حقوق الأنسان.

لم تزل تلك العقليات تعيش لحظة الأنتصار الوهم، ولم تزل تعتقد أن جميع الآخرين دونها، ومن هذا المنطلق تتضخم هذه المفاهيم المريضة مع العصر، فتعيد مرة أخرى ثقافة التخويف والحذر من الخطر الكردي على الوطن العربي، ونشر تلك الثقافة المشوهة في تصوير الكرد اعداء العرب والخنجر المغروس في خاصرة الوطن، وصار الكرد الجهة التي تريد خراب وحدة العراق، والكرد هم الشعب الأجنبي الدخيل الذي يريد ابتلاع مناطق العراق، ومن هذه الأتهامات التي لاتجد لها اساس من القيمة والصحة.

ولعل في الأشكاليات العراقية اليوم ما يتيح لتلك العقول ان تبث السموم بيسر وسهولة، وتحاول جاهدة ان تنفث تلك السموم الحادة مستعيدة كل اسقاطات الماضي بقصد تخريب كل معالم الحياة الانسانية التي بدأ العراقي في بنائها بعد سفر طويل من التضحية والقرابين، العراق الذي أصبحت السلطة فيه يتم تداولها عبر الوسائل الديمقراطية، والعراق الذي يحرص على المساواة بين العراقيين بصرف النظر عن قومياتهم او اديانهم او مذاهبهم.

فالفيدرالية التي تعم كردستان العراق لم تكن منة من أحد، ولا كانت صفقة تسوية او أرضاء لطرف على حساب الآخر، الفيدرالية كانت الخيار الأمثل للواقع العراقي، وهي النظام الأتحادي الذي يقوم على تعزيز الوحدة الوطنية، والمتمعن في التضحيات المشتركة التي اعطاها العراقي عربيا او كرديا او تركمانيا او من بقية القوميات العراقية القديمة، من اجل ان تتجسد تلك الحقوق، والتي اكدها الدستور وضمتها النصوص التي استنطقت عذابات القمع القومي ومآسي القوميات العراقية، واذا كانت التجربة الفيدرالية حديثة، فأنه سيدرك بأن الزمن والشراكة الحقيقية كفيلان بترسيخ جذورها وتجاوز ما تضعه تلك القوى في طريقها من عقبات والمستقبل للأنسان حتما.

وحين صارت الفيدرالية واقعا ملموسا، وحقيقة دستورية من حقائق الحياة العراقية، نشطت تلك العقول المشوهة في التصدي لمشروع العراق الفيدرالي، وحاولت أن تعيد الحياة مغلفة في عنصريتها وعنجهيتها القومية.

لا شك ان قراءة منصفة لما ورد بكتب التاريخ العربي تجعلنا ندرك حضور العقل الشوفيني في تلك المرويات، وسعيها لالغاء حقائق التاريخ والجغرافية، ومع ان المسعودي يشطب من مروجه كل الديانات القديمة التي دان بها الكرد قبل ان يحل بينهم الأسلام، وكل تلك الحقائق أمام ضرورة أن تكون تلك المجموعة البشرية خاضعة لحكم عربي قسري تحت شعارات الدين والقومية، وتلك الحقيقة المرة التي كانت.

ومن يقرأ التاريخ ايضا بتروي يدرك ان البعد السياسي يطغي على الدراسات العربية المكتوبة عن الكرد، مع محاولات لغض النظر عن التاريخ أو الحضارة، والحاق نسب الكرد بشعب اخر محاولة بائسة لتشويه حقيقة النسب والتاريخ والشراكة الأنسانية، بالاضافة الى محاولة اظهار الكرد على أساس انهم امة غير متجانسة وانهم خليط من مجموعات عرقية يتناقض مع واقع المنطقة وماجرى فيها من احداث على مر العصور.

الشراكة الحقيقية ينظمها الدستور وتحكم علاقاتها القانونية محاكم اتحادية قراراتها ملزمة ومحترمة من الجميع، بالأضافة الى اللقاءات والأجتماعات لتذليل الصعوبات وأيجاد الحلول لكل الأشكاليات التي تنجم جراء التطبيق والممارسة، بديلا عن أبراز الأخطاء وترويجها أعلاميا واستغلالها بشكل يسيء الى التجربة، وبدلا عن تتبع الأخطاء ورصدها وتجميعها.

هذه المقدمة المضغوطة عن الفهم الشوفيني لمفاهيم الحقوق التي ينبغي ان يتمتع بها شعب كردستان في العراق، وفقا لما توفره الشرائع ولائحة حقوق الأنسان والدستور العراقي، لم يزل بعض من يعتقد حسب مفهومه أن الكرد سيبلعون العراق !!

وحين يكون الضمير حاضرا فأننا سنتفق على المشتركات قبل أن نتهم الكرد بعملية البلع، فهل المطلوب أن يبقى الكردي محكوما وصامتا لايطلب تطبيق النصوص الدستورية عليه؟ هل لم نزل نعتقد بأن الكردي نصف مواطن وأن عليه أن يتبعنا ويخضع لأرادتنا وليس له حق الاختلاف والرفض؟ هل المطلوب ان يتم تحجيم الكرد فلا يحق لهم ان تتوحد مناطقهم الكردية المتشظية تحت مظلة الفيدرالية والنظام الموحد في العراق؟ متى سنفهم الأسس الدستورية والقانونية التي يستند عليها النظام الفيدرالي؟ كيف يمكن ان نهيء الأجواء الطبيعية لنشر ثقافة حقوق الأنسان وتطويع العقل المثقل بالثقافة المشوهة لثقافة الأقرار بحق الآخر؟ هل أن النظام الفيدرالي كثير على شعب تقر له الشرائع واللوائح الدولية وقوانين حقوق الأنسان بحق تقرير المصير، وحق اختيار شكل الحكم الذي يريد؟

