هل ستحل المـادة 140 من الدستور مشكلة كركوك
الانصات المركزي 24/2/2010 :
كركوك مدينة يسكنها الخليط من العراقيين من مختلف القوميات، حالها حال أي مدينة عراقية أخرى، اتسمت بالإنسجام والوئام والتمازج الإنساني بين مكوناتها، وهذا الإختلاط لاينفي كونها مدينة من مدن كردستان العراق اسوة بأربيل والسليمانية أو دهوك. مشكلة كركوك لم تكن في الإنسان، ولافي تأريخها الكردستاني، ولا في حقائق التأريخ التي تبقى حاضرة لايمكن تجاوزها، ومشكلة كركوك ليس في مجموع نسب سكانها، وليس في تقسيمها بينهم.
مشكلة كركوك تكمن في مخططات السلطات التي أرادت تحريف حقيقة مكوناتها الأثنية، وتغيير معادلة الوجود البشري الحقيقي فيها، تلك السلطات التي ابتليت كما في جميع سياساتها بالفكر الشوفيني المقيت، حيث تريد أن يتحول التاريخ والأنسان فيها وفقا لما تريد على أساس تغليب قومية على أخرى.
وكركوك التي تسكنها قوميات متعددة ((العرب والكرد والتركمان والكلدان والآشوريين والسريان والأرمن )) تميزت بذلك التلون القومي والأنسجام الانساني لولا المخططات التي اعتمدتها السلطات الحاكمة في العراق، والتي أرادت أن تحيلها الى منطقة يغلب عليها الطابع العربي على حساب الكرد والتركمان وبقية المكونات الأخرى.
والمتابع لقضية كركوك يلمس تلك المخططات التي بدأت مع بداية قيام الحكم الملكي وقيام الدولة العراقية، فقد سعت تلك الحكومات المتعاقبة على التغيير بشكل مستمر لم يتوقف حتى مع تغيير تلك الحكومات، وبلغت تلك المخططات البشعة في قيام النظام الصدامي بترحيل اعداد كبيرة من الكرد والتركمان واحلال مجاميع بشرية من العرب بديلا عنهم، بالإضافة الى القرارات الرسمية التي تعرض منح الموظف الحكومي العربي القومية الذي ينتقل الى كركوك ليقيم فيها، قطعة أرض يقوم ببنائها مع مبلغ عشرة الاف دينار يعادل اكثر من 3300 دولار، مع أتباع وسائل ضغط وإبتزاز على المواطن الكردي لتغيير قوميته الى العربية، مع اقتطاع مقاطعات تسكنها الغالبية الكردية وإلحاقها بالمناطق العربية، وإلحاق مناطق عربية بديلا عنها بمنطقة كركوك، والقيام بترحيل عشرات الآلاف من المزارعين من مناطق الفرات الأوسط وتسليمهم الأراضي الزراعية في كركوك لإستغلالها والسكن فيها من خلال إنهاء عقود أصحابها الشرعيين من الكرد والتعاقد مع الوافدين الجدد، بالإضافة الى وسائل عديدة يكتشفها العاقل يوما بعد يوم من أجل تغيير حقيقة تلك المدينة ما يستوجب الأمر أن يعاد الحال الى ما كان عليه، فيعاد المهجرون الى ديارهم وتلغى قرارات تغيير القومية ويتم التنسيق في سبيل إيجاد وسائل وقرارات تنصف الجميع وتعيد للمدينة صورتها مع الإقرار بحقيقتها التأريخية.
وكان النظام في عهد صدام قد أوغل في إعتماد تلك السياسة الشوفينية المتطرفة في تلك المدينة، فلحق الغبن والظلم ليس أبناء الكرد وحدهم بل طال ذلك التركمان والكلدان والآشوريين والأرمن والسريان من أبناء تلك المدينة.
ومن الطبيعي أن تقوم نزاعات حول الملكية العقارية بشكل حاد بعد سقوط النظام الصدامي، بالإضافة الى ما سيسبب عودة النازحين والمهاجرين الى بيوتهم وأراضيهم من أشكاليات مع تلك المجاميع التي تملكت الأراضي بقرارات رسمية ضمن سياسة السلطة حينها.
