×

  رؤا

لمحات عن سعيد قزاز

19/10/2026


لمحات عن سعيد قزاز


زهير كاظم عبود



الطبعة الثانية
مزيدة ومنقحة
2007


المقدمة

التاريخ يقوم على جملة حقائق ومن حقائق هذا البحث أننا لا نستطيع التغلغل في أعماق سعيد قزاز  فقد واجهتنا صعوبات جمة . انقطعت صلة الرجل بالحاضر من خلال ماضيه فكان أشبه ما يكون بالأسطورة أو البريق الذي يبهر فجأة فأنت لا تتوقع ظهوره . كذلك موضوع البحث فسعيد قزاز رجـل كالجزيرة محاط من كل الاتجاهات .
لقد عانيت كثيراً لأكتب عن نشأته ومراحل حياته الأولى ، فلم أجد منفذاً يسعفني ويساعدني في ذلك ، أذ أن أغلب أصدقائه رحلوا إلى الدنيا الآخرة ،والآخرين لا يعرفون عنه شيئاً ، و كتبنا المعلومات  الشخصـية عنه بعين واحدة إذا جاز التعبير .
أن حقائق سعيد قزاز ليست منفصلة عن تاريخ العراق السياسي  ( الملكي ) أو المجتمع العراقي حينذاك ،  حيث  كان عنصراً بارزاً ومؤثراً في الأحداث السياسية والعامة ردحاً من الزمن، ولم يكن ضمن هذا التأثير بسبب نفوذ عائلته أو قرابته للعرش  ، وأنما كان الوحيد الذي استطاع أن ينفذ من خلال شخصيته وأسلوبه في العمل  ، وأيضا من خلال علاقاته الإنسانية المحدودة وقدراته الذاتية .
لم تكن نيتي أن أنقل الجانب الإيجابي عن سيرة سعيد قزاز ، ولكنني أنقل وبتجرد سيرة الرجل الذي عمل في مناصب مهمة في الدولة العراقية زادت على الثلاثين عاماً ، فلكل أنسان سلبياته وإيجابياته وقد أخشى أن يكون بحثي هذا منقوصاً لأنني بدأت به من نهاية الرجل ، ولأنني  لم أتعايش معه أيام عمله الوظيفي ،  فقد كنت طفلاً صغيراً ،  وحين تم إعدامه كنت طالباً في الصـف الأول المتوسط ، كنت أتابع مثل أقراني محاكمات (( أقطاب العهد الملكي )) في محكمة الشعب من خلال المذياع ولم يكن قد وصل التلفاز الى المحافظات في حينه ، وأشد مالفت أنتباهي اعتداد الرجل بكرامته وشجاعته بالرد على رئيس المحكمة والمدعي العام ، كما لفت أنتباهي الهتافات والأشعار التي هرج بها بعض وكانت مبتذلة ورخيصة ولا تتناسب مع مكانــة وسمعة المحكمة في حينها على اعتبار أنها محكمة تمثل الشعب .
أن عملية استقبال الحقائق لا ترتبط بالباحث بقدر ماهي ثابتة ، الا أنه يستطيع أن يتصرف مع هذه الحقائق بتجرد أو بانحياز ... أن الحقيقة هي العمود الفقري للتاريخ فقد تغيب بعض الوقت ألا أنها ستبرز حتماً واضحة .. وصريحة .
سعيد قزاز عراقي كردي يعتز بعراقيته وأسلامه ، بدايته غير واضحة إلا أنه حينما برز من
خلال تقلده المناصب الوظيفية فأنه كان ناجحاً صارماً و دقيقاً ، وهذه الحقيقة من بين جملة حقائق سنعرفها  لاحقاً عن سعيد قزاز . 
 محطات كثيرة في حياة سعيد قزاز أستطعت التوصل الى قسم منها وأنا أسأل وأبحث عن ماضي الرجل ، فقد كان في زمن البحث في بداية التسعينات  يمنع الأتصال بمنطقة كردستان بأي شكل ،  ومن حسن حظي أن بدأت بالبحث على الرغم من كل الصعوبات والغموض في مدينة لايزال أهلها يتمسكون بقيم الوفاء وذكر المحاسن والأطراء الذي يستحقه من يستحقه ، مدينة عربية كريمة وأصيلة عملت بها ثمان سنوات في العمل القضائي هي مدينة الموصل – المدينة الطيبة – كما يحلو لنا أن نسميها ، فقد فتح أهلها لي صدورهم ومكتباتهم وأسرارهم وتعاون الكثير منهم معي للتوصل الى حقائق عن سعيد قزاز ، وكان الكثير منهم يترحم عليه ويقرأ سورة الفاتحة وحتى من أشخاص كانوا يقفون بالصف المعارض لسعيد قزاز والنظام الملكي في العراق .
كان نزيهاً نظيفاً دخل الوظيفة وتدرج فيها حتى أصبح وزيراً مزمناً لوزارته الداخلية ، ولا أعتقد أن هناك عراقياً واحداً يطعن بنزاهة سعيد قزاز خلال فترة عمله كوزيرا للداخلية  .
يقول عنه الصحفي المخضرم عبد الباسط يونـس رجب في جريدة المثال الموصلية عام 1951 :  ((  أنه رجل كهل ورع في العقد الرابع من عمره ومضى يستقبل الخامس ، شعر رأسه موزع بين السواد والبياض توزيعاً عادلاًُ أو قريباً من العادل ، أسمر البشرة لاهو بالطويل الفارع ولا بالقصير البدين . تقرأ في وجهه لأول نظرة علامات المرح والرقة والاطمئنان ، أنه رجل قد أرضى ضميره وأنه عدل فأمن واستراح ، يبتسم للصغير والكبير كما تقرأ الى جانب ذلك إمارات الحزم والجد وحب العمل وتقديس الواجب ، شديد من غير عنف  ،  لين من غير ضعف . مليء بالخير ، عدل فأمن فاستراح )) . 
 كانت كلمات عبد الباسط يونس تسبق الزمن وتوجز المسافات وتنصف الرجل ،  وعبد الباسط يونس المعروف بكتاباته الصحفية الصارمة ونقده اللاذع ومشاكساته لرجال الدولة حينذاك ،  وقسوته عليهم بالكلمات انتصارا لحقوق الناس والوطـن ، بل واختلافه مع سعيد قزاز فكريا  ،  أوجز كل الكلمات بكلمتين (( الرجل النبيل )) وهذه الصفة التي يطلقها رجل عرف بصراحته – وبجرأته ، هي وسام فخر على صدر سعيد قزاز ، عدل فأمن فاستراح .. هذه هي نواة سعيد قزاز كما يذكرها عبد الباسط يونس .
الحقيقة هي التي تتكلم عن ذاتها مهما كانت منسية ،  ولامجال فيها للتأويل أو الأجتهاد .
 أن السكوت عن ذكر المحاسن وإطرائها لايقل خطورة وجرماً من السكوت عند ذكر المثالب والتنديد بها  ، من خلال هذا الأساس نؤسس بحثنا عن سعيد قزاز .
 علمت من بعض ممن التقيت بهم بعض الروايات التي  – حسب وجهات نظرهم – تعتبر مثالب على الرجل  ، الا أن أغلبهم طلب مني عدم نشرها مع أسمائهم ،  ومن هذه المثالب أن سعيد قزاز عنصري ينحاز الى بني قومه ويميل الى الشخص الكردي أكثر من العربي ، ولا أدري لماذا رفض بعض سرد هذه الحالة أن كانت حقيقة أو حقيقية مع أنني التقيت بآخرين نفوا قطعاً عنصريته أو ميله للأكراد على حساب العرب .
وطعن آخرين في موقفه الوطني المعادي للأحزاب العراقية الوطنية ، وأخلاصه للنظام الملكي ، وتعاونه مع الرجعية وقوى الأستعمار البريطاني ، وأعتبر بعض مواقفه الصارمة وتدخله في الأنتخابات وممارسته القمع السياسي ما يمكن ان يجعله عدوانا على الشعب ومساندة للنظام الرجعي الملكي . 
أننا حين نسعى لمعرفة الوقائع فأن الأسئلة التي نسألها وبالتالي الإجابات التي نحصل عليها يجب أن لاتخرج من خلال العواطف والميول الشخصية ،  بل ينبغي أن نضع باعتبارنا وبتجرد مبادئ الرجل وسلوكيته وشخصيته وقيمه وتداخلها الزمني مع النظام القائم حينذاك ، وأذا كان موقف سعيد قزاز أن لم تكن مواقف سعيد قزاز تعتبر حالة ينبغي أن ندرسها بإمعان ففيها تكمن أسس حقيقية وأسباب لتلك المواقف لانريد لها التبرير بقدر ما نسعى لتسجيل حقيقتها  .  
 فسلوك الرجل يثير الاهتمام ،  وأن كتابتنا المتواضعة عنه مجرد محاولة لفهم الشخصية ،  وكيف كان يبنيها وسط أجواء وبيئة اجتماعية قد تختلف عن بيئته ؟   وكيف وصل الى المستوى الذي يستحقه وبجدارة ؟  ومن ثم كيف تصرف هذا التصرف أو أتخذ الموقف الذي ذكرناه ؟ الشهادات الأخرى  التي سمعناها عنه تدل على أنه رجل يحفظ العلاقة الإنسانية وأمين عليها ، يذكر طالب مشتاق في مذكراته أن سعيد قزاز طلبه يوماً في مكتبه وكان وزيراً للداخلية آنذاك وأشار عليه بضرورة حل اللجنة العليا لجمع التبرعات لمنكوبي ( بورت سعيد ) ورجاه أن ينسحب من سكرتاريتها العامة . فأعتـذر عن الانسحاب .. وبعد ذلك ازدادت المراقبة عليه ..( 1) وكان دافع سعيد قزاز لهذا الطلب أبعاد صديقه المذكور من أية مسؤولية قانونية .
وتأكيداً لحفظه العلاقة والتي لم يحجبه عنها المركز الوظيفي أو المسؤولية يعود طالب مشتاق ليذكر أنه أتصل به ( بهجت العطية ) ( 2) وطلب منه تسليم ولده ( باسم ) للتحقيق معه فأنكر معرفته به ومساء ذلك اليوم اختلى طالب مشتاق بسعيد قزاز وزير الداخلية في إحدى غرف نادي بغداد واخبره بطلب بهجت العطية فقال له أمهلني وسأخبرك ما يجب أن تفعله غداً ، وفي اليوم التالي واجهه في النادي أيضاً وقال له لا أوصيك بتسليمه فأن عليه قضايا سياسية عديدة ... وأنه لا يزال يشعر بالمنة لسعيد قزاز فأن عمله كان دليلاً على قوة صداقته له فضلاً عن حسن طويته ونبل أخلاقه ( 3) .
 وفي مدينة أربيل في الشهر الرابع من عام 2007 جمعتني جلسة أخوية بالأستاذ باسم طالب مشتاق ، فذكر لي بأن مكتبة اتحاد الطلبة كانت في بيته حين علم إن أمرا بالقبض صدر بحقه وأنه كان مرتبطا بتنظيمات الحزب الشيوعي العراقي  وأن الشرطة تطلبه ،  فذهب الى والده حيث اتصل بوزير الداخلية سعيد قزاز الذي اخبره بضرورة تسليم نفسه وأن القضية بسيطة وسيعمل على انهاء المشكلة ، وحال غلق سماعة الهاتف ، عاد وزير الداخلية سعيد قزاز ليتصل بالسيد مشتاق طالب يطلب منه عدم تسليم باسم لنفسه الى الشرطة ،  لأن القضية كبيرة وخطيرة وتخللتها اعترافات حزبية ، مما حفز باسم للسفر خارج العراق والتخلص من امر القبض المذكور . 
 والمتمعن في الحادثة التي رواها لنا  شخصيا السيد باسم ، وعن الدوافع التي تدفع وزيرا للداخلية لأخبار شخص يرتبط معه بعلاقة أنسانية بعدم تسليم ولده الى السلطة ، لخطورة القضية المثارة ضده ، وبالرغم من تقاطع الخنادق بينهما ، ما يوجب التفكير مليا في دوافع مثل هذا التصرف عند سعيد قزاز . 
 حدثني الأستاذ عبد الباسط يونس أنه حين توفي والده فأن سعيد قزاز كان يحضر مجلس الفاتحة لثلاثة أيام متتالية ، أي انه يحضر يومياً رغم كونه متصرفاً للواء الموصل ،  ولم تنسه مشاغله والتزاماته الوظيفية عن أداء واجب اجتماعي . كما حدثني الأستاذ سعيد الديوه جي  ( مؤرخ الموصل ) بأن سعيد قزاز كان متواضعاً ومتفهماً لظروف موظفيه ومن تواضعه أنه كان ينتظر أن يقوم بإيصال أي شخص مدعو الى حفل رسمي ليلاً أو نهاراً عند انتهاء الحفل إذا لم تكن له واسطة نقل لإيصاله بسيارة المتصرفية (4) .
 يقول المحامي عبد القادر الدبوني ( من الموصل )  وهو من الأشخاص الذين عاصروه ، أنه عرفه شخصاً فاضلاً وأدارياً قوي الشخصية وحريصاً على النظام والخلق والتطبيق السليم للقانون مراعياً المصلحة العامة . 
وكان قد راجعه في قضايا أدارية حول تدخل قائممقامي قضاء تلعفر وسنجار في شؤون شخصية لتسوية الأراضي ، ويذكر الأستاذ الدبوني أنه رأى فيه حرصاً واستيعابا للموضوع واستجابة للطلبات القانونية والمواقف العادلة وشجب بقوة تحيز المتداخلين منهم في الإجراءات القضائية المناطة بلجان التسوية ،  وإصدر أوامر تحريرية بمنع التدخل ،  والحفاظ على الوضع الراهن في القضايا حتى تقرر اللجان ما تراه فيها  ، ولم تكن مراجعته بوساطة شخصية أو استعانة بأصدقاء، ويضيف الدبوني أنه كان يسمع غمزاً من بعض ينسب له بعضاً من العنصرية والانحياز القومي والميل الى توظيف الشباب الأكراد من المتخرجين جامعياً ، وقد لمست – والحديث للدبوني – شيئاً من ذلك وحضرت مناقشة معه فبــرر موقفه بتعيين مجموعة من الشباب المذكورين ممن كانوا زملاء لي بأن الشباب الأكراد يجب أن يشاركوا في الكادر الوظيفي ويلتفت إليهم حتى لا يكونوا ساخطين وتجرفهم الشيوعية وتخسرهم الوطنية . وزاد تبريراً بأن العدالة والمساواة تقضي برعايتهم ودفعهم لمساواة زملائهم ممن يملكون فرصاً أفضل من فرصهم . 

 ويضيف الأستاذ الدبوني أنه عرف فيه صراحة مع مرؤوسيه وخاصة           ( الشرطة ) ومدافعاً عمن يثق بهم من الموظفين الذين يعملون معه ،  ويراقب سلوكهم وأعمالهم شخصياً . كان يتصدى للمظاهرات بنفسه ، ويبرر ذلك من خلال زياراته لنادي المحامين بالموصـل بأنه يروم منع تفاقم الأمور والأصطدامات بين الشعب والشرطة،  ومن سلبياته انه كان ضيق الصدر مع الصحافة ويتهم الكثير من العاملين بالصحافة بالجهل والمصالح الشخصية وحب الظهور على حساب المصلحة العامة (5) .
 ولكن عبد الباسط يونس يقول أنه كتب مقالاً قاسياً في نقد السلطة وكان سعيد قزاز وزيراً للداخلية ، فرفع متصرف اللواء ( المحافظ ) الجريدة الى مديرية الدعاية العامة مؤشراً الى المقال الأفتتاحي الأنف الذكر ، وبدورها رفعت الجريدة الى وزير الداخلية مشيرة الى المقال للإطلاع فكتـب سعيد قزاز على كتاب مديرية الدعاية ( أطلعت يحفظ ) بخط يده وتوقيعه وكان بوسعه أن يتـخذ الإجراءات ويعطل الجريدة (6) .
يقول ذو النون أيوب وهو من أقطاب الحزب الشيوعي العراقي حينذاك ثم أنفصل عنه  : ( أنه تذليلا لعناد مديرية السفر والإقامة والأمن ورئيسها بهجت العطية ، قصدت وزير الداخلية سعيد قزاز ، وطلبت منه رفع منع السفر عني وأعطائي جوازاً لذلك وكان ثمة احترام متبادل بيني وبين هذا الرجل ، ورأيت الرجل يخاطب مرؤوسيه تلفونياً ويطلب منهم منحي جواز السفر وما كنت أسمع رد المرؤوس ، ولكني علمت يقيناً من حديث الوزير أن المدير كان يخشى من نشاطي السياسي خارج العراق ، فقد أجاب الوزير أن لدينا قوانين للمعاقبة على مثل هذه الأعمال ومنها إسقاط الجنسية عن المخالفين ووجدت الوزير أكثر اطمئنانا الى أني لا أسافر لهذا الغرض .
 ودّعت الوزير شاكراً وأكدت لــه أن الحوادث ستثبت بأن ظنون المدير ليست في محلها ، فودعني الرجل بلطف ، وتمنى لي سفراً سعيداً ، وأعطيت جوازاً للسفر بدون تـردد .  (7) 

