التدخل في شؤون العراق.. بين الاطماع والوصاية
صحيفة (السياسة)الكويتية 21/2/2004:
لم يتعرض شعب من شعوب الارض للتدخل مثلما تعرض له شعب العراق. فقد هيمنت على حياته التدخلات الفارسية وتحكمت في مدنه ردحا من الزمن ثم تدخلت الدولة الرومانية فنبشت وحكمت وامرت وقسمت, وهكذا فعلت الدولة البويهية والسلجوقية, حتي صار الامر ان تحكم العراق دولة الخروف الابيض والخروف الاسود وبعدها تتدخل الدولة العثمانية باسم الدين لتجثم فوق صدر اهل العراق اكثر من ثلاثمئة من السنين العجاف.
وبعد ان صار عهد الثورة الصناعية, بدأت شعوب الارض تتمتع بالحرية والاستقلال وتتحكم وطنيا ببلادها بعد ان اضحت حقوق الانسان الاساس الذي تقوم عليه المبادئ العامة في العلاقات الانسانية في حين بقي العراق يتعرض لحملة من التدخل الانكليزي والهندي والايراني والتركي وحتى العربي , ولو كان بمستطاع الصومال ان تصل لما تأخرت عن هذا التدخل. وما ان قام العراقيون بثورتهم ضد النظام الملكي عام 1958 واختاروا النظام الجمهوري, انتشرت الاصابع الخارجية تعبث في الجسد العراقي فتعيث به فسادا وتنشر الوباء والدماء والجراد والموت والسموم والفرقة بين ابناء العراق حتى استتب لها الامر بدولاب دموي يحصد ارواح اهل العراق ويربك مستقبلهم ويسمم حياتهم .
والتدخل في الشان العراقي من قبل الاجنبي والعربي لم تكن صفحة جديدة, مثلما لم يكن سلوكا من دون معنى فقد كان له اسبابه الكثيرة وموجباته العديدة, ويكون هذا التدخل سافرا احيانا وفي احيان كثيرة مستترا وسريا ومخفيا يتلبس وجها غير الوجه الذي نعرفه ونكتشفه قبلا.
ويقينا ان العراقي الذي يقدم روحه وماله ومستقبله من اجل قضايا اشقائه, لم يكن يدور بخلده كل هذا التدخل في شؤونه الداخلية من اشقائه انفسهم الذين لم يتدخل في شؤونهم وقدم لهم الغالي والنفيس تضامنا ومشاركة منه لقضاياهم .
وعلى الرغم من تقديم العراقي لروحه وهي اغلى ما يملك الانسان, وماله وحلاله الا انه لم يكن يتدخل في التفاصيل الخاصة او القضايا الخاصة لاشقائه.
وبعد ان اطيح بالرئيس البائد صدام حسين وبدأت تظهر عورات هذا النظام الدموي, لم يكن استغراب اهل العراق للبكاء والحسرات التي تظهر على وجوه ومشاعر بعض اشقائه على ذهاب هذه السلطة الدموية ورحيل الطاغية الى مزابل التاريخ العراقي , حيث ان من حق اي انسان ان يعتقد ما يشاء ويؤمن بما يشاء ويحترم ما يشاء ويكره ما يشاء, لارقيب لدينا على ذلك مثلما من حق الناس ان تعطي وجهات نظرها وان تتجادل فتصر على معتقدها او تغير من مواقعها تبعا للحقيقة المعروضة فالمكتوي بالنار ليس كالمتفرج على لهيبها , لا اعتراض على هذا كله.
لكن ان يصل الى منع الاكراد من المطالبة بحقوقهم القومية المشروعة والمطالبة بالفيدرالية كحل جذري للمسالة العراقية الداخلية, فهذا ليس من حقهم ونعده شانا عراقيا داخليا لايمكن لاحد ان يتدخل فيه او يفرض الوصاية في رأيه علينا , وان يتدخل البعض في محاكمة او عدم محاكمة المسؤولين السابقين في نظام الطاغية صدام في العراق فهذا ليس من حقهم.