ولمس المسؤولون عن زمام السلطة في المرحلة الأنتقالية للدولة العراقية بعد 7/4/2003 تلك الأشكاليات حيث وضعوها ضمن أولويات تتطلب الحلول السريعة، فنصت عليها المادة الثامنة والخمسون من قانون أدارة الدولة العراقية للمرحلة الأنتقالية، حيث كان النص صريحا وواضحا جاء فيه:
أن تقوم الحكومة العراقية الانتقالية ولاسيما الهيئة العليا لحل النزاعات المالية العقارية وغيرها من الجهات ذات العلاقة، وعلى وجه السرعة بإتخاذ تدابير من اجل رفع الظلم الذي سببته ممارسات النظام السابق والمتمثلة بتغيير الوضع السكاني لمناطق معينة بضمنها كركوك، من خلال ترحيل ونفي الأفراد من أماكن سكناهم، ومن خلال الهجرة القسرية من داخل المنطقة وخارجها، وتوطين الافراد الغرباء عن المنطقة، وحرمان السكان من العمل، ومن خلال تصحيح القومية، ولمعالجة هذا الظلم على الحكومة الأنتقالية العراقية اتخاذ الخطوات التالية:
1/ فيما يتعلق بالمقيمين المرحلين والمنفيين والمهجرين والمهاجرين، وإنسجاما مع قانون الهيئة العليا لحل النزاعات الملكية العراقية والإجراءات القانونية الأخرى، على الحكومة القيام خلال فترة معقولة، بإعادة المقيمين إلى منازلهم وممتلكاتهم، وإذا تعذر ذلك على الحكومة تعويضهم تعويضا عادلا.
2/ بشأن الأفراد الذين تم نقلهم الى مناطق و أراضي معينة، يتعين على الحكومة البت في أمرهم حسب المادة 10 من قانون الهيئة العليا لحل النزاعات الملكية العقارية، لضمان إمكانية إعادة توطينهم، اولضمان إمكانية تلقي تعويضات من الدولة، او امكانية تسلمهم لأراضي جديدة من الدولة قرب مقر اقامتهم في المحافظة التي قدموا منها، او إمكانية تلقيهم تعويضاً عن تكاليف انتقالهم الى تلك المناطق.
3/ بخصوص الاشخاص الذين حرموا من التوظيف او من وسائل معيشية اخرى لغرض اجبارهم على الهجرة من اماكن اقامتهم في الاقاليم والاراضي، على الحكومة ان تشجع توفير فرص عمل جديدة لهم في تلك المناطق والاراضي.
4/ اما بخصوص تصحيح القومية فعلى الحكومة إلغاء جميع القرارات ذات الصلة، والسماح للاشخاص المتضررين، بالحق في تقرير هويتهم الوطنية وانتمائهم العرقي بدون إكراه او ضغط.
5/ لقد تلاعب النظام السابق ايضاً بالحدود الادارية و غيرها بغية تحقيق اهداف سياسية. على الرئاسة والحكومة العراقية الانتقالية تقديم التوصيات الى الجمعية الوطنية وذلك لمعالجة تلك التغييرات غير العادلة. وفي حالة عدم تمكن الرئاسة من الموافقة بالإجمـاع على مجموعة من التوصيات، فعلى مجلس الرئاسة القيام بتعيين محكم محايد و بالاجماع لغرض دراسة الموضوع وتقديم التوصيات. وفي حالة عدم قدرة مجلس الرئاسة على الموافقة على محكم، فعلى مجلس الرئاسة أن يطلب من الأمين العام للأمم المتحدة تعيين شخصية دولية مرمـوقة للقيام بالتحكيم المطلوب.
6/ تؤجل التسوية النهائية للاراضي المتنازع عليها، ومن ضمنها كركوك،الى حين استكمال الاجراءات أعلاه، وإجراء إحصاء سكاني عادل وشفاف والى حين المصادقة على الدستور الدائم. يجب ان تتم هذة التسوية بشكل يتفق مع مبادئ العدالة، آخذاً بنظر الاعتبار إرادة سكان تلك الاراضي.
والنص المذكور يقر بممارسات سببت الظلم وإرباك حياة الناس في المنطقة، كما ينص على عمليات ترحيل ونفي وهجرة قسرية وتوطين غرباء وحرمان من العمل وتغيير للقومية وفي سبيل وضع الحلول الآنية والسريعة نصت فقرات تلك المادة على جزء من تلك الحلول وأجلت التسوية النهائية الى حين استكمال الاجراءات اعلاه، واجراء احصاء سكاني (عادل وشفاف) والى حين المصادقة على الدستور بعد أخذ إرادة اهل كركوك بعين الإعتبار.
ماورد ضمن نص المادة اعلاه يؤكد حقيقة ما وقع على اهل المدينة ومالحقهم من ضيم وظلم وتزوير للحقائق مارسته السلطات عليهم، وحين تنص مادة قانونية أو دستورية على مثل هذه الحقائق فأنها تؤكد أقرارها لتلك الحقيقة، حينها لانحتاج الى مساومات أو أختلافات حادة، حيث أن الحل الأنساني هو ما يحتاجه الناس في كركوك، والحل الأنساني يبدأ من التطبيع وينتهي بالأستفتاء، يفترض أن تتحمل الحكومات التي حلت مسؤوليتها ازاء تلك الحلول، وكان عليها أن تنتهج نهجا انسانيا في سبيل التمهيد لحلول أكثر شمولا لصالح الأنسان في المنطقة، غير إن التراخي والمماطلة سيطرا على الموقف، بالإضافة الى بروز النزعات الشوفينية مرة أخرى بشكل مباشر أو غير مباشر، ظاهر للعيان أو مبطن.