رغم الاختلاف بين مواقف ذي النون أيوب وبين وزير الداخلية سعيد قزاز ،  الا أنه كان يكن احتراما للأدب والصحافة وللمثقفين ويعاونهم بقدر ما يستطيع ،  دلالة على سمو أخلاقه وأحترامه للمثقف ودوره التنويري في المجتمع  ،  وما ذكرناه خير شاهد على ذلك .
بعد أن استعرضنا مقتطفات من عناوين عريضة لرجل دخل التاريخ في العراق دون استئذان – هكذا يبدو – وبعد أن تتوضح بعض ملامح  الصورة لهذه الشخصية الحديدية ، وبعد أن نتوغل قليلا  في أعماقه من خلال استعراض الحقائق المتطابقة مع واقع الماضي الذي عاش أغلبنا أيامه ،  ومن خلال هذه المعايشة نستطيع أن نجد المعيار الذي نقيم من خلاله شخصية سعيد قزاز مع أننا سنصبح شهوداً للحقيقة لأننا جزء منها .
 الحقيقة دوماً مقدسة وقد اعتبرت على الدوام العمود الفقري للتاريخ ، ومن خلال هذه الحقيقة بحثت كثيراً عن شيء يخص سعيد قزاز بعد أن دوخ الدنيا وشغل الناس في العراق مدة تزيد على الربع قرن ، فلم أجد من يسعفني بكتابة يساعدني فيها على تلمس الطريق الى كتاب أو دراسة عن سعيد قزاز فرحت أبحث في أروقة المكتبات عن ذلك فلم أجد ، وحتى رسائل الماجستير أو الدكتوراه لم يحالفني الحظ للعثور عما له مساس قريب بسعيد قزاز – على حد علمي في العام 1994 قبل إن يصدر كتاب السيد عبد الرحمن البياتي – سعيد قزاز ودوره في سياسة العراق حتى عام 1959 ، وهو رسالة لنيل درجة الماجستير  – والغريب أن الحقيقة قائمة الا أنها تعبر عن ذاتها وتبقى كامنة وتتكلم عندما يطلب منها الكاتب ذلك ، وقد وجدت حواجز كثيرة تفصلني عن التطرق لموضوع البحث في سعيد قزاز أهمها البيئة واللغة والوقائع الأخرى ، وأقنعت نفسي بأنه لا يوجد رجل مجهول ولاشخص مهجور في الجزيرة لا يستطيع أحد أن يصل إليه . ومعالجة فكرة أية فكرة بعيدة عن زمان الكاتب أكثر صعوبة من عملية السرد التاريخي المجرد لأن البحث عن سعيد قزاز يتطلب معايشة الحدث والتحليل والتلفت يميناً ويساراً . 
وهكذا جاء الإصرار على التوغل بعيداً للبحث في زوايا التاريخ القريب البعيد لتجسيد شخصية سعيد قزاز كحقيقة بعيدة عن العواطف والمواقف السياسية المتشنجة  ،  وعن علاقة سعيد قزاز الإنسانية بالمجتمع  ،  ومن بين الأسباب المهمة التي دفعتني للكتابة عن سعيد قزاز ملازمتي للأستاذ الكبير الصحفي المخضرم عبد الباسـط يونس * ( توفي عام 2000 ) الذي كان يحدثني كثيراً عن سعيد قزاز ،  دون أن أكشف له أو يكتشف رغبتي في البحث عن سعيد قزاز فوجدت نفسي مدفوعاً للكتابة ، وقد نهجت منهجاً اعتمدت فيه على سرد الحقائق دون تعليق أو استنتاج باستثناء تقييم المحاكمة من الناحية القانونية والقضائية وهو من صلب اختصاصي كما ازعم ، ولا أخفي سراً حين أقول لقد بهرني سعيد قزاز كشخصية نافذة صلبة لا تتأثر بالمؤثرات الخارجية ، مليء بالأخلاق وملتزم بقيم المجتمع وشجاع يتمسك بالنزاهة  ، رغم أن الكثير من خصاله تم التعتيم عليها  ، وقد تعرضت شخصيته لمناقشات وخلافات حول العديد من جوانب الغموض والمواقف في شخصيته ، وأستلزمت الحاجة اليوم للكشف عن هذه الجوانب  ، مع ما يتطلبه البحث من موضوعية وابتعاد عن التشنج والانحياز والمواقف المسبقة التي يمكن أن تصطدم بالحقيقة ، وفي هذا الصدد يقول المؤرخ والكاتب الدكتور كمال أحمد مظهر في مقدمة كتاب صدر في العام الماضي يتحدث عن سعيد قزاز :  ( أود أن أقــر وأعترف بأنني أنتمي فكريا" الى خندق نقيض تماماً للخندق الذي ينتمي إليه سعيد قزاز ، ولدي أسباب عائلية خاصة ليكون في أعماقي قدر من الحساسية تجاه الرجل ، وأعرف جيداً أن تقويمي له يثير بعض المتزمتين الذين أنتمي فكرياً الى خندقهم ، ممن لا يزالون يؤمنون بمبدأ من ليس معي فهو ضدي الذي فضحه خر وشوف في أواسط الخمسينات من القرن الماضي ، أما هم فليس بوسعهم أن يغفروا لرجل مبدئي يختلف عنهم في قناعا ته الفكرية بدافع أيمانه بالله كما قال ذلك صراحة أثناء محاكمته ، مع العلم أن الخندق الذي ننتمي إليه مد يد التعاون والمساومة في أوقات مختلفة ، الى ألد الأعداء من أمثال النازييـن والفاشيين والرأسمالييـن الاحتكاريين والأنظمة التي لم ترتــو من دم من يعرفون باليسار حتى يومنــا هذا ، وأقول ذلك لمجرد التذكير دون أن أنسى حقيقة أن لا سياسة من دون مساومة )  ( 8 ) . 
 كان عبد الباسط يونس يتحدث عن الجوانب الأخلاقية والإنسانية في سعيد قزاز ومن المحتمل أن يكون قد سرد بعضها في مذكراته الشخصية على حد علمي ، وقد ساهم سعيد قزاز في رسم الاتجاهات السياسية للتاريخ العراقي  حقبة زمنية من حقب العراق بإيجابياته أ وسلبياته ،  وفق المعلومات المتداولة التي وصلت والتي بقيت في طي الكتمان لحد الآن  ،  ولم أستطع التوصل لأشخاص نافذين في حياة الرجل أكثر مما توصلت إليه في جهدي المتواضع  ، إذ أن ابنته الوحيدة سافرت خارج العراق مع زوجها وأستقرت هناك وتوفيت رفيقة عمره فأصبحت بلا مجداف للنفاذ الى حياة الرجل ، غير أنني استطعت بعد ذاك التوصل الى أبنته ( السيدة بري سعيد قزاز – أم عبد الله ) بعد نشر حلقات كتابي هذا في جريدة الزمان 2002 ،  وقد تعاونت معي من ناحية توثيق المعلومات و لإظهار الحقائق المغيبة  وفقها الله وأطال بعمرها . بعد أن أمضيت السنوات الممتدة من عام 1994 ولحين نشر الكتاب 2004  ، وأنا أبحث وأسأل لاهدف لي غير أن أنقل  الحقيقة التي حاولت تجسيدها خلال عملي القضائي في العراق ،  واضعا أمام عيني ماورد من آيـات الذكر الحكيم (( وأكثرهم للحق كارهون )) غير أنني مضيت بأصرار على قول كلمتي هذه للتاريخ .
ومما يجعل الموضوع ليس سهلاً أيضاًُ عدم توفر المصادر التي تساهم في رسم الخطوط العامة لموضوعنا ، ومع أن لكل حقبة من التاريخ مصائبها ومصاعبها إلا أننا لا نملك معياراً يتيح لنا المقارنة ، ولهذا فأن خلاصة الخلاصات كما يقولون متروكة لك عزيزي القارئ فأنت القاضي الوحيد في عملية استقبال الحقائق وتكوين النتائج ، وقد بحثت كثيراً عن تركة سعيد قزاز فوجدت أنه ترك مكتبة صغيرة من الكتب أهداها الى المكتبة العامة في الموصل التي خصصت لها ركنا متواضعا حتى اليوم ،  ولم يملك عقاراً على وجه التخصيص ولا أموالا منقولةحصل عليها من وظيفته ،  وهنا أجدني مضطراً للقول أن سعيد قزاز لم يكن يملك غير نفسه وهو مسؤول مسؤولية تامة عن كل القرارات التي أتخذها وقد أصر على مسئوليته إصرارا قويــاً حتى داخل قفص الاتهام في محكمة الشعب ، إلا أن الأصوات التي كانت تصرخ داخل قاعة المحكمة وخارجها كانت تلح على إعدام الرجل وبسرعة وأن تتم الإدانة بأسباب واهية أن لم تكن دون أسباب وهكـذا كان . 
وبعد ان نشر كتاب لمحات عن سعيد قزاز تناول العديد من الكتاب نقدهم اوتثمينهم لما ورد فيه ، وكان الكاتب عباس سميسم اول من بادر لنقد الكتاب في مقالة له نشرت بجريدة الزمان بتاريخ 27/11/2001بعنوان ( هل كان سعيد قزاز متسامحا حقا )  ، ونشرنا ردنا عليه في العدد 1089 بتاريخ 29/11/2001 من نفس الجريدة بعنوان ( الأجتهاد في التحليل لكن الوقائع التاريخية ثابتة ) .
 ثم نشر الدكتور كاظم حبيب نقده الذي جاء  فيه : 
(( كيف يُقرأ كتاب "لمحات عن سعيد قزاز" للأستاذ زهير كاظم عبود؟
أبتداءً أود أن أشير إلى أنه تربطني بالصديق الأستاذ زهير كاظم عبود علاقات يسودها الود والتقدير والاحترام المتبادل. فقد سعينا معاً ومع أخوات وأخوة آخرين, وبمبادرة منه, إلى تشكيل "التجمع العربي لنصرة القضية الكردية" على صعيد المنطقة, وليس على صعيد العراق فقط متطوعين بكل ما تؤكده هذه الكلمة من معنى. كما شكلنا معاً ومع أخوات وأخوة آخرين, وبمبادرة مني, هيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب المختلفة في العراق. وكلا المنظمتين تؤديان خدمات طيبة في مجال نشاطهما. وخلال السنوات المنصرمة زرت عدة مرات السويد ومدينة مالمو حيث استضافتنا عائلة الصديق على غداء فاخر لا ينسى صنعته يد ماهرة ونفس طسية هي زوجته الفاضلة السيدة أم علي, التي كانت في أوائل السبعينات من القرن الماضي إحدى طالباتي النجيبات. وفي المحاضرة الأخيرة التي قدمتها في مالمو قدمني الأستاذ عبود وأدار الندوة, وكانت المحاضرة بعنوان "المستجدات في الوضع السياسي في العراق وآفاق تحقيق مشروع المصالحة الوطنية". كما أن الأستاذ عبود أهداني الكتاب الذي بحث فيه "لمحات عن سعيد قزاز", إضافة إلى كتبه الإخرى. إن الود والصداقة التي تربطني بالصديق الفاضل الأستاذ عبود من جهة, والعمل المشترك في منظمات المجتمع المدني الديمقراطية من جهة ثانية, ومهمتي ككاتب وصحفي أمام القارئات والقراء الكرام من جهة ثالثة, جعلتني أقرر كتابة هذا المقال عن الكتاب المذكور برؤية مدققة ومتأنية تماماً, كما تعاملت مع كتاب السيد عبد الرحمن إدريس البياتي في المقال الثاني, أو مع مقدمة الأستاذ الدكتور كمال أحمد مظهر في المقال الأول. 
في العام 2004 صدر عن وزارة الثقافة في إدارة السليمانية كتاب بعنوان "لمحات عن سعيد قزاز" للقاضي السابق والكاتب الأستاذ زهير كاظم عبود. وهذا يعني أن الكتاب قد صدر بعد مرور ثلاث سنوات على صدور كتاب الأستاذ البياتي (2001) الذي ناقشناه في المقال الثاني وليس في العام 2003 كما ورد في مقدمة كتاب الأستاذ عبود على الصفحة 12. 
تضمن الكتاب مقدمة وأربعة فصول وخاتمة. يبدأ الفصل الأول بشهادة عن أحد أشهر الأطباء العراقيين ثم البحث في "الرجل النبيل". أما الفصل الثاني فيبحث في صعود سعيد قزاز بجدارة في الوظائف إلى أن تقلد منصب وزير الشؤون الاجتماعية, ثم وزارة الداخلية من العام 1953 حتى سقوط النظام في العام 1958. وكان استوزر في وزارة فاضل الجمالي التي مارست سياسة الانفتاح على القوى السياسية العراقية عموماً والتي سعت إلى منج بعض الحريات الديمقراطية, ثم تقلد في وزارتي نوري السعيد 12 و13 منصب وزير الداخلية وكذلك في وزارة أحمد مختار بابان, وهي آخر وزارة شكلت في العهد الملكي. أما الفصل الثالث فقد بحث القاضي السابق موقف سعيد قزاز أمام المحكمة العسكرية العليا الخاصة, وأجرى مناقشة قانونية مع الحكم, ثم سجل تقويمه للحكم المجافي للعدالة بشأن المحاكمة والحكم الذي صدر بحق الوزير المتهم. أما الفصل الأخير من الكتاب فقد خصص للبحث في أيام سعيد قزاز في السجن ثم تنفيذ حكم الإعدام والكلمة الأخيرة والخاتمة. كما تضمن الكتاب وجهات نظر بعض الشخصيات العراقية حول الموقف من الحكم الذي صدر ونفذ بسعيد قزاز.
وقبل البدء بمناقشة مضمون الكتاب أود أن أبدي بعض الملاحظات على المنهج الذي تعامل به الكاتب مع شخصية ومفردات الكتاب, والتي يمكن تلخيصها بما يلي: 
1. يفتقد البحث إلى المنهجية في التعامل مع المادة التي في حوزته وفي ترتيب الفصول, ومنها على سبيل المثال: كان المفروض أن يبدأ الباحث باستعراض حياة الرجل وثقافته ويتدرج معه إلى حين وصوله إلى مختلف المناصب, لا أن يبدأ بمدحه وإبراز جوانبه "الناصعة" ومن ثم شهادة طبيب كان صديقاً له, إذ كان في مقدور الباحث أن يورد ذلك في نهاية الكتاب مثلاً, كما فعل السيد عبد الرحمن البياتي في شهادة محمد سعيد الخفاف. وينطبق هذا الأمر على فصل المحاكمة. فالكاتب يطلعنا بحدود 30 صفحة على الحوار بين رئيس المحكمة والمتهم ودفاع المتهم منقولاً من محاضر جلسات المحكمة العسكرية العليا الخاصة, ولكن لم ينقل لنا شهادة بعض أبرز الشهود وأكثرهم صدقاً وبعيدين عن الشك في مصداقيتهم من أمثال الأستاذ عزيز شريف أو الشهيد الأستاذ توفيق منير أو الشهيد الأستاذ كامل قزانجي, لكي يتبين القارئ مدى صحة دفاع المتهم عن نفسه, أو شهود الطعن بقضايا البصرة أو سجن الكوت ...الخ. وهو خلل صارخ في الكتاب لا يساعدنا على المقارنة والخروج بحكم ذاتي بغض النظر عن مدى قناعتنا بحكم السيد عبود. كما ينطبق على مواقف سعيد قزاز من المسألة الكردية طيلة حياته ومنذ كان يعمل في القلم السري للمفتش الإداري في السليمانية دبليو. أي. لاينو ومن ثم الكاتب السري للمفتش الإداري في لواء الدليم (محافظة الأنبار, ثم موظفاً في المخابرات السرية لوزارة الداخلية التي كان يشرف عليها البريطانيون في ظل الانتداب ...الخ. (راجع: البياتي, سعيد قزاز ودوره في السياسية العراقية, ص 52), إذ تجنب الباحث التحري عن مواقف سعيد قزاز إزاء القضية الكردية, وجل ما حدثنا به أن موقف سعيد قزاز إزاء الكفاح المسلح كان سليماً, إذ لم يعد استخدام السلاح في النضال الوطني في المرحلة الراهنة, وهو موقف لا ينسجم والدراسة التاريخية للأحداث والعوامل الكامنة وراء ذلك. ولم يكن جواب سعيد قزاز بإهداء القلم إلى السيد مسعود البارزاني عن سؤاله حول أسباب اعتقال البارزانيين, يعادل العذابات التي تعرض لها البارزانيون من جراء سياسات النظام وممارسات سعيد قزاز الفعلية إزاء نضال الشعب الكردي, بغض النظر عن مدى فرحة الصبي بالقلم, إذ ان الصبي مسعود كان يتوقع جواباً عن سؤاله أساساً, ولم يحصل عليه.
2. وأن الاسم الأكثر ملائمة للكتاب هو "سعيد قزاز أمام المحكمة الخاصة" إذ أن جل الكتاب يبحث في موضوع المحاكمة والحكم الذي صدر ونفذ بحق السيد سعيد قزاز حيث احتل 51 صفحة من مجموع صفحاته البالغة 161 صفحة.
3. من الجرأة بمكان أن يتصدى باحث عراقي لدراسة حياة سعيد قزاز الذي عرفه العراق لسنوات طويلة ولكن بشكل خاص حين كان وزيراً للداخلية في الفترة بين 1953-1958 حتى أطلق عليه بستولوبين العراق (ستولوبين وزير داخلية روسيا القيصرية الذي نفذ مجزرة الأحد الدامي في ثورة 1905 الشهيرة). 
4. لم أفهم سبب النصح الذي قدم له بعدم الكتابة عن حياة سعيد قزاز ابتداءً, ولكن بعد أن انتهيت منه وللمرة الثالثة أدركت السبب, وخاصة إن كان من قدم له النصح قد قرأ الكتاب فعلاً وكان صديقاً صادقاً له. ولهذا أتمنى على الصديق عبود, إذا ما أراد إعادة طبع الكتاب أن يعيد النظر بجملة من الأمور المهمة, لكي يستطيع أن ينفذ مضمون الحكم القاطع الذي تحدث عنه في مقدمة الكتاب.
5. استناده إلى جملة من المصادر التي لا تبحث في حياة ونشاط سعيد قزاز, ولكنها تتطرق له, وهي في الغالب الأعم تتحدث عن الجوانب الإيجابية لسعيد قزاز.
6. الشخصيات التي تحدث معها هي في الغالب الأعم من أصدقاء سعيد قزاز ومن له فضل عليه, بمن فيهم الكاتب الراحل مير بصري الشخصية المحافظة جداً والمخلص الكبير للنظام الملكي ولشخصيات ذلك العهد والتي تبرز في أغلب كتبه, بما في ذلك كتابه عن الشخصيات السياسية, رغم ما لحق باليهود, وهو منهم, من أذى في العهد الملكي.
7. الاستناد إلى محاضر مجلس النواب ومحكمة الشعب, وهما مصدران مهمان طبعاً.
8. لم استطع تبين أي حيادية حقيقية في الكتاب إزاء شخص سعيد قزاز بعكس ما وجدته في كتاب السيد عبد الرحمن البياتي, بل أن الكتاب من أوله إلى آخره محاولة جادة لتبييض صفحة سعيد قزاز بغض النظر عن كل الأدلة والبراهين والشهود والوثائق التي تؤكد طبيعة السياسات القمعية التي مارسها سعيد قزاز إزاء قوى المعارضة العراقية. ومن الغريب أن يورد حادثاً سماه طريفاً, بدلاً من أن يعتبره من أعمال الشقاوة وليس من أعمال الشجاعة حين اعتدى وزير الداخلية في الشارع على عدنان جالميران في مظاهرة الموصل. أي استخفاف بالفكر الحر وبعقولنا حين يتحدث الزميل عبود عن وثوق سعيد قزاز "من قوة شخصيته وشجاعته وانعكاس ذلك على الناس, ولذا قرر مواجهة المتظاهرين دون حماية ودون سلاح وهي حالة نفتقدها في هذا الزمان", في حين أن السيد عبود يدرك من يقف وراء سعيد قزاز من أجهزة أمنية. ويفترض أن نحيي العهد الذي يختفي فيه مثل هذه الشخصيات لا أن نحزن لعدم وجود أمثالهم.
سأحاول الآن تتبع الكتاب بسبب أهمية الموضوع الذي يثيره الصديق الكاتب, 
بادر السيد زهير كاظم عبود في المقدمة إلى تسجيل القول التالي: "ربما كتبنا المعلومات الشخصية عنه بعين واحدة إذا جاز التعبير". ثم يقول في مكان آخر جملة مهمة هذا نصها:
"إن السكوت عن ذكر المحاسن وإطرائها لا يقل خطورة وجرماً من السكوت عن ذكر المثالب والتنديد بها, من خلال هذا الأساس نؤسس بحثنا عن سعيد قزاز". (ص 6 من المقدمة). الحكم الذي جاء في هذا النص الثاني خطير للغاية, ما كان من الصائب صياغة الموقف بهذا الحكم المطلق, إذ كان الأفضل لو كان قد صاغ الموقف على النحو التالي: "أن الإمعان في المدح لا يقل خطأ عن الإمعان في الذم, إذ أن في سلوك كل إنسان ما هو إيجابي وما هو سلبي, ما هو صحيح وما هو خاطئ". والصياغة المقترحة تسمح لي ولغيري بمناقشة الكتاب دون أن نتهمه بواحدة من الاثنين أو أن نسيء له, وهو صديق كريم. إذ أن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: هل التزم الكاتب زهير كاظم عبود بما جاء في هذا النص الشديد والقطاع في حكمه, وبالتالي هل تخلص من أحد الموقفين اللذين حددهما بنفسه؟ سنجد الإجابة عن السؤال بعد التمعن في مضامين الكتاب.خاصة وأنه يقول في مكان أخر ما يلي: "الحقيقة دوماً مقدسة وقد اعتبرت على الدوام العمود الفقري للتاريخ, ومن خلال هذه الحقيقة بحثت كثيراً عن شيء يخص سعيد قزاز بعد أن دوخ الدنيا وشغل الناس في العراق مدة تزيد على أكثر من الربع قرن,فلم أجد من يسعفني بكتابة يساعدني على تلمس الطريق إلى كتاب أو دراسة عن سعيد قزاز...". (ص 11 المقدمة). المسألة الأولى يا سيدي الفاضل أن الحقيقة نسبية ومتغيرة من جيل إلى جيل, كمت يبدو هذا واضحاً من الكتاب نفسه. والمسألة الثانية أن الكاتب لم يتحرى كما ينبغي عن الحقيقة, إذ أنه أورد نصف الحقيقة التي اعتبرها حلوة وناصعة وسكت عن الصف الثاني, وهو ما يبدو واضحاً من الرجل النبيل وشهادة طبيب والمقدمة ذاتها والنصوص التي اعتمدها من الأستاذ مظهر في مقدمته لكتاب السيد البياتي. والثالثة كما يبدو لي أن ذاكرة الإنسان قصيرة جداً بحيث تنسى ما مر بها, خاصة إذا اصطدمت بفترة أمر من الفترة التي سبقتها, وبالتالي يتحسر الإنسان على تلك الفترة في حين أنها كانت ظالمة أيضاً والاحتلاف يبرز في مستوى القمع والسوء. 
يقول الأستاذ زهير كاظم عبود على الصفحة 4 من المقدمة إنه كان ما يزال طفلاً صغيراً في الفترة التي استوزر فيها سعيد قزاز, وحين تم إعدامه كان في الصف الأول المتوسط, وأنه لفت انتباهه أن الرجل كان شجاعاً, ولكن من المؤسف أن السيد عبود لم ينتبه إلى ضحايا سعيد قزاز الذين قدموا شهادات واقعية وحقيقية عن المتهم, وكان المفروض أن يتتبع بعد ذلك كل مواقف سعيد قزاز من مختلف القضايا وليس من المحاكمة وحده, خاصة وأن اسم الكتاب "لمحات عن سعيد قزاز". لم أكن موجوداً في العراق حين حوكم سعيد قزاز, إذ كنت قد غادرت للدراسة بعد انقطاع لعدة سنوات بسبب سياسات النظام القمعية, ولكني كنت أحد شهود هذهً الفترة, إذ كنت في هذه الفترة رهينة سياسية لدى وزارة الداخلية والحكم الملكي منذ العام 1955 حتى العام 1958, أي كنت أحد مئات المعتقلين والمجندين قسراً في معسكر الشعيبة للطلاب أولاً, وأحد مئات السجناء والمبعدين السياسيين ثانياً, استناداً إلى السياسات والإجراءات التي مارسها كل من عبد الإله ونوري السعيد وسعيد قزاز, وخاصة مراسيم تلك الفترة الاستثنائية من تاريخ العراق الملكي والتي صدرت في آب وأيلول وما بعدها من العام 1954.
ركز الباحث في كتابه على أن حكم الموت الصادر بحق سعيد قزاز كان حكماً خاطئاً. ولا أشك في صواب هذا الاستنتاج. ولكن كان على السيد القاضي أن يشير لنا يجيب عن بعض الأسئلة مهمة, وهي:
1. ألم يكن مفيداً أن يتضمن كتابه بعض إفادات شهود الأثبات وعدم الاقتصار على الحديث المتبادل بين سعيد قزاز ورئيس المحكمة, خاصة وأنه يعرف إن من بين الشهود من يمكن الثقة بأقواله وليس من الكذابين؟
2. وهل حقاً أن جميع الشهود كانوا من الشيوعيين الكذابين؟ 
3. وهل كان سعيد قزاز هو الصادق الوحيد في المحكمة الذي يستحق التعاطف وامتلك الجرأة في الدفاع عن نفسه, ولم تشعر بأي تعاطف عقلي مع ضحايا النظام, ضحايا نوري السعيد وسعيد قزاز؟
4. ألم يجسد سعيد قزاز سياسة النظام القمعية وممارساته ضد قوى المعارضة العراقية, باعتباره ممثلاً أساسياً من ممثلي النظام الملكي القمعي ومسؤولاً عن أجهزة القمع العراقية حينذاك, ويدها الطولى في إذلال المعارضة ولا أقول الشعب كله.
5. هل كان المتهم مذنباً ويتحمل مسؤولية ما اتركبه من مخالفات فعلية؟ أم كان بريئاً من أي تهمة في ارتكاب المخالفات؟.
6. وبالتالي, ما هي العقوبة التي كان يقترحها السيد القاضي على حكام محكمة الشعب؟ هل كان يقترح البراءة أم الحكم بعدد من السنين بدلاً من الإعدام؟ أي حكم كان مناسباً للسياسات والإجراءات التي مارسها سعيد قزاز أثناء مشاركته في حكم العراق؟ وهل كانت سياساته وإجراءاته تتناغم مع الدستور العراقي ومع الوثيقة الدولية التي وقعها العراق في العام 1949, اللائحة الدولية لحقوق الإنسان, وأنت من مناصري حقوق الإنسان؟ وهل المعارضة العراقية هي التي تجاوزت على حقوق الإنسان وحقوق النظام وحقوق سعيد قزاز في العهد الملكي؟ هل كان سعيد قزاز سوياً في تعامله مع الفكر الآخر بغض النظر عن رأيه الشخص بهذا الفكر أو ذاك, وخاصة وهو وزير داخلية مسؤول عن التعامل مع المواطنين بصورة سوية ومتساوية؟
ليس عدلاً بحق الشعب وبحق محكمة الشعب, رغم قناعتي بخطأ تشكيلها كمحكمة عسكرية عليا للنظر بقضايا رجال العهد الملكي, ورغم قناعتي التي سجلتها بأكثر من مقال عن أساليبها غير الديمقراطية التي مارستها إزاء المتهمين, ولكن ألا يرى الزميل أنه تجاوز المعقول في دفاعه عن واحد من أبرز ممثلي ودعاة ممارسة القمع ضد معارض النظام وكان يحتضن ويرعى أجهزة القمع حسب قول الأستاذ عبود نفسه, ولكنه لا يدينه ولا مرة واحدة في كل فصول الكتاب.
لا أدري لم اعتمد السيد عبود على رجل بعثي معاد للشيوعية ومن المتهمين بأحداث الموصل مثل السيد حازم العلي في البرهنة على أن الشيوعيين هم الذين كانوا وراء شنقه مرتين, علماً بأنه أول من أورد هذا الأمر عن لسان شخص معادٍ للشيوعية, وأن الشيوعيين هم الذين كانوا وراء كل ما أصابه من أذى في السجن, في حين أنه يدرك تماماً عدد الأعداء الذين كانوا يكرهون سعيد قزاز وليس الشيوعيين وحدهم, رغم قناعتي بأن الشيوعيين ارتكبوا جملة من الأخطاء خلال هذه الفترة بالذات وفي المحكمة أيضاً, كما ارتكب غيرهم أخطاء أيضاً..
أشعر بأن من حق السيدة الفاضلة ابنة الوزير الراحل سعيد قزاز أن تسعى إلى تبرئة والدها من كل ما حصل في العراق وإبراز وجهه ناصعاً, رغم أن البنت لا تؤخذ بجريرة الوالد, ولكن مهمة الكاتب والمؤرخ والناقد أن يتحرى عتن اتحقيقة, رغم نسبيتها, ولكن صديقي الفاضل لم يلتزم بما تعهد به في بداية الكتاب, بل نظر إلى سعيد قزاز بعين واحدة فقط وكانت الأخرى مغلقة كلية. 
ارجو أن لا أتهم بأني من المتزمتين في الهجوم على أقطاب النظام, كما ورد في المقدمة استناداً إلى النص الذي اقتطفه من الأستاذ الفاضل كمال أحمد مظهر, أدرك تماماً ما يلي:
1. علينا أن نعيد النظر ببعض أحكامنا السابقة إزاء الأحداث أم الشخصيات, ولكن وفق منهج علمي وموضوعي محايد وغير متحيز.
2. وأن الرجل سعيد قزاز امتلك القدرة الإدارية والمعرفة والخبرة في تسنمه المراكز المختلفة. ولكنه لمي تقدم لهذه الأسباب فقط, بل كانت هناك أسباب أخرى, إذ لم يكن في العراق شخص واحد يمتلك ما يمتلكه سعيد قزاز.
3. وأقدر في الوقت نفسه شجاعته واستعداده لتحمل مسؤولية ما مارسه من سياسات واتخاذ إجراءات قمعية دفاعاً عن النظام الملكي وسياساته التي لم تكن كلها في مصلحة الشعب.
4. وأدرك أن الرجل كان مذنباً في جملة من الأمور, ولكن كان من العدل إلغاء حكم الإعدام وتخفيفه إلى السجن. ونحن نعرف إن من أعدم هو أربعة من أقطاب النظام السابق وكلهم كان مسؤولاً عن وزارة الداخليةوالتحقيقات  ا لجنائية ومجازر السجن ومحافظ بغداد. )) 
http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=
وردا على نقد الدكتور كاظم حبيب بادرت لتوضيح جملة من الأمور التي وردت في نقده :  
النقد الهادف والموضوعي لايمكن ابدا إن يفسد العلاقة الإنسانية ، وطالما ربطتني بالأستاذ المفكر كاظم حبيب روابط تجعلني دوما أتطلع له من خلال منزلة الطالب والمعلم ، ولهذا فأن كل ما ورد بنقده لايعدو الا وجهة نظره التي وجدها في الكتاب ، ولعلي في تعقيبي استطيع إن أوضح بعض المعالم التي ربما لم استطع توضيحها أو كشفها ليس للسيد كاظم حبيب وإنما للقراء بشكل عام ، وأبين وجهة نظري في ما تم طرحه . 
وبهذا ابتداءا اتوجه بالشكر الجزيل لأستاذي الفاضل على الإطراء وعلى نقد الكتاب الذي طالما أنتظرت من ينقده ويوضح لي مكامن الزلل فيه .
1- أن فكرة الكتاب تشكلت في أوائل التسعينات حين كنت اعمل قاضيا بمدينة الموصل ، وكنت حينها متلبساً ومعبأ مثل الكثير من اهل العراق بالفكر المعادي بشكل لايقبل النقاش ضد سعيد قزاز ، ولما لمسته من أحاديث ووقائع مثبتة في الصحف الموصلية ، ومن شهادات شخصية عن سعيد قزاز حركت نفسي في البحث عن حقائق هذا الرجل ، ولايمكن إن يكون لرجل ما أيجابيات مالم تكن له سلبيات قطعاً ، ولما كانت كوردستان محرمة على العراقيين القابعين تحت سلطة صدام ، وخصوصا على موظف قضائي مثلا ، فقد بقيت دائرتي محصورة ومساحة بحثي محددة ، لم استطع الوصول الى كوردستان ولا مخاطبة احداً فيها ، وبالنظر للكم الهائل من الكتابات السلبية التي كتبت عن الوجه الأخر لسعيد قزاز فقد بات رجلا شريرا وخصما عنيدا ومجرما اخذ ما يستحقه من الجزاء بقرار من محكمة الشعب وبأمر من عبد الكريم قاسم ، ويبدو لي إن التعبير الذي صاغه الأستاذ كاظم حبيب اكثر توفيقا من صياغة عبارتي فيذكر في تعليقه ( أن الإمعان في المدح لا يقل خطأ عن الإمعان في الذم, إذ أن في سلوك كل إنسان ما هو إيجابي وما هو سلبي, ما هو صحيح وما هو خاطئ ) ، وحيث وجدت العديد من الكتاب من تعرض لسعيد قزاز بالسلبيات والذم دون إن يتعرض لسلوكه الايجابي مرة واحدة ، فقد تجرأت وتعرضت للجوانب الايجابية لتاريخه ،  مع إن الدكتور كاظم يعرف انني لاتربطني رابطة قومية أو قرابة ولامصلحة ولا علاقة بسعيد قزاز ، بل العكس فأنني كنت محملا بأفكار معادية له وأقف في الخندق المعادي له كما يقول المؤرخ العراقي كمال أحمد مظهر ، ولكن يبدو لي إن المنهج التاريخي والطريقة التي اختطها المؤرخ الأستاذ كمال أحمد مظهر حفزتني لطرح الحقائق مجردة ، وفقا للحيادية والموضوعية بقدر ما نستطيع ونتحمل ، ويبدو لي أن منهج كمال احمد مظهر ما سيتم كتابة التاريخ العراقي بموجبه مستقبلا ، فقد خط الرجل معالم منهجية وأساسية لحث الطلبة وكنت اتمنى إن اكون احدهم ، في سبيل الكتابة بتجرد ، وكنت قد أكملت كتابي في العام 1994 وطبعته على الورق بملزمة لم تزل بحيازتي ، ودفعته الى وزارة الأعلام للموافقة بعد إن وجدت الممانعة والمماطلة من شخصيات في السلطة الصدامية ( احدهم نصحني بعدم متابعة البحث والكتابة عن فكر صدام في الفولكلور و أنهى نصيحته بشتم السيد قزاز وأهله ) وأخيرا منع الكتاب من الطبع ، وبهذا يكون إنجاز كتابي قبل كتاب الباحث البياتي ولكن الظروف حالت دون إتمام طباعته ، كما عرضت الكتاب على دور النشر الأردنية حين غادرت العراق في العام 98 فلم يقبل أحد منهم أن يجازف بطبع الكتاب ، وأخيرا قام السيد سعد البزاز بنشره في جريدة الزمان الصادرة بلندن في العام 2002 أختار فيها المحرر المسؤول السيد  نضال الليثي عناوين الصفحات ، ثم أتفق معي على طبع الكتاب في مؤسسة الزمان ، وفعلاً قام بطبع مسودة الكتاب سلمني نسخة منها للتصحيح مع غلاف الكتاب بعد إن سلمته كل الصور والوثائق التي املكها ، والغيت فكرة الطبع بعد سقوط صدام في نيسان 2003 وانشغال السيد البزاز بتوزيع صحيفته في العراق ، ولم ازل احتفظ بنسخة من المسودة ، ولكن طباعة كتابي صارت بعد صدور رسالة السيد البياتي حيث استندت على مقولة المؤرخ الكبير كمال أحمد مظهر وصدر كتابي في العام 2004 في كوردستان ، وكنت قد أشرت الى هذا في مقدمة كتابي ، ولعلي أسعى جاهدا بعد إضافات ووجهات نظر أخرى إن اقم بطبعة للمرة الثانية لنفاذ الطبعة الأولى حسب ما علمت . 
2- يتحدث الأستاذ كاظم حبيب عن الضحايا الذين تناسيتهم ، وحين يكون ضحايا يكون هناك مجرم ، فهل يمكن إن يصدر السيد كاظم حبيب وهو المعروف بعلميته وموضوعيته حكماً على الرجل قبل إن يتبين قرار الحكم ويناقشه ويعرف مقدار صحته ومطابقته للقانون ؟ هل يمكن مسآلة وزير داخلية عن إبعاد عراقيين قرر مجلس النواب العراقي حينها إسقاط جنسيتهم ( السلطة التنفيذية لاتقرر القرارات وإنما تنفذ دون إن يحق لها المناقشة أو رفض التنفيذ ) ؟ هل قرأت المحكمة قرار الأبعاد وأعلنت الجهة التي أصدرته ؟ ام أنها اقتنعت بمن أمر بتنفيذ القرار ؟ وهل يحق لوزير الداخلية إن يعقد الاتفاقيات المهينة والجائرة بين العراق ودول أخرى مالم يقرر البرلمان ورئيس الحكومة ؟ لم تتم مسآلة رئيس حكومة واحد عن الجرائم التي ارتكبت في العراق وتم التركيز على سعيد قزاز فقط . 
وبهذا المنطق سيكون منفذ حكم الإعدام بالوطنيين من أهل العراق هو المسؤول وليس من أصدر القرار . 
كما يدرك الأستاذ كاظم حبيب أن سياسة النظام لايقررها ويرسمها وزير الداخلية ، وان حالة العداء للأحزاب الوطنية لايمكن إن يفرضها الوزير قزاز ، ومن يستعيد قراءة المنشورات السياسية في تلك الفترة يدرك أن الأحزاب تحمل الحكومة الملكية كلها مسؤولية ما يجري في العراق ، فعليه ومن باب الأنصاف إن لانبرأ نوري السعيد والوصي ومجلس النواب وكل رؤساء الحكومات الذين تعاقبوا على حكم العراق ، ونختزل كلما وقع على العراقيين فوق رأس سعيد قزاز . 
وإذا كان سعيد قزاز جزء من ذلك النظام كما يعرف الأستاذ كاظم حبيب ، فلم لم تتم مسالة الآخرين وأين صار باقي الوزراء ؟ ولماذ أطلق سراح العديد منهم وتم إعفاء الباقين ، في حين تم تنفيذ حكم الموت بسعيد قزاز عن جريمة القتل العمد وليس عن جريمة الاضطهاد السياسي والجرائم ضد حقوق الإنسان ؟ 
لقد تشكلت محكمة عسكرية في البصرة في العهد الملكي بطشت بأهل البصرة من المضربين من عمال النفط ، وكان يرأسها أحمد صالح العبدي ، نعم الحاكم العسكري العام في الجمهورية عام 1958 والذي علقنا صوره في بيوتنا وصفق العديد من العراقيين له ، وكان وسيلة من وسائل قمع العراقيين بعد حين ، ولم يتم الإشارة الى أفعاله ومساهمته في الإساءة للشعب العراقي مطلقا . 
3- لاأحبذ إن نتداول كلمة ( الكذابين ) على الشهود ، لأسباب عدة مكانتهم السياسية ، ورحيلهم كلهم عن الدنيا ، واعتزازا بالكلمات اللائقة ، وحين يورد الشاهد شهادته فأنه يفترض به إن يسرد وقائع شاهدها أو سمع بها أو لمسها مع تحليفه اليمين وفق ديانته ، ولذا فأن جميع الشهادات محترمة ولكن أي شهادة منتجة ، وهل كانت هذه الشهادات تدين المتهم في جريمة ( القتل العمد ) الذي أدانته بها المحكمة ؟ هل إن هذه الشهادات لها التأثير في إن تستند المحكمة اليها في قرار التجريم وتصدر حكمها بإعدام الرجل ؟ العديد من الشهادات مايكون لها تأثير عاطفي لاقيمة له في مجال الإثبات والإدانة ، والعديد من الشهادات الحقيقية التي لاتتعلق بالقضية ، والعديد من الشهادات التي تهملها المحاكم وخصوصا من يعرف قيمة الشهادة وموضوعيتها ودلالتها ونفاذها ضمن القضية المنظورة دون دخل للعاطفة ، حينها تقرر المحكمة ما يترأى لها من حكم قضائي يفترض إن يكون ضمن القضية المنظورة وليس خارجها . 
4- يتساءل أستاذي الكبير كاظم حبيب في تعليقه : ألم يجسد سعيد قزاز سياسة النظام القمعية وممارساته ضد قوى المعارضة العراقية, باعتباره ممثلاً أساسياً من ممثلي النظام الملكي القمعي ومسؤولاً عن أجهزة القمع العراقية حينذاك, ويدها الطولى في إذلال المعارضة ولا أقول الشعب كله.. هل كان المتهم مذنباً ويتحمل مسؤولية ما ارتكبه من مخالفات فعلية؟ أم كان بريئاً من أي تهمة في ارتكاب المخالفات؟.
فأقول نعم هو جزء من النظام القمعي ولكنه ليس كل النظام وليس الجزء الأساسي منه ، واحث الأستاذ كاظم ليشاركني في سؤال عن اسباب عدم مسائلة رؤوساء الحكومات العراقية عن سياسة النظام بينما تم صب كل جام غضبنا على سعيد قزاز ، وأختلف مع السيد كاظم حبيب من أن المخالفات مكانها محكمة الجزاء في حينها ولا يعدو الحكم فيها على الغرامة المالية هذا ما يقوله قانون أصول المحاكمات الجزائية  البغدادي حينها . 
5- ويقول الأستاذ كاظم حبيب عن محكمة الشعب : رغم قناعتي بخطأ تشكيلها كمحكمة عسكرية عليا للنظر بقضايا رجال العهد الملكي, ورغم قناعتي التي سجلتها بأكثر من مقال عن أساليبها غير الديمقراطية التي مارستها إزاء المتهمين, ولكن ألا يرى الزميل أنه تجاوز المعقول في دفاعه عن واحد من أبرز ممثلي ودعاة ممارسة القمع ضد معارض النظام وكان يحتضن ويرعى أجهزة القمع حسب قول الأستاذ عبود نفسه, ولكنه لا يدينه ولا مرة واحدة في كل فصول الكتاب. فإذا كان الخطأ في تشكيل محكمة والخطأ في تعاملها والخلل في أساليبها غير الديمقراطية ، فكيف يمكن تبرير إحكامها وقراراتها ؟ وكيف يمكن قبول نتائج قراراتها وعملها ، كيف يمكن إن نقر بعدالة محكمة لاتعرف اسم المتهم الكامل فتصدر حكما على اسمه ولقبه ويتم التنفيذ وفقا لهذا الاسم فقط ؟ وكما ذكرت فان كتابي هذا لم يكن لإعادة الاعتبار للرجل بقدر ما سعيت الى إعادة السرد التاريخي للعراق بشكل مجرد وخال من العواطف وما تراكم علينا من أفكار بعيدة عن الحقيقة ، ولهذا يقول السيد كاظم حبيب إن حكم الإعدام بحق سعيد قزاز غير عادل وأن السجن أكثر قبولا ولكنه ينس التهمة التي يقرر بها سجنه ؟ وإذا كانت الحركات السياسية الوطنية تحاكم شخص واحد عن سياسة النظام القمعية فهل يمكن إن تكون هذه المحكمة عسكرية ؟ ولم يعترض أستاذي كاظم حبيب على تشكيلة المحكمة ولا على الأساليب ولكنه اعترض على الحكم الذي تم تنفيذه وبهذا يتطابق معنا في الدعوة لمراجعة الأحكام السابقة وقراءة الأحداث بتجرد وحيادية نتطلع لها جميعاً . 
6- يستغرب السيد كاظم حبيب من الإشارة الى احد الذين التقوا بسعيد قزاز من البعثيين فيقول : لا أدري لم اعتمد السيد عبود على رجل بعثي معاد للشيوعية ومن المتهمين بأحداث الموصل مثل السيد حازم العلي ، والأستاذ كاظم حبيب يعلم إن الموقوفين مع سعيد قزاز كانوا من المشاركين في قضية عبد الوهاب الشواف ، وجميعهم من القوميين والبعثيين ، وبحكم الفترة التي كانها هؤلاء سعيت الى لقاء السيد صديق الصفار وهو قومي عربي ، وأشرت الى ما كتبه الخالد محمد مهدي الجواهري وهو يساري مستقل ، والتقطت وجهة نظر ذو النون أيوب وهو كادر من كوادر الحزب الشيوعي ، كما ذكرت ما كتبته جريدة الحزب الشيوعي اتحاد الشعب عن مجريات المحاكمة والهتافين فيها ،  وهي الجريدة المركزية للحزب ، ولم اقتصر على وجهة نظر واحدة ، وأترك للقارئ الفطن إن يوازن بين هذه الشهادات . 
7- أكرر لأستاذي الكريم أن كتابي لم يكن رسالة دكتوراه ولا رسالة ماجستير يمكن معها الالتزام بمنهجية الرسائل الأكاديمية ، وكان مجرد لمحات عن مالم يتم طرحه من حقائق ، ولهذا كان الأستاذ محقا في هذا الجانب ، كما لم التق بأبنة المرحوم سعيد قزاز مرة واحدة ولم يكن لها أي دور أو مساهمة في طبع كتابي ، ولم تكن عيني الثانية مغلقة مطلقا فقد بقيت منفتحة على الحقيقة التي تحملت وسأتحمل من أجلها الكثير حتى يستقر منهجنا في كتابــة التأريخ ( منهج كمال أحمد مظهر ) الذي يقول : (( علينا أن نعيد النظر ببعض أحكامنا السابقة إزاء الأحداث أم الشخصيات  ,  ولكن وفق منهج علمي وموضوعي محايد وغير متحيز. )) ، واشكر في النهاية الأستاذ كاظم حبيب لإشاراته والتي تحفزنا دوما للبحث ويرسم لنا الإشارات التي نتعلم منها ، إذ لم يزل وسيبقى أستاذنا ويشرفنا معرفته عن قرب لما يتمتع به من حرص أكيد على حقوق الإنسان الا انه لم يشر الى كثرة الأخطاء الطباعية التي وصلت أكثر من 100 خطأ مطبعي في الكتاب ، كما أتقدم بالشكر للأبحاث والدراسات التي أتفقت مع ما ورد بكتابي المتواضع أو التي قدمت له النقد والتصويب .
وللفائدة فقد نشر الدكتور كاظم حبيب ردا على التعقيب حول المقال النقدي يوضح فيه وجهة نظره يقول فيه : تعقيب على تعقيب الأستاذ القاضي زهير كاظم عبود حول مقالي النقدي لكتابه الموسوم "لمحات عن سعيد قزاز"
قرأت بعناية تعقيب الأستاذ الفاضل زهير كاظم عبود حول مقالي النقدي لكتابه الموسوم "لمحات عن سعيد قزاز", تماماً كما كنت قد قرأت كتابه حين كتبت النقد, إذ أن مسؤولية الناقد تعادل مسؤولية الكاتب في التحري عن الحقيقة والالتزام بالموضوعية. عبر الصديق الأستاذ عبود عن موقف علمي وتواضع جم إزاء النقد الذي وجهته له, وهو ما كنت أتوقعه منه, إذ أن أي نقد علمي بناء يخدم الحقيقة ولا يسيء للكاتب, بل يساعده ويساعد الناقد ذاته من خلال مواصلة النقاش بهدف الوصول إلى رؤية أكثر وضوحاً حول المادة التي يجري حولها النقاش. وإذا وجد من لا يرتاح للنقد ويشعر بالمرارة من نقد الآخرين له, فهو لا يستحق أن يكون كاتباً ومشاركاً في تبادل الرأي ووجهات النظر والحوارات الفكرية والسياسية أو النقاشات المختلفة, شريطة أن يكون النقد لا يستهدف الإساءة لأحد.
سأحاول فيما يلي أن أتطرق مرة أخرى إلى الكتاب وإلى التعقيب الذي تفضل به الأستاذ عبود حول مقالي الموسوم "كيف يقرأ كتاب الأستاذ زهير كاظم عبود لمحات عن سعيد قزاز". 
أولاً: حول المنهج
1. لا يمكن من حيث المبدأ الاتفاق مع الكاتب السيد عبود بشأن قوله أنه لا يكتب رسالة ماجستير أو رسالة دكتوراه ليلتزم بمنهجية الرسائل الأكاديمية, إذ أن أي كتاب, وخاصة من يريد إعادة كتابة التاريخ, أن يلتزم بمنهجية علمية لا تقل صرامة عن رسائل الماجستير والدكتوراه, لكي يستطيع بموجب تلك المنهجية أن يصل إلى نتائج ربما لا يستطيع تقديرها في بداية البحث, إذ لا يجوز في البحث أن تكون لها استنتاجات مسبقة بشأن هذه القضية أو تلك بل البحث والتحري يفترض أن يوصلنا إلى ما هو موضوعي. ويفترض أن يحرص الكاتب على التناغم بين الشكل والمضمون, بين العنوان والبحث أيضاً. وهو ما أردت الإشارة إليه, إذ أن ذلك يعتبر أحد مستلزمات الكتابة العلمية الجادة, إذ أعرف أن ما كتبه الزميل عبود ليس برسالة ماجستير ولا رسالة دكتوراه, ولكنها محاولة لإعادة الاعتبار لشخص سعيد قزاز, ومحاولة لإعادة كتابة التاريخ في العراق. ولهذا أشرت إلى ملاحظتين, بغض النظر عن حجم الأخطاء المطبعية والتي لا دخل للكاتب بها, وهي أن مفردات الكتاب تفتقد إلى التسلسل المنطقي, وهي جزء من منهجية العمل وليست كل المنهجية أولاً, ومن ثم أن اسم الكتاب لا ينطبق على مضمونه وكان الأفضل أن يسمى محاكمة سعيد قزاز على نمط محاكمة صدام حسين, إذ أنها كانت المسألة المركزية في الكتاب. 
2. يشير السيد عبود إلى أنه سيواصل تتبع خطى الأستاذ الدكتور كمال أحمد مظهر ومنهجه في إعادة كتابة التاريخ. وليس لدي أي اعتراض على ذلك. وهي مسألة تمس الزميل ذاته. ولكن من المفيد أن نشد أنفسنا على المنهجية وليس إلى فرد يستخدم منهجيته في البحث. والمنهجية في كتابة التاريخ ليست واحدة, كما أن الباحث أياً كان ليس معصوماً عن الخطأ. أحترم الأستاذ الدكتور كما أحمد مظهر باعتباره باحثاً جاداً ومشرفاً على عدد غير قليل من رسائل الدكتوراه والماجستير, ولكني لا أتفق مع الطريقة التي مارسها, فهي طريقة انتقائية وليسن منهجاً حين بدأ في إعادة كتابة تاريخ بعض الشخصيات العراقية, سواء أكان ذلك بالنسبة إلى نوري السعيد أم سعيد قزاز, إذ أجد أنه بعيد كل البعد عن المنهج الموضوعي في دراسة الشخصيات والأحداث في أجوائها وظروفها الملموسة. 
أدرك أن الكاتب السيد عبود يتسم بالجرأة في الكتابة وفي البحث في مسائل مهمة, ولكني لم أتوقع صدور مثل هذا الكتاب عنه. إذ تبدو لي ملاحظته الواردة في التعقيب لا تتناغم مع مضمون كتابه حول سعيد قزاز حين كتب في تعقيبه يقول: "ولم تكن عيني الثانية مغلقة مطلقا فقد بقيت منفتحة على الحقيقة التي تحملت وسأتحمل من أجلها الكثير حتى يستقر منهجنا في كتابــة التأريخ ( منهج كمال أحمد مظهر ) الذي يقول : " علينا أن نعيد النظر ببعض أحكامنا السابقة إزاء الأحداث أم الشخصيات, ولكن وفق منهج علمي وموضوعي محايد وغير متحيز". النقد يا صديقي لا يسئ لأحد ولا يحتاج الإنسان إلى أن يتحمل الكثير من أجل الحقيقة, إذ أنها نسبية ومتغيرة باستمرار مع تغير الزمان والمكان وغيرها, ولا اعتقد بأن كتابه عن سعيد قزاز سيحمله الكثير دفاعاً عن حقيقة سعيد قزاز, هي ليست بالضرورة الحقيقة بعينها . أتمنى لزميلي أن لا تتحمل في المستقبل الكثير من أجل الكشف عن الحقائق التي هي باستمرار نسبية والتي يمكن أن يعتبرها البعض إنها الحقيقة المطلقة. كما أني وفي الوقت الذي أقول أن عيونه على الكثير من الأمور متفتحة ومنفتحة, ولكنها هنا كانت النظرة من خلال عين واحدة, علماً بأن التعقيب على مقالي يشير إلى أن الصديق الكريم بدأ يفتح أحياناً ويغلق أحياناً أخر عينه الثانية.
ثانياً: حول مضمون الكتاب 
1. حين ندرس سيرة حياة شخصية عامة مثل سعيد قزاز يفترض أن ننتبه إلى مسألتين متباينتين لا يجوز الخلط بينهما, رغم التفاعل القائم بينهما, ولكنهما تعبران عن أمرين مختلفين, وأعني بهما: أ. السلوك الشخصي أو الفردي والخاص للشخصية العامة, وربما في بيته ومع الأصدقاء؛ وب. السلوك الوظيفي أو باعتباره جزءاً من نظام سياسي قائم في حينها. فغالباً ما تختلف الشخصيتان وتعبران عن ازدواجية أو انفصام في الشخصية التي غالباً ما يتميز بها المسؤولون المستبدون, كما في حالة صدام حسين مثلاً. ولهذا فأن الخلط بينهما وتبرئة ذمة هذا المسؤول أو ذاك من السلوك العام أمر يتناقض مع المنهجية العلمية بشكل عام. فما كان يمارسه سعيد قزاز في البيت أو مع البعض من أصدقائه أو معارفه هو غير ما كان يمارسه مع المجتمع والمعارضة السياسية للنظام. وبقدر ما كان ودوداً مع صحبه, كان قاسياً وشرساً وعدوانياً مع المعارضة السياسية, وخاصة إزاء الحركة الشيوعية والتقدمية بشكل عام, وهو ما لا يجوز نسيانه والخلط به. 
2. يفترض أن لا ننسى الحقيقة التالية: لم يكن سعيد قزاز أحد بيادق النظام الملكي في فترة تفسخه وسقوطه, بل كان أحد قادة النظام المعتمد من قبل شركات النفط والسفارة البريطانية ونوري السعيد, رغم وجود بعض مواقف الخلاف بين الشخصيتين. ولم يحكم على هذا الرجل وحده بالإعدام, بل حكم على مدير التحقيقات الجنائية بهجت العطية, ومتصرف لواء بغداد عبد الجبار فهمي ومدير السجن عبد الجبار أيوب بالإعدام ايضاً ونفذ الحكم بالأربعة. أي المجموعة التي كانت مسؤولة في وزارة الداخلية, والتي كانت مسؤولة عن كل ما كان يجري في العراق في التصدي للمعارضة السياسية للنظام الملكي. وسعيد قزاز لم يكن موظفاً صغيراً في وزارة الداخلية لينفذ أوامر سيده الوزير, بل كان السيد وزيراً للداخلية ومن أبرز واضعي سياسة العراق الداخلية حينذاك في موقف الحكومة العراقية الملكية من المعارضة السياسية. ولم تكن محاكمة سعيد قزاز قضائية فقط, رغم أنها كانت كذلك, ولكنها كانت بمعنى معين سياسية ضد كل النظام وضد كل الذين أساءوا للشعب وقضيته في تلك المرحلة. يبدو لي مفيداً أن نتعمق في دراسة سلوكية الفرد المسؤول, والتحري عن ازدواجية أو انفصام الشخصية فيه, وخاصة لشخصيات مستبدة مثل نوري السعيد وسعيد قزاز وغيرهما في المنطقة. 
3. حين يتفق معي الصديق الفاضل عبود إلى أن سعيد قزاز كان جزءاً من النظام القمعي حيث كتب يقول: هل كان المتهم مذنباً ويتحمل مسؤولية ما ارتكبه من مخالفات فعلية؟ أم كان بريئاً من أي تهمة في ارتكاب المخالفات؟. فأقول نعم هو جزء من النظام القمعي ولكنه ليس كل النظام وليس الجزء الأساسي منه, ...", إذن من الواجب محاكمته. وليس هناك أي خطأ بمحاسبته. وأختلف معه في كونه ليس الجزء الأساسي, بل أقول لقد كان سعيد قزاز جزءاً أساسياً وقطباً فاعلاً ومؤثراً في تشكيلة النظام القمعي وليس خردة أو هامشياً في الوزارة, ولم يكن عبثياً أن يكون وزيراً للداخلية في نظام قمعي. وبقية الموضوع أشرت إليه في مكان آخر من هذا التعقيب. 
4. لقد حوكم أغلب مسؤولي النظام الملكي, عدا الذين قتلوا تجاوزاً على حقوق الإنسان, في شوارع بغداد, وهم الملك فيصل والوصي عبد الإله ورئيس وزراء الوحدة العراقية الأردنية حينذاك, نوري السعيد. وكان رمز النظام حينذاك هو سعيد قزاز, الذي تجاوز مع غيره على دستور البلاد لعام 1925. وكان في مقدوره أن يرفض ما يصدره مجلس النواب ويستقيل من وظيفته ويقبل بتحمل ما تتحمله الآن من أجل الكشف عن الحقيقة. ولكنه لم يفعل ذلك بل غاص في مستنقع قمع الشعب, بما في ذلك قضية شعبه الكردي. (وبالمناسبة عدت قبل يومين من زيارة شخصية إلى إقليم كردستان العراق واستفسرت بشكل مباشر عن الأسطورة الواردة في الكتاب عن اللقاء بين السيد مسعود البارزاني وسعيد قزاز في حينها, كما جاء في كتاب السيد عبود, وعن موضوع الخيار بين الخنجر والقلم, فجاء الجواب من مصدر موثوق تماماً بأن الحادث لا أساس له من الصحة كلية ولم يكن هناك أي لقاء بين الرجلين أبداً). لم يكن سعيد قزاز ظالماً مع المعارضة العراقية فحسب, بل كان ظالماً مع قضية شعبه ومواقفه إزاء الحركة السياسية الكردية, وليس مع الكفاح المسلح فقط, وهذا يؤكد ما أشرت إليه في تعقيبي على كتاب السيد عبود.
5. أشرت إلى أني قرأت بإمعان محاكمة سعيد قزاز, إذ أن مجلدات محكمة الشعب موجودة في مكتبتي, إذ أنجزت دراسة عن طبيعة هذه المحكمة وتصرفاتها ضمن كتابي الموسوم "لمحات من عراق القرن العشرين". إلا أن هذه المحكمة صدر بها قرار من أعلى سلطة في البلاد, رغم اختلافنا معها عن مدى صلاحيتها في تشكيل مثل هذه المحكمة. ولكن سؤالي الذي أثرته ما يزال مطروحاً. لست إلى جانب قرار حكم الإعدام بأي حال, ولكن ألم يكن الرجل مذنباً حتى لو كان الحكم عليه بعدة سنوات أو غرامات كما تشير إلى ذلك, فلم لا يشار إلى ذلك بأن الرجل كان مذنباً في أكثر من حادث أو إجراءٍ مارسه وهو على رأس وزارة الداخلية. لست مع من يقول أن الرجل كان عميلاً, فهؤلاء كانت لهم فلسفة ونهج نختلف حوله. وليست هذه هي المشكلة, بل المشكلة في القوانين التي أصدروها والسياسات التي مارسوها. وإذا كان الأستاذ عبود صبياً يافعاً حينذاك, فأن كثرة منا كانوا ضحايا سياسات النظام التي كان سعيد قزاز أحد أبرز أقطاب تلك السياسة. من المفيد إعادة كتابة التاريخ ولكن شريطة أن تكون وفق أسس ومعايير واضحة بحيث لا يتحول الجلاد إلى ضحية والضحية إلى جلاد, والسياسة القمعية التي مورست كانت تدافع عن نظام رسمي وعن دستور وبرلمان وحكومة, والمعارضة كانت متطرفة في مواقفها وبالتالي استحقت العقاب! هذا هو تقريباً ما توصل إليه الدكتور كمال أحمد مظهر, وهو ما لا أتمنى أن يتفق معه الأستاذ عبود ويجد منهجه صائباً.
6. لم تكن هناك مخالفات مارسها وزير الداخلية, بل كانت هناك جرائم ارتكبت بحق الوطنيين العراقيين وصدرت بقرارات وأوامر من مجلس الوزراء, وكان هو أحد أبرز المسؤولين عنها, باعتباره وزيرا للداخلية, وبالتالي لا يجوز وضعه في خانة وكأنه موظف بسيط. إن الجهة المسؤولة عن محاكمته كان يفترض أن تكون محكمة جنايات وليس محكمة جزاء. إن إسقاط الجنسية العراقية جريمة, إن شنق الناس بمحاكمات شكلية وقرارات مسبقة الصنع جريمة, أن قتل السجناء العزل جريمة, إن قتل المضربين جريمة. ولكن لا أختلف في الوقت ذاته بأن من الصائب أن لا تكون المحكمة عسكرية, رغم أن القضاة كانوا جميعاً, وكذلك هيئة الادعاء العام من خريجي كلية الحقوق العراقية التي يعين منها القضاة, بل كان الأفضل تقديمه إلى محكمة الجنايات.
7. لقد كانت وزارة الداخلية, ومنها مرؤوسيه في التحقيقات الجنائية, تتدخل في الأحكام التي تصدر ضد المتهمين بقضايا سياسية خلال فترة وجود سعيد قزاز على رأس وزارة الداخلية. ولدي من الشواهد ما يؤكد العلاقة المباشرة بين ما كانت تمارسه التحقيقات الجنائية وما كان يؤيده سعيد قزاز باعتباره المسؤول الأول عن أمن العراق حينذاك وعن التحقيقات الجنائية. وهذه المسألة بحد ذاتها تستوجب تقديم سعيد قزاز إلى المحاكمة. لقد كان الشهود يزورون, وكانت الأوراق والمستمسكات تزور في المحكمة, وكانت الأحكام معدة سلفاً في وزارة الداخلية والتحقيقات الجنائية. لقد قدمت صورة مبسطة عن أساليب التعذيب التي كانت تمارس في العهد الملكي في ذكريات نشرتها حول وجودي في ضيافة التحقيقات الجنائية في العام 1955 ولمدة أسبوعين, ثم صدر حكم بحقي بالسجن والإبعاد. وكان تعذيبي أهون بكثير مما واجهه في حينها بهاء الدين نوري وحميد عثمان وجبار حسين وكريم أحمد الداوود وفاضل عبد الكريم والمئات بل الآلاف من المناضلين. وكانت بعلم ومسؤولية وموافقة وزير الداخلية يا صديقي العزيز. وما كان يجري في سجون العراق لم يكن تحت إشراف وزارة الشؤون الاجتماعية فحسب, بل ووزارة الداخلية وكان العمل مشترك ومنسق بين الوزيرين. 
8. المتهم الرئيسي في فترة الملكية هو النظام السياسي, هو الحكم. وكان الحكم يدار بشخصيات معينة, وبالتالي فأنها المسؤولة عن سياسات تلك الفترة. لم يكن فاضل الجمالي بفظاعة سعيد قزاز. وإذا كان قزاز هو المسؤول عن المشاركة في إصدار المراسيم التي وضعت قبل أن يكون في الخارج ويأتي ليجدها جاهزة, فقد كان متفقاً معها وموافقاً عليها, فأن الجمالي كان المسؤول عن إطلاق الحريات الديمقراطية في العام 1953/1954 التي أتى عليها نوري السعيد ومعه سعيد قزاز بمراسيم عام 1954 و1955 وكذلك عبد الإله. ومع ذلك حوكم فاضل الجمالي وصدر بحقه حكم من ذات المحكمة, ولكن أخف من حكم سعيد قزاز, ثم أطلق سراحه. وأنا مع هذا الحكم وضد الحكم الذي صدر بحق سعيد قزاز, ولكن هذا الموقف يختلف عن محاولة تبييض وجه سعيد قزاز بالطريقة التي جرت في الكتاب, وبالتالي, فأنا ما أزال ألاحظ عيناً مفتوحة وأخرى مغلقة, وهي ليست إساءة لأحد بل هو نقد لمنهج البحث الذي يخلط بين السلوك الشخصي والسلوك العام, عندها يصعب التمييز بينهما.
9. أعرف أن السيد عبود عربي القومية والراحل سعيد قزاز كردي القومية ولم أدعي وجود رابطة قومية أو عائلية أو شخصية من هذا النوع أو غيرها بينهما, ولهذا لم يكن موجباً طرحها. ومع ذلك أشير بما لا يقبل الالتباس إلى أن ملاحظتي حول رغبة السيدة الفاضلة ابنة الراحل سعيد قزاز التي اتصلت, بعد نشر فصول الكتاب في جريدة الزمان, بالكاتب الفاضل لا تعني أي إساءة للكاتب, ولكن أشرت إلى حصول مثل هذا الموقف أو الصلة فقط وهو الذي أشار لي بها حين كنا معاً في لندن, وحين حثته بصراحة بملاحظاتي حول الكتاب وأشرت إلى أنها ستنشر قريباً. 
10. أشارك السيد عبود رأيه في الموقف من أحمد صالح العبدي. لا أظن بأن أي إنسان تقدمي رفع صورة العبدي في بيته, ومنهم أعضاء الحزب الشيوعي العراقي, ومن رفع صورته كان في الغالب الأعم هم البسطاء من الناس بسبب ظهور اسمه مع بقية الذي شاركوا في الثورة على النظام الملكي, كما رفع صور الكثير من هؤلاء القادة. وأنا شخصياً لم أرفع أي من صورة هؤلاء القادة في بيتي وغير مسؤول عمن رفع صورته. ولكن يبدو مفيداً أن أشير إلى أن العهد الجمهوري قد ارتكب الكثير من الأخطاء والخطايا بحق الناس الأبرياء وليس فقط بحق البعض من أقطاب النظام السابق. ولكن حين نكتب عن النظام الجمهوري, سنشير إلى تلك التجاوزات, وعلينا أن لا نخفف من طبيعة الحكم الملكي وسياساته أو سياسات وإجراءات أقطابه لأن الوضع الذي تلي ذلك كان أسوأ من قبله. وينطبق هذا على النظام القضائي, وخاصة السياسي منه أيضاً.
11. صدرت أحكام مختلفة بحق الوطنيين العراقيين في عهد نري السعيد وسعيد قزاز. وكان المسؤول عن تلك الأحكام هو النظام الملكي ومجلس النواب والنخبة التي كانت تحكم البلاد حيث صدرت في عهدها تلك الأحكام. هذا صحيح جداً. وإذا قصر المسؤولون في محاكمة الآخرين, علينا أن نتساءل لماذا؟ ولكن لا يجوز, كما أرى, أن نقول ولِمَ حوكم هذا فقط. أرجو أن لا تقترن الإجابة بكونه كردي, إذ أن بقية من حوكم معه وصدر بحقهم حكم الإعدام كانوا جميعاً من العرب. السبب أن هؤلاء كانوا مسؤولين عن وزارة الداخلية وعن الأمن والتعذيب والقتل ...الخ. هل ينبغي أن نحاسب من يوقع على اتفاقيات مخلة باستقلال وسيادة العراق أو مخلة بالديمقراطية وحقوق الإنسان, رغم موافقة البرلمان عليها؟ أقول نعم يجوز ذلك, لأن بإمكان الوزير, وهو رجل يمتلك عقلاً ومسؤول عن أفعاله, أن يرفض التوقيع أو ممارسة سياسة مخالفة لنصوص الدستور أو لحقوق الإنسان, وكان العراق قد وقع منذ العام 1948 على لائحة حقوق الإنسان العالمية وصادق عليها. ولكنه الوزير الراحل كان يمارس تلك السياسات والإجراءات لأنها كانت تنسجم مع سلوكه وبرنامج الوزارة التي كان جزءاً أساسياً منها. ينبغي أن لا تأخذنا العزة بالخطأ ونصر على أمور ونتحرى عن سبل للدفاع عن أمور غير صحيحة. 
12. أختلف مع السيد عبود حول من سماهم, شاء ذلك أم أبى, بالكذابين, رغم قوله بأنه كان لا يريد تسميتهم لأنهم أموات, فالإشارة ذاتها تعبر عما كان يريد أن يقوله فعلاً بشأن من تعرضوا للاضطهاد في فترة حكومة نوري السعيد والوزير سعيد قزاز. والعودة إلى أضابير المحكمة تؤكد أن هؤلاء الناس لم يكذبوا, ولكن لا شك في أن كل فرد يرى الأمور من زاويته الخاصة ويمكن أن تحصل مبالغات معينة, وتبقى نسبة الانحراف غير كبيرة. إن من عاش تلك الفترة غير من سمع بها أو قرأ عنها. لقد كان من نصيبي أن أكون أحد الذي عايشوا هذه الفترة. كان وزير الداخلية هو الذي وافق على إرسال المئات من أساتذة الكليات والمعاهد والمثقفين العراقيين إلى السعدية, وإرسال مئات من طلبة الإعدادية إلى العسكرية بعد جروهم من مقاعد الدراسة قسراً ودون قرارات قضائية وممارسات شرعية. وكان في مقدوره أن يرفض التوقيع على تلك الإجراءات, ومن واجب القضاء محاسبته على تلك المواقف وكامن يعرف بها جيداً, بل بأوامر منه صدرت في ضوء قرارات من مجلس الوزراء وكان في مقدوره أن يستقيل ويرفض التنفيذ. هل يجوز لنا أن نعفي عصابة صدام حسين الآن ونقول أن المسؤول هو صدام حسين فقط, أم يفترض أن يحاكم كل الذين مارسوا القيادة الفعلية, ومنهم الوزراء الذين مارسوا القمع, وخاصة وزراء الداخلية والأمن والاستخبارات؟ 
13. نعم أستغرب, وهو حق لي, من اعتماد شخص مناهض للشيوعية والشيوعيين العراقيين ليقدم شهادة ضد الشيوعيين باعتبارهم مسؤولين عما جرى من اضطهاد لسعيد قزاز أثناء التحقيق أو الاعتقال. نعم استغرب إذ لا يجوز الاعتماد على مثل هذه الشهادة, فهي من خصم لا يريد إلا الإساءة القصدية للشيوعيين, خاصة بعد أحداث الموصل ومحاولة انقلاب العقيد الركن عبد الوهاب الشواف, إذ كان طرفاً في تلك الأحداث, وكان الأفضل رفض تلك الشهادة أو التشكيك بصحتها على الأقل وليس القبول بها كما وردت في الكتاب وكأنها الحقيقة الناصعة. أنها أقرب ما تكون إلى موضوع العلاقة بين السيد مسعود البارزاني وسعيد قزاز وقضية الخنجر والقلم. لست ضد نقد الشيوعيين أو غيرهم, بل يمكن توجيه النقد للشيوعيين في مواقع أخرى وفي أحداث أخرى, واعتماد أناس حياديين حقاً, ومناسبات ذلك ليست قليلة في تلك الفترة. إن العودة إلى كتابات السيد حسن العلوي تشير إلى مدى الكذب الذي مورس من قبل جمهرة من البعثيين والقوميين لتشويه سمع الشيوعيين, بما في ذلك الادعاء بحرق القرآن أو الإساءة إليه أو شتم عبد الكريم قاسم ...الخ. ومن هنا كان الموقف الحذر مناسباً. 
http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid= 
وتعقيبا على أشارة وردت في مقالة للكاتب القدير جاسم المطير نشرنا التعقيب التالي : 
1- تطرق صديقي الاستاذ جاسم المطير مشكورا في ((  مساميره رقم  1238 عن أحمد صالح العبدي وعن لقاء مسعود البارزاني مع سعيد قزاز  )) فذكر أن أحمد صالح العبدي لم يكن حاكما عسكريا للبصرة  اثناء الاحكام العرفية ، وحدد اسم العقيد أحمد محمد يحيى والذي بطش بأهالي البصرة المضربين في العام 1953  ، وتم تعيينه بعد ثورة تموز 1958 وزيرا للداخلية ، وكان المرحوم سعيد قزاز قد استشهد به  ولم تستمع المحكمة لشهادته . 
2- اما احمد صالح العبدي فقد تعطلت القوانين في العام 1956 وحصلت مظاهرات واطلاق نار على المتظاهرين في مدينة البصرة وكان الاستاذ جاسم المطير موجودا ، وكان السيد احمد صالح العبدي هو قائد القوات المرابطة الذي يعطي الاوامر باطلاق النار على المدنيين العزل ، وصار بعد ثورة 14 تموز الحاكم العسكري العام  حتى أخر يوم من ايام حكومة الثورة  ،  دون إن يتعرض لهذه الحقيقة احد من كتبة التاريخ بأستثناء المرحوم جرجيس فتح الله في كتابه       ( رجال  ووقائع في الميزان ) . 
3- اتوسم في الأستاذ جاسم المطير بأعتباره شاهداً للتأريخ في تلك الفترة أن ينشر معلوماته عن الحاكم العسكري أحمد محمد يحيى وكيف تمت مكافئته في إن يكون اول وزير للثورة ، كما نرجو أن يدلي بدلوه في خصوص الفترة التي قضاها العبدي حاكما عرفيا للبصرة وتمت مكافئته في إن يكون الحاكم العسكري العام والشخص الثاني في السلطة  بعد الثورة ايضا . 
4- أن الحوادث الشخصية يتم اعتمادها ونقلها اما من مصادرها المكتوبة أو الشفاهية ، وكنت قد ذكرت الواقعة المتعلقة بمقابلة الأستاذ مسعود البارزاني مع المرحوم سعيد قزاز نقلاً عن مصدر شخصي  ذكرته بكتابي ولم يزل موجوداً . 
5- أختلف مع استاذنا الدكتور كاظم حبيب في قوله الذي ورد في سياق تعقيبه على تعقيبي  : ( من الصائب أن لا تكون المحكمة عسكرية, رغم أن القضاة كانوا جميعاً, وكذلك هيئة الادعاء العام من خريجي كلية الحقوق العراقية التي يعين منها القضاة .) 
6- الحقيقة غير ذلك فلم يكن رئيس المحكمة العقيد فاضل المهداوي  ولا جميع الأعضاء المقدم حسين الدوري والمقدم شاكر محمود السلام والمقدم فتاح الشالي والرئيس الاول عباس اللامي ممن حصلوا على شهادة الحقوق ، وبذلك تكون المحكمة عسكرية تحاكم مدنيا بموجب قوانين عقابية مدنية ، وهي محكمة جنايات استثنائية ، أي أنها لم تطبق القوانين العسكرية ، وانما كانت لها كل صلاحيات المحاكم الكبرى ( الجنايات ) ولكن قراراتها قطعية لاتناقش ولاتدقق ولايتم الطعن بها إمام اية جهة كانت . 
7- نتمنى إن تكون تعقيباتنا واسهاماتنا من أجل اغناء الحقيقة وأن نستعيد قراءة الأحداث بحياد وأن تتم دراسة الوثائق بمنظار تأريخي موضوعي  بعيد عن العواطف والتشويه والضغائن ، وكلي ثقة من إن الأساتذة الذين اسهموا في تبيان وجهات نظرهم بقصد اغناء الحقيقة وتصويب الأحداث وفق وجهات نظرهم  التي نحترمها  ، ويقينا أن كتابة التأريخ العراقي موضوعاً حيويا تعرض للكثير من التشويه واخفاء الحقائق مما يوجب على المهتمين إن يساهموا في أغناء الأحداث  . 
في حين نشر الكاتب حكيم نديم الداوودي مقال له بعنوان : 
( القاضي زهير كاظم  عبود يدعو لأعادة   محاكمة  سعيد  قزاز بعد عقود من التهميش )
لم يطلق الفيلسوف جورج سانتيانا مقولته جُزافاً عندما أكد على وجوب أعادة الماضي وعدم نسيانه (( بأن من ينسى الماضي محكوم عليه بتكرارهذا الماضي )).وعلى ضوء إستجلاء تلك الحقيقة وسرد الحقائق وتقييم محاكمة سعيد قزازمن الناحية القانونية والقضائية، بأعتباره كان شخصية بارزة ونزيهة، وذا تاريخ مشرق وصاحب المواقف الصلبة. كتب القاضي زهير كاظم عبود هذه الأوراق الناصعة في أستذكار الرجل ليس لأن سعيد قزازكان بطلا قومياً يمكن الإحتفاء به، ولا خائناً عرض الوطن للذل والتقطيع. وهو كما كان في تلك الفترة الحرجة من تاريخ العراق المعاصر، واضحاً وصريحاً ومؤثراً بأحداث العراق السياسية ومتأثراً بها. لذا جاءت لمحاته كدعوة مخلصة لإعادة السرد التاريخي للعراق بشكل مجرد خال من العواطف والأنحياز. وفي ضوء تلك الحقائق والتحليلات المجردة من الأهواء وبعيدا عن تأثيرالمحيط السياسي على تدقيق تلك الأوراق، وتسجيل الملاحظات القانونية لصالح براءة المضنون. وتحت تراكم القضايا التي لا تمت بها من صلة غير روابط إدارية ووظيفية. نحن الذي نصحح التاريخ الذي ترك دون تشذيب، وبعيون محايدة وبعد سكون العاصفة الحماسية لفكرة ما. ولصالح تحبيذ جهة ما ولسواد جمالية شخصية ما نقفز في بعض الأوقات على الواقع ونتماهى على حقيقة الأحداث. في تسجيلنا لصفحات ذلك الكم الهائل من الأجحاف بحق من خلدوا بضميرهم الحي وهم اليوم في مستقر الخلود.أنهم ربما لم يعرفوا المهادنة على حساب المبدأ الذي آمنوا به ولم يسايروا مع تلك الظروف العصيبة التي أحاطتهم في أيام محنتهم عَشيّة إضطهادهم الفكري والجسدي في زوايا الاعتقال. كي يطلبوا السِماح والترّجي منهم كي يتنفسوا منفس المذلة. مثل تلك القلوب الصّلدة تأبّت حتى على شريكة حياته أن تلتمس بعاطفتها الرقيقة من سجّان زوجها طلب الغفران. وكيف بالتاريخ القاسي يمكنه أن يطوي صفحاته على مواقف ذلك الرجل الذي لم يتردد حتى الى آخر لحظة من ساعات محنته أن يهادن . وبدلا من ذلك ظّل يسفّه الأباطيل بالأدلة و يحاجج هرم المحكمة حجة وراء حجة. نحن هنا لسنا في موقف الدفاع عن كنه وذاتية الرجل وهويته، نحن بصدد نفض الغبار المتراكم عن حقيقة بعض الشخصيات العراقية بعربه وكورده وتركمانه كيف كانوا في موقع مسؤوليتهم الوظيفية وكيف كانوا يحكمون الأمور بميزان عدالتهم. وكيف كانوا مخلصين في أداء وظائفهم. ثلّةٌ من هؤلاء سيخلدهم التاريخ.ويكونوا من بعد رحيلهم مصدر تساءل وإستفسار على مر العقود والعصور. ومنهم مَنْ يتبعه اللعنة كلما مَرّ ذكره طارئاً أو عارضا دون الوقوف على محطات سيرهم الذّاتية كشخصيات أو رموز. ومنهم من يتحسر المرء على رحيله وعلى إجحاف حقه تحت مسميات وشعارات كانت في حين إدانته أو محاكمته بها تكفي بأن لا يجد المحكوم رَقْدةً هَنيّةً لرفاته من بعده، أو يُشخّصَ مزاراً لمحبيه. والتاريخ القاسي الغابر خيرُشاهدِ على تلكم الرموز الوطنية والدينية عبر مراحل التطور العقلي والمعرفي للإنسان المجبول على العَجَل والمُكابدة والمحكوم ساعة غضبه وانفعاله بأجواء تلك اللحظة التي تظلم أمامه الدّنيا وتضيق بين جوانحه فسحة االعفو وأمتداد الأمل. ويجب أن لا ننسى السّمة الإنسانية في الحكم على بعض القضايا التي أصبحت بحكم الخلودتكاد تكون نادرة قلّما تجدها متراعية فيها الدّقة والإنصاف، وأخذها بعين النظر سواء أمام سلطة القاضي المختص التقديرية أو رئيس المحكمة المنوط به الملف الشائك بكثرة تعقيداتها الجوهرية في القضية المطروحة للمداولة وتأرجح الحيادية في حالة طغيان التهريج واللغط والشعارات والتدخل في ترهيب المتهم. كما تم ملاحظته أثناء محاكمة سعيد قزاز أيام وقوفه أمام محكمة المهداوي. مدافعاً وبصلابة عن نفسه وعن قرارته الإدارية دون أن يعتريه الخَور والوَهنُ مِنْ رَهْبة المحكمة. ومِن كهربة المكان والمحيط في تلك الأيام المريرة.وعبر أربعة فصول من كتابه الموسوم لمحات عن سعيد قزاز يواجه القاضي زهير كاظم التاريخ الماضي الغابر والملف المركون بإهمال مترصِد والمتعلق بأنزه وزير داخلية عراقي عرفته الدوائر الأدارية منذ تأسيس تلك الوزارة التي تتالت عليها نماذج قلّما تَجود البَداهة والعقلية الإدارية مثل الراحل سعيد قزاز.نبدأ بِذَر محتوى ذلك الكتاب عَرْضاً بالفهرست المثبت في الصفحة ما قبل الأخيرة.من المقدمة الرشيقة التي عبّرت عن حُسن إستخدام القاضي والباحث زهير كاظم في سلاسة جمالية الكلمة والفهم العميق للمصطلح القانوني والنزاهة من وراء ذلك الدافع الأساسي الذي دفع به كي يكتب عن سيرة سعيد قزاز،متسلسلاً في ذلك رغم المعاناة التي كادت أن تقف عثرة في طريق إنجازه لذلك البحث الموجز مؤكدا أيضاً على أن – التاريخ يقوم على جملة حقائق ومن حقائق هذا البحث بأننا لا نستطيع التغلغل في أعماق الرجل فقد واجهتنا صعوبات جمة-. وبصدد تلك المقدمة يقول بأنه أنقطعت صلة الرجل بالحاضر من خلال ماضيه فكان أشبه ما يكون بالأسطورة أو البريق الذي يبهر فجأة. فأنت لا تتوقع ظهوره كذلك موضوع البحث فسعيد قزاز رجل كالجزيرة محاط من كل الأتجاهات. وفي مدخل الفصل الأول من الكتاب يعرفنا بإيجاز على بطاقة سعيد قزاز الشخصية هو محمد سعيد بن مراز مجيد بن الحاج احمد قزاز حسب جداول الحكومة العراقية عام 1904 في مدينة السليمانية توفي والده وهو طفل رضيع ودرس المدرسة الإعدادية وتخرج منها ،تزوج من السيدة زكية توفيق قزاز وأثمر زواجه عن بنت أسمها ﯧري وكانوا ينادونها پري خان ومعنى إسم بنت سعيد قزاز الحورية ولم يخلف غيرها. ويقول الباحث بصدد تقلده الوظيفة لأول مرة بأنه – تعين بالوظيفة وعمره عشرون سنة وتسعة عشر يوما وتم إعدامه وعمره خمسة وخمسين عاما وشهران وتسعة عشر يوما بعد أن أمضى مدة ثلاثة وثلاثين عاماً في الوظيفة العامة أي انه كان قد تعين موظفا في الحكومة العراقية في 20/1/1924. 