شعب العراق بتنوعه القومي عربيا وكرديا وتركمانيا وآشوريا وكلدانيا وارمنيا يحمل من الوعي الثقافي والسياسي مالم يصله شعب في المنطقة وهو الجدير بان يختار نوع السلطة وشكل الحكم الذي يريد, وشعب العراق جدير بحياة دستورية وقانونية وحرة وديمقراطية وفيدرالية تليق به, فهو اول شعب اوجد القوانين على الارض, وهو اول شعب اوجد الحكومة والدستور على الارض, ومن فوق ارضه بدأت الاحرف الاولى للكتابة في التاريخ , وهو في هذه المحنة يشعر انه في حاجة ماسة لاحترام مشاعره وخصوصياته من تدخل الاغيار الذين لم يتدخلوا حين كانت رقاب اولاده تحت المقصلة الصدامية فقد كانوا اما راقصين واما وجلين او محايدين.
لن نستمد موجبات مانريد دون ان تكون ارادتنا هي الاولى ومعرفتنا بضروريات البناء السياسي المستقبلي هي التي ترسم مانريد , لدينا من الاحزاب العراقية العريقة التي خبرت النضال والكفاح ومنازلة الطاغية والخراب كل هذه السنين , وتحدت سلطته وقدمت من الشهداء والضحايا مالايمكن ان تصدقه الاذن والعين , يعني هذا ان لنا من التجربة السياسية مايؤهلنا ان نكون معلمين لامتعلمين .
الفيدرالية التي نناضل من اجلها حل جذري عراقي وليس عربيا , والفيدرالية التي نريد قررها البرلمان الكردي العراقي بالاجماع في العام 1992 , ولذا صار علينا لزاما ليس فقط ان نحترم القرار البرلماني الكردي , وليس فقط القبول بخيار الفيدرالية وانما نحترم ماكنا قد ناضلنا من اجله ودفعنا اعمارنا وارواحنا ومستقبلنا من اجل تحقيق الفيدرالية للاكراد في العراق وهذه الفيدرالية هي جزء مهم من عملية التحول الديمقراطي والمجتمع المدني والاقرار بحقوق الانسان والتحول باتجاه حل جميع الاشكاليات في العراق حلا جذريا .
لن يسمح اهلنا في العراق بالوصاية باسم الاخوة , ولاالهيمنة باسم الدين , ولاالنفاق باسم القومية , ولن نسمح لاحد ان يتدخل في الشأن العراقي الداخلي , ويكفي ان قوافل الارهاب التي حصدت ارواح اطفالنا وشبابنا الابرياء كانت عربية , ويكفي ان التفجيرات والبهائم المفخخة التي وصلتنا كانت عربية , ويكفي ان الشر الذي عبر الحدود علينا كان من دول الجوار التي لم تكن جدية في اغلاق منافذها الحدودية لتمنع تسلل المتسللين والقتلة القادمين لنشر وزرع الموت والخراب بين اهل العراق .
فاذا كانت الفيدرالية ركنا من اركان الدستور العراقي فهي حتما مطلب عراقي وشكل من اشكال الحكم الذي نريد , واذا كان للعراقيين حقوق فسنرسمها باصابعنا ووفق وجهات نظرنا , قد نختلف ونتعارض ونتفق ولكن عراقيا دون ان تكون هناك اصابع اجنبية بيننا .
اتركوا لنا فرصة ان نرسم شكل الحكم الدستوري الذي نريد , واتركوا لنا ان نقف الى جوار ابناء شعبنا الكردي في الفيدرالية , واوقفوا عنا الحملات الاعلامية والتوابع الذليلة الرادحة والتي توقف عنها الرشى, ثقوا بان كل شيء سيعود الا سلطة الطاغية وعصر الدكتاتورية فانها ذهبت الى مزبلة التاريخ العراقي , ثقوا بان كل شيء سيعود بهيجا في العراق وسيعود التاريخ العراقي ناصعا ونظيفا متخلصا من لطخات وسخام صدام الذي اساء للشعب وفرط بالسيادة وخان الوطن وتناقض مع الشرف والقيم .
لنا خيارنا العراقي ولنا احزابنا العراقية ورجال ديننا من المسلمين الشيعة والسنة ومن المسيحيين ومن الصابئة المندائية ومن الايزيدية , ومن شخصياتنا الوطنية والسياسية والثقافية , وشعب يمتلك كل هذا التنوع والاختلاف جدير بان يستفيد من تجربته العراقية وتاريخه العراقي القديم .
|