وحين أقر الدستور نص في المادة 140 منه مؤكدا أن على السلطة التنفيذية أن تتخذ الخطوات اللازمة لإستكمال متطلبات المادة السابقة، مع أن الواجب يقتضي منها أن تسعى الى تنفيذ تلك الخطوات دون حاجة لتذكيرها بنص دستوري، وأكد النص أن التطبيع والإحصاء العام والأستفتاء في كركوك (والمناطق الأخرى المتنازع عليها لتحديد إرادة مواطنيها) في مدة تم تحديد اقصاها في 31/12/2007.
وانتهت المدة المذكورة وتم تمديد الفترة الزمنية لحل تلك المتطلبات دون أن نلمس جدية التطبيق ضمن تلك المرحلة التي سيتم تمديد تأريخها مرات عديدة، في حين تتراكم أشكاليات أكثر، وعدم تطبيق سياسة التطبيع ولا اجراءات الأحصاء العام وبروز سياسات الأنفعال ورد الفعل التي تمارسها أحزاب وتجمعات سياسية ضمن المدينة.
بالتأكيد أن النص الدستوري لن يحل المشكلة مالم يحظ بإلتزام قانوني وبسياسة تلتزم بها السلطة التنفيذية،حيث أن الإقرار بسياسة الأمر الواقع تزيد المشكلة تعقيدا وتحقق الرغبات الشوفينية التي أرادت تلك السلطات البائدة تحقيقها على حساب أبناء مدينة كركوك من القومية الكردية، بالأضافة الى جدية والإيمان بحقائق مدينة كركوك بعيدا عن تلك الأفكار التي سادت بفعل سياسات السلطات البائدة، وبعيدا عن القفز على حقائق التاريخ، وبعيدا أيضا عن سياسة التهاتر والأنفعال في المواقف والتصريحات.
واللافت للنظر ورود عبارة (والمناطق الأخرى المتنازع عليها) ضمن النص، فأذا كانت قضية كركوك هي المشكلة التي تتنازع عليها عدة اشكاليات وتراكمت عليها العديد من الأسباب التي نتجت عنها تلك الأختلافات، فأن بقية المناطق الأخرى لايختلف عليها أحد بعد أن يترك أمر اختيار إلتحاق اهلها باقليم كردستان من عدمه الى أهلها ضمن الأستفتاء.
إن بقاء المشكلة معلقة على حساب استقرار الناس يؤكد أن النص الدستوري لم يجد له محلا من التطبيق السليم، مع أن جميع الأطراف المعنية تتطابق في موافقتها على التطبيع والأحصاء ثم الأستفتاء الخاص بالمدينة، ولم يزل الزمن يمضي وإن بصيصا من الأمل في حلول انسانية سريعة ومستعجلة تسبق الحل النهائي.
ولم تزل هناك تلك العقليات التي تفكر بمعاندة الحقائق ومخالفة التأريخ، ولم تزل هناك عقليات لاتريد الأقرار بالواقع الأنساني لهذه المدينة المعطاء، هذه العقليات التي لاتريد الخير لأهل كركوك مهما اختلفت قومياتهم. ومن المؤكد أن لأهل هذه المدينة حقوقا ثابتة، يتطلب الأمر أن تسارع السلطة التنفيذية لأعادة الأعتبار الأنساني للمرحلين والمهجرين، وأعادة الناس الى ممتلكاتهم وعقاراتهم وأراضيهم الزراعية كجزء من مشروع التطبيع، كما عليها أن تبحث عن الحلول الإنسانية لساكني المخيمات في أطراف كركوك من ابناء كردستان والسعي لأصدار قوانين التعويض التي تمكن هؤلاء من استعادة حقوقهم المسلوبة، واعمال العقل والحكمة في أخماد كل بؤر التوتر والأنفعال وعدم السماح لمن يريد إن يصطاد في الماء العكرأن يبحث له عن منفذ لإشعال فتيل البارود، فالمدينة في حال عدم الإستقرار ولم يجد اهلها تلك المواقف التي تعيد لهم وحدتهم وحياتهم التي خربتها تلك السلطات والعقول المتلبسة بالتعصب القومي الأعمى، والتي حاولت أن تزور التأريخ وأن تلغي الحقائق عن مدينة كركوك، دون أن تنسى إلغاء القرارات والمخططات التي نهجتها السلطة السابقة حول المدينة، وأخيرا ينبغي أن يكون الحل عراقيا منسجما مع ما خدم الإنسان في هذه المدينة التي جسدت الوحدة العراقية دينيا وطائفيا وقوميا وسياسيا.
|