سعيد قزاز وجهٌ صارمٌ وكفاءةٌ نادرةٌ في الإدارة 
من خلال مشاهدتنا لبعض الصورالفوتوغرافية التي ألتقطت لسعيد قزاز، أثناء تقلده للوظائف الإدارية المرموقة. وجهٌ يتجمع في التقاطيع المتوترة أبتساماتٌ خجولة ،بل ربما مدفونة خلف سحاب التفكير المضني الدائب في كيفية بسط الأمن وتدبير هيكلية المسؤولية الجسيمة المنوط به. لذا فليس من الغرابة أن يلاحظ المرء وبسهوله الصرامة والجدية المفرطة القريبة الى التهجم، من سيمياء الأبتسامة الفارغة التي تترائ بمحيا دهاة السياسة. وتحت تأثير أضواء الكاميرات أو أثناء حضورهم في المؤتمرات الصحفية. سعيد قزاز وكما الملاحظ مليا في صورة غلاف كتاب القاضي زهير كاظم أنه في تلك الصورة يستجلي المجهول ويتأمل المستقبل من خلال تلك النافذة المضببة المطلة على الأحداث والمشاكل التي ورثتها الدولة العراقية الفتية، من آثام الولاة العثمانيين الذين حكموا البلاد. وفي يقظته الدائمة وكما يبدو من توتره وتوجسه وعمق نظرته بأن القادم آت بقظه وقضيضه. ومن يستطيع في ذلك العراق العائم على بحار من المشاكل والقنابل الموقوتة بدهاء لعبة المخططين الأنكليز قبل عقود من أحتلال العراق. وكيف له أن يتنبأ ملامح مستقبل نوره في نهاية نفق طويل وكل مشكلة موروثة تقارب المستحيل وحلها تتطلب طلاسم كمن يريد طرد شرور العفريت. سعيد قزاز والمعروف عنه ووفق بيانات السجلات إلإدارية بالكفاءة والتمييز والدقة في القرارات. وحُبّ تنفيذ الواجب من غير رهبة او أعتبارِ للحياة أو التفكير في المصالح الشخصية. يروي القاضي زهير وعلى لسان أحد المحامين في مدينة الموصل والذي طلب منه عدم ذكر إسمه بأن الرجل كان يعمل بصفة مراقب عمل في وزارة الأشغال يوم كان سعيد قزاز متصرفا للواء الموصل ليعيل نفسه لإكمال دراسته وصادف أن أبلغه مسؤول الأشغال أنهم أستغنوا عن خدماته بأمر المتصرف. فما كان منه الاّ أن توجه نحو دائرة المتصرف وأستطاع مقابلته وعندما شرح له ظروفه أبدى السيد سعيد قزاز إستغرابه لأنه أرسل شخصين لمساعدتهما بالعمل لا المساهمة بفصل المواطن. وما كان منه إلاّ أتصل بدائرة الأشغال ليعيده الى عمله حالاً.ورجل بقامة سعيد قزاز كان الموت يهابه وهو الذي يوازي الموت من كثرة عشقة الرحيل الى الملكوت. هذا الذي أستطاعَ أنْ يُكذّب المدعي العام أثناء محاكمته وأمام المحكمة التي ضعف أمامها الكثير من المتهمين طلباً للرأفة أوأنتظاراً لمرحمة رجال الثورة،عندما أتهمه بالهروب من الثورة بملابس النساء ليعلن بأن المدعي العام كاذبٌ فهو لم يلبس ملابس النساء ليهرب من الموت صبيحة الثورة)). ويروي لنا الباحث في لمحاته قصة التسجيل الصوتي لمحاكمة سعيد قزاز وسماعه لها بعد أكثر من ثمان وثلاثون سنة على إذاعتها عبر إذاعة بغداد وعلى الهواء مباشرة.إذيقول(( تلمستُ شخصية هذا الرجل من خلال جرأته وشجاعته وصدق الكلمة التي يطلقها دون وجل وعدم أكتراث لما سيوّلده هذا الموقف عليه من نتائج. حقاً كان الرجل لا يخاف الموت وإضافة لهذا فقد كان مليئاً بالإيمان وبالقدر وبما كتبه الله عز وجل عليه ولم يدخل اليأس أو الخوف الى قلبه وإنه يفوض أمره الى الله )).وينقل لنا الاستاذ زهير جانباً آخرأ من التسجيل الصوتي التاريخي لتلك المحاكمة مستغرباً سماعه ضحكات المتفرجين داخل صالة المحكمة حينما يذكر سعيد قزاز بأنه كان وزيراً فعالاً يعمل بوحي من ربه وعقل في رأسه وقلب في صدره، كانت الضحكات تعبر عن سذاجة المتفرجين، لأن سعيد قزاز لم يطلق أية كلمة تستحق السخرية، كان فعلاً وزيراً فعالاً بشهادة التاريخ وكان يعمل بتصميم من إرادته وبإتفاق كل من عاصروه وعرفوه وأتخذوا مواقف متناقضة معه بأنه كان نزيهاً ونظيفاً وصارماً ترك المناصب الإدارية وخدمة الدولة البالغة ثلاثة وثلاثين عاماً دون إرثِ يستحق الذكر سوى سيرته الناصعة وسمعته الأكثر لمعاناً وشجاعته التي لم ينكرها أحد حتى في أحلك ظروف الإنسان أو في آخر لحظات العمر)). 

شهادة الدكتور كمال السامرائي حول سعيد قزاز في كتابه حديث الثمانين 
يعرض علينا القاضي زهير في مستهل الفصل الأول نفسه شهادة أحد أشهر الأطباء العراقيين وهو الدكتور كمال السامرائي حول زهد وتقشف العيش في بيت سعيد قزاز وعلى ضوء زيارته لداره في إحدى أيام شهر اكتوبر عام 1957. (( كلمني تلفونياً وزير الداخلية ليدعوني الى تناول الغداء في داره بمنطقة العلوية، وهذه الدار من مخلفات الأنكليز ومعمولة من اللبن والطين غير أنها مريحة صيفاً وشتاء وحين وصلتها بحدود الساعة الواحدة ظهراً كان قد سبقني اليها كل من صديقي بهاء عوني والدكتور اسماعيل ناجي، ثم توافد آخرون من بينهم رؤوف الجادرجي وسامي فتاح ويحيى قاسم، ودهشت حين دخل الصالون أبو عامل علي حيدر سليمان ولم أكن أعرف أنه في بغداد وأن هذه الدعوة على شرفه. وكنت أترقب قدومه الى بغداد لأقابله بمثل ما قابلني به في بون بالمانيا يوم كان سفير العراق فيها قبل ما يقرب من عام. فتصافحنا وتعانقنا وصار مجلسه الى جانب مجلسي في الصالة. وسرعان ما شعرتُ بعدم أرتياح من الكرسي الذي قعدتُ بين ذراعيه، وصرت أراوح في جلستي بين وضعِ ووضعِ لأعرفَ منهما ما يريحني. فقد كنت أحس بوخز من الكرسي في مقعدي، وقد أنتبه سعيد قزاز الى ذلك وهو يعرف ما في هذا الكرسي من عيوب القدم وسوء الصنعة فقام من مكانه وأتجه نحوي وأخذ بيدي وهو يقول لي: هذا الكرسي أعرفه قديم ونوابضه قد مزقت غطاءه بأطرافها المدبب،وقادني الى كرسي آخر وعاد وجلس على الكرسي الذي كنتُ أجلس عليه الى جانب علي حيدر سليمان وهويقول لي: أنا أكثر منك َ سمنةً، وإني أعتدت الأذى منه كما أعتاد حمل ثقلي عليه بعد أن يئسَ من أثارتي على التذمرمنه.وبالمناسبة ذكر الدكتور نوعية غداء ذلك اليوم بأنه كان مكوناً من القره خرمان والبرغل بالرمان وكلاهما من الأكلات الكوردية اللذيذة)). وكم كان طعام الوليمة بسيطاً وبعيداً عن إرهاق ميزانية الدولة والوزارة،وعلى عكس ولائم وزراء هذه الأيام. ولقد روى المحامى على الشيخ من أهالي تلعفرللباحث من ضمن ذكرياته عن سعيد قزاز،(( بأن أحد زملائه من مفوضي المرور في منطقة الميدان قام بفتح باب سيارة الوزير سعيد قزاز عند توقفها قرب ديوان وزارة الداخلية في منطقة القشلة وحين همَّ الوزير بالنزول نبّه المفوض الى عدم تكرار ما قام به من عمل لأن هذا يدخل ضمن واجباته الوظيفية أولاً وأنه موظفٌ لدى الدولة حاله حال الوزير وعليه والكلام لسعيد قزاز أن يحترم وظيفته ولا يطأطأ رأسه سوى لخالقه العظيم وأن لا يتنازل لأحد ليحل محله في عمله. كان يبرهن بالملموس أن الكرامةَ فوقَ كلّ الإعتبارات فإذا ماتت كرامة الرجل ( الإنسان) أو تدنت فلن يتبقى من الإنسان سوى جسد مجوّف. وهكذا كان سعيد قزاز يدافع عن كرامته بكل قوة ويدافع عن كرامة الآخرين بنفس القوة)). في أية مدرسة تربوية ومعهد للاخلاق الفاضلة يا ُترى تربى هذا الإنسان الذي لم يدنسه بريق الذهب، ولم يغيّره المنصب الرفيع، طيلة وجوده في وظيفته الأدارية ولسان ضميره ينصحه بأن كل نعمةلامحال زائلة ،والذكرالطيب والعشرة الحسنة،السجل النقّي ستكون مآل من سيؤرقه مظالم أفئدة لم تنصفها موازين الحكم والعدل في حينه. سعيد قزاز تلك القوة التي أزاحت بمسارات الحق عنجهية العتاة، والخارجين على القانون. ورسمت بمسطرة المساواة حقوق كل إنسان وعلى ضوء مقولة متى ما إستعبدتم النّاس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار. وفي ديوان مظالم الداخلية آنذاك بوسع كل راصد محايد وللتاريخ ملاحظة العديد من القصص والشواهد من ملفاتها المكدسة كي تكون مناهج عمل للعقول الأدارية التي تبغي معرفة بناء المجتمع المدني. وخطواته الأولى قد بدأت الآن من تطبيقات سعيد قزاز كرجل بٍناءِ وكمحارب للفساد الأداري،وكمُقننِ لخبز الإعاشة لأفواه الفقراء. وأستعير بصدد فضل سعيد قزاز في إستحداث الأفران الشعبية الشبه المجانية سطور من مقال الأستاذ الفاضل فؤاد حمدي ((صادق على قرار إعدام المرحوم سعيد القزاز وزير الداخلية السابق، دون أية جريرة اقترفتها يداه، بل لمجرد لرغبة الشيوعيين وتطبيباً لخاطرهم، فلقد ذرف أهل كركوك الدّمع الغزير على إعدام سعيد قزاز في وقته،عرفاناً لخدماته المشكورة للبلد. وعلى رأسها استحداثه أفران الإعاشة في المدينة وتوفير الخبز الرخيص للناس في سنين عجاف. كان ذلك في حدود الأعوام 1947/1948 ودرئه تفشي مجاعة في البلد. أن التاريخ يعطي كل ذي حق حقه إنْ لم يكن عاجلاً،فآجلاً سواء كان ذلك بالسلب أو بالإيجاب)). 

إنني أقف الآن وأرى الموت مني قاب قوسين أو أدنى ولا ترهبني المشنقة وعندما أصعد عليها سأرى الكثيرين ممن لا يستحقون الحياة تحت أقدامي. 
في مسار تلك المقولة المجلجلة للصمت الرهيب،وهي كلمة أطلقتها نفسٌ لقدسية العدالة في لحظة تاقت فيها للخلود. وضاقت من بؤس المرتجين كي َيدلفَ من باب السّجانين سماحٌ مشوبٌ بأسترحام القلوب لحظة ضعفها أمام مطمع البقاء. أما سعيد قزاز الذي ضاق ذرعاً من ضغوط الإقارب والخلان كي يَلينَ شيئاً من موقفه المتصلب وأرادوا منه تحديداً في تلك الساعة الملبدة بالمحنة ومن أجل ثمرة فؤاده پري ورفيقة دربه زوجته والتي هَدّتها الشُجون والحَيْرة من أمر تلك النفس الأبيّة في جوانج قديس قد ُتقَرر مصيره قبل قرار المحكمة أنْ يكتب أسترحاماً ولكنْ النّفسُ تأبى ذلك. وتكتب لزوجته عِوَضها عبارة اللاعودة أستعدي أن تكوني أرملة!!. ونترك القاضي الباحث زهير كاظم عبود لينقل لنا بيراعه وقع لحظات محاكمة سعيد قزاز والتي بدأت أمام المحكمة العسكرية العليا الخاصة – محكمة الشعب- يوم السبت 24/ كانون الثاني 1959 الساعة الخامسة مساء وقد تشكلت المحكمة من رئيسها العقيد فاضل عباس المهداوي وعضوية كل من العقيد فتاح سعيد شالي والمقدم شاكر محمود السلام والمقدم حسين خضر الدوري والرئيس الأول ابراهيم عباس اللامي والمدعي العام العقيد الركن ماجد محمد أمين. ويستمر الباحث في سرد وقائع المحاكمة (( وبتحدِ لم تعهده المحكمة وبموقف أثارَ حفيظة أعضاء ورئيس المحكمة مع فارق أمكانية القُدرةَ على التّحدث يقول سعيد قزاز بأنَ موقف المحكمة غير حياديِ بحيث تعرضتُ الى الإهانات لا من رئيس المحكمة والمدعي العام فحسب بل حتى من أفراد لا توجد لهم أية صفة رسمية، الأمر الذي أقنعني أن مصيري قد تقرر قبل البدء بالمحاكمات وما دامت الحياة مكتوبة ومادامَ مصيري معلوماً ومادمتُ لا أهابُ الموتَ والمشنقة فإنني أدلي بهذه الإفادة لكي أوصل صوتي الى خارج هذه القاعة الى إخواني العراقيين لكي أؤكدَ لهم بأنني خدمتهم بإخلاصِ وأمانةِ لمدة تزيد على ثلاثين سنة. ويضيف الباحث بأنَ أي متهم لم يجرؤ الوقوف أمام محكمة المهداوي أنْ يطعنَ في نزاهة هذه المحكمة وبقرارتها سوى سعيد قزاز ليقفَ وهو على أعتاب السّتين من العُمر ليقولَ للمهّداوي لا أهاب الموت ولا المشنقةَ وحينما سأله المهداوي هل أنتَ من القوميين العرب؟ أجاب سعيد قزاز : كلّا أنا كورديٌ عراقيٌ أفتخرُ بعراقيّتي.ولأنه يعرف أنه أمام محكمة بعيدة عن التطبيق القانوني السّليم بالنّظر لكونها عسكرية وخاصة وتخلو من قضاة حقوقيين، يبدأ دفاعه بطلبِ هو حق لكل متهم مهما كانت تهمته. حيث إنَ حق الدفاع مقدس فيطلب بأسم قدسية العدالة أن يُسمحَ له بقراءة الدفاع دون أن يُقاطعَ من قبل أحد الى أن يختتمه، وما أنْ يُقاطعه رئيس المحكمة المهداوي حتى ينبري له ليذكّره بأنه أخذَ منه وعداً بأن لا يُقاطع ولو كان المهداوي بعيداً عن الإنفعال لفكّر مليّاً بأنَ وَعْد رئيس المحكمة قرارٌ وأنَّ عليه أنْ يحترمَ قرارة)). وفي هذه اللحظة الحاسمة من تاريخ محاكمات المشاهير وكما جاء أثناء دفاعه ((ومهما يكن الأمر فإنه وبصلابة الرجل المؤمن الواثق من نفسه يطلق كلمته الصارخة – إنني أقف الآن وأرى الموتَ مني قابَ قوسين أو أدنى ولا ترهبني المشنقة وعندما أصعدُ عليها سأرى الكثيرينَ ِممَن لا يستحقونَ الحياةَ تحتَ أقدامي وأقفُ الآن بينَ يَدي الله عزَّ وجل لأقولَ كلمتي الأخيرة كمسلمٍِ لا أملَ له إلاّ بعدالةِ خالقه العظيم ولا إيمانَ له إلاّ بدينه الإسلامي الحنيف ولوجود مقاربة بين موضوعنا المطروح)). تذكرت هنا مقال الأستاذ الصحفي داوود البصري بعنوان بعثيون ومحاكم؟. والتاريخ يعيد نفسه و نرى الحياةَ دُولَةٌ بين المتنفذين والجبابرة، والأخيار هم مَن بأستار الذاكرة يتلئلئون وبأسرارهم المخبوءة وبأعمالهم الخالدة يبقون ولا يموتون. 
(( بين محكمتي العقيد فاضل عباس المهداوي ( 1958 ) التي دخلت التاريخ السياسي العربي المعاصر من أوسع أبوابه و تميزت بشهرة طاغية حتى بين صفوف الذين لم يعاصروها بل سمعوا فيها وقرأوا عنها، ومحكمة الجنايات العراقية التي يرأسها السيد القاضي (رزكار ) (2005 ) ما يقارب النصف قرن من السنين!، تبّدلَ خلالها شكل العالم، وجَرتْ فيها مياهٌ عديدة تحت كل الجسور،وسقطت دولٌ وإمبراطوريات وقامت أخرى! إلاّ أن الثابتَ في جميع المتغيرات والمتحولات كان هوية المتهمين الذين حضروا المحاكمتين! وما أقصده تحديداً هم الشُقاة والقتلة والمُجرمين من البعثيين الذين كانت جرائمهم حاضرة وشاخصة على الدوام في المجتمع والضمير العراقي والعربي، والذين لم تتغير سلوكياتهم ولا سحناتهم ولا نزعاتهم الإجرامية المتأصلة والموروثة!، وبطبيعة الحال فثمتَ فروقٌ هائلة بين المحكمتين من حيث الظروف التاريخية وطبيعة المرحلة وشكل الإتهام فضلاً عن طبيعته! وإنْ كانتا تمّسان الوضع الداخلي في العراق، وُتلقيان الأضواءَ على مراحل حاسمة وقلقة من تاريخ المجتمع العراقي المنقسم والقلق والمتوتر على الدوام !. محكمة ( الشعب ) الخاصة التي كانت برئاسة العقيد الراحل فاضل عباس المهداوي والتي تشكلت بعد إنقلاب 14 تموز/ يوليو 1958 الذي أطاحَ بالعائلة الهاشمية المالكة  التي كانت في العراق إكتسبت شهرتها التاريخية ليسَ من المحاكمات التي حدثت في رحابها فقط بل من الدعاية المحتدمة التي كان يقودها إعلام  نظام   الرئيس      الراحل (جمال عبد الناصر) وخصوصا إذاعة (صوت العرب) ضدها وضد رئيسها  حتى  حولوهـا لمحكمة           ( قراقوشية )!! لكنها لم تكن كذلك في التقويم التاريخي المجرد للأمور، بل كانت محكمة عبرت عن لحظات تحول تاريخية نادرة في التاريخ العربي والعراقي، فالمتهمون الذين تشكلت من أجلهم تلك المحكمة وهم رجال النظام الملكي الذي أبيد بقسوة وتهور في ذلك الصيف البغدادي الساخن لا يصح إعتبارهم ووصفهم بالمجرمين من الناحية التاريخية الصرفة!، فهم لم يرتكبوا جرائم الإبادة الجماعية ضد الشعب العراقي والشعوب المجاورة، ولم يخرقوا المعاهدات والإتفاقيات الدولية، ولم يحفروا المقابر الجماعية للشعب وللمعارضين ،ولم يسرقوا ثروات العراق ويوزعونها على المحاسيب والرشوة القومية! وهم بالتالي كانوا يمارسون وظائفهم وفق ضوابط قانونية لم يتعدوها أو يقفزوا فوق القوانين، كل ذنبهم أنهم كانوا ضحايا للحرب الباردة وللصراعات العنيفة بين التيارات القومية واليسارية في تلك المرحلة التاريخية الحرجة، ولو عدنا وقلبنا صفحات التاريخ وأعيدت محاكمات مسؤولي النظام الملكي العراقي فستخرج النتيجة النهائية بالبراءة الشاملة لكل من أدين منهم ، فجريمة وزير الداخلية العراقية الأسبق ( سعيد قزاز) كانت إتهامه بإعدام قادة الحزب الشيوعي العراقي؟؟ والذين لم يصدر عليهم هو الحكم بل كان القضاء العراقي من فعل!! وفي ظروف تاريخية حرجة دوليا وإقليميا، ولعل كلمته وهو يتقبل قرار الموت التعسفي وحكم الإعدام الظالم تعبير عن حقبة تاريخية وإستشراف مستقبلي مدهش حينما قال: ( أنني سأموت وتحت قدمي رجال لا يستحقون الحياة )!!، أما المتهمون الآخرون ومنهم رئيس الأركان السابق (غازي الداغستاني) ورئيس الوزارة الأسبق (فاضل الجمالي)!! وغيرهم فهم لم يرتكبوا أية جرائم وكانت براءتهم الحقيقية تحرج تلك المحكمة والتي لم تنفذ غالبية أحكامها بل أفرج عن البعض ووضعت القضايا الأخرى على الرف، ولكن المثير في محكمة (المهداوي) كانت إستمراريتها لتأخذ في طريقها حتى قيادات الضباط الإنقلابيين الذين أسسوها ليحاكموا النظام الملكي فإذا بالمحكمة تحاكمهم وتصدر الإعدام بحقهم وينفذ فورا!! وهكذا أكل الإنقلاب العسكري أبنائه كما تفعل القطط الجائعة تماما!. وينقل لنا القاضي زهير في لمحاته عن سعيد قزاز بأن(( سعيد قزاز سلّمَ نفسه مختاراً الى السلطات العسكرية على أثر قيام ثورة 14 تموز يوليو1958 حيث أتصلَ تلفونياً بكلٍ من متصرف لواء بغداد ومدير الأستخبارات العسكرية فتمَ إرسال ثلةٌ من الجنود بأمرة ضابط عسكري الى داره حيث ينتظرهم وتم إعتقاله حيث قابلَ الزعيم عبد الكريم قاسم الذي أوعَده بتحقيقٍ نزيهٍ ومحاكمة عادلة وسيتطلب توقيفه مدة قصيرة ثم أقتيدَ الى الهيئة التحقيقية الخاصة بوزارة الدفاع)). لم يكنْ سعيد قزاز حتى آخر لحظات متوجساً من الموت وكانَ يعتبر نفسه بريئاً ولو كان يعرف بأن ملفه الوظيفي ملطخاً بالآصام والسواد لأختفى في ساعته وبلحظات دون أن يهتدي أحد الى مكانه،انه سلمَّ نفسه طواعية لوعد من قبل المرحوم عبد الكريم قاسم بأنه سيجرى معه تحقيق نزيه ومحاكمة عادلة ولكن الأمور والتأثيرات الجانبية أدّت الى تضخيم قضيته وثم مشيئته والأقدارفي مواجهة حبل المشنقه والذي ختم نهاية دفاعه بعد مثوله أمام المحكمة – بأنني لا أطلب الرحمة ولا الغفران من أي بشر كان بل أترك أمري الى الله وأصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين-. ويذكر القاضي زهير بأنَ العقيد فاضل عباس المهداوي كان(( معروفاً بإطلاقه الكلمات الجارحة والنكات ضد من يقف في قفض الإتهام من المتهمين مستغلاً المواقع وعندما حاول النيل من سعيد قزاز أجابه بتحذير: أترجاك بصورة خاصة أن لا تهين كرامتي لأني لا أقبل أحدا أن يهين كرامتي)). 
تعددت التهم وحكم الأعدام هو المطلبُ 
يورد القاضي زهير كاظم في كتابه قرار الحكم والإدانة الصادر من المحكمة العسكرية العليا الخاصة بأنه(( في 4 شباط 1959 الساعة العاشرة والنصف صباحا عادت المحكمة الى الإعقاد لإصدار الأحكام ،وقد أفتتح الرئيس العقيد فاضل عباس المهداوي الجلسة بإسم الله وبإسم الشعب. الرئيس المتهم سعيد قزازر. نودي على المتهم سعيد قزاز مع المتهمين الآخرين فأدخلوا القاعة وأدخلوا قفص الإتهام.وجاء في قرار التجريم وقرار الإحالة احيل المتهم سعيد قزاز الى محكمتنا بموجب أمر الإحالة المرقم 111 والمؤرخ6/11/ 1958 الصادر من القائد العام للقوات المسلحة ليحاكم بموجب الفقرة 3 من المادة 214 من ق ع ب والفقرتين دـه من المادة الثانية من قانون معاقبة المتآمرين وأحتفظت القضية برقم 70/ 1958 . وكما أحيل المتهم المذكور الى محكمتنا بموجب أمر الإحالى المرقم 118 والمؤرخ 21/11/ 1958 الصادر من القائد العام للقوات المسلحة ليحاكم بموجب الفقرة ه من المادة الثانيى من قانون معاقبة المتآمرين وأحتفظت القضية برقم 73/ 1958 ونظراً لترابط القضيتين وعلاقتهما بمتهم واحد فقد قررت المحكمة توحيدها وجعلها برقم 70/ 1958. ويستمر القاضي زهير في نقل وقائع وأجراءات محاكمة الراحل سعيد قزاز. بأن المحكمة أستمعت الى مطالعة هيئة الأدعاء العام ثم سألت المتهم عمّا يقول بصدد الإتهام الموجه إليه فأجابَ أنه بريء.أستمعت المحكمة الى شهادات الشهود، وأستأنست بشهادات 46 شاهداً لم تجدْ المحكمة لديها متسعاً من الوقت للإستماع الى شهاداتهم. ثم أستمعت المحكمة الى إفادة المتهم وناقشته حول التهم المسندة إليه ثم أستمعت الى دفاع وكيل المتهم وقررت ختام المرافعة. ولقد أتهمته المحكمة بناء على شهادات الشهود والمستمسكات وأفادة الراحل بخصوص كل تهمة منها:بخصوص تسهيله وتطبيقه لمراسيم أسقاط الجنسية العراقية.بخصوص تزوير الإنتخابات، بخصوص المظاهرات. وبعد أدانة سعيد قزاز من قبل المحكمة العسكرية الخاصة أصدرت المحكمة في يوم 4/3/ 1959 حكمها بأسم الشعب على الراحل سعيد قزاز بالأعدام شنقاً حتى الموت، وفق الفقرة 3 من المادة 214 من ق ع ب. ولقد صدر القرار بإتفاق الآراء وأفهم علنا.وبتنفيذ ذلك الحكم القاسي ستطوى صفحات شخصية مؤثرة وفاعلة في تاريخ العراق السياسي. ونترك بعد صدور الحكم للقاضي زهير ليبديَ رأيه وتعليقه القانوني حول حيثيات التهمة والإحالة وصدور حكم الأعدام والتكييف القانوني لتلك القضية. ورد في كتابه فصلا كاملا لتلك المناقشة القضائية ونأخذ من تلك المناقشة فقرات وسطور كي يطلعَ عليها القارئ الكريم. (( وحيث أن حُكم المحكمة الخاصة الصادر بتاريخ 4/2/ 1959 تضمنَ في الفقرة أولاً منه الحُكمَ على سعيد قزاز بالإعدام شنقاً حتى الموت ممّا يستوجب إستحصال موافقة القائد العام للقوات المسلحة لتنفيذ قرار الإعدام حيث إنَ هذا القرار قطعّي غير قابل للطعن تمييزاً أمام أية جهة فقد صادقَ عبد الكريم قاسم على تنفيذ قرار الإعدام تحت ضغطٍ شديدٍ من الجَماعات التي كانت تطالب إعدامه، فتم تنفيذ حُكم الموت بالرجل صبيحة يوم 20/ أيلول / 1959 في سجن بغداد المركزي وقد تم شنقه بطريقة غير إنسانيةٍ إذ قامَ المشرفونَ على تنفيذ الإعدام بقطع الحَبْل َبْعَد توتره وقبلَ أنْ يلفظَ سعيد قزاز أنفاسه الأخيرة، ثم أُعيدَ شنقه مرةً أخرى وتمَ نقل جثمانه من قبل ذَويه بعد إستلامه من الطّب العَدلي في بغداد العاصمة حيث دفن بصمتٍ وهو يرقد الآنَ في قبرٍ ضمن مقابر مدينة بغداد قرب منطقة باب المعظم)) . ويستمر في مناقشته القضائية - والمحكمة التي أصدرت قرار الحكم هي محكمةٌ خاصةٌ فلا هيَ محكمةٌ عسكريةٌ ولا هيَ محكمةٌ مدنية وبذلك أضاعت الطريقين، بل تعاملت مع القضية بشكل ٍعادي وعلى هذا الأساس فإن قرار التجريم الصادر من المحكمة يخلو من المنطق الإقناعي وإن الأدلة المتوفرة ضد المتهم سعيد قزاز غير كافية لإدانته وفق أحكام الفقرة 3 من المادة 214 من قانون العقوبات البغدادي لذا فإن الفقرة الأولى من قرار الحكم الصادر بتاريخ 4/ 2 1959 مخالفة للقانون وللأصول وللمنطق وإنها ألصقت بسعيد قزاز تحت تأثير الهتّافين الذين ليسَ لهم أية صفةٍ قانونيةٍ في داخل قاعة المحكمة. وقد أستعملت كلماتٌ بذيئةٌ وتافهةٌ صدرت من المستمعين ضد المتهم داخل قاعة المحكمة، ولم يتم منعهم من ذلك وأفترى بواقعة غير صحيحةٍ ضد سعيد قزاز وتمت مقاطعة دفاعه أكثر من مرة وكانت تشكيلة المحكمة كونها محكمة عسكرية تفتقد للفهمِ القضائي والقانوني المطلوب في الهيئات القضائية، وعلى إعتبار أنَ جميع أعضائها ورئيسها لم يدرسوا القانون ولا أساليب العمل القضائي ولا فن الصياغة القانونية ولم يتعرفوا على نصوص القوانين التي تنظم عمل المحاكم وأصول العمل القضائي، بإستثناء المدعي العام السيد ماجد محمد أمين. مع وجود القضاء العراقي العادل والنزيه لا يوجد ما يبرر تشكيل المحكمة العسكرية الخاصة التي أثبت عملها عدم معرفتها بأبسط القواعد القانونية ، حيث قام رئيس المحكمة بتحليف المتهم سعيد قزاز أكثر من مرة والمتهم لا يمكن تحليفه مطلقاً على عمل أتهم به. وحينما لم تسمع المحكمة لشهادات 46 شاهد بسبب أنها لم تجد متسعاً من الوقت لتستمع الى شهاداتهم في قضية عقوبتها الإعدام ، إضافة الى دفاع وكيل المتهم الذي أنتدبته المحكمة للدفاع عنه – المحامي صلاح الدين محمد الذي يقول بان ان المتهم أستجار به فآجره وأنه أضطر مكرهاً الى الدفاع عن المتهم وأمثاله وأنه لن يطلب البراءة أو الرأفة لسعيد قزاز بإعتباره مؤتمناً على حياته وف نصوص قانون أصول المحاكمات الجزائية وما يمليه عليه الضمير وأخلاق المهنة فلم يكن في موقع محامى الدفاع إنما تقمص مهمة محام الإتهام. إضافة الى النقد الذي وجهته جريدة إتحاد الشعب الناطقة بإسم الحزب الشيوعي العراقي بعددها المرقم 190 في 4/9 / 1959 حول الهتافات داخل المحكمة ونفت علاقة الحزب بها. ورغم ورود جواب من كافة مديريات الشرطة في الألوية العراقية تنفي وجود أوامر أو برقيات من وزير الداخلية سعيد قزاز تقضي بإستعمال الرصاص أو العنف في التصدي للمظاهرات وعلى هذا الأساس فإن الأسس التي أرتكز عليها قرار الحكم الخاص بسعيد قزاز غير قانونية ولا تصلح للإدانة.ويسرد القاضي زهير في سير مناقشته القضائية حول مسألة الحكم المجحف الصادر بحق الراحل سعيد قزاز- ويمكننا القول بأنَ سعيد قزاز تمت إدانته بتهمٍ باطلةٍ مما يقتضي النظرَ بعين الإعتبار لإعادة محاكمته ولإصدار القرار القضائي العادل بما يتناسب مع التهم الحقيقية في القضية مع إننا لا ننفي تحمله جزء من مسؤولية الأفعال حينها ولكن لا يمكن تحميله لوحده أخطاء الحكم الملكي كلها أو الجرائم التي أرتكبت في عهده.ويستأنس ي ضمن مناقشته القضائية بآراء مجموعة من المحامين والحقوقيين و ينقل عن المحامى عبد القادر الدبوني – بأن محكمة المهداوي لم تكن محكمة بالمفهوم القضائي ، والقضية ضد سعيد قزاز كانت على ما عتقد ملفقة ومجسمة ومقصود بها ضرب أركان العهد المباد ، إن قرار التجريم كان واهياً وقرار الحكم كان جائراً ونزاهة المحكمة معدومة والعدالة غائبة عننها كلية منذ البداية حتى الختام. ويقول الأستاذ المحامى محمود الجلبي إن سعيد قزاز تحدى محكمة المهداوي معتزا بنفسه مدافعاً عن كرامته مؤمناً باله وبالمصير. وينقل على لسان الأستاذ الراحل جرجيس فتح الله المحامى - أستطيع أن أعدد لك أسماء نظائر للعبدي كثيرة قلدتهم ثورة 14 تموز مناصب هامة لم تكن مسؤوليتهم عن قتلى المظاهرات بأقل من مسؤولية القزاز بفرض إعتبارها مسؤولية قانونية. ويعلق القاضي في ورقته القضائية القيّمة بالقول- ومما يؤكد تعسف المحكمة وعدم عدالة القرار، عدم إلتفات المحكمة الى جميع أسباب الرأفة ، فالمتهم كان قد خَدمَ الوظيفةَ العامةَ أكثرَ من ثلاثةٍ وثلاثين سنة.إضافة لذلك فهو قد عبَرَ الخمسين من العمر وأنه خدم الوظيفة دون أنْ يقترفَ أيةَ مخالفة قانونيةٍ أوإنضباطية، ومما يجعل العدالة غائبة فإن محامى الدفاع لم يواجه المتهم لتنويره بعضَ الحقائق المثارة في المحكمة وتحوّلَ وكيل الدفاع الى وكيل إتهام ضد المتهم. ونَسِيَ القائمونَ بالمحكمة مبدأ أساسي وهو أنَ المتهم بريءٌ حتى تثبت إدانته الاّ إن المحاكمةَ جرت منذ البداية بشكل غير أصولي وغير حيادي. فالمتهم مدانٌ ولم يستطع أحدٌ إثبات براءته.ولا أعتقد أنه يختلف إثنان في العراق بأن موقف القزاز بما أسفر عنه من نتائج موقفٌ يوصفُ بالشّجاعة والكبرياء، ومن موقعِ الواثق من نفسه. ولا يختلف إثنان بما فيهم المهداوي رئيس المحكمة من أن سعيد قزاز كانَ نزيهاً وعادلاً ويشغل المنصب الذي يستحقه. وإذا كانَ لابُدَّ من تقييمِ عامٍ لما جرى مع سعيد قزاز فلا أزيدَ على أن أقولَ أنه كانَ مَجْنيّاً عليه وليسَ مُتهماً. 