وأخيرا هل لم نزل نعتقد بأن الكرد العصاة على السلطات الظالمة هم اولاد الجان، والمجموعة البشرية الهائمة في الجبال؟ أم اننا نعتقد حقا بأن العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب، واننا متساوون في الحقوق والواجبات امام القانون دون النظر الى قومية أو دين او مذهب او عقيدة حتى يمكن ان تستقيم معنا أسس الحياة، وأن العمق التاريخي للوجود في كردستان منذ فجر التاريخ، شعوبها التي تتألف من طبقتين من الشعوب، الطبقة الأولى التي كانت تقطن كردستان منذ فجر التاريخ ويسميها المؤرخ محمد أمين زكي (1880 - 1948) في كتابه "خلاصة تاريخ الكرد وكردستان شعوب جبال زاكروس، وهي وحسب رأي المؤرخ المذكور شعوب "لولو، كوتي، كورتي، جوتي، جودي، كاساي، سوباري، خالدي، ميتاني، هوري، نايري" وهي الأصل القديم جدا للشعب الكردي والطبقة الثانية: هي طبقة الشعوب الهندو- أوربية التي هاجرت إلى كردستان في القرن العاشر قبل الميلاد، واستوطنت كردستان مع شعوبها الأصلية وهم ((الميديين و الكاردوخيين))، وامتزجت مع شعوبها الأصلية ليشكلا معا الأمة الكردية، ولامحل للأفتراءات التاريخية التي اطلقت عليهم مثلما اطلقت عليهم المدفعية والصواريخ والقنابل، ومثلما نثروا فوقهم السيانيد وغاز الخردل، ومثلما ذبحوا منهم قوافل ضمن مخطط الجينوسايد الذي سجل ذبح 182 الف أنسان، لم يتحرك خلالها الضمير المتخم بالشوفينية ولا أهتزت تلك الأنفعالات التي تريد النيل من تجربة أقليم كردستان العراق الفيدرالي، او من شعب كردستان عموما.

نشعر أننا لم نزل بحاجة ماسة لتفعيل دور الثقافة الأنسانية وحقوق الأنسان، ونشعر بالمسؤولية الكبيرة لأن نحرص على التجربة، ونشعر اننا ازاء تجربة جديرة ليس فقط بالتقدير ازاء البناء والترميم، انما لأننا امام تأسيس لدولة ديمقراطية تكفل حق الأنسان بالحياة وتحترم إنسانيته دون فوارق، وتسعى لبناء دولة القانون وتضمن كرامته وحقه في الحرية، سواء في اقليم كردستان او في بقية مناطق العراق الأتحادي.

نحن بحاجة لنظام تعليم يعتمد حقوق الأنسان نبدأ به من مدارسنا الأبتدائية، وبحاجة الى ثقافة مجتمعية تنشر تلك المفاهيم التي ضيعتها الأنظمة البائدة وشطبتها من عقلنا، وبحاجة الى قوانين تدعم تلك الحقوق والثقافة، بحاجة الى ثقافة التسامح والأقرار بالآخر، وبحاجة الى جهد المؤسسات القانونية ومنظمات المجتمع المدني، بحاجة لجهود رجال الدين المتنورين الحريصين على حياة الأنسان في العراق، بحاجة الى جهود الشباب والمرأة في هذا المجال، فحجم الخراب كبير وعلينا أن نبدأ برتق هذا الخراب الحاصل في جسد العراق، وان نسعى بذات الوقت الى الترميم وتأسيس البناء الجديد معا، وهي مهمة لن نزعم انها سهلة، لكن الخطوات الأولى ستجد لها ارضية متينة من خلال تطلعات ومبادئ كل العراقيين المتطلعين الى الغد المتناسب مع واقع المجتمع العراقي.

 

  مواضيع أخرى للمؤلف
←  زهير كاظم عبود.. أرشيف فكري يوثق أسئلة العراق وتحولاته
←  زهير كاظم عبود جـلال طالباني القاسـم العراقـي المشـترك
←  الإلتباس في كتابة التاريخ وكيفية مواجهته
←  هل ستحل المـادة 140 من الدستور مشكلة كركوك
←  النتائج الأيجابية للأعلام الكردستاني باللغة العربية
←  من يفصل في الخلاف بين السلطة الاتحادية والإقليم في تفسير النص الدستوري؟
←  كيف ننصف الرئيس مام جلال طالباني ؟
←  التوحد العراقي المطلوب
←  التدخل في شؤون العراق.. بين الاطماع والوصاية
←  المطالبة الكردية بالفيدرالية اصبحت هاجسا عراقيا وطنيا
←  لا للفيدرالية…!
←  الفيدرالية وتنشيط الذاكرة
←  ( الإنصات المركزي ) لم تزل تضيء الطريق
←  لمحات عن سعيد قزاز
←  الكسب غير المشروع والإثراء دون سبب
←  إشكالية التشكيلات العسكرية خارج إطار القوات المسلحة
←  كيف يستعيد العراق عافيته؟
←  العلاقة بين مجلس النواب والحكومة الجديدة
←  اتقوا الله بالعراق في ثرواته
←  السلـم المجتمعـي ومبـدأ التسامـح
←  متى تستعيد البصرة مكانها الطبيعي؟
←  هل سيتم تعديل الدستور؟
←  اختصاصات المحكمة الاتحادية العراقية العليا
←  منصب (رئيس الجمهورية)..السيد الرئيس
←  الخطوات الدستورية لتشكيل الحكومة
←  السياقات الدستورية في اختيار الرئاسات