سطور من الأيام الأخيرة في حياة سعيد قزاز 
يقول القاضي زهير كاظم عبود في الفصل الرابع والأخير في كتابه والمتعلق بالأيام الأخيرة من حياته(( تختلج أعماق المرء أحاسيسٌ وإنفعالاتٌ خاصة حينما يعرف أنَ لحظات نهاية حياته قد أقتربت فقد يتمسك بالحياة ويتحول الى شخصٌ منهار مسكين أو يقوم بطلب الرّحمة والمساعدة من سجّانيه أو ممن لهم سلطة الأمر بإعدامه ويتعامل برقة مع زملاء زنزانته ، أو أنه ينتظر لحظة الخلاص والأمل من أية بارقة أو حلم يتصورها ستحدث بعد لحظات. ومن يتعايش مع هذه اللحظات ينقل بصدق اللحظات أوالأيام الأخيرة من حياة سعيد قزاز، لقد كانَ سعيد قزاز جريئاً وشجاعاً في محكمة المهداوي، وبعد أنْ صَدرَ عليه الحكم بالإعدام كانَ صلباً وشجاعاً ومؤمناً بقدر الله سبحانه وتعالى وإنَ صلابته أحياناً تتخطى المعقول )) . ويضيف القاضي بأن سعيد قزاز (( كان مثقفاً يجيد اللغة الإنكليزية وقد شاهده العقيد المتقاعد السيد الصفار وهو يطالع كتاب جواهر لال نهرو لمحات من تاريخ العالم باللغة الإنكليزية وأنه تدرج بالمناصب الإدارية بجدارة من مدير الناحية حتى وصل الى وزير الداخلية. وعندما ألقى المرحوم سعيد قزاز دفاعه في محكمة المهداوي وعند عودته الى السّجن سأله السّيد الصّفار عن أسباب هذا الدفاع الحاد والرّد القوي على رئيس المحكمة فأسر السيد الصفار والحديث للمرحوم قزاز، أثناء ما كانَ في قفص الإتهام في محكمة المهداوي كانَ يشاهد العقيد وصفي طاهر مرافق عبد الكريم قاسم والذي كان قبلها مرافقاً لنوري السعيد يجلس متشفياً في المقصورة المخصصة لجلوس المِلك لمشاهدة سعيد قزاز في قفص الإتهام حيث إنَ محكمة المهداوي تنعقد في بناية البرلمان القديم الملاصق لوزارة الدفاع وإنه أي سعيد قزاز كانَ يقصد بكلمته الشهيرة بأنه لا ترهبه المشنقة وعندما يصعد عليها سيرى الكثيرين ممن لا يستحقون الحياة تحت أقدامه أنه يقصدُ بها وصفي طاهر. وقد تم نقله في زنزانة إنفرادية بعد إلقائه الدفاع وطلبوا منه الإعتذار من هيئة المحكمة الاّ أنه أصرَّ على عدم الإعتذار ثم تمت إعادته الى قاعته الأولى مع زملائه. وعندما أبلغوه بالتنفيذ قام يودع السجناء منتصب القامة بشوشاً يصافح بقوة تنم عن إيمان كبير وقام بالسّلام على جميع زملائه وسجّانيه ، وفي اليوم الثاني حضرت عوائل كثيرة الى باب السجن لتوديع أبناءها وكان من ضمن من حضر لتوديع سعيد قزاز زوجته وأبنته وزوجها وإنه طلب من السجّان رئيس عرفاء ونّاس أن لايسمح لعائلته بالمواجهة ويخبرهم أنه يرفض مواجهتهم الاّ إن السّجان وقعَ في حَيْرةِ وإرتباك وحَرَجْ. فالنساء تبكي واللحظات نهائية وأخيرة وبعد إلحاح السّجناء قامَ السّجان بادخال عائلته وكانت إبنة سعيد قزاز تسب وتشتم حكومة عبد الكريم قاسم بينما كانت زوجته تبكي وقد ودّعهم بعيداً عنهم في زاوية الزنزانة وكانَ يتكلمُ معهم بالكوردية وطلب منهم الذهاب بسرعة وتركه يواجه مصيره المحتوم)).ويقول الباحث بصدد تركة الراحل سعيد قزاز (( لم نعرف أن لسعيد قزاز إرثاً عائلياً أو أملاكاً عقارية في السليمانية وحتى في بقية مناطق العراق التي عمل بها وليسَ أكثر دلالة على هذا ما أورده المؤرخ حنا بطاطو في مؤلفه العراق الكتاب الأول حينَ لم يذكر إسم سعيد قزاز من بين الأسماء الواردة في الجداول الخاصة بتملك الأراضي الزراعية لرؤساء الوزارات والوزراء العاملين في العهد الملكي.إضافة الى عدم تركه عقاراً مسجلاً بإسمه ملكاً صرفاً بعد وفاته يمكن أن نعتبره من ممتلكاته العائلية ولهذا نستطيع الزعم بأنه لم يكن مبالياً بإنماء ثروة له سواء عن الطريق المشروع سيّما وإنه عملَ مدة غير قليلة بوظائف إدارية عالية توفر له دخلاًّ جيّداً يمكنه من توفير الكثير مع وجود عائلته الصغيرة أو عن الطريق غير المشروع الذي لم يسلكه أبداً. لم تكن هذه العائلة الصغيرة مرفهة ولم تستفد من مركز رب أسرتها الوزير المزمن بوزارة الداخلية ولم تتمتع بسفرة الى خارج العراق بل لم يذكر أحداً عن ظهور زوجة وإبنة سعيد قزاز ظهوراً لافتاً للنظر في مدينة بغداد حينما عمل كوزيرٍ أو في الألوية العراقية حينما عملَ بصفة متصرفٍ أو موظف إداري مما يزيد المرء حيرةً عدم تمكن هذه العائلة الصغيرة من تملك بيت يتناسب مع مكانة الوزير في حين بقي الوزير مستأجراً لبيوت حكومية قديمة تم إخلائها بحكم القانون بعد ثورة 14 تموز 1958 لتستأجر العائلة دراً مستقلةً من النوع النمطي المألوف. راتب الوزير في العهد الملكي ما يكفي عائلته ويوفر له إمكانية شراء دار أو بناء دار حديثة في ذلك الزمان ولكن ماذا خلّفَ سعيد قزاز لعائلته؟.ويستمر القاضي زهير كاظم في نهاية الفصل الرابع والأخير من كتابه في ذكر الجوانب المخفية والمضيئة من حياة الراحل سعيد قزاز بالقول: الكثير ممن ألتقيتهم أكدوا لي بأنَ سعيد قزاز لم يتخلَ عن قيمه وأخلاقه الكردية الأصيلة وهو ليّنٌ من غير ضعف وشديدٌ من غير عنف.ولم يكن سعيد قزاز إنعزالياً أو يعيش من خلال عُقْدةِ معينةِ فقد كانت علاقاته الأجتماعية تثبتُ عكس ذلك فقد كانَ إ جتماعياً يُحبُ المَرحَ وتجمع الأصدقاء والسّهر معهم أكثر الأحيان إضافة الى إمتلاكه ثقافة لا يستهان بها تدّل على مطالعاته المستمرة ومتابعته لشؤون الأدب والسياسة والصحافة والشّعر والثقافة بشكل عام.ويورد شهادة جديدة تتطابق مع السيرة الذاتية لموضوع البحث وعرضاً أميناً لوقائع صادقة مع التاريخ ما أدلى به الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري ليصف سعيد قزاز بأنه الرجل القوي والعفيف والشديد بمحاسبة المقصرين، العفيف الصّفة التي أفتقدناها في هذا الزمان . الصّفة التي أجمعَ عليها كل من ألتقيت بهم للتحدث عن سيرة سعيد قزاز تعمدتُ أن أسرد ماكتبه من لم يكن مع سعيد قزاز على وفاق أو ممن كانَ يتعارض سياسياً مع مفاهيم وسياسة سعيد قزاز، لكن شهاداتهم جاءت لصالح سعيد قزاز مما يدلل فعلاً أن الحقيقة لا تغيب وإن غابت بتعمدِ أو لظرفِ ما فالى فترة قصرت أم طالت لكنها ستظهر واضحة للعيان.وعلى لسان الأستاذ عبد القادر البريفكاني ينقل في الكتاب بأن السيد مسعود البرزاني كان طفلا صغيرا حينما زار سعيد قزاز متصرف لواء الموصل مع أهله من الكبار حول إخلاء سبيل بعض رجال البارزانيين الذين ثاروا على السلطة وكان السيد مسعود يتمتع بجرأة تفوق عمره لما يتمتع به من نباهة وذكاء غرسها فيه والده الزعيم مصطفى البارزاني رمز الحركة الكردية، فقد أقترب من المنضدة التي كان يجلس خلفها المتصرف وحينَ كان الكبار منشغلون سأله السيد مسعود عن أسباب إعتقال أهله وعن أسباب عدم إخلائهم من السجن؟ فما كان من سعيد قزاز الاّ أن يسحب أحد أدراج مكتبه ليستل منها قلماً من الحبر قدّمه هديةً متواضعة الى السيد مسعود البارزاني الذي فرح بتسلم هدية المتصرف ثم قام السيد سعيد قزاز لمخاطبة مسعود البارزاني من أنه يعرف أن للأكراد حقوقاً لكن العنف والسّلاح والقوة لن نجلب لهم حقوقهم فقط، هذا القلم من سيحل مشاكلهم ويكسبهم قضيتهم، وبقي السيد مسعود البارزاني يحتفظ ربما الى الآن بهذا القلم الجميل. هو يعرف أن لقومه حقوقاً وهو يعرف أيضاً أن هذه الحقوق مغموطة لكنه يؤكد بأن القوة والعصيان والتمرد لن تضع حلاّ لمشكلتهم، هذه وجهة نظره قبلَ أكثر من 40 سنة فالى أي عمقِ يشير سعيد قزاز ليضعَ مفاهيم ينادي بها الزمن بعد هذه السنوات الصعبة. ويضيف في نهاية تقيّيمه لشخصية سعيد قزاز بالرغم من طغيان شخصية الموظف الإداري على شخصيته المجردة إذ أنه كان يتابع ذلك على الرغم من محنة الحكم والسجن.فإنه لم يستطع مسح بعض الصفات الإنسانية التي يتمتع بها فتطغي أحياناً صفاته الإنسانية – الكردية النبيلة – فيقدم الخدمات التي تصل لحد الخرق القانوني ويقدم النصائح لأصدقائه حتى لو كانت هذه النصائح لأعداءه السياسيين فيبرهن بأنه عراقي يرتبط فعلاً بقيم وأعراف هذا البلد. وسعيد قزاز كردي القومية يعتز بإنتسابه لهذه القومية وعلى الرغم من أنه يعتبر من أعلام الكرد في العراق الاّ أنه لم يلقَ ذلك الإهتمام بشخصه وسيرته وذكراه مع أنني وجدتُ كل التقدير والحُب له من جميع الأخوة الأكراد الذينَ إلتقيتُ بهم أثناء كتابة هذه السيرة، وقد تلتفت أحدى مؤسسات الكرد للإهتمام بذلك بما تملك من قُدرةِ وإمكانية وتماسِ بموضوع البحث.وفي الصفحة الأخيرة من كتابه القيّم يؤكد القاضي عبود على مظلومية سعيد قزاز، ليثبت للتاريخ وللضمير الإنساني وللأجيال القادمة بأن العدالة لا تموت وإن غابت لأسباب قاهرة وعند زوال تلك الأسباب والمسببات وستنجلي شمس الحقيقة ولا يمكن لغيوم الضغائن السوداء من حجبها. من خلال مراجعتنا المتأنية للكتاب نستطيع القول بأن القاضي زهير كاظم عبود قد توفق كباحث محايد وكقاض متمرس في كشف الكثير من الجوانب المخفية في قضية محاكمة وتنفيذ حكم الإعدام الصادر من قبل هيئة المحكمة العسكرية العليا. وأنه أنصف بنظرته القانونية المحايدة سعيد قزاز ذلك الوزير الراحل من خلال هذه الجمل التاريخية(( وما دامت الأسس التي قامت في حينها لإصدار الحكم بالموت على سعيد قزاز والتي تم الإرتكاز عليها غير قانونية ولاتصلح للإدانة. تبرز أمامنا مهمة قد تبدو جديدة في واقع العراق السياسي الحديث، الاّ إن هذه المهمة ستكون من مهام رجال القانون والقضاء حينما يعود القانون والدستور والسيادة للعمل في العراق بعد أن زال حكم صدام حسين وطغيانه وإنتهاء عملية إنتهاك القانون والدستور والتفريط بسيادة وكرامة العراق، ستبرز مهمة القضاء الحيادي العادل في إعادة محاكمة بعض من تم تجريمهم من دون أساس قانوني وإصدار القرار القضائي العادل وفق التهم التي تمت محاكمتهم بموجبها وعلى غرارما يحدث في هذا العالم المتمدن حينما تدور دورة الومن ويتم إكتشاف حقائق تتطلب إعادة المحاكمة والمسألة إعتبارية تدخل في صلب حياة العراق. وما بين عام 1959 وعام 2004 فترة عصبة عاشها العراق وقد رحل الكثير من شهود الأحداث عن هذه الدنيا ولكن الحقيقة كما قلنا هي العمود الفقري للتاريخ فقد تغيب بعض الوقت الاّ أنها حتماً ستبرز واضحة وصريحة سيّما وإن الكثيرمن شهود الأحداث قد سجلوا شهاداتهم التي نشرت.ولأن سعيد قزاز لم يكن بطلاً قومياً يمكن الإحتفاء به، ولا خائناً عَرَضَ الوطنَ للذّل والتقطيع فقد كانَ واضحاً وصريحاً ومؤثراً بأحداث العراق السياسية ومتأثراً بها لذا فإنَ بحثنا هذا لا يمكن أن يشكل بادرة لأعادة الإعتبار للرجل لأي سبب كان وإنما دعوة مخلصة لإعادة السّرد التاريخي للعراق بشكل مجرد خالِ من العواطف والإنحياز.والكل مدعو لمد يد العون في هذا السرد خدمة للعراق والتاريخ والحقيقة والأجيال القادمة لنتمكن من قراءة الأحداث وتحليل الشخصيات بقلبِ وضمير مفتوح. 

الأنحياز أبداً للحقيقة في كتابة تاريخ السيرة 
من حق كل قاريء جيد والذي يهمه إستجلاء الحقائق بعيداً عن منحنيات الهوى أوالتمايل نحو المحابات وظهرأي مركب كان. لقد درسونا التاريخ منذ الطفولة، وفي مراحل الدراسة ولكن لم نفهم بوعينا وأدراكنا بقدر إدراك ووعي معلم تاريخنا نفسه. إذا صبّ جام غضبه على شخصية هو يعاديها وويرغمنا في تلك الطفولة البريئة أن نقتفي أثره في كيل اللعن والغضب تارة بطاعة عمياء منّا وتارة أخرى تحتَ تأثير المحيط المكهرب بالمفهوم الخاطيء لسياسة الرأي الآخر. الذي يناهض الفكر السائد سواء كان فكراً شمولياً أو وطنياً أو أية أفكار أخرى راسخة في ذهنية المعتنق.ولدى قراءتنا المتواضعة لكتاب القاضي زهير كاظم عبود المنشور لمحات عن سعيد قزاز المطبوع من قبل وزارة الثقافة حكومة اقليم كردستان في السليمانية ومن ضمن سلسلة مطبوعات المديرية العامة للطباعة والنشر التابعة لها، خرجنا فيها بملاحظات جاءت جلّها بين ثنايا العرض المكثف للكتاب ونُسجل ثانية تقديرنا الجمّ لقلمه بأنه أبداً سبّاقٌ لقول الفصل وبيان الحق في سجل من نسيهم التاريخ المجحف كشخصيات كانوا أو أقوام أو أقليات. هذا السبيل الصعب قلما تجد مَنْ يَسْلكه دونَ مَطمعٍ أو مَغْنم وهذا ما لم نجده لدى مؤلف كتاب لمحات عن سعيد قزاز والشبك واليزيديين والصابئة. وإنَ كتابته حول تصحيح الحقائق وتقويم الأعوجاج في سير من شوّهوا حقيقة سعيد قزاز كرجل سعى الى تطبيق القانون في حقبة زمنية صعبة وفي موقع وزاري سيادي وكما أشار إليه آنفاً -اذا ما تجردنا من الإنفعال في تشخيص وتقييم سعيد قزاز يمكن أن ننتهي الى كونه نموذجاً للسياسي والإداري التقليدي الذي يطغي عليه إخلاصه للحكم الملكي وما تفرضه عليه بيئته الإجتماعية وما ترسخ في عقله من قيمِ ومفاهيم وأعراف بقي يتمسك بها حتى اللحظات الأخيرة في حياته-. ولا بد أن نشير الى الشيء الذي عكر وللأسف صفو قارئ الكتاب هو كثرة الأخطاء المطبعية في الكتاب ولا يمكن للقارئ أبداً أن يغفر للمطبعة خطئها والتي شوّهت بدون عمد جهود المؤلف ولم ينتبه المشرف على الطبع الى تعبه الجميل من أجل تدوين سيرة سعيد قزاز وفق نهج معلوماتي تاريخي جديدبعد إعتماده على العديد من المصادر التي أغنت موضوع بحثه.و نوّد هنا أن ننوه الباحث بأن إعتماده على المصادر العربية لا تكفي في معرفة كل الحقائق المتعلقة بسيرة سعيد قزاز. وربما هناك العديد من المصادر الأخرى المكتوبة باللغات الأجنبية، وخصوصا باللغة الأنكليزية. أنهم حكموا العراق لمدة تزيد على أربعة عقود، وحتما إن خزانتهم وأرشيفهم تحتفظ بالكثير من تلك الوثائق المهمة التي تتعلق بسيرة سعيد قزاز وأمثاله من رجال العهد الملكي. وأرى أيضاً من المستحسن تثبيت ملحق مختصر في نهاية الكتاب للتعريف بأسماء الوجوه والشخصيات والأماكن التي وردت في ضمن الكتاب.أونشر بعض الصور التي تتعلق بشخصية صاحب السيرة. نسجّل مجدداَ تقديرنا لجهده المبذول من أجل الحقيقة، وكما جاءت في مقدمة الكتاب بأنها هي التي تتكلم عن ذاتها مهما كانت منسية ولا مجالٌ فيها للتأويل.  
http://www.iraqoftomorrow.org/wesima_articles/civil_studies-
وكتب المحامي فارس عبد الستار البكوع من الموصل  مقالا يقول فيه : 
( نشرت جريدة التآخي البغدادية الصدور والكردية الجذور عرضا لكتاب (سعيد قزاز ودوره في سياسة العراق) بعددها 4312الصادر يوم 15/9/ 2004 وعلى صفحتها السابعة ويتبين من العرض انه دراسة أكاديمية في الأصل لنيل الإجازة العلمية العليا في التاريخ المعاصر من أحدى الجامعات العراقية وقد تم التركيز في عرض ومناقشة الكتاب التركيز وإبراز شخصية المرحوم سعيد قزاز باعتباره شخصية من الشخصيات الكردية التي تركت أثرا طيبا في تاريخ العراق السياسي وحسب. وفي رأيي المتواضع لو كان سعيد قزاز على قيد الحياة وطالع المكتوب والتأكيد على كرديته فقط لرفض هذا التقييم وشجبه وذالك لسبب بسيط كونه عراقيا أولا وأخيرا والمتتبع لمسيرة هذا العملاق الإدارية والسياسية ولحين محاكمته امام محكمة الشعب( المهداوي) سيلاحظ ويقتنع بذلك فكل الذين عاصروا هذا الرجل عن قرب لم يجدوا فيه تعصبه أو تركيزه على كونه كرديا من عدمه بل وجدوا فيه الاصالة والوطنية العراقية وشديد حبه لهذا البلد الطيب. وبعد هذا الإيجاز البسيط لابد من ذكر الأسباب والمناسبة للكتابة عن هذا الرجل العملاق وأقول: 
منذ  فترة ليست بالقصيرة تراودني فكرة الكتابة عن الشخصية العراقية الوطنية سعيد قزاز رحمه الله لكثرة ما سمعت عن حنكتة و نجاعة إدارته وحزمه في اتخاذ القرار المناسب وفي الوقت المناسب. أقول سمعت عن هذا الرجل ومآثره وأنا في عمر المراهقة وبداية مطالعتي وشغفي بالصحف والأدب والتاريخ بصورة عامة وتاريخ بلدي ومدينتي الموصل بصورة خاصة فضلا عن مجالستي ومعرفتي لعدد غير قليل من رواد الصحافة والفكر والسياسة ومثقفي مدينتي لاحقا من أمثال الأساتذة عبد الباسط يونس النشط الرائد في مجال الصحافة الموصلية والأستاذ غربي الحاج احمد الصحفي و الوزير والمحامي رحمة الله عليهما وكذلك الأستاذ الفاضل المحامي والصحفي الرائد محمود ألجلبي أطال الله في عمره ومتعه بالصحة والعافية غيرهم كثير ممن عاصروا هذا الرجل وكان لهم معه أكثر من وشيجة. 
وشخصيا فتنت بهذه الشخصية رغم عدم معاصرتي لها كوني ولدت في ستينات القرن الماضي إلا ان حبي لهذا الرجل كانت من خلال المطالعة والاستماع فقط ولا اكتمكم القول ان الحافز الرئيس والمهم إضافة لما تقدم أعلاه مناقشة وحوار هادئ جرى بيني وبين احد الزملاء والأخوان ممن يحسبون أنفسهم ضمن التيار الكردي المعتدل ولااظنه كذلك. وكانت مناسبة هذا الحوار هو استقالة أو إقالة محافظ الموصل الأسبق السيد غانم البصو وفتح باب الترشيح لمنصب المحافظ ووفق شروط تم وضعها من قبل مجلس المحافظة وكان من بينها ان يكون المرشح عربيا ومن مدينة الموصل حصرا حيث كان اعتراض زميلي المهندس والمثقف الكردي (لماذا لا يكون محافظ الموصل كرديا؟!) وكان متزمتا في فرض رأيه وعندها أدركت ان صديقي المهندس يجهل الكثير من تاريخ هذه المدينة التي يقطن فيها ويعمل في احد دوائرها منذ  فترة ليست بالقصيرة. وأجبته بكل هدوء ان محافظة نينوى اولواء الموصل سابقا ومنذ  نشوء الدولة العراقية الحديثة في عشرينيات القرن الماضي ولغاية 9/4/2003 لم يعين فيها متصرفا أو محافظا من مدينة الموصل باستثناء اثنين الأول اسمه سعيد الشيخ حيث عين محافظا للواء الموصل فترة ستينات القرن الماضي وتحديدا فترة عبد الرحمن عارف والثاني الفريق الركن عبد الجواد ذنون في بداية التسعينيات بعد حرب الخليج الثانية وقيام السلطة بعسكرة وزارة الداخلية والمحافظين وكان يتناوب على إدارة المحافظة أو المتصرفية العديد من الشخصيات العراقية ومن مختلف القوميات ومن شتى أنحاء العراق فعمل في إدارة محافظتها الكردي والعربي والتركماني وابن الشمال والوسط والجنوب ولحين انهيار النظام في 9/4/2003 حيث كان المحافظ رجل عسكري من جنوب العراق وبعدها حدث الذي حدث وتولى إدارة المحافظة مجلس محافظة يمثل كافة الشرائح الاجتماعية والدينية والقومية وينتخب محافظا من أهالي الموصل ووفق شروط ومؤهلات معينة لا مجال لذكرها كما إنني لست بصدد تقييم هذه التجربة من عدمها ولكن أركز على الناحية التاريخية لدحض ادعاء زميلي وصديقي الكردي ليس ألا. 
فترات مميزة للمحافظة: 
ولعل من الموضوعية ان نذكر فترات مميزة في تاريخ هذه المحافظة ابرزها الفترة التي تولى إدارتها المرحوم سعيد قزاز لما تركه من بصمات طيبة وناصعة في تاريخ مدينتي الموصل. وشرحت لزميلي إنجازات وأفعال هذه الشخصية وأثرها في نفوس أهالي المدينة لحد ألان والتي تترحم عليه كلما ذكر. وعندها بهت ولم يعلق على شئ. 
وصفت فترة عمل هذا الرجل في الموصل بالفترة المميزة وبناء على هذا التوصيف سأذكر بعض مآثر سعيد قزاز الموثقة والمعروفة لدى ألقاصي والداني وقبل التكلم عنها لابد لي من التطرق إلى لواء الموصل في عهد المرحوم سعيد قزاز من الناحية الإدارية والجغرافية وكذلك السكانية. 
أما من الناحية الإدارية والجغرافية فكان اللواء يبتدئ من تكريت جنوبا إلى زاخو شمالا أي انه كان يضم ثلاثة محافظات وهي صلاح الدين ونينوى ودهوك مع قسم كبير من أقضيتها ونواحيها وعليه كان لواء متعدد الأعراق والأديان والقوميات هذه الاثنيات أفرزت في بعض الأحيان احتقانات بين الإدارة وهذا النسيج الاجتماعي أو بين هذه الاثنيات وكان له الدور الحاسم في اتخاذ الإجراء المناسب وفي الوقت الناسب أيضا ولعل حسن إدارته رشحته ليكون وزيرا للداخلية فيما بعد. 
من اشهر ما يروى عنه وعن شجاعته القضية الشهيرة باعتقاله للشيخ والنائب في العهد الملكي (ديوالي اغا الدوسكي) وهو شيخ من مشايخ الأكراد في قضاء دهوك وكذلك نائبا في البرلمان العراقي عن هذا القضاء أيام ارتباطه إداريا بلواء الموصل فضلا عن جبروت هذا الشيخ الناتجة من مركزه الاجتماعي هناك وقد اتهم هذا الشيخ بقضية جنائية وصدر أمر بالقبض عليه إلا انه استعصي تنفيذ القبض لخشية الشرطة منه ومن أتباعه وعندها انبرى سعيد قزاز شخصيا لتنفيذ أمر القبض بحق الشيخ ديوالي بعدما استحصل الموافقة الأصولية بإسقاط الحصانة البرلمانية عنه وخرج إليه مع عدد قليل من أفراد الشرطة من الموصل إلى دهوك وألقى القبض عليه ووضعه في الحوض الخلفي (للمسلحة) وهو مقيد وسار به في السوق وأمام أنظار الناس واتجه به إلى الموصل وأيضا وبنفس الطريقة قامت مفروزة الشرطة بإنزاله في سوق المدينة واقتياده إلى المركز العام وأمام الأشهاد ليكون عبرة لكل من يعصى القانون ويتمرد على الدولة وليفهم الجميع ان القانون فوق الجميع ولا مجال هنا لذكر تفاصيل هذه الحادثة وردود أفعال الناس تجاهها. 
وحادثة أخرى رواها  لي الأستاذ المحامي والصحفي محمود ألجلبي متعه الله بالصحة وأطال عمره عندما قال لأحد الشخصيات الكردية المرموقة والنافذة في الموصل بعد اتهامه بتهمة جنائية (إنني استنكف من إرسال شرطيا معك إلى المركز لتوقيفك) اذهب لمركز الشرطة وقل لهم إني موقوف. 
وفعلا خرج هذا الشيخ من مبنى المتصرفية إلى مركز الشرطة وقال لهم إنني موقوف بأمر المتصرف. ويضيف الأستاذ محمود ألجلبي في سنة 1948 كنت في قضاء سنجار لحضور دعوى توكلت فيها هناك وكانت الأولى لي خارج مدينة الموصل بعد تخرجي وعملي في المحاماة وصادف وجودي هناك حدوث حالة من التمرد ومشاكل في القضاء. فإذا بي أشاهد المتصرف سعيد قزاز حاضرا بنفسه رغم خطورة الموقف ضمن تلك المنطقة واستطاع بحكمته وحزمه إنهاء الإشكال بعدما عجز عن حله القائم مقام، ويقول أيضا تطورت علاقتي مع سعيد قزاز بحكم عملي في الصحافة وصاحب جريدة في ذلك الوقت وكنا نتفق ونختلف نتيجة الطرح الصحفي إلا ان هذا لم يؤثر على علاقتنا وقد قلت له والكلام لا يزال للأستاذ محمود ألجلبي ( من يعمل في لواء الموصل وينجح في عمله وإدارة اللواء يكون مستقبله وزيرا) إلا انه كان يعتبر ذلك مجاملة أو على سبيل المزاح وتدور الأيام ويقع الاختيار على سعيد قزاز ليصبح وزيرا وفي أية  وزارة( وزارة الداخلية ) والتي تعتبر من أدق واعقد الوزارات وبقي وزيرا للداخلية رغم تغيير رئيس الوزراء لأكثر من مرة لغاية قيام ثورة 14 تموز 1958. 
سعيد قزاز وزيرا: 
عمل سعيد قزاز وزيرا للداخلية بذات النهج والحزم في إدارته عندما كان متصرفا للموصل واستطاع ان يفرض النظام والقانون في ربوع العراق وكان ديدنه حبه للعراق والعراقيين ووطنيته النابعة من حبه لهذا البلد ولم يذكر عنه افتخاره بكونه كرديا رغم كونه من عائلة معروفة وعريقة في السليمانية واعتقد انه من عشيرة الجاف وحتى عندما مثل أمام محكمة الشعب كان يقول ويردد انه عراقي ويعتز بعراقيته وخدمته للعراق. 
ولعل من أهم إنجازاته كوزير للداخلية سيطرته على العاصمة بغداد آبان الفيضان الذي اجتاح بغداد في بداية خمسينيات القرن الماضي وكذلك معالجة هذه الكارثة خصوصا بعدما طرحت فكرة نقل عوائل بغداد من جانب إلى أخر تفاديا للغرق وما رافق ذلك من انتشار الغوغاء وترويج الدعايات لغرض العبث والسرقة بعد ان يترك الناس دورهم، وكان موقفه الحازم رفض هذه الفكرة وقام بالاستعانة بالجيش وكذلك الشرطة وجند طلاب المدارس لهذا الغرض وعالج الموقف بمنتهى الحكمة والشجاعة وحافظ على العاصمة وأهلها. 
نزاهة الرجل: 
أما عن نزاهته وعفته فلم نسمع عن أي شائبة تجاهه بل العكس تماما واليكم هذه الواقعة والتي يرويها احد الأشخاص ممن له صلة مباشرة بها وهو عميد الشرطة المتقاعد السيد هاشم الشماع ويقول: 
بعد انتقال سعيد قزاز إلى بغداد واستيزاره انتقل من دار إلى أخرى والعادة والعرف الجاري تقضي ذهاب الأقارب والأصدقاء لغرض المباركة وتقديم الهدايا سواء أكانت عينية أم نقدية وترد الهدية بأخرى وعادة تكون أكثر منها عند حصول مناسبة لمقدمها باعتبارها دين بذمة من يتلقاها (والمثل الشعبي يقول كل شئ دين حتى دموع العين).وكان لسعيد قزاز صديق قديم من التجار الكبار جذوره من الموصل ويسكن بغداد واسمه( حسن توحلة) وهو خال السيد هاشم الشماع راوي هذه الحادثة المشهورة والذي كان يتردد ويعيش في دار خاله في ذلك الوقت وبينهم علاقات شخصية وعائلية فأرسل التاجر عائلته لغرض المباركة وأرسل معهم هدية قيمتها تزيد عن مبلغ(80) دينار بهذه المناسبة إلا ان سعيد قزاز رفض الهدية وابلغ زوجته بإعادة المبلغ، وعندما علم بذلك صديقه أصابه شئ من الزعل والعتب وفسر رفض هديته بأسباب عديدة لاسيما وعلاقتهما الوطيدة والقديمة. وعندها اتصل به سعيد قزاز وطيب خاطره وقال له (إني موظف دولة وصاحب راتب وعندما اقبل منك هذه الهدية كيف أستطيع ردها أليك!!!) هذه هي أخلاقيات سعيد قزاز رحمة الله عليه وهذا ما قدمه للعراق ابتداء من مدير ناحية إلى ان أصبح وزير وبعدها شجاعته عندما أصر على البقاء في العاصمة وعدم مغادرتها بعد ثورة 1958 رغم انه كان يستطيع ذلك ووقفته الشهيرة في المحكمة ودفاعه المشهور وعبارته الشهيرة (سأصعد إلى المشنقة وارى الكثير ممن لا يستحقون الحياة تحت أقدامي). 
ومما يذكره أيضا السيد هاشم الشماع ان سعيد قزاز وهو في السجن وقبل تنفيذ حكم الإعدام به وصله خبر عن عزم زوجته التوسط لغرض تخفيف الحكم عنه عن طريق مراجعة بعض الشخصيات، وعندها أرسل رسالة إلى بيت صديقه السيد حسن توحله التاجر ومفاد الرسالة علمه بتنفيذ حكم الإعدام به وانه غير نادم على ما فعل وفي حالة قيامها بالتوسط اعتبار نفسها مطلقة منه ويقول السيد هاشم الشماع انه شاهد على هذه الرسالة لوجوده في بيت خاله كما يقول حيث تم تبليغ الرسالة لزوجة سعيد قزاز. 
بقي ان أقول ان شخصية سعيد قزاز الفذة لم تنل حضها الكافي من الدراسة رغم وجود بعض الكتابات هنا وهناك عنه وعلمت من الأستاذ والزميل زهير كاظم عبود ومذ كان قاضيا وبعدها محاميا في الموصل عزمه لإصدار كتاب عن سعيد قزاز وبدا فعلا بجمع المصادر والتقى بشخصيات عاصرت سعيد قزاز وبعدها غادرنا إلى خارج العراق ولا يزال ولا اعلم ان رأى مؤلفه النور من عدمه رغم ثقتي بعزم وصبر الأستاذ زهير على البحث في مثل هذه المواضيع. 
وختاما أرجو ان يعلم صديقي المهندس والذي هو السبب في الكتابة عن هذه الشخصية العراقية أولا والكردية ثانيا وليس العكس كما يحلو للكثير ان يصفه في الوقت الراهن ويقيني لو أمد الله في عمره لحد ألان لبقي على عراقيته وحبه للعراق الموحد الذي طالما دافع عنه. 
وأمنيتي ان تحضى الحكومة العراقية بأمثاله لخدمة العراق الجريح. ) 
 وكتب السيد عوني الداوودي مقالا بعنوان - زهيركاظم عبود يعيد محاكمة سعيد قزاز ويدحض ما جاء عن الأيزيدية من قبل كتاب آخرين سبقوه ، يقول فيه 

 (الكتاب الذي نحن بصدده، هو " لمحات عن سعيد قزاز " والذي يقع في 168 صفحة من القطع المتوسط الصادر عن مطبعة " روون " في كوردستان العراق عام 2004 ، لا أود هنا أن أعرض الكتاب بمحتواه، بقدر ما أحاول تعريف القارئ على هذا المطبوع الذي أعاد الكاتب فيه محاكمة آخر وزير داخلية في العهد الملكي " سعيد قزاز " المعروف بعدائه الشديد للشيوعية وصاحب العبارة المشهورة في محكمة المهداوي الشهيرة في التاريخ العراقي المعاصر، في آخر كلمته التي تلاها أمام المحكمة " أنني أقف الآن وأرى الموت مني قاب قوسين أو أدنى، ولا ترهبني المشنقة وعندما أصعد عليها سأرى الكثيرين ممن لا يستحقون الحياة تحت أقدامي " . 
ففي هذا الكتاب سيطرت روح مهنة القاضي بشكل كلي على المؤلف، عارضاً فيه الشهادات والأفادات والحوارات التي دارت في أروقة المحكمة، مبنياً عليها أحكامه، بالإضافة إلى سعيه في مجالات عدة إلى أستنطاق الشخصيات التي عاصرت سعيد قزاز عندما كان محافظاً في الموصل، وأعتمادها كشهادات حية، وكذلك أعتماده على مصادر كثيرة في تأليفه الكتاب وهي مثبتة في الفهرست . أترك القارئ في السعي للحصول على الكتاب وقراءته وإطلاق حكمه عليه، حيث إن الكثير والعظيم من تاريخ العراق الحديث بحاجة إلى مراجعات ودراسات جدية للوقوف على حقائق غيّبت عمداً وطوتها أقلام كتاب السلطة و وعاضيهم . 
ومما يؤخذ على الكتاب هو كثرة الأخطاء الإملائية والمطبعية التي تعدت المائة ، وفي ندوة علمية في لندن جمعتني بالأستاذ زهير كاظم ذكر لي حول الموضوع هذه الطرفة : عاتبت الناشر " والكلام لأستاذ زهير " لكثرة الأخطاء الإملائية والمطبعية التي لا يمكن تبريرها، أجاب الناشر، ويبدو كان واثقاً جداً من نفسه " أخويّ شسوي آني كوردي والكتاب مكتوب باللغة العربية وهذا اللي طلع مني " . 
فضحكنا سوياً على هذا التبرير الساذج . 
زهير كاظم عبود شخصية غنية عن التعريف فهو باحث وكاتب سياسي وقاض ٍ سابق، كما له مؤلفات أدبية أيضاً منها مجموعته " قصص قصيرة " تحت عنوان " ليلة القبض على رئيس الجمهورية " عن دار المنفى ، ورواية " جمهورية الغجر" عن دار لارسا في السويد، تتضمن تصور في العام 2002 بأن يختفي صدام تحت الأرض . 
ولد الاستاذ زهير كاظم عبود عام 1944 في الديوانية في العراق، وينحدر كاتبنا كما هو يصرح بذلك من عائلة فقيرة جداً، أي لم يولد الكاتب وفي فمه ملعقة من ذهب، بل لم تكن هناك ملعقة أصلاً، وهو من الشخصيات التي ناضلت كثيراً واستطاعت أن تبني نفسها معتمداً على طاقاته الفردية بالجد والمثابرة المتواصلة، وبالنظر لوضع العائلة المادي البائس عمل في صغره شتى الأعمال اليدوية الشاقة من أجل لقمة العيش، كعامل بناء ونقل الطابوق وكذلك عامل في إحدى دورالسينما في مدينة الديوانية، وعامل في مكتبة لبيع الكتب القديمة ولربما كانت هذه الفترة من عمله وإحتكاكه المباشر مع الكتاب قد نمى لديه القدرة على المطالعة والتعرف على الكتاب الكبار ومختلف الكتب المتنوعة التي كانت تصل العراق، إلى جانب مواصلة الدراسة في مدارس المدينة، وتقدم لاحقاً بالطلب للدراسة في كلية القانون في بغداد حيث كان يقطع يومياً حواالي 400 كيلومتراً للذهاب من الديوانية إلى بغداد لأكمال دراسته في كلية القانون، تخرج من كلية القانون، وعمل محققاً عدلياً، ومحامياً، وكذلك معاوناً قضائياً، تم قبوله في المعهد القضائي وتخرج بصفة قاضي، ومارس مهنة القضاء في المحاكم العراقية، فصل الأستاذ زهير من وظيفته بقرار من الدكتاتور صدام، مما حدا به للخروج من العراق عام 1998 وفي نفس السنة وصل السويد حيث يقيم الآن برفقة عائلته، وهو متفرغ حالياً للبحث والتأليف والكتابة، وله حوالي ستة عشرة كتاباً مطبوعاً منها " لمحات عن الأيزيدية " بحث عن منشأ هذه الديانة وأصولهم العرقية، وكذلك " لمحات عن الشبك ـ دراسة وبحث " وليلة القبض على رئيس الجمهورية " قصص قصيرة " وجمهورية الغجر " رواية " و مخابرات صدام واغتيال شيخ بني تميم طالب السهيل , وكتابات في القضية الكوردية والفدرالية وحقوق الإنسان، و طاؤوس ملك ، وعدي بن مسافر .. ومئات المقالات والدراسات والبحوث تناول، فيها مختلف القضايا في الشأن العراقي والتي تمس حياة الإنسان العراقي بصورة مباشرة، وكذلك كتب عن الأرهاب، والمرأة وحقوقها الأساسية . ) 
وفي مقال للكاتب قيس القره داغي بعنوان ( الوزير سعيد قزاز في محكمة القاضي زهير كاظم عبود ) يقول فيه : 


 (( صدر مؤخرا للقاضي والكاتب زهير كاظم عبود كتاب قيم يسلط الضوء فيه على احد ابرز الشخصيات المثيرة للجدل في العهد الملكي , الوزير سعيد بگ قزاز , الرجل الذي عاش حرا نزيها ومات ابيا شامخا غير آ به لحكم الاعدام الذي سبق مقاضاته في محكمة العقيد فاضل مهدي العزاوي المعروفة بالمهزلة في تاريخ العراق السياسي الحديث 

وتحدى الموت بكل شجاعة عندما قال كلمتة المشهورة التي سمعها الناس جميعا (انني اقف الآن وارى الموت مني قاب قوسين او ادنى ولا ترهبني المشنقة , وعندما اصعد عليها سأرى الكثيرين ممن لا يستحقون الحياة تحت قدمي ( . 
يقع الكتاب على ( 168 ) صفحة من القطع المتوسط , طبع ( 1000 ) نسخة منه بمطبعة ( روون ) طباعة انيقة لكن باخطاء مطبعية كثيرة تفسد احيانا ذوق القارئ لولا الاسلوب الرشيق للكاتب الذي يحفزه على مواصلة القراءة الى الصفحة الاخيرة , يحمل الكتاب التسلسل ( 732 ) لسنة ( 2004 ) لوزارة الثقافة لحكومة اقليم كوردستان في السليمانية .
يضم الكتاب مقدمة واربعة فصول تعقبها خاتمة , ففي الفصل الاول من الكتاب يطلع القارئ على سيرة قزاز حسب ما مدون في سجلات الحكومة وينقل عن الموصليين القلائل الذين عاصروه مآثره ثم يعرج الى تسجيل شهادة الدكتور الطبيب كمال السامرائي فيصف الاخير اشياء دقيقة عن تواضع الرجل وبساطة اثاث منزله المبني من الطين واللبن وهو يعتلي ارفع وزارة من وزارات الدولة العراقية , وكما ينقل لنا القاضي مؤلف الكتاب مقتطفات من كتابات ايام زمان استقاها من الجرائد الصادرة آنئذ في الموصل حيث عاش سعيد قزاز فيها ردحا من الزمن متصرفا فيها وثم عاش مؤلف الكتاب لاحقا قاضيا في محاكمها ليسجل نتفة هنا ونتفة هناك عن رجل ظلمه التأريخ وغض عنه المؤرخين طرف ضمائرهم واقلامهم وكلاهما الكاتب والمترجم سيرته احبا المدينة فبادلهما السكان حبهم لهما .
في الفصل الثاني من الكتاب يعرض الكاتب كيفية تدرج محمد سعيد افندي القزاز  ( وهذ ا هو اسمه الرسمي حسب التقليد العثماني الذي ظل معمولا به الى حين سقوط الملكية في العراق )في سلم الوظائف الحكومية منذ استلامه وظيفة صغيرة في دائرة المفتش الاداري في السليمانية بتأريخ 2/ 1 /1924 ومرورا بتقلده مناصب ادارية متنوعة مديرا لناحية تانجرو فمديرا لتحرير متصرفية لواء اربيل ثم قائمقاما لحلبجة فزاخو وبعدئذ مديرا عاما للداخلية ومتصرفا لاربيل وكوت وكركوك فالموصل ليستوزر لاول مرة في 21 / 12 / 1952 وتمسكه بحقيبة الداخلية هذه لحين سقوط آخر وزارة ملكية وهي وزاوة احمد مختار بابان في 
14 / 7 1958 وكان في كل هذه المناصب مثالا للموظف المتفاني والجسور والنزيه ومجمل هذه الصفاة لاغيرها حسب المؤلف هو دافع تمسك ررساء الوزارات به وعدم الافراط بخدماته طيلة حياته الوظيفية المليئة بالانجازات , وكما يمر الكاتب في هذا الفصل على اهم الاحداث التي مر بالعراق اثناء فترة استيزاره ومنها ,اضراب البصرة بتاريخ 7 /12 / 1953 
وفيضان بغداد الذي لعب القزاز ازائه موقفا مشهودا جعل الشعراء يكيلون بانجازه مدحا وقد خالف قرارا لمجلس الوزراء يقضي باخلاء الرصافة باكملها فوفر بذلك اموالا طائلة للدولة والمواطنين مما جعل الاستاذ جلال الحنفي امام وخطيب جامع الخلفاء يهديه واحده من اروع قصائده وفيها :
اسعيد لو تجد النفوس خيارا لحنت عليك من الوفاء اطارا
فلأنت منقذ امة من محنــة كادت تكلفها اذى وخســارا
حق على بغداد وهي وفيـة ان لا تضيع جهدك الجبـارا
وكذلك يتحدث الكاتب عن اضراب الموصل عندما طلب القصابين هناك تخفيض القيود المفروضة عليهم من قبل الكمارك والغاء الزيادة الخاصة برسم الذبح من 30 فلسا الى 60 فلسا للاغنام ومن 75 فلسا الى 150 فلسا للابقار وسمل الاضراب فيمابعد كافة قطاعات السعب في الموصل فذهب الوزير بنفسه وحل الاشكال هناك دون اراقة الدماء وكما يستعرض احداث اخرى في اماكن متفرقة اخرى حدثت في اوقات مختلفة اثناء تمسك قزاز بداخلية العراق .
اما في الفصل الثالث وهو الفصل الخاص بمحكمة قزاز يحلل الكاتب مجريات المحكمة وحيثياتها بعين القضاء وهو يمتهنها ويسلط الضوء على طاقم المحكمة العسكرية التي اطلقوا عليها اسم ( محكمة الشعب ) يرأسها ابن خالة اللواء الركن عبدالكريم قاسم العقيد الركن فاضل عباس المهداوي الذي كان يهرج وينعت المتهمين بنعوت تمس الكرامة الشخصية للمتهمين وسعيد قزاز احدهم ( تصرفات المهداوي داخل محكمة الشعب التي كانت احداثها تنقل مباشرة على الهواء كانت احد اسباب تنافر بعض القوى وطبقات الشعب من قاسم حيث كان يهرج بأسم الدفاع عن الزعيم الاوحد ولكن بعدما القي القبض عليهما داخل مبنى وزارة الدفاع اثر الانقلاب الذي قاده البعث في 1963 اقتيدا داخل مصفحة عسكرية الى مبنى الاذاعة فسأل المهداوي عن سبب اصداره لاحكام الاعدام بحق الناس في محكمته فادار ظهره لقاسم قائلا باللهجة العراقية الدارجة _ آ ني أشعلي كله من هذا _ مشيرا بيده الى ابن خالته الزعيم ) .
بعدما يدخل المؤلف قارئ كتابه داخل صالة المحكمة ( الصالة اصبحت فيما بعد قاعة للعروض المسرحية وهي ملاصقة ببناية وزارة الدفاع ومن ملحقاتها ) يناقش قضائيا مجريات المحكمة طاعنا في ( نزاهتها ) من خلال جملة من الخروقات القانونية ويقول الكاتب بهذا الصدد ( لم تلتفت المحكمة الى النقطة الجوهرية اذ ان الجريمة المسندة الى سعيد قزاز هي جريمة القتل العمد واركان الجريمة مادي ومعنوي فالركن المادي للجريمة هو سلوك اجرامي بارتكاب فعل جرمه القانون او الامتناع عن فعل امر به القانون , اما الركن المعنوي للجريمة فهو توجيه الفاعل ارادته الى ارتكاب الفعل المكون للجريمة هادفا الى ارتكاب الجريمة التي وقعت او اية نتيجة جرمية اخرى , وتقوم المحكمة بناء على ذلك ومن خلال قناعتها بتجريم الفعل المسند الى المتهم وتصدر حكمها بناءا على هذه القتاعة التي تكونت لديها من الادلة المتحصلة في القضية وهذه الادلة المتحصلة في دور التحقيق او المحاكمة هي اقرار المتهم وشهادة الشهود ومحاضر التحقيق والكشوفات الرسمية الاخرى والتقارير الفنية والقرائن والادلة الاخرى المقررة قانونا , غير اننا لا نجد في القضية التحقيقية الاولى المعروضة اقرارا من المتهم بصحة الوقائع المسندة اليه وهي جريمة القتل الواقعة على ( الشهيد عبدالرضا دهش ) التي اقترنت بجرائم الشروع بالقتل ) وهكذا يشرح و يحلل القاضي زهير كاظم عبود المواد القانونية المعمولة بها آنذاك مادة اثر مادة ويفند ادعاءات المحكمة ضد سعيد قزاز الذي لا يتفق مع مبدأه الفكري بل يقف على النقيض منه كما يقول في اكثر من مكان في كتابه , ثم يختم كتابه بكلمة اخيرة وخاتمة طريفة تستحق القراءة اكثر من مرة وبتمعن , وقد استفاد في كتابه هذا من جملة من المصادر القيمة افضلها برأيي تلك المقابلات الحية التي اجراها مع معاصري ومعارف المترجم عنه سعيد قزاز واكثرهم من الموصل غير ان المؤلف لم يتحر عن مصادر اخرى كثيرا حيث كان بالامكان ان يبحث عن سجلات الدولة في كل المدن التي خدم فيها سعيد قزاز كموظف او يحاور معاصري ومزاملي الرجل في تلك الاماكن بدءا من مسقط راسه السليمانية ومرورا بناحية تانجرو واقضية حلبجة وزاخو وكفري    والوية ( محافظات ) اربيل وكركوك و الكوت والبصرة فبغداد التي كان يسكن فيها ابن عم سعيد قزاز الصحفي المخضرم عبدالقادر قزاز الذي كان صديقه في نفس الوقت او النائب الكردي المعروف علي كمال والقاضي والكاتب ابراهيم احمد الذين عاشا في لندن التي كانت تسكنها ابنة القزاز الوحيدة  ( پري ) وقد راسلها المؤلف مرارا كما مدون في الكتاب , وكان بامكان المؤلف الاستفادة من مذكرات الساسة والادباء والكتاب الكرد وان كانت بعضها بالكردية حيث ان الامر لم يكن عسيرا والمؤلف معروف عنه يملك شبكة علاقات حميمة مع متنوري الكرد فمثلا امامي الان مذكرات الكاتب الراحل مصطقى نريمان وهو يحكي عن لقاء طريف ومهم مع سعيد قزاز عندما كان وزيرا للداخلية ادونها هنا لعلها تخدم الكتاب في طبعته اللاحقة التي نأمل ان تكون موسعة ومصورة وموثقة وخالية من الاخطاء المطبعية تلك التي تقع على عاتق الجهة التي اشرفت على الطبع .

سعيد قزاز ومفكرة مصطفى نريمان : 

في عام 1957 قام الاديب مصطفى نريمان بطبع اول مفكرة جيب كردية في مطبعة الشمال بمدينة كركوك عندما كان معلما في مدرسة القلعة دون فيها التاريخ الكردي الى جانب التاريخ الميلادي والهجري وسطر في صفحاتها اهم الاحداث المهمة في التاريخ الكردي القديم والحديث وقد كان غلاف المفكرة تحمل صورة اثنين من فرسان الكرد, يقول المرحوم مصطفى نريمان متحدثا عن المفكرة ( اتذكر كنت صائما رمضان في صيف تلك السنة عندما باغتتني الشرطة وقادتني عنوة الى الى مديرية الشرطة فوجدتهم قد سبقوا في القاء القبض على كل من السيد صبري صاحب المطبعة والسيدين ( عمر بي كه س ) و ( سيروان جاف ) وآخرين من اصحاب المكتبات في كركوك والسليمانية فاول ما نطقت هناك قلت ان المفكرة من تأليفي ولا شأن لهؤلاء بها فاطلقوا سراحهم جميعا ولكن بعد قليل اصطحبني مفوض الشرطة التركماني رشاد الى مسكني وبدأ بالتحري في مكتبتي كتابا كتابا ومن طريف ما اضحكتني هذه البلية ان عينا المفوض وقعت على كتيب للاطفال من تاليف الشاعر الكردي الكبير حاجي قادري كويي فناوله سائلا اياي من مؤلف هذا الكتاب ؟ يجب ان نستدعيه , فقلت انه الان في استانبول , غير انه اصر على احضاره فقلت لكنه الان مدفون تحت التراب ولم تبقى منه الا عظامه , فطرق رأسه وهو منهمك بالتحري , وفي مديرية الشرطة بدأوا معي تحقيقا دقيقا سألوا فيها عن كل شئ عن حياتي واخيرا أصروا على ان صورة الغلاف هي صورة مقاتلين من البارزانيين وان السنة الكردية غير موجودة كيف يمكن كتابتها في المفكرة فنمت تلك الليلة في الموقف , ابلغوني بان المتصرف يريد مقابلتك , بعد القاء القبض علي سحبت نسخ المفكرة في المكتبات الا مائة نسخة منها تم بيع النسخة الواحدة منها في السوق  السوداء بدينار واحد , وقد هب المثقفين والاحزاب تطالب باخلاء سبيل المفكرة وصاحبها فقد خص الاستاذ جمال نبز( حاليا استاذ بروفيسور في جامعة برلين الحرة ) جريدة ( ژين ) في السليمانية بمقالة شديد اللهجة و الاستاذ ( گيو موكرياني ) كتب مقالة مماثلة في مجلة   ( هه تاو ) باربيل والحزب الديمقراطي الكوردستاني كتب عن المفكرة في ( خبات كوردستان ) والحزب الشيوعي فرع كودستان كتب الشئ ذاته في ( آزادي كوردستان ) فيسترسل نريمان ويتكلم عن دقائق ما حدث وكيفية اجراء المقابلة مع المحافظ وهو مكبل اليدين وتدخل احد اعيان كركوك ( حسين خانقا ) في الامر كي يطلق سراحه بكفالة ظامنة بعد ما هدده المتصرف بفصله من سلك التعليم بتهمة الانفصالية ويقول ارشدني السيد حسين خانقا بعد اطلاق سراحي ان اذهب الى بغداد واقابل الوزير ( حمه سعيد قزاز ) لان المسؤولين في كركوك يضمرون له ما هو اسوء , ففعلت ما قال لي وقصدت بغداد في اليوم الثاني مباشرة واول من قابلت هناك هو عبدالقادر قزاز ( 1910 _ 1992 ) فقال لي نذهب مساءا الى النائب علي كمال (1900-1999 )  وغدا تقابل ( حمه سعيد ) فقابلنا علي كمال الذي باركني انجاز المفكرة بحرارة وقال لقد تكلمنا مع ( حمه سعيد ) بصدد الموضوع , غدا تقابله وارجو ان لا يشغلك امر المفكرة , وفي اليوم التالي ذ هبت الى ديوان وزارة الداخلية فقابلت هناك السيد فؤاد ونداوي ابن شقيقة الوزير عمر نظمي فكان يعمل مديرا للمكتب الخاص للوزير وقد كان يعرفني لاننا كلانا من مدينة كفري فقدمني للوزير الذي بالغ في استقبالي فاجلسني في مكتبه وطلب لي شايا فسألني بكل لطف من اية مدينة انت يا ولدي ؟ فقلت من كفري , فقال ابن من في كفري ؟ فقلت انا ابن سيد احمد , فقال سيد احمد الذي يتقن الفارسية بطلاقة و دكانه مقابل سقيفة الخياطبن بكفري ؟ , فقلت نعم هو والدي , وبعدئذ بدأ يجاملني بطرح جملة من الاسئلة التقليدية كمن يريد التعرف على صديق جديد وقبل ان يعرج للاستفسار عن المفكرة طلب لي عصيرا فشربته ثم قال سائلا عن المفكرة وقد كان يحتفظ بنسخة منها على مكتبه يتصفحها , يا ولدي انت شخص ذكي جدا من اين اتيت بهذه السنة الكردية ؟ فقلت ان السنة الكردية تبدأ بتشكيل دولة ماد التي تشكلت قبل 700 سنة قبل ميلاد المسيح  ,  فقال , قسما ان هؤلاء المسؤولين في كركوك قد ظلموك فحتى الحمار يعرف ان هذين الفارسين في الصورة هم من الموكريان  ( منطقة في كوردستان ايران )  وليسا بارزانيين , فأجبته ولماذا اذن تعينون هكذا موظفين في كركوك ؟ فقال انا لم اعينهم ولست راض عنهم , ثم سال عن ما موجود في متن المفكرة فلم يعلق بشئ عن القاضي محمد ( رئيس جمهورية كوردستان في مهاباد اعدم في ساحة چوار چرا عام 1947 بعد ان قضى الجيش الايراني عليها بمساعدة الاتحاد السوفيتي السابق ) ولكنه توقف عند الشيخ مجمود الحفيد قليلا فاردف ساءلا , ماذا تقصد بابرازك لمعركة ( دربندي بازيان ) و ( معركة السراي ) بهذا الشكل ؟ فسالته , أتسألتي كوزير داخلية يواجه معلما أم كمجرد كردي يكلم كرديا آخرا ؟ , فترك مكتبه وجلس بجنبي وقال لا انا اكلمك ككرديين , فقلت أبامكانك ان ان تنكر وجود الشيخ محمود في السليمانية وادارته في المنطقة وتصديه للانكليز و اسره بيدهم ؟ فقال , لا , لا انكر ذلك ولكن لو كان الشيخ معتدلا قليلا مع الانكليز لكنا الان غير ما نحن عليه , فلا انت تسجن بسبب مفكرة كهذه ولا انا استوزر في بغداد , ففاجئت باجابته وقد كبر الرجل عندي اكثر من ذي قبل , رجل يمسك خيوط داخلية العراق بصورة عامة وهكذا ينظر الى المساءل !؟ ثم استرسل الوزير قائلا : على كل حال انتم لا زلتم شبابا وامامكم الكثير اتمنى ان لا تكونوا مثلنا , تمعنوا الوجه الاخر للاشياء آنئذ تفهمون ما يجري في العالم , فقال يا ولدي ان نسخ المفكرة كما يبدو قد تلفت اذهب واكتب واحدة اخرى للسنة الجديدة وقدمه كما يقدم اي كتاب آخر الى محمد باشقه ( مدير المطبوعات في الوزارة ( 1990 _ 1980 ) واطبع منها ضعف ما طبعت هذه السنة وانا شاكر لجهودك في اعداد المفكرة و ثم نهض الى مكتبه وادر التلفون موبخا المتصرف اشد توبيخ وقال له سيعود نريمان الى كركوك وتكرمه وتعيده الى وظيفته معززا واخيرا استاذنت منه فودعني بمثل ما استقبلني بالحفاوة , يقول نريمان عدت الى كركوك وذهبت الى ديوان المحافظة فالتقيت بدئا بالمرحوم مدحت مبارك مدير تحريرات المتصرفية وهو ابن بلدتي فحدثته بمقابلتي للوزير فابدى لي سروره وقال ان المتصرف ينتظرك للمقابلة وارشدني بالدخول فوجدت المحافظ على النقيض من تصرفه اياي في المرة السابقة التي كنت فيها مكبلا فنهض مستقبلا والح علي بالجلوس لكني ابيت ان اجلس وحتى مدحت بك الح على بالجلوس فبقيت على اصراري وقلت في المرة السابقة دخلت اليك مسلما فلم ترد علي سلامي والان اتيتك بامر سعيد بيك فاعتذر كثيرا وقال ستعود الى وظيفتك في نفس المدرسة فتركته وذهبت الى مسكني لاجد محتويات مكتبتي قد التهمتها النار خوفا من المزيد من التحري ) .
      نتمنى للقاضي زهير عبود كاظم المزيد من الابداع فانه نصير المظلومين اينما كانوا فقد كتب  عن الايزيدية  والشبك  وسعيد قزاز  وكلهم نالوا نصيبهم من الظلم والنسيان بعد الظلم . )) 

       وأشاد نقيب الصحفيين في كوردستان السيد فرهاد عوني بموضوعات الكتاب الخاص بسعيد قزاز ، وأزاء تلك الأراء المتباينة ، ندرك جيدا إن هناك اختلافا في الرؤية عند تقييم شخص مثل سعيد قزاز كان له دورا مؤثرا ضمن مرحلة مهمة من مراحل الحياة السياسية العراقية ، وأذ نحترم جميع وجهات النظر تلك نؤكد على أشتراكنا في البحث عن الحقيقة التي هي قاسمنا المشترك ،  وعليه ومن اجل ذلك  نضع تلك اللمحات أمام المطالع ليشترك معنا في التقييم والحكم ضمن القرائن التي نتوصل اليها في سياق البحث  ، على امل إن نحرص على الحيادية ونتخلص من الأفكار المسبقة والمتشنجة التي املتها الظروف السياسية . 
حقائق كثيرة ستظهر لنا من خلال استعراضها بهدوء وستتضح لنا صوراً كثيرة يراد لها أن لا تظهر كي لاتبان حقيقتها وأسبابها وسنتابعها بتجرد وبأمانة ،  أدعو الله أن يوفقني لنقل الجوانب الحقيقية عن سعيد قزاز كنقطة في بحر الكتابة والبحث عنه وعن شخصيات تناساها الزمن ولم ينسها الناس ، لم يكن دافعي للكتابة سوى سرد الحقائق التي غابت حيناً من الدهر ، كل تقديري للذين ساهموا معي بأفكارهم وأقتراحاتهم ونقدهم وتوجيههم  والله نسأل أن يهدينا جميعاً سبل الرشاد ومن الله التوفيق .

   زهير كاظم عبود

                                                             

















الهوامش
1- طالب مشتاق / أوراق أيامي – دار واسط للدراسات والنشر والتوزيع ، بغداد 1989/ص549
2- بهجت العطية كان يعمل مديراً للأمن السياسي في أواخر أيام الحكم الملكي في العراق.
3- طالب مشتاق / المصدر السابق /ص560
4- لقاء مع الأستاذ سعيد الديوه جي بتاريخ 5/11/1995 بالموصل .
5- لقاء مع الأستاذ المحامي عبد القادر الدبوني بتاريخ 9/2/1995 بالموصل .
6- لقاء مع الأستاذ الصحفي عبد الباسط يونس رجب في الموصل .
7- ذو النون أيوب / قصة حياته / القسم الرابع – الطبعة الأولى فينا 1983/ص153
( 8 ) مقدمة كتاب سعيد قزاز ودوره في السياسة العراقية بعنوان ( سعيد قزاز أمام محكمة التاريخ ) ، ص 15- 35 – المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2001











 
الفصل الأول

1. 1  المدخل

ولد محمد سعيد بن مرزا مجيد بن الحاج أحمد قزاز حسب جداول الحكومة العراقية عام 1904 في مدينة السليمانية ، وتوفي والده وهو طفل رضيع ودرس المدرسة الإعدادية وتخرج منها (8). وقد تزوج سعيد قزاز من السيدة زكية توفيق قزاز وأثمر زواجه عن بنت أسمها ( بري ) وكانوا ينادونها   ( بري خان ) ومعنى أسم بنت سعيد قزاز ( الحورية ) ولم يخلف غيرهــا .
تعين بالوظيفة وعمره عشرون سنة وتسعة عشر يومــاً وتم إعدامه وعمره خمسه وخمسون عاماً وشهران وتسعة عشر يوماً بعد أن كان أمضى مدة ثلاثة وثلاثين عاماً في الوظيفة العامة، أي أنه كان قد تعين موظفاً في الحكومة العراقية في 20/1/1924.
ورد أسمه في سجل الحكومة العراقية عام 1927 ( سعيد أفندي ) وفي سجلات عام 1931 ( محمد سعيد أفندي ) وفي عــام 1938 و 1939 ( السيد سعيد القزاز ) وأستمر على هذا الاسم حتى في محاضر التحقيق والاتهام والمحاكمة في المحكمة العسكرية الخاصة ( محكمة الشعب ) وحتى في قرار الحكم والبيان الخاص بالإعدام .
كان سعيد قزاز مشهوراً بقوة الشخصية والصرامة في تنفيذ الواجب الموكل أليه تنفيذه ، وكان جدياً يلتزم بالواجبات المفروضة عليه التزاما لانقاش فيه ، رغم كونه يتحلى بمسحة انسانية ،  فقد روى لي أحد المحامين في مدينة الموصل – ورفض أن أذكر أسمه – أنه كان يعمل بصفة مراقب عمل في وزارة الأشغال يوم كان سعيد قزاز متصرفاً للواء الموصل ليعين نفسه لأكمال دراسته ، وصادف أن أبلغه مسؤول الأشغال أنهم استغنوا عن خدماته بأمر المتصرف ، فما كان منه الا أن توجه نحو دائرة المتصرف وأستطاع مقابلته وعندما شرح له ظروفه أبدى السيد سعيد قزاز استغرابه لأنه أرسل شخصين لمساعدتهما بالعمل لا المساهمة بفصل مواطن ، وما كان منه إلا أن أتصل بدائرة الأشغال ليعيده الى عمله حالاً .
ويذكر الموصليون الكرام الذين عاصروه موقفه المتشدد مع أحد رؤساء العشائر الكردية ويدعى محمود آغا  الذي قابله في ديوان المتصرفية فقال له القزاز :
يا محمود آغا أذهب بنفسك الى مدير السجن وقل له بأني موقوف بأمر المتصرف .. وسوف لن أرسل معك شرطياً .
فذهب الآغا الى مدير السجن لأن كلمة سعــيد قزاز كلمــة واحدة وليست كلمتين ( 9 ) .
وهنا أتذكر كلمة سعيد قزاز في قفص الاتهام أمام محكمة الشعب والتي ضعف أمامها الكثير من المتهمين ، إلا أن سعيد قزاز رد على المدعي العام ماجد محمد أمين حينما أتهمه بالهروب من الثورة بملابس النساء ليعلن بأن المدعي العام كاذب فهو لم يلبس ملابس النساء ليهرب من الموت صبيحة الثورة وحينما طالبه رئيس المحكمة فاضل عباس المهداوي بأن يصحح كلمة تكذيب إلى تصحيح رفض أولاً مقاطعته من قبل رئيس المحكمة وأصّر إصرار الواثق من نفسه أن المدعي العام كاذب وأنه يتحمل مسؤولية دفاعه ، فالدفاع دفاعه وبتوقيعه وأنه مسؤول عن كل كلمة وردت فيه .
حدثني الأستاذ عبد الباسط يونس أنه حدث في أيام سعيد قزاز في الموصل أن خرجت مظاهرة ضد الحكم من شارع غازي، وكان يقودها المدعو  ( عدنان جلميران ) ، وعندما علم سعيد قزاز بصفته متصرفاً ،  توجــه بسيارته الشخصية ( الحكومية ) ومعه السائق وهو شرطي ،  وأستطاع الالتقاء بالمظاهرة وكانت تضم المئات من المتظاهرين . وقام بصفع قائد المظاهرة وضربه برجله أمام المتظاهرين الذين تفرقوا هرباً ،  بينما أمر الشرطي باقتياد عدنان جلميران نحو سيارته لتوقيفه وبذلك تفرقت المظاهرة دون تدخل الشرطة أو استعمال العنف ضد المتظاهرين .
لم يكن الحافز الذي دفع سعيد قزاز للتوجه نحو المظاهرة لوحده سوى وثوقه من قوة شخصيته وشجاعته وانعكاس ذلك على الناس .
لقد سنحت لي الفرصة أن أستمع إلى تسجيل صوتي لمحاكمة سعيد قزاز بعد أكثر من 38 سنة على أذاعتها عبر إذاعة بغداد على الهواء مباشرة ، فتلمست شخصية هذا الرجل من خلال جرأته وشجاعته وصدق الكلمة التي يطلقها دون وجل وعدم اكتراث لما سيولده هذا الموقف عليه من نتائج ، حقاً كان الرجل لا يخاف الموت وإضافة لهذا فقد كان مليئاً بالأيمان وبالقدر وبما كتبه الله عز وجل عليه ولم يدخل اليأس أو الخوف الى قلبه وأنه يفوض أمره الى الله وأعلن من خلال دفاعه في المحكمة بأنه سيكون أول شهيد في معركة مكافحة الشيوعية العالمية وأخطارها على العراق  ( حسب اعتقاده )  وسيكون لأهله وأقاربه الفخر بأنه فداء للدفاع عن وطنه العزيز .
كنت أستمع إلى ضحكات المتفرجين داخل صالة المحكمة حينما يذكر سعيد قزاز بأنه كان وزيراً فعالاً يعمل بوحي من ربه وعقل في رأسه وقلب في صدره ، كانت الضحكات تعبر عن سذاجة المتفرجين لأن سعيد  قزاز  لم يطلق أي كلمة تستحق السخرية ، كان فعلاً وزيراً فعالاً بشهادة التاريخ وكان يعمل بتصميم من أرادته وباتفاق كل من عاصروه وعرفوه وأتخذوا مواقف متناقضة معه بأنه كان نزيهاً ونظيفاً وصارماً ترك المناصب الإدارية وخدمة الدولة البالغة ثلاثة وثلاثين عاماً دون أن أي أرث يستحق الذكر سوى سيرته الناصعة وسمعته الأكثر لمعاناً وشجاعته التي لم ينكرها أحد حتى في أحلك ظروف الإنسان أو في أخر لحظات العمر ، يفتخر بأنه لم يرتكب أية مخالفة قانونية وأنه يعتز كونه مسلماً و عراقياً ولم ينكر أراءه وأفكاره المعادية للقوى السياسية الوطنية في العراق والتي يخالفها الرأي بجرأة وشجاعة  ، ومن مواقفه الشجاعة المشهورة في مدينة الموصل حينما كان متصرفاً للواء الموصل وعلى أثر قيام المدعو ( ديوالي الدوسكي ) بقطع الطريق العام في منطقة دهوك التي كانت قضاء تابعاً للواء الموصل ، وبمعاونة أتباعه المسلحين كان يفرض الإتاوات على الناس والعصيان على الحكومة ولما وصلت أخباره إلى السلطات الحكومية ، توجه سعيد قزاز بنفسه إلى دهوك ولما وصلها أمر ضابط الشرطة بإحضار ( ديوالي الدوسكي) وأن لم  يحضره فأنه سيفصله من وظيفته ، فما كان من ضابط الشرطة الا أن توجه نحو مكان تواجد ديوالي ليحضره أمام سعيد قزاز ، بعد أن قام القزاز بتقريع الدوسكي أمر بتوقيفه  ، واقتياده مخفوراً إلى المتصرفية ،  على الرغم من  أنصاره المسلحين ، الا أنهم تفرقوا وتواروا عن الأنظار خشية من المتصرف ،  الذي لم يحتج إلى قوة مسلحة لاعتقال الدوسكي ، الخارج عن القانون وتطبيق العدالة بحقه ، ومن ثم إصدار القرار بسجنه وفق قانون دعاوى العشائر – النافذ في حينه –  بعد  أن نزع عنه الحصانة النيابية لأنه كان عضواً في مجلس النواب .
حدثني الأستاذ المحامي محمود الجلبي (  من الموصل )  عن سعيد قزاز حديثاً شيقاً فقال  :  كنت في الخمسينات رئيساً لتحرير جريدتي ( فتى العراق ) و   ( فتى العرب ) الصادرتين في مدينة الموصل ، وكان سعيد قزاز يرسل في طلبي كلما كتبت مقالة أو كلمة ضد الوضع القائم ، وعندما أقابله يشتد بيننا الكلام ... هو يتوعد ويتهدد بغلق الجريدة أو الأمر بحبسي وأنا أجيب لا..لا .. لا تغلق الجريدة ولابأس من الأمر بحبسي .. فيقول لماذا ؟ فأجيب أن غلق الجريدة يقصم ظهر العمال ويحرم عوائلهم من رزقهم كما يحرم القراء من جريدتهم وكان يرتاح لهذا الأمـر ويأمر بأهون الشرين .
كان دائماً يعرض عليَ قبول المناصب الوظيفية .. وقصده من ذلك أبعادي عن الصحافة ( رحمة بوالدي وبالجريدة ) كما كان يحلوله أن يقول ذلك . وظلت علاقتنا طيلة فترة بقائه متصرفاً بين مد وجزر ، أشد حين يرخي ، وأرخي حين يشد ، لأني كنت أجد فيه موظفاً أدارياً حازماً مخلصاً لوظيفته وعمله .
ومرة ذهبت إلى ( العمادية ) لأعمـال تـتعلق بمهنتي كمحام ومــررت بمصيف ( سر سنك ) وسألت مدير الفندق عما أذا  كان هناك أحد من بين النزلاء لأجالسه .. فأجابني نعم المتصرف ! قلت له سعيد قزاز هنا ؟ قال نعم .. فهممت بترك الفندق على عجل لئلا يراني أو أراه  ،   وأذا بسعيد قزاز يربت على كتفي ويقول لي : تعال سأصالحك ، وكان خارجاً من غرفته ليذهب إلى المسبح وهو يرتدي لباس السباحة فجلست معه قليلاً ولما رأيته يهم بدخول حوض السباحة استأذنته لبضع دقائق ذهبت خلالها إلى سيارتي وجلبت آلة التصوير التي كنت أحملها معي وأخفيتها عنه .. ولما نزل إلى المسبح التقطت له صوراً وهو بلباس السباحة فصاح بي مهدداً ، غير أني أجبته أنها أسعد فرصة لي كصحفي أن أحصل على هذه الصور لأنشرها في الجريدة إذا هددتني مرة أخرى بغلق الجريدة ، ومنذ ذلك الوقت بقيت علاقتي الصحفية مع المرحوم سعيد قزاز طيبة حتى أستوزر للداخلية فترك الموصل ونحن آسفون على فراقه لدماثة خلقه وحزم أدارته وأخلاصه لعمله كرجـل أداره من الصنف الأول(10)).

وكتعبير عن حب الموصليين لسعيد قزاز نشر الشاعر الأستاذ محمود النحاس قصيدة بعنوان ( يا أبن الأشاوس ) في جريدة ( فتى العرب ) أهداها الى صاحب السعادة متصرف لواء الموصل السيد سعيد قزاز :
قلبي يكيل لي المـلاما                الا أجيد لك الســــــــلاما
يا أبن الأشاوس طبــت نفـــــساً  في الحيــاة فلن تلامــــا
أفتبتغي الحد باء غيـر        ك عادلاً حراً هيامــــــــــــا
أو ترتجي الحدباء بعد     ك مصلحاً فيها تســــــــــــامى
********
شـــرفتنا فملأتنــا        شرفاً وفيك القلب هامـــــــا
وحللت ضيفا في ديــا     ر ولم تذق قط   ســــلامــــا
فلأنت كوكبنا المضيء   وفيك نخترق الظلامـــــــــــا
منك الهباءة كلهـــــــا     والفخر مذ نلت الوسامــــا
الناس تكرم بالـــذي          هو في الورى يرعى الذمــامـا 

يقول المحامي جرجيس فتح الله : ( كانت أواخر أيام الحرب أو نهايتها ، وسعيد قزاز محافظ  ( أربيل ) والبلاد تشكو نقصاً في إطارات السيارات وهي لا تعطى ألا بمعاملات مضنية وشاقة وتحفظات كبيرة وبقرارات من وزارة التموين التي أحتكرت توزيعها . وقد بلغت أسعارها في السوق السوداء أكثر من ثلاثين ضعفاً نسبة لقيمتها الحقيقية . تمكن صاحبي ( علي ) من الحصول على أطر من وزارة التموين لسيارته ، الا أن لصوصاً سطو عليها وهي في الطريق تدب بـالقرب من ( الكوير ) على الزاب وتركوها على قارعة الطريق جالسة فوق حديدها . قال علي شخصت الى أربيل وقد ضاقت عليُ الدنيا وكتبت عريضة للمحافظ نفست فيها عن كربتي بعبارات منتقاة من قاموس القذف بالحكم والحكام وسلمتها للدائرة وعدت الى الفندق منتظراً أمر القبض عليََ ومهيئـاً نفسي للأعتقال ، ومامرت ساعات قلائل الا وصدق ظني فقد جاء عريف شرطة يسأل عـني قائلاً (( قم فالمتصرف يطلبك )) .
رأيت سعيد قزاز واقفا وً بين يديه مفوض وبضعة أنفار من الشرطة وكأنه يتهيأ للخروج وماحسبت أنه بأنتظاري . قال وهو يلوح بعريضتي في الهواء . أأنت كاتب هذه العريضة أم كتبها لك أحد ؟ قلت أنا كاتبها . فقال هيا معي أذن خذ عريضتك وضعها في جيبك قبل أن آمر بأجراء التعقيبات القانونية ضدك ، هيا أتبعني وعين لي موقع السطو .
أركبني معه في السيارة ولحقت بنا حافلة فيها ضابط شرطة وأنفار له ، بلغنا ناحية الكوير وأشار الى مدير الناحية وفي خلال ساعة واحدة كان ثم أكثر من عشرين من رؤساء العشائر المخيمة والمستقرة عرباً وكورداً . ووقف بينهم ( القزاز ) مهدداً قائلاً : هذه المرة لاأريد منكم أن تأتوني بالمجرمين السراق وسأعفو عنهم . لكني أنذركم أنتم ، أن غابت شمس هذا اليوم ولم تصل الأطارات فتهيأوا كلكم ومن دون أستثناء الى فترة سجن طويلة . أذهبوا الآن فجيئوا بها أو فأحزموا أفرشتكم فأني معتقلكم جميعاً . قال هذا وأشار علي بالبقاء مع مدير الناحية حتى أتسلم المنهوب ثم غادر الموقع ، ولم تغب شمس ذلك اليوم حتى كانت سيارتي تنهض على الأطارات  (11) . 


* * * * * * *



الهوامش
(10) لقاء مع الأستاذ محمود الجلبي المحامي بتاريخ 28/10/1995 بالموصل
(11) جرجيس فتح الله / رجال ووقائع في الميزان – دار ئاراس للطباعة والنشر أربيل 2001ص157-158  




















1. 2  شهادة أحد أشهر الأطباء العراقيين

يقول الدكتور كمال السامرائي 12 :-
(( في اليوم الثاني عشر من تشرين الأول ( أكتوبر ) 1957 كلمني تلفونياً وزير الداخلية ليدعوني الى تناول الغداء في داره بمنطقة العلوية ، وهذه الدار من مخلفات الأنكليز ومعمولة من اللبن والطين غير أنها مريحة صيفاًُ وشتاء وحين وصلتها بحدود الساعة الواحدة ظهراً كان قد سبقني أليها كل من صديقي بهاء عوني والدكتور أسماعيل ناجي ثم توافد أخرون من بينهم رؤوف الجادرجي وسامي فتاح ويحيى قاسم ، ودهشت حين دخل الصالون ( أبو عامل ) علي حيدر سليمان ، ولم أكن أعرف أنه في بغداد وأن هذه الدعوة على شرفه ، وكنت أترقب قدومه الى بغداد لأقابله بمثل ما قابلني به في بون بألمانيا يوم كان سفير العراق فيها قبل مايقرب من عام ، فتصافحنا وتعانقنا وصار مجلسه الى جانب مجلسي في الصالة . وسرعان ماشعرت بعدم الأرتياح من الكرسي الذي قعدت بين ذراعيه ، وصرت أراوح في جلستي بين وضع ووضع لأعرف منهما ما يريحني .فقد كنت أحس بوخز من الكرسي في مقعدي ، وقد أنتبه سعيد قزاز الى ذلك وهو يعرف ما في هذا الكرسي من عيوب القدم وسوء الصنعة فقام من مكانه وأتجه نحوي وأخذ بيدي وهو يقول لي :
هذا الكرسي أعرفه ، قديم ونوابضه قد مزقت غطاءه بأطرافها المدببة ، وقادني الى كرسي آخر وعاد وجلس على الكرسي الذي كنت أجلس عليه الى جانب علي حيدر سليمان وهو يقول لي :
أنا أكثر منك سمنة ، وأني أعتدت الأذى منه كما أعتاد هو حمل ثقلي عليه بعد أن يئس من أثارتي على التذمر منه .
وسمع يحيى قاسم صاحب جريدة الشعب ماقاله سعيد قزاز فقال يداعبه :
أنت يا أبا بري تعودت على وخز نوابض الكرسي فمتى نعتاد على وخزكم بما أكتبه في جريدة الشعب ؟
فقال له سعيد قزاز على الفور :
لايمكن أن أعتاد على النعرة الشيوعية ياعزيزي يحيى وسكت يحيى قاسم حين قال سامي فتاح بغمز :
وزير الداخلية وهذه أثاث بيته المتواضعة التي يخصصها له التقدميون .
فقال سعيد قزاز :
أن ( هذه ) البيت لايليق به الا مثل هذه الأثاث  ،  وكلاهما على قدر الحال .
وعاد يحيى قاسم يخابث سعيد قزاز :
على قدر حالك ياأبا بري . فما ذنبنا أن نحقق مايوافق حالنا ؟
وضحكنا جميعاً ونحن نقوم الى مائدة الغداء لتناول (القره خرمان ) والبرغل بالرمان وكلاهما من الأكلات الكردية اللذيذة .
ولعلي حيدر سليمان فضل عليُ حين زرته في بون ، فأنتهزت فرصة وجوده في بغداد ووجهت الدعوة له ولمن كان في ضيافة سعيد قزاز لتناول طعام العشاء في بيتي .وأتفقوا أن يكون ذلك في يوم الجمعة القادم . وأنفردت بعلي حيدر سليمان لأسأله عمن يريد دعوته بجانب ضيوف اليوم في دار سعيد قزاز ، فأصــر أن يترك الأمر لي ، وسألت صديقي بهاء عوني وهو من أصدقاء علي حيدر سليمان أيضاً فذكر لي أسم مزاحم الباجه جي الذي كان زميله في وزارة علي جودت الأيوبي سنة 1949 . وكان أول من حضر بيتي في هذه الدعوة الدكتور أسماعيل ناجي وبهاء عوني وآخر من حضر سامي فتاح .
وسررت حين رأيت الأنسجام فيما بين من يكلم بعضهم بعضاً ، سوى مابدا على وجه مزاحم الباجه جي من عدم الأرتياح كما تخيلت ذلك . وقد سبب ذلك الطرش الخفيف الذي يشكو منه . وفي لحظة قادني بهاء عوني جانباً وأســر لي أن بين سعيد قزاز ومزاحم الباجه جي مودة مفقودة . وطلب بصفتي صاحب الدعوة أن أحاول مصالحتهما بطريقة مــا ، فتوجهت حالاً الى سعيد قزاز وكان مع يحيى قاسم يستمعان في مكتبتي الى تسجيل للمقريء المصري مصطفى أسماعيل يرتل فيه سورة القصص من القرآن الكريم وقلت له :
يا أبا بري عندي رجاء منك .
فأجابني بلهجة كرديـــة
أنفــــــــذه حالا.
وأستبشرت من هذه البداية في تطبيق مشروعي فقلت له :
أنت الآن أبو البيت . وأنا ومزاحم الباجه جي ضيفاك .
ولم أأمن الى ماأردت أن أرجوه منه حتى أدرك ما أهدف اليه من هذه المقدمة القصيرة فبادرني يسأل :
تريد مني أن أتكلم مع مزاحم الباجه جي ، أليس كذلك ؟ فهيا اليه فهو أكبر مني عمراً فلا يصح أن يأتي هو الي )).
يمكن إن تشكل هذه الشهادة جانبا من الجوانب الأيجابية في حياة سعيد قزاز ، كما تضفي تلك الشهادة نوعا من النقاط الأيجابية التي تزاحم النقاط السلبية في حياة سعيد قزاز بما ورد فيها من تفاصيل اوردها الدكتور كمال السامرائي . 
حدثني الأستاذ المحامي علي الشيخ من أهالي تلعفر / الموصل أنه كان يعمل بصفة مفوض في مرور بغداد وكان أغلب واجبه في ساحة باب المعظم أو الميدان أو ساحة المتحف ( الرصافي حالياً ) ومن ضمن ذكرياته عن سعيد قزاز أن أحد زملائه من مفوضي المرور في منطقة الميدان قام بفتح باب سيارة الوزير سعيد قزاز عند توقفها قرب ديوان وزارة الداخلية في منطقة القشلة وحين هم الوزير بالنزول نبه المفوض الى عدم تكرار ماقام به من عمل لأن هذا لايدخل ضمن واجباته الوظيفية اولاً وأنه موظف لدى الدولة حاله حال الوزير وعليه – والكلام لسعيد قزاز – أن يحترم وظيفته ولايطاطيء رأسه سوى لخالقه العظيم وأن لايتنازل لأحد ليحل محله في عمله ...
كان يبرهن بالملموس أن الكرامة فوق كل الأعتبارات فأذا ماتت كرامة الرجل أو تدنت فلن يتبقى من الأنسان سوى جسد مجوف .. وهكذا كان سعيد قزاز يدافع عن كرامته بكل قوة ويدافع عن كرامة الأخرين بنفس القوة .







******************************************

الهوامش
(12) ) . د. كمال السامرائي / حديث الثمانين /ج2/ دار الشؤون الثقافية العامة – وزارة الأعلام بغداد 1996 – ص284 ومابعدها



1. 3  الرجل النبيل


خطر في بالي أن أكتب وصفاً لسعيد قزاز من خلال ما تجسد لي من شخصيته ،  مع أنني لم أواكب الرجل منذ بدايته ،  حيث كنت قد ذكرت بأنني بدأت بالكتابة عنه من نهايته ، وحتى لاتكون الصورة مشوشة ومنفصلة عن واقعها الزمني فقد أسعفني الحظ وأنا أتابع البحث والتقصي عن أخبار سعيد قزاز أن أعثر على مقال أفتتاحي لجريدة المثال الصادرة في مدينة الموصل بتاريخ 20 أيار ( مايو ) 1951 بقلم الصحفي عبد الباسط يونس رجب ، ولا اخفي انه تربطني بالمرحوم عبد الباسط يونس علاقة صداقة قوية ، اذ ارتبطت به حال التحاقي بعملي القضائي في مدينة الموصل ، وكان نعم الأخ الصدوق ،  وما أنفك يتحدث لي في مجلسه الذي يؤمه خيرة رجالات الموصل في مكتبته بشارع النبي شيت بالموصل  عن سعيد قزاز ،  و وجدت في هذا المقال حقائق تنطبق مع  واقع الحال في زمنها ،  وواضحة بلا رتوش وبعيداً عن المواقف السياسية فقمت بنقل المقال حرفياً الا أنه كان بودي أن يكون المقال بعنوان ( الرجل العجيب ) .
(( أعتاد الناس في هذا البلد أن ينظروا الى المسؤولين ورجال الحكم نظرة شك وريبة ، وأن يعتبروا من يكتب عنهم أو ينتصر لهم كمن يريد أن يتقرب منهم زلفى ، ومن هنا يجد الكاتب عن شخصية من هؤلاء صعوبة وخطورة ويلقي الموضوع شائكاً معقداً . ولكن الكاتب أذا كان منصفاً وجريئاً لايستطيع أن يرى حقاً واضحاً ملموساً ويسكت عنه أو يرى خطة مجسدة فلا يطريها متأثراً بهذه المقاييـــس .
وفي رأيي أن السكوت عن ذكر المحاسن وأطرائها لايقل خطورة وجرماً عن السكوت عن ذكر المثالب والتنديد بها ، فالنقد الصحيح المثمر ليس ما ألفه المغرضون ذمــاً وتقريعــاً وأستنكاراً وحسب بل هو وزن صادق دقيق للأشخاص والأعمال وأظهار الحق حقاً والباطل باطلاً،  فكما أن واجب الشهامة والجرأة يلزمك أن تقول للظالم ياظالم فهو يلزمك كذلك أن تقول للعادل أحسنت وبورك فيك ، وعلى هذا الأساس لاأجد حرجــاً في أن أسجل أنطباعاتي عن شخصية لم أتفرد بحبها والأعجاب بها بل يشاركني في ذلك على ما أعتقد خلق كثير ، شخصية يمكن أن يقال عنها أنها خيالية أو من شخصيات الروايات والأساطير لولا أن كثيراً من الناس قد لمسوا بأيديهم أثار فضائلها ، شخصية نستطيع أن نقول أنها سبقت عصرها وسبقها عصرها في آن معاً .
فالأخلاق والفضائل التي تتميز بها وروح العدل المتأصل في أعماقها يذكرك ببطل من أبطال السلف الصالح . أما الذكاء وحسن التصرف وبعد النظر والأنغمار في الواجب والنزاهة المتناهية والثقافة الشاملة الممتازة لتحملك على تأسف لهذه المزايا أنها وجدت في هذا العصر الصاخب والوضع المعقد المتشابك سوء ا وشــرا .
ولأكشف لك عن هذه الشخصية علك تشاركني في شعوري . ألم يأتك نبــأ سعيد قزاز المتصرف الذي نال رضــا الناس جميعاً الا من كان في قلبه مرض والذي أجمع أبناء هذا البلد على أن توليــه أدارة هذا اللواء جاءت نعمة من الله حباها لهم .
رجل كهل ودع العقد الرابع من عمره ومضى يستقبل الخامس .
شعر رأسه موزع بين السواد والبياض توزيعاً عادلاً أو قريبا" من العادل . أسمر البشرة لاهو بالطويل الفارع ولابالقصير البدين . تقرأ في وجهه لأول نظرة علامات المرح والدعة والأطمئنان الى أنه رجل قد أرضى ضميره وأنه عدل فأمن فأستراح ، يبتسم للصغير والكبير كما تقرأ الى جانب ذلك أمارات الحزم والجد وحب العمل وتقديس الواجب ، شديد من غير عنف ولين من غير ضعف .
حلو الفكاهة مر الجد قد مزجـت
بشـدة منــه رقـــة الغزل

يعطف على ذوي الحاجات ويقسو بصرامة على الظالمين والعابثين والمستهترين بالأمن وبحقوق الناس ، القوي عنده ضعيف حتى يأخذ الحق منه والضعيف عنده قوي حتى يأخذ الحق له . قد فتح الباب على مصراعيه للمراجعين وذوي الحاجات ينصت لشكاواهم يستوعب مطالبهم بحرص ودقة وأنتباه .
يحمل للناس حبـاً وأخلاصاً ويعطف على البائسين منهم وينفق من ماله على المعوزين والمحتاجين سراً وعلانية .
وصفوة القول أنك مهما حاولت أن تغوص في أعماقه لتقف على الناحية التي تغريك منه وتسحرك لم تخرج الا في حيرة ودهشة من تنازع العناصر الخيرة التي تكون منها هذا الكيان الفذ وأذ ذاك لايسعك الا أن تقر بالعجز عن وصف هذا الأنسان العجيب بلغة الألفاظ ، كما لايسعك الا أن تخشع لمن جمع هذه الفضائل بكرم وسخاء في أنسان واحد )) . (13) 







*******************************************

الهوامش
(13) عبد الباسط يونس رجب / مقال منشور في جريدة المثال الموصلية العدد10/السنة الأولى /20أيار ( مايو ) 1951.




















الفصل الثاني
2 . 1  الصعود بجدارة

عين  ( محمد سعيد أفندي القزاز ) في دائرة المفتش الأداري في السليمانية بتاريخ 20/1/1924 وكان يشغل مسؤولية هذه الدائرة موظف أنكليزي .
كان سعيد قزاز موظفاً متميزاً وحريصاً ،  مما لفت أنتباه رؤسائه فتمت ترقيته الى راتب (130 روبية ) مع توصية بترقيته الى وظائف أعلى لثبوت نجاحه وقوة شخصيته التي تعكس طابع الجد والحرص والمثابرة على أنجاز أعماله ، وفعلاً تمت ترقيته عام 1925 وكان عمره لايتجاوز 21 عاما ، وبقي بالوظائف الأدارية حتى تم تعيينه بوظيفة مدير ناحية ، ونسب للعمل كمدير لناحية تانجرو في لواء السليمانية عام 1927. ( 14)
وبقي سعيد قزاز يعمل كمدير ناحية في عدة نواحي ضمن لواء السليمانية حتى تمت ترقيته الى وظيفة مدير تحرير متصرفية لواء أربيل بتاريخ 23/1/1932 ،(15) وبقي فترة غير قصيرة حتى تمت ترقيته الى وظيفة قائممقام ، فتم تعيينه بتاريخ 31/6/1938 قائممقاما لقضاء حلبجة ثم نقل الى نفس وظيفته في زاخو بتاريخ 4/7/1939 وأستمر بعمله في زاخو لحين صدور الأرادة الملكية بتعيينه بوظيفة مدير الداخلية العام بتاريخ 20/7/1941 حيث أنتقل الى بغداد للمباشرة بعمله مديراً عاماً للداخلي’ (16).
بقي سعيد قزاز بهذا المنصب لحين صدور الأرادة الملكية بتعيينه متصرفاً للواء أربيل بتاريخ 17/9/1944 (17) ، حيث بقي في أربيل حوالي عامين الى أن تم نقله بتاريخ 21/9/1946 الى متصرفية لواء الكوت ومنها الى متصرفية لواء كركوك ، حتى تم  نقله كمتصرف للواء الموصل بتاريخ 26/6/1949 ، وبقي متصرفاً للموصل مدة غير قصيرة لحين دخــوله الوزارة لأول مرة بتاريخ 21/12/1952.
باشر سعيد قزاز عمله كمتصرف للواء الموصل بتاريخ 26/6/1949 فأستقطب الناس في مدينة الموصل  ،  فقد كان رجـلاً أدارياً شهماً غيوراً على مصلحة البلد ، لايعجبه الجلوس على كرسيه أن كانت هناك مشكلة تهم البلد الا ويعمل على حلها  ، وكان دائم السؤال عن أحوال المواطنين ومعيشتهم .
يذكر الأستاذ المحامي محمود الجلبي يوم غرقت مكائن الماء التابعة لدائرة الماء نتيجة الفيضان. فذهب بنفسه يستطلع فوجد أن سبب ذلك غفلة الحارس الذي كان نائماً عند مجيء الماء وأنغمار المكائن وظلت الموصل عطشى بلا ماء ، ذهب بنفسه الى       ( عين زالة ) وطار من هناك الى كركوك بالطائرة وجلب بنفسه ما تحتاجه المكائن من أجهزة وأدوات ومهندسـين وكان أن حلت المشكلة بــسرعة بجهودة ( 18).
يتحدث الأستاذ جرجيس فتح الله فيقول :
ذات يوم أستجار بي خريج ثانوية كانت الشرطة قد رفضت تزويده بشهادة حسن السلوك وهو يروم التقدم الى وظيفة في مديرية السكك الحديد ، لا أدري أن كان قد علم بعلاقة لي مع  ( القزاز ) الا أن أمثاله كانوا عادة يلجأون الي َ. قلت لنفسي فلأجرب      ( القزاز ) لأرى مقدار مايفعل وما أذا كان يتجاوب . وكانت مني قفزة طائشة عالية في الهواء لم أحسب فيها حساب سقوطي وكيف ستتلامس قدماي الأرض بعدها ، وجئت بالشخص الى ( القزاز ) وشرحت أمره فأمـر بأدخاله عليه  .  فدخل خائفــاً وجــلاً وأدرك ( القزاز ) مابه فسأله بلطف عن أسمه فأجاب ( سنحاريب ) فراح يمازحه        (( أتعرف من هو سنحاريب سميك ، أنه ملك آشوري عظيم القدر . هل أنت آشوري ؟ عليك أن تفتخر بنسبك . هيا فأحك لنا قصتك مع هؤلاء الشرطة الأشرار ! )) ، فروي له قصة أجزم أنها لاتحتوي على شيء من الحقيقة لفقها بأعتبارها من أسباب حبس الشهادة عنه . وعلق بذاكرتي تعليق للقزاز أثر ذلك يشبه هذا (( أن كان هذا التلميذ فعلاً عنصر هدم وتخريب ، فهو كذلك موظفاً أم عاطلاً ، وقد تكون الوظيفة سبباً في صلاحه ،ثم أليس أسهل للدولة مراقبة سلوكه وهو موظف تحت ضبطها من تعقيب حركاته وهو حـر )) ، ثم تناول الهاتف وخاطب مدير الشرطة بشأنه وأشار عليه بمراجعته ، الا أن سنحاريب جاء مساء اليوم نفسه الى مكتبي لينبئني بفشل المسعى وقال أن مديرية الأمن في بغداد لم توافق .
عدت به الى ( القزاز ) في اليوم التالي فقال له :
(( سأكون نهار السبت القادم في بغداد وسأحل في فندق سمير أميس فألحق بي وتعال في الساعة العاشرة صباحاً لأخذك معي الى مديرية الأمن وسأحصل لك على الشهادة )) .
وفعلها ( القزاز ) وعاد ( ذو الآراء الهدامة ) من بغداد وبيده شهادة بحسن السلوك فتحت له باب الوظيفة . وكان مثله ثان وربما ثالث ولم تعد شرطة الموصل بحاجة الى الأستئذان من بغداد بل كان يكفيها توصية المتصرف . ( 19)
أشترك القزاز بمؤتمر تسوية الحدود المعلقة بين تركيا والعراق أذ سافر برئاسة وفد الى ماردين من الموصل بتاريخ 21/4/1951 وأصدر أوامره بمنع تصدير الحنطة الى خارج اللواء أو خارج العراق حفاظاً على ثبات سعر البيع وحفاظاً على قوت الشعب من تلاعب التجار (20) .
وكان مثابراً وسريع الحركة يوظف كل وقته لعمله  ،  فقد زار جبال العمادية     ( قضاء العمادية ) ونواحيها النائية التي لم يسبق لمتصرف أن زارها ،  لصعوبة السير في طرقها وعدم وصول السيارات اليها والسفر اليها ،  أما عن طريق ظهور الحيوانات أو سيراً على الأقدام .
وتثمينا لدوره وتفانيه في أداء عمله وخدمته للعراق ، صدرت الأرادة الملكية بمنح السيد سعيد قزاز متصرف لواء الموصل وسام الرافدين من الدرجة الثانية ترفيعاً من الدرجة الثالثة ومن النوع المدني ، وقد سبق لسعادة القزاز أن منح وسام الرافدين من الدرجة الثالثة على أثر حوادث بارازان بتاريخ 17/9/1951 .(21)
وعلى أثر ذلك فقد نشر الأستاذ محمود النحاس معلم مدرسة سنجار الأولى مؤرخا شعرا منح المتصرف وسام الرافدين .
  قد صرت أشدو للورى أيات شعر قــــد جرى
 في مدح حر قد سرى ذكر له في العالمــــين
* * *
حبي وأجلالي لـــه              يامن فؤادي حفه                                            
مذ صرت أشدو ذكره              حتى ملأت الغافقين
* * *
          يامن زهــا في صدره             نور علا من شأنــه
كل الملا أرخ  بــــه            فخر وسام الرافديــــن
                           7               880    107    376 

محمود علي النحاس 1370 هـ (22) 

أما الشاعر حسين وصفي ( نزيل الموصل ) فقد نشر قصيدة بعنوان   ( قدوة في البلاد ) منها :
تسامت بك الحدباء لازلت أهتف        لأنك في شعب العلا متصـــرف
 ناغيت أبناء اللواء برحمة            عظمت بمجدك حيث عطفك يعرف
 كسبت رضاء الهاشميين كلهم           ملوك وسادات كرام وأشــرف
وأنت سعيد في اللواء سعادة          الى بلـد الحدباء فيها مكلف (23)
وبقيت الموصل الى زمن طويل تتذكر الخدمات التي قدمها سعيد قزاز لهذه المدينة التي دخل الى قلوب أهلها دون أستئذان ،  وبهذا الصدد يقول الدكتور كمال أحمد مظهر أنه ليس من السهل على أي غريب أن يخترق أسوار مدينة الموصل الحصينة لأسباب مختلفة ، أهمها كون المدينة تؤلف أحدى نقاط الحافة المهمة بالنسبة للوطن العربي ، وبسبب أمكانياتها الأقتصادية الكبيرة ، ولقوة النخبة فيها الى درجة قلما تضاهي في ذلك على صعيد العراق والمنطقة . لكن الموصل فتحت مع ذلك ذراعيها وأبوابها على مصاريعها أمام سعيد قزاز القادم من السليمانية ، التي كانت صورتها مشوهة في العقل الباطن لأهلها  ، نتيجة الحادث الدموي الذي شهدته المدينة عام 1909 ،  بسبب ما قيل عن تطاول بعض رجال الشيخ سعيد والد الشيخ محمود المنفي الى هناك مع الأتحاديين على فتيات موصليات في أحد أيام العيد يومذاك .
لم يأت حب أهل الموصل للقزاز من فراغ .. أنهم عشقوا دون شك أسلوب أدارته الحازمة التي أستهدفت التسيب الأقطاعي بأسلوب لم يعهده أحد يومذاك ، ولم تظهر في التاريخ مدينة تجارية مزدهرة لم تعان من التسيب الأقطاعي أكثر من غيرها ، ولنا أن نتصور أيضاً ماذا ستكون مشاعر أبناء مدينة النخبة تجاه متصرف ( محافظ ) يولي مثلاً كل هذا الأهتمام الأستثنائي لأغناء مكتبتهم العامة كما فعل سعيد قزاز . وفي الفترة التي عمل فيها القزاز شهد اللواء أستقراراً من الناحية الأمنية وقلة الحوادث وأزدهاراً أقتصادياً ملموساً ومازال الناس تتذكر تلك الفترة بحسرة مقارنة بما آل اليه الحال الآن . 










**********************************************    

   
الهوامش
(14) سجل الحكومة العراقية – صدر في ك2-1927 – طبع في مطبعة الحكومة ببغداد 1927 ص101 .
(15) سجل الحكومة العراقية – صدر في ك2 - 1931 – طبع في مطبعة الحكومة ببغداد 1931 ص15 .
(16) سجل الحكومة العراقية – صدر في ك1 – 1941 –طبع بمطبعة الحكومة ببغداد 1942
(17) سجل الحكومة العراقية – صدر في 1953 – طبع بمطبعة الحكومة ببغداد 1954 .
(18) لقاء شخصي بالأستاذ محمود الجلبي بتاريخ 28/10/1995 بالموصل .
(19) جرجيس فتح الله / المصدر السابق ص164 .
(20) جريدة فتى العرب الموصلية العدد 36 بتاريخ 6/8/1951.
(21) جريدة فتى العرب العدد 43 في 1/تشرين الأول /1951 – الموصل .
(22) جريدة فتى العرب العدد 51 في 26/تشرين الثاني /1951 – الموصل .
(23) جريدة نصير الحق العدد 720 في 17/1/1952 نقلاً عن عبد الرحمن البياتي – سعيد قزاز ودوره في سياسة العراق  










2. 2  الوزارة

أستقال السيد ماجد مصطفى وزير الشؤون الأجيماعية من منصبه في وزارة نور الدين محمود ، فتم  قبول الأستقالة في اليوم التالي لتقديمها ، وبتاريخ 21/12/1952 صدرت الأرادة الملكية بتسمية السيد سعيد قزاز وزيراً للشؤون الأجتماعية ، حيث غادر الموصل بعد تسميته وزيراً لأول مرة وعمل بشكل مثابر وفاعل في تطوير عمل وزارة الشؤون الأجتماعية ، ولم تمض مدة قليلة حتى أستقالت وزارة السيد نور الدين محمود بتاريخ 29/كانون الثاني /1953م – 13/جمادي الأولي/1372 هـ.
بعد ذلك بمدة قليلة تم تعين السيد سعيد قزاز مديرأً عاماً للموانيء العراقية في البصرة وصدرت الأرادة الملكية بتسميته كأول مدير عام عراقي   للموانيء  وبعد مباشرته لعمله في الموانيء حدث خلاف بينه وبين السيد عبد الوهاب مرجان وزير المواصلات والأشغال في وزارة جميل المدفعي وقد أورد السيد عبد الرزاق الحسني أسباب الخلاف :
(( كانت مديرية الميناء العامة في البصرة تشغل من قبل أختصاصي بريطاني منذ 35 سنة فأرتأي في الأونة الأخيرة أن يشغلها رجل عراقي . فكان السيد سعيد قزاز أول مدير عام عراقي يعهد اليه بهذه المسؤولية ولكنه أختلف مع وزير المواصلات والأشغال السيد عبد الوهاب مرجان حول الصلاحيات التي أراد أن يمارسها كالأختصاصي البريطاني فلم يقدر الوزير على ذلك ، وتقدم سعيد قزاز ببرقية الأستقالة التي نصها :
(( عندما طلبتم معاليكم الي أبداء الرأي في تعيين أبراهيم الراضي أقدم ضابط حسابات في مديرية الموانيء، بينت لكم المحذور من مثل هذا التعيين ، بسبب عدم خبرة هذا الشخص في أعمال أهم فرع في هذه المديرية ، وتأثيره السيء على نظامها . وعلاوة على معروضاتي الشفهية طلبت الى مدير عام وزارتكم بيان هذه الحقيقة اليكم منعاً من أجراء التعيين المطلوب . فعلى الرغم من بسط هذه الحقائق لمعاليكم ، فأن تعيين هذا الشخص لغرض حزبي معناه عدم الثقة بشخصي ، أو عدم المبالاة بأرائي لتمشية هذه المديرية على أساس صحيح . لذلك لست مستعداً لتحمل المسؤولية وأقدم أستقالتي من وظيفتي الحالية راجياً قبولها وتعيين من تنسبون لتسلم مهام المديرية )) .
البصرة في 20/آذار /1953                  سعيد قزاز (24)


وقد قبل الوزير هذه الأستقالة فوراً ، فقام الضجيج حول قبولها وبذلت المساعي الحميدة للجمع بين الوزير العنيد والمدير المستقيل ، وأزالة سوء التفاهم بينهما ، ثم شعر الوزير بوجود رغبة ملحة في أعادة القزاز الى منصبه السابق فتقدم بكتاب أستقالة فقبلت بتاريخ 31/5/1953.
وبتاريخ 17/9/1953 تشكلت الوزارة الجمالية الأولى برئاسة السيد فاضل الجمالي ، وتمت تسمية السيد سعيد قزاز وزيراً للداخلية ،  وقد كان قبل ذاك  قد أعتذر عن الاشتراك بوزارة الجمالي ،  فألجأ ذلك الجمالي الى تولي وزارة الداخلية بنفسه  بالوكالة ، وأتجهت النية الى أشراك عمر نظمي بدلا عنه  ،  الا أن المساعي بذلت لأقناع سعيد قزاز . وذكر عبد الرزاق الحسني بأن جهات عليا أصرت على ضرورة أقناع القزاز للأشتراك بالوزارة وقد وافق أخيراً فتكامل بذلك عدد أعضاء الوزارة وصدرت الأرادة الملكية بذلك .
في أواخر عام 1953 وضع  سعيد  قزاز وزير الداخلية خطة أمن بغداد – الألوية ، ثم جرت تعديلات عليها كان أخرها في أيلول ( سبتمبر ) عام 1956 لمواجهة كل الأحتمالات المتوقعة وهذه الخطة تتشكل من الأهداف والمراحل :
أهداف خطة أمن بغداد :-
تأمين أستتباب الأمن في بغداد وضواحيها عند وقوع الأضطرابات .
توحيد العمل وتنظيمه لمعالجة الوضع حسب تطوره وتوزيع الأعمال على قطاعات الأمن في بغداد .
مراحـل الخطــة :-
الأولى :- وأسمها الرمزي ( حكيم )
توضع قوات الشرطة كافة في الأنذار التام وتوزع الأسلحة ووسائل تفريق المظاهرات ووضع محطة لاسلكية ثابتة في مقر كل قاطع .
الثانية :- وأسمها الرمزي ( رشيــــد )
تنفذ بأمر المتصرف عندما يرى ظهور بوادر أضطرابات مهمة تخل بالأمن العام وتؤثر في السلامة العامة .
الثالثة :- وأسمها الرمزي ( سعـــد)
تنفذ بأمر المتصرف عندما يضطرب الأمن ويحدث التصادم مع الشرطة . ( 25)
وقد بادر سعيد قزاز بصفته وزيرا للداخلية الى تخفيف الرقابة على الصحافة ومنح الصحف الأمتيازات والحرية ، كما منح مجلة ( الثقافة الجديدة ) المعروفة بأتجاهها الماركسي الأمتياز بالصدور في تشرين الثاني 1953 ، أضافة الى أجازة العديد من الصحف العراقية . 

 

أضراب البصرة
قامت بتاريخ 7/12/1953 مظاهرات وأضرابات في مدينة البصرة ،  فطلبت الحكومة من سعيد قزاز وزير الداخلية التوجه الى البصرة ليشرف على الحالة ويتخذ التدابير التي يراها ضرورية لصيانة الأمن والنظام – يقول سعيد قزاز أنه عند وصوله البصرة أجتمع بجماعات من مختلف العمال المضربين وهيئات أخرى من المجتمع البصري ،  وتأكد له حسب قناعته  أن هناك حركة شيوعية منظمة ترمي الى أضعاف هيبة الحكومة وخلق الفوضى ، كما أدعى بمراجعة وفد من العمال أياه في الليل في مقرأقامته بفندق شط العرب ،  حيث أعترفوا برغبتهم في العودة الى العمل ولكنهم طلبوا حماية المسؤولين لهم ولعوائلهم من المسيطرين على الأضراب . (26)
و عقد القزاز أجتماعاً في فندق شط العرب الذي كان يقيم فيه ،  حضره مدراء الشرطة في مدينة البصرة والزبير والموانيء ، أكد عليهم بلزوم تفريق أي تجمهر يزيد عن خمسة أشخاص بكافة الطرق القانونية ، وزار عدد من أفراد الشرطة المصابين بجروح نتيجة المصادمات مع المتظاهرين ، في حين أكد أحد ضباط الشرطة بأن سعيد قزاز أجتمع بضباط الشرطة في البصرة بفندق شط العرب – مطار البصرة وطلب منهم تفريق المتظاهرين بكافة الوسائل بما فيها أطلاق النار عليهم .(27)
ثم سافر سعيد قزاز الى بغداد وبتاريخ 15كانون الأول ( ديسمبر ) 1953 أجتمع مجلس الوزراء ، وقام سعيد قزاز بشرح الحالة في البصرة التي تستوجب أجراءات عاجلة قبل تطور الموقف الى حالة أكثر خطورة ، وطلب اعلان الأحكام العرفية في البصرة ،  وهدد بالأستقالة من الوزارة ،  فلم يبق أمام مجلس الوزراء الا أن يعلن الأحكام العرفية في البصرة بصورة مؤقتة . (28)
وبعد يومين تجدد الأضراب فعلاً وتم القبض على بعض المضربين ونزلت قوات من الجيش الى المدينة للسيطرة على الموقف فحصل التصادم ، وكانت الحكومة قد شرعت بالقاء القبض على عدد من قادة العمال والحركة الوطنية في البصرة ، وأنتشرت الشرطة في المدينة وفي الصباح أصبحت الحالة متوترة والحياة معطلة وأصطدمت الشرطة مع المتظاهرين .(29)
كما صدر قرار بتعطيل 9صحف ، وهذه الصحف هي ( الأراء ) ( العزة ) ( الجـبل ) (الجريدة ) ( الدفاع ) ( الأخبار ) ( الميثاق) ( النضال ) و ( النداء ) لمدة عام واحد بتهمة نشرها أنباء مبالغاً فيها عن حوادث البصرة .(30)
كما أحيلت جريدتا ( الأهالي – لسان حال الحزب الوطني الديمقراطي ) و ( لواء الأستقلال – لسان حال حزب الأستقلال ) الى المحاكم الجزائية .
وفي مجلس النواب طالب عدد من النواب وزير الداخلية أن يبين بصورة تفصيلية أسباب حادث أضراب عمال شركة نفط البصرة وأسباب تعطيل 9صحف .
وعلى أثر أعلان الأحكام العرفية في البصرة أحتج حزب الأستقلال والحزب الوطني الديمقراطي ، كما أحتج حزب الجبهة الشعبية المتحدة ، وقد طلب وزير الشؤون الأجتماعية أنهاء الأحكام العرفية في البصرة الا أن سعيد قزاز وزير الداخلية رفض ذلك وأكد على وجوب أبقاء الأحكام العرفية معلنة الى فـترة أخرى مما حدا بالوزيرين الى تقديم أستقالتيهما .
وكان لسعيد قزاز دور أساسي في أستمرار أعلان الأحكام العرفية في البصرة على الرغم من قيام ضجة في مجلس الأعيان والنواب الا أنه كان مصــراً على أعلان هذه الأحكام في البصرة  ، كما أصــر على وجوب أبقائها معلنة حتى تمر ذكرى وثبة كانون الثاني بسلام فلما أنتهى كل شيءعلى حسب مايرام أستصدرت الوزارة الأرادة الملكية بأنهاء حالة الأحكام العرفية المعلنة بصورة مؤقتة في لواء البصرة .(32)
وقد أستقالت الحكومة بتاريخ 27/شباط/1954 . 

فيضان بغداد 
ثم تشكلت الوزارة الجمالية الثانية وهي الوزارة الثانـــية والخمسون ، وتشكلت في 8آذار ( مارس ) عام 1954 المصادف 2رجب عام 1373 هـ  ، وكان سعيد قزاز وزيراً للداخلية فيها ،  وعلى الرغم من أن هذه الوزارة لم تمض طويلاً أذ أستقالت في 29 نيسان ( أبريل ) عام 1954 المصادف 26شعبان عام 1373 هـ  ، الا أنه خلال هذه الفترة حدث أن أرتفعت مناسيب نهر دجلة وحدثت كسرات في بعض السدود وقد قامت الحكومة بالأستعانة بالجيش في أنقاذ مدينة بغداد ليلة 29/3/1954 ، وكان الناس يترقبون الخطر الذي يتهددهم بين حين وآخر  ، و أجتمع مجلس الوزراء حيث قرر أخلاء بغداد من جانب الرصافة الى جانب الكرخ  ، و خالف هذا القرار وزير الداخلية سعيد قزاز حيث برر مخالفته بأن عملية الأخلاء السريعة ستولد كوارث  ،  حيث أن في بغداد ( في حينه ) جسران فقط فأذا ما تصورنا عبور السيارات والمشاة وأحمالهم والأرباك الحاصل بعملية الأنتقال غير المنظمة هذا من ناحية ومن ناحية أخرى ماستتطلبه حماية الممتلكات المتروكه وخشية من حدوث النهب وتلافياً لكل السلبيات أصــر على أبقاء الحالة كما هي عليه على الرغم من تحذيرات مسؤولي الري  ، وتأتي أرادة السماء بأن يقف عنفوان العواصف التي كانت تدفع بالمياه وتهدد بغداد فيقوم المسؤولون بمضاعفة الجهد والأحتياطات لدرء الخطر وقد  أشتركت كافة المؤسسات والمواطنين بذلك .
أعلن سعيد قزاز وزير الداخلية البيان الآتي بنبرات حزينة ونفس كسيرة قابلها الناس بالبكاء والعويل حيث قال :
مواطني الأعـزاء
أنتشرت في الساعة الماضية أخبار مقلقة للسكان حول حدوث بعض الكسرات في سداد مدينة بغداد . أن  هذه  الأخبار لاصحة لها ، ولم تحدث أية كسرة بفضل الله حتى هذه الساعة . لا أريد أن أقلل من اهمية الخطر المحدق بمدينة بغداد هذه الليلة ، ولكن أود أن أطمئن مواطني الأعزاء بأن جهوداً ممكنة في وسع البشر لدرء الأخطار والأضرار عن المدينة قد اتخذت ، وأن أبناءكم المخلصين من أفراد الجيش والشرطة ، ومن منتسبي الدوائر المسؤولة باذلون أقصى جهودهم لمحافظة العاصمة ، وتخفيف الضغط عن سدادها ، ومن واجب كل مواطن أن يبادر الى مساعدة أقرب زمرة آلية بكل الوسائل الممكنة ، وأن نحصل على المعلومات الصحيحة من الدوائر الرسمية المختصة . فعلينا جميعاً أن نجتاز هذه المرحلة العسيرة بسلام ، وسنتجاوزها أن شاء الله وقانا الله من كل شــر وحفظ بلادنا العزيزة بعنايته الربانية.
 وعلى أثر ذلك الموقف  نشر السيد جلال الحنفي قصيدة بعنوان ( تحية ) نشرها في ديوانه المطبوع في مطبعة المعارف ببغداد عام 1956 بخصوص موقف القزاز من فيضان بغداد جاء فيها  :
أسعيد لوتجد النفوس خيارا                 لحنت عليك من الوفاء اطارا
فلأنت منقذ أمة من محنـة                 كادت تكلفها أذى وخســارا
حق على بغداد وهي وفيـة                أن لاتضيع جهدك الجبـــارا
وبتاريخ 26نيسان ( أبريل) عام 1954 المصادف 26 شــعبان عــام 1373هـ تشكلت الوزارة العمرية الثانية ( الوزارة الثالثة والخمسون ) ،  وكان سعيد قزاز وزيــراً للداخلية فيها، وكان يريد أن تجري الأنتخابات العامة في كافة أنحاء العراق في يوم واحـد ،  بينما كان السيد أرشد العمري – رئيس الوزراء – يريد أن يجعلها في أوقات مختلفة لضمان السيطرة مما أضطر القزاز أن يقدم كتاب الأستقالة الأتي :-

فخامة رئيس الوزراء
منذ أربع سنوات لم أتمتع براحة بسبب أنشغالي بالوظائف التي تقلدتها . وأن حاجتي الصحية الى الأستراحة تمنعني من ممارسة واجباتي على الوجه المطلوب . لذا أرجو التفضل بقبول أستقالتي من منصب وزير الداخلية وقبول أحتراماتي الفائقة .
سعيد قزاز 


وقد أستقالت الوزارة بتاريخ 3آب ( أغسطس ) عام 1954 المصادف 3 ذي الحجة عام 1373هـ .
وبالوقت نفسه بــتاريخ 3آب 1954 تشكلت الوزارة السعيدية الثانية عـشر  ( الوزارة الرابعة والخمسون )  ، والتي كان سعيد قزاز وزيراً للداخلية فيها .
كان سعيد قزاز خارج العراق حينما أسند أليه منصب وزير الداخلية فشغل المنصب خليل كنه وزير المعارف بالوكالة ، وعاد سعيد قزاز الى العراق بــتاريخ 24آب ( أغسطس ) عام 1954ليلتحق بعمله  .
كما سافر سعيد قزاز وزير الداخلية بتاريخ 11آب ( أغسطس ) عام 1955 الى تركيا لمباحثة السلطات الأمنية في تركيا حول مكافحة الأراء الهدامة والمباديء الوافدة وعاد الى بغداد يوم 5أيلول ( سبتمبر ) 1955.
أستقالت الوزارة بتاريخ 17 كانون الأول ( يناير ) عام 1955 المصادف 3جمادي الأول عام 1375 هـ .
وبتاريخ 17 كانون الأول ( يناير ) 1955 تشكلت الوزارة السعيدية الثالثة عشرة وكان سعيد قزاز وزيراً للداخلية .
بتاريخ 16/حزيران /1956 قدم عدد من السياسيين من جماعة حزب الأستقلال والحزب الوطني الديمقراطي المسحوبة اجازته أمثال كامل الجادرجي ومحمد مهدي كبه ومحمد حديد وفائق السامرائي وحسين جميل وعبد الشهيد الياسري وهديب الحاج حمود وغيرهم طلباً الى وزارة الداخلية لتأليف حزب سياسي جديد بأسم (( حزب المؤتمر الوطني )) ونشروا منهاج الحزب في بعض الصحف ، وقد رد عليهم سعيد قزاز بكتاب برقم 10845 في 9/تموز- يوليو) / عام 1956 برد الطلب المقدم وقد تم تمييــز قرار الرفض أمام مجلس الوزراء بتاريخ بتاريخ 16/تموز ( يوليو ) / 1956 ولم يبت في الأمر حتى بعد أستقالة الوزارة .
كانت هذه الفترة مليئة بالأحداث ومن أهم هذه الأحداث :-
بتاريخ 1أيلول ( سبتمبر ) 1956 حدث في مدينة الموصل أن أضرب القصابون وأمتنع بائعو المواشي من دفعها للسوق وعلى أثر ذلك أقفلت المطاعم ودكاكين بيع اللحوم في المدينة وقد حاولت البلدية أن تسيطر على الوضع بوضع يدها على الحيوانات التي كانت قادمة من خارج المدينة وذبحها الا أن ذلك لم يحل المشكلة .
كان السبب الظاهري للأضراب طلب القصابين تخفيض القيود المفروضة عليهم من قبل الجمارك وألغاء الزيادة الخاصة برسم الذبح من 30 فلساً الى 60فلسا للأغنام ومن 75 فلسا الى 150 فلساً للبقر وشمل الأضراب باعة الخضروات والخبازين وسائقي السيارات وتطور ليشارك فيه المحامون والمهندسون والأطباء والعمال وأستمر الأضراب أسبوعاً كاملاً دون حدوث ما يسيء حتى وعدت البلدية بتلبية مطلب القصابين فانتهى الأضراب يوم 7أيلول     ( سبتمبر ) 1956.
حضر يوم 8أيلول ( سبتمبر ) 1956 وزير الداخلية سعيد قزاز الى مدينة الموصل بينما كانت حالة الطواريء قد أنتهت  ، وأذاعت السلطة بياناً أعلنت فيه أعلان حالة الطواريء غير الأعتيادي في لواء الموصل ،  وأصدرت بيانا آخر أستهدفت فيه أحد عشر شخصاً أعتبرتهم المحرضين على الأضراب وألزمتهم  بالأقامة في نقرة السلمان وهم :
قاسم المفتي وغربي الحاج أحمد وفخري الخيرو وعبد الغني الملاح وسالم الشيخ علي ومحمد سعيد قصاب باشي وحامد سعيد قصاب باشي ونايف سعيد الحيو وغانم داود وعبد الرحمن القصاب ومحمد صفو العلي .
وتم أبعادهم فعلاً الى نقرة السلمان بأستثناء المحامي غربي الحاج أحمد الذي كان في بغداد عند صدور البيان فأثر الأختفاء الى أن عاد مع المبعدين الى الموصل حيث أطلق سراحهم في 3/10/1956 على أثر أيقاف تطبيق قانون صيانة الأمن في الأضراب رقم 70 لعام 1932 في لواء الموصل بتاريخ 27 أيلول ( سبتمبر ) 1956.
هاجم سعيد قزاز الصحافة ووصفها بالصحافة الصفراء لأنها تبث بين الطلاب روح الأرهاب والتهديد والتفرقة ،  وأفسدت الجيل الحاضر فجعلت الولد يكره أباه والمواطن يكره الحكومة فأضطرت الحكومة الى أصـدار مرسوم المطبوعات . ( 33)

دعا المؤتمر الثاني لنقابة المحامين المنعقد بالقاهرة بتاريـخ 3آذار ( مارس) 1956 نقابة المحامين بالعراق ،  الا أن وزارة الداخلية منعت سفر عدد من المحامين للمشاركة بالمؤتمر بحجة قيام البعض منهم بالأشتراك في المؤتمرات الشيوعية ومزاولة النشاط الهدام ضد الحكومة العراقية ،  وقد علمت نقابة المحامين بالقاهرة بذلك فأبرقت تستنكر موقف السلطات العراقية ، وسجلت شكرها وتقديرها لمحامي العراق .
        ثم تتالت في تلك الفترة الأحداث المثيرة فأندفعت القوى الأستعمارية بنشاط عدواني ضد مصـر حينما قامت الحكومة المصرية بأستعادة حقها المشروع في تأميم قناة السويس ، فقامت بأعتداء عسكري مسلح ومنظم أشتركت فيه كل من بريطانيا وفرنسا واسرائيل  بتاريخ 29/10/1956 ، حيث جرت محاولات تحويل أتفاقية وقف أطلاق النار الى معاهدة سلام لم تنجح ، حيث أصر العرب  حينها على عودة اللاجئين الى وطنهم و تدويل القدس و أن تتنازل أسرائيل عن بعض الأراضي قبل الدخول في مفاوضات ، في المقابل لم توافق أسرائيل على تلك المطالب بحجة تعارضها مع أمنها .

 وازاء عدد متزايد من العمليات الفدائية ضد أسرائيل تم تنفيذها من قبل الفدائيين الفلسطينين و العرب ، في المقابل ردت أسرائيل بأنتقام عنيف . قامت مصر بمنع السفن الأسرائيلية من أستخدام قناة السويس و حاصرت المنفذ البحري الوحيد لأسرائيل على البحرالأحمر مما أعتبرتة اسرائيل عمل من أعمال الحرب و تصاعدت الأحتكاكات على الحدود المصرية الى أن تحولت  الى حرب شاملة في أكتوبر و نوفمبر 1956 .
شاركت بريطانيا و فرنسا أسرائيل في أعتدائها على مصر لخلافها مع الزعيم المصري جمال عبد الناصر بسبب تأميمة لقناة السويس بعد سحب بريطانيا و فرنسا عروض لتمويل بناء السد العالى في جنوب مصر .

حققت أسرائيل خلال ايام قليلة أنتصار سريع على مصر حيث تم أحتلال قطاع غزة و شبة جزيرة سيناء و عند وصولهم لضفة قناة السويس بدأت كل من بريطانيا و فرنسا هجومها على مصر . و تم أيقاف الحرب بعد عدة ايام بتدخل من الأمم المتحدة و تم أرسال قوة طوارئ لمراقبة وقف أطلاق النار . و بمجهود من الأتحاد السوفيتي و أمريكا تم الضغط على الدول المعتدية الثلاث للأنسحاب من المناطق التي تم أحتلالها لكن أسرائيل لم تترك غزة حتي عام 1957 بعد وعد من أمريكا بحل أشكال المنفذ البحري لأسرائيل .
  قامت القوى السياسية في العراق جميعاً بالأسهام في نصرة الشعب المصري والتنديد بدول العدوان  ،  كل قوة على قدر طاقتها ومساحتها النضالية في العمل السياسي ، فأنفجر الوضع أثر ألأعتداء الثلاثي على مصر وشملت المظاهرات مدينة بغداد وباقي الألوية والأقضية والنواحي كما تتابعت الأضرابات أنتصاراً لمصر فقام سعيد قزاز بصفته وزيرا للداخلية بأتخاذ الأجراءات الكفيلة للسيطرة على الوضع وأستتباب الأمن والأستعانة بالجيش لوقف وتفريق المظاهرات الشعبية . وتم وضع خطط أمنية في بغداد وبقية المحافظات وأمر الوزير بتطبيق خطة أمن بغداد وأشرف على التطبيق وتطور الموقف وأدى ذلك الى قيام الشرطة بأطلاق الرصاص على المتظاهرين وسقوط عدد من القتلى والجرحى .
قامت شرطة قضاء النجف التابع الى متصرفية كربلاء في حينه  على أثر قيام بعض المظاهرات في المدينة بفتح النار على طلاب متوسطة السدير العزل من السلاح وقتلت أحد الطلاب وجرحت آخرين ، ثم قامت بأقتحام متوسطة الخورنق وقتلت أحد الطلاب رمياً بالرصاص ، وبعد أن هدأ الحال قام الوزير سعيد قزاز بنقل المسؤولين عن حوادث اطلآق الرصاص الى أماكن أخرى .
كما تعرضت مدينة الحي المشهورة بتحكم الأقطاعيين فيها والسيطرة عليها وأرتكابهم المجازر عام 1954 ، تعرضت هي الأخرى لهجوم مسلح من الشرطة على أثر المظاهرات المؤيدة والمساندة لشعب مصر ضد العدوان الثلاثي عام 1956 فسقط كثير من القتلى والجرحى ثم أنتهت بمأساة أخرى بأن تم القبض على شابين من أبناء الحي وتم شنق أحدهما وهو ميت .
قامت المظاهرات في الحي أستنكاراً للعدوان الثلاثي على مصر فتصدت لها الشرطة بالرصاص فأضربت المدينة أستنكاراً على ذلك ثم حدث أصطدام مباشر مع الشرطة فأنهزمت الشرطة وعادت ليلاً لتدخل المدينة بمساعدة الشيخ عبد الله الياسين وأعوانه وتتحرى البيوت السكنية وتقوم بتكسير الأبواب ، فحدثت معركة بين الأهالي والشرطة قتل فيها عدد من الأهليين وجرت أعتقالات واسعة ثم جرت محاكمات صورية وحكم على أثنين هما عطا مهدي الدباس وعلي الشيخ حمود بالأعدام شنقـا، وقد توفي الأول أثناء التعذيب ومع ذلك فقد تم أعدامه وهو ميت أما الثاني فقد تقدم الى حبل المشنقة شامخ الرأس ولفظ أنفاسه الزكية .
وقد سبق لهذه المدينة الباسلة في عام 1954 أن أستبسلت  ، أذ كانت الحي وهي قضاء تابع الى لواء الكوت ( واسط حاليا) يسيطر عليها الأقطاع ويتحكم بأمور أهلها  ، وقد ذكر المرحوم سعيد قزاز ضمن  دفاعه في محكمة المهداوي أنه كان في جدال مستمر مع الشيخ عبد الله الياسين رئيس عشائر المياح ،  لأقناعه بتخصيص مقبرة للأهالي من الأراضي التي يسيطر عليها الأقطاعي المذكور فلم يفلح  ، حيث قام الأقطاعي المذكور بتسوير مدينة الحي بسور من طين ،  وأعتبر ماكان خارج السور ملكاُ له ، فأذا ماتوفي أحدهم في مدينة الحي حتى وأن كان طفلا وجب نقله الى النجف ، وأكثر من ذلك أذا أراد أحدهم أن يرشق سطح داره بالطين ،  وجب عليه أن يأتي بالتراب من الناصرية على بعد 50 ميلا من الحي ،  فكان التراب اللازم لرش سطوح المنازل في الحي يباع كما تباع الحنطة والشعير.
عمت المظاهرات جميع مناطق العراق وعمت العاصمة موجه من الغضب أدت الى أستياء الناس ثم أضرابهم وغلق محلاتهم ، وفي 28تشرين الثاني( نوفمبر ) 1956 قامت مظاهرة في الكوفة جوبهت بالرصاص من قبل الشرطة فقتلت طفلاً وأصيب غيره وقامت مظاهرات في الديوانية والشامية والحلة وكربلاء والناصرية والعمارة والبصرة والكوت وعانه كما سرت روح الأستياء من حوادث النجف الى الألوية الشمالية كركوك وأربيل والسليمانية والموصل فقامـت مظاهرات وحدثت أضطرابات .(34)
وبعد ذلك أستقالت الوزارة بتاريخ 20حزيران ( يونيو ) 1957 ثم تشكلت الوزارة السعيدية الرابعة عشرة بتاريخ 3آذار ( مارس ) 1958المصادف 11 شعبان 1377 هـ وكان سعيد قزاز وزيراً للداخلية فيها .
كان سعيد قزاز لايرتاح الى خليل كنه و كان نوري السعيد قد وعد خليل كنه برئاسة مجلس النواب ، وبعد أن أشترك كنه بالأنتخابات حصل على النيابه بالتزكية لابالأنتخاب الحر . وعندما دعي المجلس الجديد الى الأجتماع بتاريخ 10آيار(مايو) 1958 أسـر نوري باشا الى أصحابه أن ينتخبوا عبد الوهاب مرجان لرئاسة المجلس بدلاً من أن يفي بوعده ،  لكنه في الوقت نفسه فان السادة الوزراء سعيد قزاز وضياء جعفر وعبد الكريم الأزري ورايح العطية كانوا يكرهون خليل كنه ويسعون لأبعاده عن رئاسة المجلس وكان الوصي يشجعهم على ذلك . (35)
هذا وتم أنتخاب سعيد قزاز عضواً في الدورة الأنتخابية السادسة عشرة لمجلس النواب بتاريخ شباط( فبراير ) 1958 ضمن نواب لواء السليمانية .
وفي عهد سعيد قزاز قامت وزارة الداخلية بألغاء سجن نقرة السلمان النائي والكائن في صحراء البادية الجنوبية التابع الى قضاء السماوة من أعمال متصرفية الديوانية وتسليم البناية الى مديرية البادية الجنوبية للأنتفاع بها ، وكان الناس يشكون من بعد هذا السجن الأنفرادي عن الحواضر والمدن وسوء المعاملة التي يلقاها المسجونون فيه والسياسيون المبعدون اليه أيضاً ن وهذه الأشارة ما يمكن إن يتم اعتبارها نقطة أيجابية يسجلها سعيد قزاز في الغاء سجن نقرة السلمان سيء الصيت في أيام وزارته في العهد الملكي ، حيث اعيد السجن المذكور ليأوي اعداد كبيرة من الوطنيين في الزمن الجمهوري .
وقد أستقالت الحكومة بتاريخ 19/5/1958 .
 

الهوامش
(24)عبد الرزاق الحسني  /  تاريخ الوزارات العراقية /ج9/ الطبعة السابعة – دار الشؤون الثقافية العامة بغداد 1980- ص29
(25) عبد الرزاق محمد أسود / موسوعة العراق السياسية / المجلد الثالث / الدار العربية للموسوعات – بيروت لبنان 1986- ص119
(26) محاضر مجلس النواب – الجلسة 23 في 17/1/1954- ص334 جريدة الحوادث – جريدة اليقظة 18/12/1953
(27) شهادة أبراهيم علي القاضي / محكمة الشعب /ج10 / ص179
(28) محاضر مجلس الوزراء الجلسة 144 قي 15/12/1953 رقم الملف 430
(29) محاضر مجلس النواب 17/1/1954 – ص335
(30) محاضر مجلس الوزراء الجلسة 145 في 16/12/1953رقم الملف 430
(31) عبد الرزاق الحسني / المرجع السابق – ج9- ص75-77
(32) عبد الرزاق الحسني /    المرجع السابق – ج9- ص313
(33) محاضر مجلس النواب الجلسة 13 في 14/1/1955
(34) عبد الرزاق الحسني / ج1/ص117
(35) عبدالرزاق الحسني /=  =  ص219-220 

الفصل الثالث

3. 1  المحاكمـة


تشكلت الوزارة البابانية برئاسة أحمد مختار بابان بتاريخ 19/5/1958 المصادف 1ذي القعدة 1377 هـ وكان سعيد قزاز وزيرا للداخلية فيها , وقبل أن تكمل الوزارة شهرين من عمرها قامت ثورة 14تموز ( يوليو) 1958 لتطيح بالملكية وبالوزارة وأعلان العهد الجمهوري .
ولغرض محاسبة المسؤولين في العهد الملكي ، فقد تم تشكيل هيئات تحقيقية عسكرية خاصة في وزارة الدفاع ، اخذت على عاتقها القبض على المسؤولين والتحقيق معهم وأحالتهم موقوفين على المحكمة العسكرية العليا الخاصة بوزارة الدفاع . 
على أثر قيام الثورة قام السيد سعيد قزاز وزير الداخلية في العهد الملكي بالأتصال تلفونياً من داره بمتصرف لواء بغداد وبمدير الأستخبارات العسكرية ليبدي أستعداده للحضور أمامهم ، وفعلاً بعد مرور ساعتين حضرت الى داره سيارة عسكرية برئاسة ضابط ومعه عدد من الجنود وتم أعتقاله ،  حيث أقتيد الى مبنى وزارة الدفاع ،  وتمت مواجهته لزعيم الثورة الزعيم الركن عبد الكريم قاسم الذي تربطه به معرفة سابقة حينما كان سعيد قزاز متصرفا للواء كركوك ،  وكان عبد الكريم قاسم يشغل منصباً عسكريا في قيادة الفرقة الثانـية في كركوك .
كان في أعتقاد سعيد قزاز بعد مقابلته للزعيم عبد الكريم قاسم أنه سيحظى بتحقيق نزيه ومحاكمة عادلة من خلال وثوقه بنفسه ونزاهة سلوكه وأعتماده على كلمة الثقة التي لم تكن في محلها التي قالها الزعيم عبد الكريم قاسم  ، وجميع هذه الأمور هي  التي دفعت سعيد قزاز الى تسليم نفسه الى السلطة.
أحيل سعيد قزاز بعد أن جرى أعتقاله وتوقيفه الى الهيئة التحقيقية الخاصة وتمت أحالته على المحكمة العسكرية العليا الخاصة بتاريخ 6/11/1958 بالقضية التحقيقية المرقمة 70/1958 وعين موعد 24 كانون الثاني ( يناير ) 1959 موعدا للمحاكمة .
بدأت محاكمة المتهم سعيد قزاز أمام المحكمة العسكرية العليا الخاصة            ( محكمة الشعب )  ، يوم السبت 24كانون الثاني ( يناير ) 1959 الساعة الخامسة مساء ، و تشكلت المحكمة من رئيسها العقيد فاضل عباس المهداوي وعضوية كل من العقيد فتاح سعيد الشالي والمقدم شاكر محمود السلام والمقدم حسين خضر الدوري والرئيس الأول أبراهيم عباس اللامي والمدعي العام العقيد الركن ماجد محمد أمين ، بدأت المحاكمة بعد إن اعلن رئيسها افتتاحها بأسم الشعب ونودي على المتهم سعيد قزاز الذي تم احضاره وادخاله قفص الأتهام ، ثم بدأ  المدعي العام بتلاوة بيانه والذي نعت المتهم بصفات وأتهامات  غير حقيقية وبعيدة عن الانصاف  ، حيث  ذكر أنه تربى منذ أن كان طفلاً في مدرسة السليمانية الأبتدائية بين أحضان المستر ( هولمن ) و( لايف ) و( جابمن ) و (أدمونز ) وغيرهم من أقطاب الأستعمار البريطاني ، وقد أختاره المستر لاين المفتش الأداري في السليمانية مترجماً براتب 130 روبية لأنه كما يقول المستر في تقريره كان ( صبياً لامعاً وسيماً ) .
وبتاريخ 16/9/1925 طلب المفتش الأداري من المستر ( ألد رمان ) مستشار وزارة الداخلية ترفيع المتهم قائلا بالحرف الواحد ( أن حما سعيد أفندي أحد الموظفين القلائل في هذه المنطقة الذي ينجز أعمالا يومية مناسبة وهو قائم بأعماله بسهولة ) . (36) 
ومن المفارقات الطريفة أن يقوم السيد خليل كنه الوزير والنائب في العهد الملكي بمهاجمة السيد سعيد قزاز في البرلمان العراقي  ويصفه بأنه تربى في كنف ورعاية المستر جابمن والذي كان يشغل وظيفة مفتش في السليمانية وكان سعيد قزاز موظفا كأي موظف في الخدمة ،  ويدور الزمن ليعود السيد ماجد محمد امين المدعي العام في محكمة الشعب ليعيد نفس الكلمات بعد أن سجنت الثورة السيد خليل كنه .
وبتحد لم تعهده المحكمة وبموقف أثار حفيظة أعضاء ورئيس المحكمة مع فارق إمكانية القدرة على التحدث يقول سعيد قزاز أن موقف المحكمة غير حيادي بحيث تعرضت الى الإهانات لامن رئيس المحكمة والمدعي العام فحسب بل حتى من أفراد لا توجد لهم أية صفة رسمية  ، الأمر الذي أقنعني أن مصيري قد تقرر قبل البدء بالمحاكمات ومادامت الحياة مكتوبة ومادام مصيري معلوماً ومادمت لا أهاب الموت والمشنقة فأنني أدلي بهذه الإفادة لكي أوصل صوتي الى خارج هذه القاعة الى أخواني العراقيين لكي أؤكد لهم بأنني خدمتهم بإخلاص وأمانة لمدة تزيد على ثلاثين سنة .
لم يجروء أي متهم وقف أمام محكمة المهداوي أن يطعن في هذه المحكمة وبقراراتها سوى سعيد قزاز ،  ليقف وهو على أعتاب الستين من العمر ليقول للمهداوي لاأهاب الموت ولاالمشنقة وحينما سأله المهداوي : هل أنت من القوميين العرب ؟
أجاب سعيد قزاز : كلا أنا كردي عراقي أفتخر بعراقيتي .
ولأنه يعرف أنه أمام محكمة بعيدة عن التطبيق القانوني السليم يبدأ دفاعه بطلب هو حق لكل متهم مهما كانت التهمة الموجهة له  ، حيث أن حق الدفاع مقدس ،  فيطالب بأسم قدسية العدالة أن يسمح له بقراءة الدفاع دون  أن يقاطع من قبل أحد الى أن يختتمه ، وما أن يقاطعه المهداوي حتى ينبري له ليذكره بأنه أخذ منه وعدا بان لايقاطع ولو كان المهداوي نبها لفكر ملياً بان وعد رئيس المحكمة قرار ومن لايحترم قراره لايحترم محكمته أصلاُ .
ومهما يكن الأمر فأنه وبصلابة الرجل المؤمن الواثق من نفسه يطلق كلمته الصارخة (( أنني أقف الآن وأرى الموت مني قاب قوسين أو أدنى ولاترهبني المشنقة وعندما أصعـد عليها سأرى الكثيرين ممن لايستحقون الحياة تحت أقدامي ..  ، ثم يتابع وأقف الآن بين يدي الله عز وجل لأقول كلمتي الأخيرة كمسلم لاأمل له الا بعدالة خالقه العظيم ولاأيمان له الا بدينه الأسلامي الحنيف ، أقف الآن كعراقي قدم ثلاث وثلاثين سنة في تعزيز الوحدة العراقية المقدسة ، أعلن على رؤوس الأشهاد بأنني فخور بما قدمت لوطني الحبيب من أعمال وخدمات وفخور بأنني كافحت الشيوعية بدافع أسلاميتي ووطني محذراً من شرور الشيوعية الدولية وأخطارها على وطني العزيز !! وأذا أصابني شيء بنتيجة هذه المعركة فأنني أتقبلها بأيمان عظيم وسيكون لأهلي وأقاربي الفخر بأنني أول شهيد في هذا الميدان لذلك أختتم دفاعي بأنني لاأطلب الرحمة ولاالغفران من أي بشر كان بل أترك أمري الى الله وأصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين . )) 
والحقيقة أن سعيد  قزاز سلم نفسة مختارا الى السلطات العسكرية على أثر قيام ثورة 14 تموز ( يوليو ) ، 1958 حيث أتصل تلفونيا بكل من متصرف لواء بغداد ومدير الأستخبارات العسكرية ،  فتم أرسال ثلة من الجنود بأمرة ضابط عسكري الى داره حيث  كان ينتظرهم ،  وتم أعتقاله حيث قابله الزعيم عبد الكريم قاسم الذي أوعده بتحقيق نزيه ومحاكمة عادلة وسيتطلب الأمر توقيفه مده قصيرة ثم أقتيد الى الهيئة التحقيقية الخاصة بوزارة الدفاع .
كان المهداوي معروفاً بأطلاقه الكلمات الجارحة والنكات ضد من يقف في قفص الأتهام مستغلاً المواقع وساخرا من المتهمين  وعندما حاول النيل من سعيد قزاز أجابه بتحذير :
أترجاك بصورة خاصة أن لاتهين كرامتي لأني لاأقبل أحداً أن يهين كرامتي .
تقدم للشهادة ضد سعيد قزاز كل من عزيز شريف وتوفيق منير وكامل قزانجي وفاضل بابان وممتاز الدفتري وجاسم مخلص وميخائيل نعوم وعبد الجبار فهمي وسلطان أمين وعبد السلام الجبوري ومحمد عبد العزيز وشاكر العاني وبهية مصطفى وعارف أسماعيل وديوالي الدوسكي وباقر كمال الدين وصالح زكي مصلح ومحمد حسن صادق وداود الأورفلي وملا صالح علي وأبراهيم القاضي وحمدان حسين العلي وهاشم سيد طعمة ونظيمة وهبي ومحسن الحاج هويش وكريم علش ورحيم علي .
وبعد أن أستمعت المحكمة الى شهادات الشهود علق المتهم سعيد قزاز بدفاعه في ما يخص الشهادات :
لاأتناول شهادات الشهود بالمناقشة لأنهم كانوا يوجهون ضدي من البداية ، وحتى سمح لأحدهم أن يقرأ قصيدة قبل الدخول في الموضوع الأصلي مليئة بالسب والشتم عليَ وأستعمال كلمات بذيئة يجب أن لاتقال في محكمة تحمل طابع الشعب ومن البديهي أن معظم الشهادات ملفقة وتافهة أو لاعلاقة لها بمسؤوليتي الشخصية . الشاهد الوحيد الذي تجرأ وذكرني بشيء من الخير أثار غضب الرئيس والمدعي العام عليه وأرجو من الله أن يحرسه بعنايته وهو الشاهد شاكر العاني .











 
        
الصفحة الأولى من  دفاع سعيد قزاز بخط يده والذي قام بتلاوته امام محكمة الشعب




وفي الساعة العاشرة من صباح الخميس 29 كانون الثاني ( يناير ) 1959 تلي المتهم سعيد قزاز دفاعه وكان على الشكل التالي :
المتهم : أعلنتم مرارا بأن حق الدفاع مقدس فبأسم هذه القدسية أرجو أن تسمحوا لي بقراءة دفاعي من دون أن يقاطعني أحد الى أن أختمه .
الرئيس : تفضل .
المتهم: شكـــرا.
على أثر قيام الثورة سلمت نفسي مختاراً الى السلطات العسكرية بعد أن خابرت تليفونيا متصرف لواء بغداد ومدير الأستخبارات العسكرية بأنني مستــعد للحضور أمامهم متى شاءوا. وفعلا بعد مدة ساعتين حضر الى داري ضابط عسكري وعدد من الجنود وأخذوني مباشرة الى ديوان وزارة الدفاع ، وقصدي من هذه المقدمة تكذيب ما أدعاه المدعي العام بأنني أرتديت الملابس النسائية خوفاً من القتل ، ذلك الأدعاء الذي لانصيب له من الصحة .
الرئيس : عوضاً عن عبارة تكذيب قل عبارة تصحيح .
المتهم : أنا أخذت وعداً من سيادتكم بأن لاأقاطع .
الرئيس : أذا طلبت ألا يقاطعك أحد لايعني ذلك رئيس المحكمة لايقاطعك ، أنت كنت تقصد الحاضرين من المواطنين الكرام ، ولكن تهجمك بكلمة تكذيب هذا لايمكن السكوت عنه يجب أن يصحح ويكون تصحيحاً .
المتهم : الدفاع دفاعي وبتوقيعي وأنا مسؤول عن كل كلمة وردت فيه .
الرئيس : المدعي العام لا يكذب . أنه لسان الشعب ( تصفيق ) لقد مضى عهد الكذب والكذابين، صحح بأمر الشعب ( تصفيق وهتافات ) باشر في دفاعك .
المتهم : ولو أنصف سيادته لما لجأ الى هذا الافتراء ، وأذا هو لا يعرفني معرفة حقيقية فأن أكثرية الناس سواء في بغداد أو في خارج بغداد يعرفون من هو سعيد قزاز ، ويقدرون مدى صحة أدعائه . أن ماحملني على أتباع طريقة مراجعة السلطة العسكرية من تلقاء نفسي : أولا قناعتي بأنني خدمت وطني بصدق وأخلاص ولم أرتكب شيئا يستوجب الهروب من العدالة . وثانيا تصديقي لما أعلنه قادة الثورة في البداية من أنها ثورة على الأوضاع السابقة ، وانها ليست ثورة حقد وأنتقام بل أنها سوف تحاسب الذين تعتبرهم مسيئين لوطنهم وتحاكمهم محاكـمة عادلــة أصولية ، وفي مواجهــتي يـوم 15 تموز ( يوليو ) لزعيم الثورة اللواء الركن السيد عبد الكريم قاسم ( تصفيق وهتافات ) .
الرئيس : لاتقاطعوا الدفاع ، من الأصول الدفاع يســترسل وبعدئذ تكون الهتافات أو التصفيق.
المتهم: وفي مواجهتي مع زعيم الثورة سيادة اللواء الركن عبد الكريم قاسم لطفني بكلمات رقيقة وأكد لي بأنني صديقه وأن الأوضاع تتطلب حجزي لمدة من الزمن .  وبالنظر لمعرفتي الشخصية بسيادته عندما كنت متصرفاً في كركوك وهو يشغل منصباً في مقر الفرقة الثانية فيه، بينت له بصراحة تامة بأنني أقدر مسؤولياته كزعيم لحركة ثورية كما أتحمل أنا بدوري مسؤولية أعمالي أمام هيئة يؤلفها هو لمحاســبة المقصرين ، وبعد ذلك جرى أعتقالي ، وبعد حين نشر القانون رقم 7 لسنة 1958 ومع أستغرابي لما أنطوى عليه من مفعول رجعي غير مسبوق فقد تذكرت كلمات الزعيم لي وأقنعت نفسي أن المحاكمات ستجري بالشكل الأصولي والقانوني ويجب علي أنتظار النتيجة . ثم بدأت المحاكمات فوجدت انها تسير على أسلوب خاص يستهدف أهانة المتهمين والشهود أكثر مما تستهدف أظهار الحقائق والأستماع الى أقوالهم . وبررت هذا الأسلوب بانه من مقتضيات فترة تعتبر من فترة الهياج ولابد أن يهدأ الحال وتأخذ الأمور مجراها الأصولي . وجاء دوري أخيراً لأقف أمامكم كمتهم فلم يسمح لي بمواجهة المحامي الذي وكلته للدغاع عني في اليوم الأول . ولم يتمكن من الحضور في الجلسة الأولى وعندما حضر في اليوم الثاني لم يفسح لي المجال لمواجهته الا دقائق معدودة لاتتجاوز خمسة أو ستة ( الرئيس مقاطعا )
الرئيس  : متى طلبت أيها المحامي مواجهة المتهم أو الحضور ولم نسمح .
المحامي : سيادة الرئيس الحق يقال أنه لم يحل دوني ومواجهة المتهم أي عائق سوى أن تأخري لمدة خمس دقائق بسبب ظروف قاهرة حالت دون تمكني من دخول قاعة المحكمة من شدة الأزدحام . وأنني سمعت من الأذاعة بأن سيادة رئيس المحكمة يفتش عني ، وهذا أكبر دليل على حرصه وأنه يعز عليه أن يترك المتهم دقيــقة واحدة بدون أن يحضر المحامي .
الرئيس : اتركوه ليستمر – حبل الكذب قصير .
المتهم : وهاهو اليوم يحاول الدفاع عني بدون أن أتمكن من مواجهته وتنويره ببعض الحقائق عن القضايا التي أثيرت في المحكمة . وأما في الجلسات نفسها فكان موقف المحكمة منذ البداية موقفا غير حيادي ، بحيث تعرضت الى شتى الأهانات لامن رئيس المحكمة والمدعي العام فحسب بل حتى من أفراد لاتوجد لهم أية صفة رسمية        ( الرئيس مقاطعا) : هذه أرادة الشعب .
المتهم : - مسترسلا- الأمر الذي أقنعني أن مصيري قد تقرر قبل البدء بالمحاكمات ومادامت الحياة مكتوبة ، ومادام مصيري معلوما ، ومادمت لاأهاب الموت والمشنقة . فأنني أدلي بهذه الأفادة لكي أوصـل صوتي الى خارج هذه القاعة الى أخواني العراقيين لكي أؤكد لهم بأنني ( هتافات بالمطالبة برأس المتهم ) .
الرئيس : لاتقاطعوه ، دعوه ، حق الدفاع مقد س لأننا نعلق عليه لنظهر الحقائق فورا.
المتهم : لكي أؤكد لهم بأنني خدمتهم بأخلاص وأمانة تزيد على ثلاثين سنة وأنني أذا أرتكبت خطأ فأن حقي في الدفاع عن نفسي قد حرم علي َ .
الرئيس : كيف حرم عليك ؟ دافع عن نفسك الآن هل منعـــناك من الدفاع ؟ دافع حتى المـساء وقل ماتشاء .
المتهم: وأوتي بي الى هذا المكان لأتلقى سيولاً من الشتائم والأهانات من قبل المسؤولين ومن قبل فئة معينة ( الرئيس مقاطعا) .
الرئيس  :   الشعب يكيل الصاع صاعين لأنه حر وقوي ( تصفيق وهتافات ) .
المتهم : - مسترسلا- أحضرت الى هنا خصيصا لهذا الغرض ، بدلا من الرعاية التي يسبغها كل قضاء حيادي حتى على أشد الناس أجراماً ، حتى اللحظة التي تثبت بها الجريمة ويصدر فيها الحكم . لاأتناول شهادات الشهود بالمناقشة لأنهم كانوا يوجهون ضدي منذ البداية ، وحتى سمح لأحدهم أن يقرأ قصيدة قبل الدخول في الموضوع الأصلي بالسب والشتم علي ( الرئيس مقاطعا)
الرئيس : ألم نمنعها ؟ منعت . وقلنا له أقرأها بعد أكمال الشهادة .
المتهم: وأستعمال كلمات بذ يئة يجب أن لاتقال  في محكمة تحمل طابع الشعب .  ومن البديهي أن معظم الشهادات كانت ملفقة وتافهة أو لاعلاقة لها بمسؤوليتي الشخصية ، الشاهد الوحيد الذي تجرأ وذكرني بشيء من الخير ، أثار غضب الرئيس والمدعي العام عليه . أرجو من الله أن يحرسه بعنايته .
الرئيس: من هو ؟
المتهم : شاكر العاني .
الرئيس : لأجل أنه كان يدافع عنك ‍ ! أننا فندنا منطقه عما ورد من عبارات لاحولك مطلقا ويعرف الرأي العام جيدا لماذا فند نا أقواله وعن أتجاهاته . ويعرف أيضا المدعي العام .  فقط فسرنا كلمة الأدراك ، وموجود هذا التفسير وعن القومية الصحيحة ، هل أنت من القوميين العرب ؟
المتهم : كلا أنا كردي عراقي أفتخر بعراقيتي .
المدعي العام : هذا مع العلم أن شاكر العاني المدعي العام فصل في وزارة نوري السعيد والمتهم وزير داخلية ، فصلته لجنة تطهير الجهاز الحكومي لسوء تصرفاته وثبوت هذا الشيء عليه ، والآن يدعو له المحافظة بعناية الله . هؤلاء من نفس المدرسة ونفس الطينة .
الرئيس : لم أعلم بذلك مطلقا أثناء أدلاء شهادته ، ويعلم المدعي العام ذلك . بعد أن أكمل الشهادة أفهمني عنه وأنني لم أتحيز منذ الدقيقة الأولى لمحكمة الشعب حتى الأن الا للحق والعدالة ولمصلحة الشعب ( تصفيق ) ثم أنت لماذا يائس ؟
المتهم : لست يائسا- أنا وعدتموني أن أقرأ دفاعي ولاأقاطع .
الرئيس : هذا دفاع أم تهجم ؟
المتهم : على كل حال أنا مسؤول عن كل كلمة وردت فيه – بأسم قد سية حق الدفاع الشرعي طلبت ذلك .
الرئيس : أنت كمن يريد أن يقدم خنجرا أمام من يريد مقابلته ويقول له بقدسية الصداقة أريد أن اصافحك فيطعنه . كما بينا عنهم في جلسة الأمس . بأسم الصداقة وبأسم الثورة وأراد أن يغتال قائد الثورة وصديقه . داوم .
المتهم : أما التهم الموجهة الي من المدعي العام أن دلت على شيء فهي تدل على حقد دفين ولايستنــد الى منطق أو مادة قانونية ( الرئيس مقاطعا) .
الرئيس : هل لك أية معرفة سابقة ؟ الحقد معناه نتيجة العداوة بين شخصين أنما أذا بينت أنه حقد الشعب عليك يجوز ذلك . هل هذا التفسير مغلوط ؟
المتهم : أولا حضوري في البصرة يوم 15/2/1953 لم يكن الا لأنهاء حالة فوضى كانت تهدد الأمن العام وتهدد حريات المواطنين الذين كانوا يريدون مزاولة أعمالهم في شركة النفط وكسب أرزاقهم اليومية .  وعلاقتي الشخصية في الحادثة موضوع البحث لاتتعدى الأشراف على أعمال الموظفين المحليين طبقا لنصوص القوانين المرعية في تمكين الأفراد لممارسة حقهم المشروع في العمل ومنع تعديات الأخرين عليهم . وأذا حدثت أصابات فقد حدثت بين الطرفين واتخذت السلطة القضائية كافة الأجراءات المقتضية بشأنها . وفي هذا الموضوع أستشهد بكل من وزير الداخلية الذي أصبح حاكما" عسكرياً من اليوم الثاني بعد اعلآن الأحكام العرفية . وبرئيس أركان الجيش الحالي الذي يتولى رئاسة المحكمة العسكرية في البصرة أثناء الأحكام العرفية . في ماأذا كنت أنا مسبباً في حدوث هذه الأصابات واما الحوادث المؤسفة التي حدثت في النجف والحي وبغداد بعد الأعتداء على مصر في شهر تشرين الأول ( أكتوبر ) 1956 فأن علاقتي الشخصية فيها لاتتعدى علاقة وزير من وزراء الحكومة القائمة آنذاك . وكل العمال الصادرة مني أثناء تلك الحوادث وبسببها مطابقة للقوانين المرعية وأقتضتها سلامة الوطن العراقي في ذلك الحين. أما حادثة السليمانية بسبب نقل جثمان المرحوم الشيخ محمود اليها ، فقد سمعت بها بعد حدوثها بساعات من وكيل متصرف اللواء ، وأقتصرت أعمالي على تهدئة الوضع وترك الأمر الى المحاكم النظامية لمعرفة المسببين ومعاقبتهم على ضوء التحقيقات التي جرت في حينها من قبل الحكام المدنيين . وأما مانسب لي من التدخل في أمور الأنتخابات فأقول بصورة مختصرة بأن الشكوى في هذا الموضوع تأتي في أكثر الأحيان من الذين يحاولون أقناع المسؤولين في التدخل على حسابهم لعدم وجود رصيد لهم في المنطقة الأنتخابية . وعندما يفشلون في الحصول على مايريدون يكونون في مقدمة الباكين على حرية الأنتخابات وتدخل الحكومة فيها . لذلك أنني تمكنت من تفنيد أدعاءات الشهود في هذا الصدد ولم يثبت وجود حادثة معينة أرتكبت فيها ا فيها مخالفة قانونية . أنني أقف الآن وأرى الموت مني قاب قوسين أو أدنى ولاترهبني المشنقة ، وعندما أصعد عليها سأرى الكثيرين ممن لايستحقون الحياة تحت أقدامي . وأقف الأن بين يدي الله عز وجل لأقول كلمتي الأخيرة كمسلم لاأمل له الا بعدالة خالقه العظيم ولاأيمان له الا بدينه الأسلامي الحنيف ، أقف كعراقي قدم ثلاث وثلاثين سنة في تعزيز الوحدة العراقية المقدسة ، أعلن على رؤوس الأشهاد بأنني فخور بما قدمت لوطني الحبيب من أعمال وخدمات .. فخور بأنني كافحت الشيوعية بدافع أسلاميتي ووطني وتنفيذاً لقانون لايزال يعتبر من شريعة البلد . فخور بأنني كنت وزيراً فعالا أعمل بوحي من ربي وعقل في رأسي وقلب في صدري 
( ضحك ) ( الرئيس مقاطعا)
الرئيس : حق الدفاع مقدس ليدافع كما يشاء ونحن له بالمرصاد ( تصفيق ) .
المتهم : - مسترسلا – محذرا من شرور الشيوعية الدولية وأخطارها على وطني العزيز وأذا أصابني شيء نتيجة هذه المعركة فأنني أتقبلها بأيمان عظيم . وسيكون لأهلي وأقاربي بأنني أول شهيد في هذا الميدان . لذلك أختتم دفاعي بأنني لاأطلب الرحمة ولاالغفران من أي بشر كان بل أترك أمري الى الله وأصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين .(37)
الرئيس : أستمع الآن ، طبعا قبل المباشرة بمناقشة المتهم سمعتم منطق العهد البائد وأصرار المتهم على التمسك به بدليل ( ذكائه ) الخارق ، والأكاذيب الفورية علينا وعلى الأدعاء العام ، وهي كما ينبغي شبيهة بأبواق الأستعمار والرجعية علينا أيضا ، فقد قالوا أن رئيس المحكمة حينما بوغت من أحد الشهود عن أخيه ووصفوه بما هو أحق أن يوصفوا به لأنهم خونة ومأجورون للأستعمار أي نشالين الشعوب . وبالصدفة لم أر أخي منذ أسابيع ، بينما أراه الآن وهو جبار المهداوي وهذا هو ( وقد أشار اليه سيادة الرئيس وكان مع المستمعين ) وقصة خروجة من الوظيفة عندما كان نائب ضابط في الدفاع معلومة لدى الجميع وكان وضعه يشرفني لأنه كان شابا متحمسا مخلصا لشعبه ووطنه . فقد أليت على نفسي بعد أفتضاح هذه الأكاذيب ومن جملتها أكاذيب المتهم سوف لانرد على نباح الكلاب ، لأن الشعب كما بينت يعرف الحقائق وسوف لاتنطلي عليه الأكاذيب بعد ثورة 14 تمــوز ( يوليو ) الخالدة ( تصفيق وهتافات) هل كفل القانون الأساس للمواطن العراقي حرية التعبير عن رأيه في الأنتخابات ؟
المتهم : نعم .
الرئيس : هل كانت المجالس النيابية منتخبة أنتخابا صحيحا معبرا عن أرادة الشعب ؟
المتهم : كل المجالس النيابية أنتخبت وفقا لقانون موجود في حينه .
الرئيس : أجب عن السؤال هل الأنتخاب صحيح ؟
المتهم : أنتخب النواب وفق نصوص قوانين مرعية موجودة .
الرئيس : هل يعبر عن رأي الشعب ؟
المتهم : أنتخبوا وفق قوانين مرعية موجودة ( ضحك ) .
الرئيس : هذا يعتبر أنكارا وفق القانون لأنه لايفهم لماذا تدخلت في الأنتخابات لمصلحة فئة معينة وهم النواب القدماء الموالون لحكومات العهد البائد ولم تفسح المجال لنواب جدد كما أوضح الشهود ؟
المتهم : ليس عندي ما أضيف الى أفادتي التي قرأتها الآن .
الرئيس : هل كان مرسوم أسقاط الجنسية يتفق وأحكام القانون الأساس ؟
المتهم : مبدأ أسقاط الجنسية موجود منذ 1953 بموجب قانون الجنسية العراقية الصادر في 1923 يجوز أسقاط الجنسية العراقية عن كل عراقي يخدم دولة أجنبية ويطلب منه ترك الخدمة ولم يتركها .
الرئيس : ألم يقول الأساس لايجوز أبعاد العراقي ؟
المتهم : أسمح لي ، وتم بعد القانون الأساس في سنة 1933 صدر قانون آخر يجوز أسقاط الجنسية عن أشخاص  لاينتمون الى عائلة عراقية قبل الحرب العالمية الأولى .
الرئيس : هل خالف ذلك القانون الأساس أم لا؟
المتهم : الهيئات التشريعية قام بها مجلس النواب والحكومة القائمة وديوان التدوين القانوني وهذا السؤال لايوجه لي مجرد وجود القانون أصبح شريعة البلد .
الرئيس : لماذا أختلقت المعاذير في سبيل أبعاد الأحرار أمثال عزيز شريف وكامل قزانجي وتوفيق منير وخالفت حتى بنود مرسوم أسقاط الجنسية ؟
المتهم : لم أخالف شيئا ، بل أنما طبقت نصوص قوانين موجودة ومفعولة في وقته .
الرئيس : كيف جعلتهم أجانب ؟
المتهم : أسقطت الجنسية عنهم بقرار من مجلس الوزراء .
الرئيس : وهل حقيقة كانوا أجانب ؟
المتهم : بموجب قانون ، والقانون صدق عليه مجلس النواب ومجلس الأعيان وأجتازت المرحلة التدوينية ، لائحة القانون هيأته وزارة العدل ثم دققه ديوان التدوين القانوني ثم شرعت وأصبحت قانونا والقانون واجب الطاعة من جانب الجميع .
الرئيس : أدعيت الآن أنك مسلم ومؤمن بالله ، هل بأيمانك هذا وأسلامك هؤلاء أجانب ؟
المتهم : بينت أن القانون طبق عليهم ، العمل الذي قام به مجلس الوزراء طبقا لقانون نافذ المفعول .
الرئيس : جاوب عن السؤال بأسلامك  ،  بأيمانك بالله هل أن هؤلاء أجانب ؟
المتهم : كانوا عراقيين أسقطت عنهم الجنسية العراقية فأصبحوا أجانب .
الرئيس : هل هذا صحيح ؟
المتهم : القانون أعتبره صحيح .
الرئيس : والحقيقة ؟
المتهم : القوانين واجبة الطاعة من قبل الجميع .
الرئيس : كل قانون  غير حقيقي لا يعد قانونا بل باطلا كل البطلان . هذا مبدأ قانوني في القوانين الحقيقية لا القوانين المزيفة .
المتهم : لماذا لم تلغ لحد الآن ؟
الرئيس  :  تعتبر بعد تموز ( يوليو ) ملغية وهي في سبيل التشريع الجديد .
المتهم : لم تلغ حتى الآن .
الرئيس : هل أبعد أحد العراقيين ؟
المتهم : أنا في السجن لاأعرف .
الرئيس : بالعكس قد أعيد جميع العراقيين ( تصفيق ) أعيدوا أم لا ؟
المتهم : لا أعرف .
الرئيس : لماذا أذن هذا الأعتراض ؟
المتهم : لم أعترض .
الرئيس : ألم تقل بأن هذه القوانين نافذة المفعول حتى الآن ؟ على من ؟
المتهم : حسب معلوماتي هذه القوانين لازالت موجودة .
الرئيس : طبعا ، وضع الدستور مؤقت ثم على ضوئه سيسن الدستور الدائم ومن ثم تكون الأنظمة والوصايا والأراء الأخرى ، هذا لايكون بين عشي ة وضحاها هل يمكن ذلك بيوم أو يومين أو شهر أو شهرين ؟
المتهم : هذا أمر لايعود لي .
الرئيس : المراسيم الجمهورية وكلها تخالف قوانينكم .
الأدعاء العام : المتهم لازال يعيش بعقلية نوري السعيد وجو السفارة التي كان يخدمها حتى القانون الأساس ثورة تموز ( يوليو ) ألغته ( تصفيق ) ويوجد دستور مؤقت يحمي كل الحريات التي كفلها .
الرئيس : هل كانت مطاليب العمال في البصرة مشروعة أم لا ؟
المتهم : وزير الشؤون الأجتماعية ، الوزير المختص هو ذهــب وحقق ودقق فالأمر كان يعود له .
الرئيس : حتى الآن لم تبين هل أنت مسؤول أم لا  ؟ هل كانت المطاليب مشروعة أم لا ؟
المتهم : وزير الشؤون الأجتماعية الوزير المختص ، قام بالتحقيق وأنا لم أقم بالتحقيق عن المطاليب .
الرئيس : هل أن معالجة هذه الأمور من أختصاص وزارة الداخلية ؟
المتهم : أي امـر .
الرئيس : السؤال عن شؤون العمال . هل من أختصاص وزارة الداخلية ؟
المتهم : مطاليبهم . بينت الشركة من أختصاص وزارة الشؤون الأجتماعية .
الرئيس : لماذا سافرت الى البصرة أذن ؟
المتهم : سافرت لأداء واجبي في تأمين حرية ألأفراد الذين كانوا يريدون مزاولة أعمالهم .
الرئيس : من هم ؟
المتهم : العمال الموجودون في شركة النفط .
الرئيس : خالفت أختصاصك  ؟
المتهم : لم أخالف أختصاصي تأمين حرية الأفراد أنا كوزير داخلية مسؤول عن سلامة الفراد وممتلكاتهم وجميع حرياتهم .
الرئيس : ولماذا أصدرت الأوامر بتفريق المضربين من العمال ؟
المتهم : لم أصدر أي أوامر .
الرئيس : بأطلاق النار عليهم كما سمعت شهادات أمس .
المتهم : ياسيدي ، الشهادات بينت  في أفادتي أنا الآن أتناول الشهادات بالمناقشة ، الشهادات كلها ملفقة ، كلها مدبرة ، كلها لاأساس لها من الصحة .
الرئيس : من الذي لفقها أو دبرها هل  المحكمة ؟
المتهم : أنا لا أعلم .
الرئيس : محمد عبد العزيز وأبراهيم القاضي هل سمعت شهادتيهما ؟
المتهم : سمعت شهادتهما .
الرئيس : هل ملفقة أيضاً ؟
المتهم : كل ماطلبته منهم هو أن يؤمنوا الحرية الى الأشخاص الذين يريدون أن يزاولوا أعمالهم .
الرئيس : ألم تحضر المؤتمر في المطار ؟
المتهم : أنا كنت ساكن في أوتيل شط العرب راجعني سائر العمال ورؤساء العمال ، رئيس قسم النجارة ، رئيس قسم الحدادة ، وأشتكوا بأنه هم يريدون أن يشتغلوا ويطلبوا مني حمايتهم لتمكينهم من مزاولة أعمالهم .
الرئيس : أذن لماذا كافأت الشرطة التي قامت بتنفيذ أمرك بفتح النار ؟ هل سمعت أفادة المعاون أبراهيم القاضي ؟
المتهم : الشرطة أعرف من واجبي تشجيعهم في أداء أعمالهم القانونية .
الرئيس : ثبت من الشهادات وتقارير المسؤولين بأن الشرطة فتحت النار على الطلاب المعتصمين في المدارس في النجف الأشرف ، مما أدى الى قتل وجرح بعض          الطلاب ، ماهي أجراءاتك تجاه المسؤولين في فتح النار ؟ وهل تجيز القوانين بقتل الطلاب داخل معاهدهم العلمية ؟ وهل هذا من الأسلامية في شيء ؟
المتهم : كل الجرائم التي حدثت في تلك الحوادث ، السلطات القضائية المحكمة الموجودة في المحل قامت بأجراء التحقيقات القانونية وقامت بواجب الأجراءات المقتضية ضد المقصرين ، لم يكن من أختصاصي .
الرئيس : لماذا لم تسافر الى النجف الأشرف كما سافرت الى البصرة ؟
المتهم  : لاأسافر بل أنما شجعت قسم من زملائي أن يسافروا لتهدئة الحال .
الرئيس : الآ تعتقد بقدسية هذه المدينة ؟
المتهم : تقدس وأنا أحترم قدسية هذه المدينة .
الرئيس : لماذا أذن لم تحترمها بالفعل ؟
المتهم : ماهو الدليل على عدم أحترامي .
الرئيس : كنت وزيرا للداخلية وهذه المعاملة للمضربين ؟
المتهم : دليل واحد على عدم أحترامي لهذه القدسية .
الرئيس : قتل الناس فيها هل هو أحترام لقدسيتها ؟
المتهم : ليس مني .
الرئيس : ألم تكن أنت المسؤول الأول كوزير للداخلية ؟
المتهم : أنا مسؤول عن وزارة الداخلية ومسؤول عن سير الأدارة في وزارة الداخلية .
الرئيس :  ألم يقتل أثنان داخل الصحن الشريف ؟
المتهم : القتل أو الحوادث المؤسفة التي وقعت في الحي و النجف كما بينت السلطات القضائية قامت بأجراء التعقيبات القانونية .
الرئيس : على الأقل  لو صحيح أنك مسلم ومؤمن بالله أن تحتج على هذه الأعمال ؟
المتهم : أحتججت ومدير الشرطة والمعاون الموجود هناك تم فصله على يدي .
الرئيس : لماذا لم تجذبك قدسية النجف بل جذبتك الشركة الأجنبية ؟
المتهم : سيدي أي شركة أجنبية ؟
الرئيس : شركة النفط في البصرة .
المتهم : أقدس أنا قدسية النجف .
الرئيس : وتيسو ( ضحك ) تبين أن أحد أفراد الشرطة السرية فتح النار على المتظاهرين في النجف بقصد أحداث الفتنة بين الجيش والشعب فلماذا طلبت غلق القضية وعدم أحالته الى المجلس العرفي آنذاك . هل هذا كذب أيضاً ؟
المتهم : غلق القضية حسب قانون من صلاحية الديوان الموجود في مديرية الشرطة العامة وليس من أختصاص وزير الداخلية .
الرئيس : أذن لم تطلب أنت ؟
المتهم : أبـــدا .
الرئيس : أبـــدا ؟
المتهم : أبــــدا .
الرئيس : والشاهد الزعيم المتقاعد صالح زكي مصلح الذي نعرفه جيدا من الضباط الصادقين .
المتهم : مع أحترامي الى شخصـه بينت جوابي على أفادته في حين أدلائه لأفادته .
الرئيس : والآن ماذا تقول ؟
المتهم : أقول أن غلق القضايا وعدم أجراء التعقيبات القانونية ليس من صلاحية وزير الداخلية وأنما من صلاحية الديوان في مقر مديرية الشرطة العامة حسب قانون الشرطة وأنضباطها .
الرئيس : ماهي أسباب أستخدامك ( ماكنتوش )  كخبير في مديرية الشرطة العامة ؟ الخبير البريطاني ماكنتوش الا تعرفه ؟
المتهم : الشرطة كباقي دوائر الحكومة تحتاج الى أصلاحات ، موضوع الشرطة أصبح موضوعا في مجلس الوزراء وتقدير الأستعانة بخبير لتنظيم الشرطة من الناحية التدريبية والمسلكية وتقرر مفاتحة وزارة الخارجية لأيجاد شخص لهذه الوظيفة ، وتم الأختيار على هذا الشخص وعندما أتى الشيء الوحيد الذي صدر مني تعليمات أن هذا الشخص خبير في الشرطة يتلقى أوامره مباشرة من مدير الشرطة العام .
الرئيس : خبير بأي شيء ؟
المتهم : في الأمور المسلكية والأنضباطية .
الرئيس : وقمع المظاهرات ؟
المتهم : الأمور المسلكية والأنضباطية وأنا لم أدخل في تفاصيل واجباته والتعليمات التي صدرت مني ومن مدير الشرطة في وزارة الداخلية ، أن هذا الشخص يعمل تحت أمرة مدير الشرطة العام ويتلقى الأوامر منه بموجب تعليمات الدائرة .
الرئيس : ولكن بعدئذ كان أختصاصه بقمع المظاهرات ؟
المتهم : قمع المظاهرات في بعض الحالات أذا كانت المظاهرات غير مجازة أو مخلة بالأمن من صميم واجبات الشرطة .
الرئيس : السؤال عن ماكنتوش ؟
المتهم : أنا بينت لك ، ماكنتوش ، مجلس الوزراء قرر أستخدامه .
الرئيس : من أين جلبتموه ؟
المتهم : وزارة الخارجية فاتحت السفارة العراقية في لندن والسفارة أختارت هذا الشخص .
الرئيس : أظن أنه كان في ( هونك كونك ) ؟
المتهم : أنا لاأعرف ماضيه ، وتم أختياره مثل باقي الخبراء الموجودين في دوائر الحكومة الموجودين في الزراعة والصحة وجميع دوائر الدولة .
الرئيس : وهل من الأسلامية والأيمان بالله الأستعانة بخبير بيريطاني أستعماري شرس هل هذا من الأسلامية والأيمان بالله ؟
المتهم : ألم تسير جميع دوائر الدولة العراقية منذ تأسيسها حتى ألآن على أستخدام الأجانب كخبراء في الدوائر ؟
الرئيس : وهذا هو ما يجعلـــنا نحاكمكم  .  ولماذا أذن حدثت ثورة 14 تموز ( يوليو ) العظمى 
( تصفيق ) هل كانت مطاليب المتظاهرين في بغداد تهدد الأمن العام أم كانت للتعبير عن شعورهم تجاه العدوان الثلاثي الغاشم على شقيقتنا الكبرى مصر العظمى .
المتهم : لم يراجعني أحد من المتظاهرين حتى أعرف نوع مطاليبهم وأقدرها .
الرئيس : ألم يكن الشعب المصري شقيقا للشعب العراقي ولايزال ؟
المتهم : لايزال شقيقا .
الرئيس : لماذا أنت ؟
المتهم : ماذا حدث .
الرئيس : لماذا لم تعترض على حوادث القتل التي وقعت بعد العدوان الثلاثي الغاشم على الشعب المصري الشقيق المناضل ، وقد كان عبد الجبار فهمي متصرف بغداد يتحرك بكل الأجراءات التي يتخذها ضد المتظاهرين بتطبيقه خطة أمن بغداد ، التي وضعت بأمرك ؟
المتهم : كل حادثة جريمة التي كانت تقع في بغداد وفي غير بغداد السلطة القضائية وحاكم التحقيق حالاً يباشر بأجراء التحقيقات القانونية ويتخذ الأجراءات المقتضية بشأنها . لم يكن من واجبي أن أتدخل في مفردات القضايا وتعقيبها بشانها السلطات المتفرعة في دوائر الحكومة ، كل دائرة لها أختصاصها وصلاحياتها .
الرئيس : ماهي أسباب أستباحة مدينة الحي الباسلة ؟
المتهم : المتهم : أي أستباحة ؟
الرئيس : أما سمعت الشاهد بالأمس ؟
المتهم : سمعت الشاهد وشاهدا وشاهدا ولكن موقفي في قضية الحي لو الأنصاف يسوق المسؤولين الى أجراء شيء من التحقيقات لرأوا أني منذ ثلاث سنوات في جدال مستمر مع شيوخ الحي على حساب أهالي الحي .
الرئيس : كيف نور المحكمة ؟
المتهم : الشاهد أمس ذكر قضية الأراضي ، أن هم يحتاجون الى مقبرة والى أراضي لأنشـاء بيوت هناك فأنا منذ سنة 1955 أضبارات وزارة الداخلية موجودة ، المتصرفون الذين تولوا الأدارة عبد الحليم السنوي ، أسماعيل حقي رسول ، وحسن الطالباني يمكنكم جلبهم الى هذه المحكمة لمعرفة فيما أذا خلال هذه الثلاث سنين الأخيرة أنا في جدال مستمر مع عبد الله الياسين على حساب أهالي الحي أم لا ؟ هذا جوابي ولكن شخص يأتي يلفق يقول كما يشاء  . أنا لست مسؤولا عما يقول ، والحقيقة يجب أن تظهر . أرجوك الأستشهاد بأحد من هؤلاء ، أرجوك الأستشهاد بأحد من وجوه الحي ، أرجوك الأستشهاد بأحد من غير هذا الشـاهد .
الرئيس : لماذا لم تطلبهم ؟
المتهم : أترك لك الأختيار من أهل الحــي أنتخب شخص أو شخصين من أهل الحي ، أنتخب متصرف أو متصرفين ، أنتخب أحد الوزراء الذين كانوا لتعرفوا مدى أهتمامي بأمور سكان الحي ومدافعتهم ضد الظلم والطغيان أم لا ؟
الرئيس : طلبنا منك أحضار شهود دفاع أم لا ؟ لماذا لم تطلب أمس ؟
المتهم : على كل حال لم أطلب والآن أيضاً لا أطلب .
الرئيس : على نفسها جنت براقش . ( 38) 

 
سعيد قزاز في قفص الأتهام امام المحكمة العسكرية العليا الخاصة بوزارة الدفاع ( محكمة الشعب )



قرار الحكم والأدانـة

محضر الجلسة الرابعة والسبعون للمحكمة العليا الخاصة
اليوم 4شباط ( فبروري ) 1959 والساعة هي العاشرة والنصف صباحاً وقد عادت المحكمة الى الأنعقاد لأصدار الأحكام على كل من المتهمين رفيق توفيق وبهجت العطية وعبد الجبار فهمي وسعيد قزاز وعباس علي غالب وعبد الرحمن حمود السامرائي .
وقد أفتتح  الرئيس  العقيد فاضل عباس المهداوي الجلسة بأسم الله وبأسم الشعب .
الرئيس : المتهم سعيد قزاز .
( نودي على المتهم سعيد قزاز مع المتهمين الأخرين فأدخلوا القاعة وأدخلوا قفص الأتهام )
الرئيس : يتفضل الرئيس أبراهيم عباس اللامي لقراءة قرار التجريم .


(( قرار التجريم ))

بأسم الشعب العراقي
تشكلت المحكمة العسكرية العليا الخاصة ببغداد في يوم 4/2/1959 برئاسة العقيد فاضل عباس المهداوي وعضوية كل من العقيد فتاح سعيد الشالي والمقدم شاكر محمود السلام والمقدم حسين خضــر الدوري والرئيس الأول أبراهيم عباس اللآمي ، وأصدرت بأسم الشعب قرارها الأتي :
الأحالـة : أحيل المتهم سعيد قزاز الى محكمتنا بموجب أمر الأحالة المرقم 111 والمؤرخ 6/11/1958 الصادر من القائد العام للقوات المسلحة ليحاكم بمـوجب الفقرة ( 3 ) من المادة ( 214 ) من ق.ع.ب والفقرتين د ، هـ  من المادة الثانية من قانون معاقبة المتآمرين وأحتفظت القضية برقم 70/1958 .
كما أحيل المتهم المذكور الى محكمتنا بموجب أمر الأحالة المرقم 118 والمؤرخ 21/11/1958 الصادر من القائـد العام للقوات المسلحة ليحاكم بموجب الفقره ( هـ ) من المادة الثانية من قانون معاقبة المتآمرين وأحتفظت القضية برقم 73/1958 .
ونظراً لترابط القضيتين وعلاقتهما بمتهم واحد ، فقد قررت المحكمة توحيدها وجعلها برقم 70/1958 .
خلاصة القضية :
أشغل المتهم سعيد قزاز وزارة الداخلية منذ أيلول ( سبتمبر ) 1953 وظل يتقلد هذا المنصب مدة خمس سنوات . وفي هذه الفترة كان الشعب العراقي النبيل يرزح تحت أعباء القوانين التعسفية والمراسم الجائرة بعد أن فقد كل مقومات الحرية ، فقد ألغيت الأحزاب وقيدت الصحافة  وكثر الجواسيس وشرد الأحرار وأسقطت الجنسية عنهم وابعدوا خارج العراق وربط العراق بالأحلاف الغربية ، ضد أرادة الشعب وبدون عرض ذلك على المجالس النيابية المزيفة . وعندما أراد الشعب أن يرفع رأسه ويعبر عن رأيه المكبوت قام بمظاهرات في شتى أنحاء البلاد ليطالب بحقه في الحياة . سلطت حكومات العهد البائد قواتها الأجرامية على أزهاق تلك الأنفاس وكان للمتهم ( كوزير داخلية ) النصيب الأكبر في ذلك ، فقد أمر بفتح النار على عمال نفط البصرة ، المطالبين بأبسط الحقوق فوقع القتلى والجرحى نتيجة لذلك .
كما أمر بفتح النار على المتظاهرين عند العدوان الثلاثي الأثيم على الشقيقة مصـر سنة 1956 فسقط القتلى والجرحى وتم دفن الموتى ليلا سـرا خوفا من غضب الشعب . وحدثت على عهده مجزرة الكوت والحي والأحكام الجائرة الصادرة على أبنائ الشعب الأحرار . ولقد كان المتهم المذكور عونا من أعوان الأستعمار وذنبا من أذنابه يتفانى في خدمــة المستعمرين، فزور الأنتخابات وتعسف في أسقاط الجنسية ضمانا لأسكات صوت الشعب المتوثب.
أجراءات المحكمة :
أستمعت المحكمة الى مطالعة هيئة الأدعاء العام ثم سألت المتهم عما يقول بصدد الأتهام الموجه اليه فأجاب أنه بـريء .
أستمعت المحكمة الى شهادة كل من عزيز شريف وتوفيق منير وكامل قزانجي وفاضل بابان ونعيم ممتاز وجاسم مخلص وميخائيل نعوم وعبد الجبار فهمي وسلطان أمين ومحمد عبد العزيز وشاكر العاني وبهية مصطفى وعارف اسماعيل وديوالي الدوسكي وباقر كمال الدين وصالح زكي المصلح وعبد الرزاق رجيب ومحمد حسن صادق وداود الأورفلي وصالح علي وأبراهيم القاضي وحمدان حسن العلي وهاشم سيد طعمة وكرم علش ومحسن الحاج هويش ونظيمة رشيد وهبي ورحيم علي وأستأنست بشهادات 46 شاهدا لم تجد المحكمة لديها متسعاً من الوقت للأستماع الى شهاداتهم . ثم أستمعت المحكمة الى أفادة المتهم وناقشته حول التهم المسندة اليه ثم أستمعت الى دفاع وكيل المتهم وقررت ختام المرافعة .
النتيجة :
ظهر لمحكمتنا من مجموع الشهادات والمستمسكات وأفادة المتهم بخصوص كل تهمة على أنفراد مايلي :
أولا: بخصوص أسقاط الجنسية
تبين لمحكمتنا من شهادات الأساتذة عزيز شريف وتوفيق منير وكامل قزانجي والشاهدة بهية مصطفى ، أن حكومة الخائن نوري السعيد مهدت السبيل لعقد حلف بغداد بأصدار المراسيم التعسفية منها مرسوم أسقاط الجنسية وألغت الأحزاب والجمعيات والصحف . وكان المتهم المذكور بوصفه وزيرا للداخلية قد ساهم بوضع تلك المراسيم ونفذ الأجراءات التعسفية المبنية عليها وأسقط الجنسية عن الأساتذة الثلاثة وخالف بذلك نصوص المرسوم المذكور فسلم كلا من توفيق منير وكامل قزانجي الى السلطات التركية مكبلين بالحديد وتم اعتقالهما هناك لمدة ثلاث سنوات من دون أن يفسح المجال لهما لاختيار الوطن الذي يريدان الإقامة فيه كما نصت عليه مواد المرسوم المذكور .
كما أسقاط  الجنسية عن عزيز شريف كان بشكل تعسفي حيث لم يتحقق المتهم كون الموما اليه قد دخل في خدمة دولة أجنبية . وأسقط الجنسية عن بهية مصطفى بعد تعذيبها وأبعادها الى أيران مع أطفالها الصغار ، كما كان يفرض على المحكومين برقابة الشرطة أن يقيموا بمحل معين مزوراً أرادتهم بأن الطلب قد وقع منهم باختيار نقرة السلمان وبدرة وعين التمر والجبايش ، وبذلك فقد خالف أحكام المادة 28 من ق.ع.ب ذلك القانون الذي وضعه المستعمر وبذلك فقد تعسف أكثر من المستعمر نفسه ضد أبناء الشعب .
وقد ربط المتهم أدارة السجون بوزارة الداخلية وبذلك هيمن هيمنة تامة على الإجراءات القاسية ضد المواطنين الأحرار وتمكن أن يفرض التعذيب عليهم لكي يفقدهم القدرة على التعبير عن أرادتهم الحرة . فالمرسوم هذا والمراسيم الأخرى كانت مخالفة بل انتهاكا للقانون الأساسي الذي كفل للمواطن حرية الرأي والتفكير والتملك والانتخاب والى غير ذلك من الحقوق .
ويعترف المتهم المذكور بمسئوليته ويقول أن شأنه كالوزراء الآخرين الذين ساهموا بوضع المراسيم المذكورة بل أن مسئوليته كبيرة نظراً لتنفيذه واتخاذه الإجراءات الواردة في تلك المراسيم الجائرة . وبذلك فقد حصلت القناعة لدى محكمتنا من انطباق الفقرة ( هـ ) من المادة الثانية من قانون معاقبة المتآمرين عليه فقررت تجريمه بموجبها .
ثانيا: بخصوص تزوير الانتخابات
لقد حصل الإجماع على أن الانتخابات في العهد الملكي كانت تزيف ولم تكن تعبر عن أرادة الأمة بالشكل الصحيح المنصوص عليه في القانون الأساس .
وكانت حكومات العهد البائد تتظاهر في بعض الأحيان بأن لادخل لها في الانتخابات وذلك للتضليل والخداع وتستعمل أخس الوسائل كالضغط والأرهاب والتوقيف والأبعاد في سبيل أخراج النواب المزيفين ليكونوا عونا للحكومات البائدة في سن القوانين الجائرة . وقد ظهر تزييف الأنتخابات بشكلها الفاضح عندما أجريت للمرة الأخيرة في نيسان ( أبريل ) 1958 لأقرار الأتحاد الهاشمي المزيف لذلك فقد نال النيابة 85% من النواب بالتزكية ، أذ كانت الأيعازات للمتصرفين والأداريين الآخرين بوجوب فوز مرشحي الحكومة بالنيابة فقط ، وقد أوضح الشاهد فاضل بابان بصفته متصرف لواء الحلة سابقا مدى تدخل المتهم في أنتخابات اللواء المذكور وأيعازه له بأنه لايعترف بفوز النواب السابقين ويمانع بفوز النواب الجدد الا واحدا منهم . وأوضح الشاهد نعيم ممتاز بصفه متصرفا للواء ديالى سابقا أن المتهم قد أستدعاه شخصيا الى بغداد وزوده بتعليماته حول النواب الواجب فوزهم بالأنتخابات وقد تمت كما أراد المتهم . وأوضح الشاهد ميخائيل نعوم أنه واجه المتهم عندما رشح للنيابة وأن المتهم أعلمه رغبة رئيس الوزراء الخائن نوري السعيد هي فوز النواب السابقين ولايريد نوابا جددا . هذا بالأضافة الى القرائن الكثيرة لدى المحكمة منها مقاطعة الشعب للأنتخابات لعدم ثقة الشعب في حكومته دليل على تزوير أرادة الشعب . لذلك حصلت القناعة لدى محكمتنا بأن المتهم المذكور قد تدخل في الأنتخابات وساعد على تزويرها لصالح فئة معينة تخدم وتنفذ أوامر الحكومات في العهد البائد وبذلك فقد تحققت أنطـباق الفقرة ( د ) من المادة ( 2 ) من قانون معاقبة المتآمرين فقررت المحكمة تجريمه بموجبها .
ثالثا : بخصوص المظاهرات
أ‌- مظاهرات بغداد سنة 1956 – عندما كانت حكومة الخائن نوري السعيد قد بيتت النية على عقد حلف بغداد وربط العراق بعجلة الاستعمار البغيض فالغت الأحزاب ، وعطلت الصحف وقيدت الحريات وأصدرت المراسيم التعسفية ، شعر المتهم كوزير للداخلية سنة 1953 بضرورة وضع خطة للمحافظة على أمن بغداد كما يزعم ، والحقيقة هي المحافظة على الأوضاع الفاسدة التي أوجدوها بحكم أجراءاتهم الكيفية . لذلك بناء على طلب المتهم جرى تعيين ممثلين من وزارة الدفاع وآخرين من مديرية الشرطة العامة لوضع خطة آمن بغداد لأتخاذ  الأجراءات الكفيلة لأسكات صوت الشعب وعدم أعطائه المجال للتعبير عن مشاعره . وكانت هذه الخطة على مراحل تتضمن جمع المعلومات وتفريق المتظاهرين بالقنابل المسيلة للدموع واستعمال النار ضد الدفاع الشرعي والاستعانة بالجيش كآخر حل لوقف وتفريق التظاهر .
وقد وضعت خطط أمن مماثلة للألوية وبالأخص الكبيرة منها كالموصل والبصرة . وان هذه الخطة غير المشروعة قد وضعت استنادا الى مرسوم التظاهر والتجمعات المخالف للقانون الأساس . وقد صادق المتهم المذكور على الخطة المذكورة بصفته وزيرا للداخلية   ، وقد ساهم في وضع الخطة المذكورة الخبير البريطاني ( ماكنتوش ) الذي أستخدم لهذه الغايـــة من المستعمرات البريطانية . وعند حصول العدوان الثلاثي الثيم على الشقيقة مصر في تشرين الثاني ( نوفمبر ) 1956 حدثت مظاهرات في بغداد للتعبير عن المشاعر تجاه قطر عربي شقيق .
فأمر المتهم تطبيق خطة أمن بغداد العاصمة ، وأنتقل عبد الجبار فهمي متصرف لواء بغداد الى شرطة السراي وأخذ يدير المعركة تجاه الشعب من غرفة العمليات ويتصل بالصغيرة والكبيرة
( على حد تعبير المتصرف المذكور ) بالمتهم وغيره بتطورات الموقف وبالنظر لما أطلعت عليه المحكمة من الأدلة الثابتة من تسليح أفراد الشرطة العلنية والسرية وأيجاد وسيلة الدفاع الشرعي المزعوم وسقوط القتلى والجرحى بذلك وعدم أعتراض المتهم على الأجراءات التعسفية وموافقته سلفا عليها بنتيجة ماولدته خطة الأمن هذه يعتبر والحالة هذه مسؤولا عن النتائج المتوقعة والمترتبة على الخطة المذكورة . خصوصا وأن الموما اليه عرف بدفن القتلى سرا تحت جنح الظلام كي يتقي غضب الشعـب حسب شهادة عبد الجبار فهمي وسلطان أمين .
وفضلاً عن ذلك ظل يواصل مساعيه لتسليح الشرطة فعقد أتفاقية مع الولايات المتحدة الأمريكية بتاريخ 20/5/1957 لتكون قادرة على أسكات صوت الشعب .
ب – مظاهرات النجف 1956
وعلى أثر العدوان الأثيم المنوه عنه حدثت بعض المظاهرات في النجف الأشرف فأوضح الشهود باقر كمال الدين حاكم التحقيق آنذاك والزعيم المتقاعد صالح زكي المصلح قائد القوات آنذاك ومحمد حسن صادق القائممقام آنذاك وعبد الرزاق رجب مدير متوسطة الخورنق ، بأن الشرطة قد فتحت النار على طلاب متوسطة السدير العزل وقتلت الشهيد ( أحمد علي الدجيلي ) قرب سياج المدرسة وجرحت آخرين ثم أحاطت الشرطة بمتوسطة الخورنق المقفلة بابها فأقتحمت المدرسة بعد كسر قفلها وفتحت النــــار على الطلاب فقتلت الشهيد ( عبد الحسين آل شيخ راضي ) قتلة فضيعة تدل على قسوة ووحشية القاتلين وجرحت الكثيرين .
وعلى الرغم من هذه الوحشية المتناهية لم يحرك المتهم ساكنا لأتخاذ الأجراءات الكفيلة بحق المنجرمين بل ولم يستطع حاكم التحقيق القيام بواجبه المطلوب بل أكتفت وزارة الداخلية وعلى رأسها المتهم بنقل المسؤولين الى أماكن آخرى . وأوضح الزعيم المتقاعد صالح زكي المصلح كيف أن المتهم قد تدخل بألحاح بقضية الشرطي السري الذي فتح النار على المتظاهرين عندما جاء الجيش وأعلمه أن أتخاذ الأجراءات بحق الشرطة يفقد الحكومة أعتمادها عليهم . مما يدل دلالة واضحة على صحة مؤازرته وتأييده للوحشية والفظاعة التي تمت بها تلك الجرائم النكراء.
ج – مجزرة الحي
عرفت الحي ببطولتها النادرة ومواقفها المجيدة شأنها في ذلك شأن المدن العراقية الأخرى المناضلة ، وقد تعرضت في أوقات متفاوتة للبطش والتنكيل . نظرا لتحكم الأقطاع وسيطرته عليها سيطرة تامة ، ففي سنة 1954 تعرضت لهجمات الأقطاعيين وفتحت النار على الأهالي العزل الأمنين فسقط القتلى والجرحى في ميدان الشرف والكفاح . كما تعرضت المدينة الباسلة الى الوحشية القاسية أثناء مؤازرتها للشقيقة مصر بعد وقوع العدوان الثلاثي عليها 1956 فسقط كثير من القتلى والجرحى وكانت خاتمة تلك المآسي محاكمات صورية أدت الى أعدام البطلين الشهيدين علي الشيخ حمود وعطا الدباس . وكانت تلك المآسي المروعة تجري تحت سمع وبصر وموافقة المتهم سعيد قزاز بصفته وزيرا للداخلية مساندا بذلك الإقطاع والعهد البائد والمستعمر .
د – أضراب عمال نفط البصرة
تعسفت شركة نفط البصرة في موقفها الاستعماري نحو العمال مما أدى الى إضرابهم سنة 1953 وقد حضر وزير الشؤون الاجتماعية الى البصرة وأستمع الى مطا ليبهم وسعى إلى تلبيتها قدر الإمكان . ولم تستجب الشركة الى تلك المطاليب بل عمد أحد موظفيها المدعو  ( موني ) الى إطلاق النار على أحد العمال من بندقية الصيد ، وسبق الى محكمة الجزاء نتيجة ذلك . كما أوضح ذلك الشاهد الحاكم داود الأورفلي . فحضر بعد ذلك المتهم سعيد قزاز البصرة قاصدا فض الإضراب فجمع مدير الشرطة مع المعاونين في الساعة الخامسة من مساء يوم 14/12/1953 وبلغهم بوجوب أنهاء الأضراب بالقوة كما جاء بشهادة مدير الشرطة محمد عبد العزيز والمعاون أبراهيم القاضي ورفض المتهم الأستماع الى مطاليب الوفد المنتدب عن عمال الشركة .
لذلك في صباح يوم 15/12/1953 تم أستدعاء القوة البالغ عددها 98 شرطيا مع سيارتين مسلحتين بكامل أعتدتها وسلاحها وأحاطت القوة الشركة وبالأخص أبوابها الخمسة .فجرى تفريق بعض العمال وألقاء القبض على قسم منهم ولما توالت جموعهم في نحو الساعة التاسعة فتحت الشرطة النار عليهم مما أدى الى سقوط الجرحى في الأوحال وقد توفي من جراء ذلك الشهيد ( عبد الرضا دهش ) وأصيب الآخرون بجراح منهم فالح جواد ودنيف جباره المستمعة شهادتاهما في التحقيق والعامل حسن حمدان وشهد البعض بأن بعض الجرحى كانوا سبعة أشخاص كما شهد البعض بأن ( أم جبار ) قتلت بهذه الحادثة بالذات . وشهد البعض بأن المتهم سعيد قزاز قد حضر الحادثة المذكورة .
ولدى الرجوع الى تقرير المعاون أبراهيم القاضي الذي رفعه الى مدير شرطة البصرة المرقم  ( فوق العادة ) والمؤرخ 15/12/1953 عن الحوادث المذكورة ، نجد في مستهله مايلي :
( أشارة الى أمر وزير الداخلية في الأجتماع المنعقد في الساعة الخامسة من مساء يوم 14/12/1953 والذي أمر فيه بتفريق أي تجمهر يزيد على خمسة أشخاص بكافة الوسائل( القانونية ) ولايغرب عن البال أن هذا التقرير قد رفع في العهد البائد وفي أبان سطوة وجبروت سعيد قزاز مما يدل أولا- على وجود أمر بالتفريق . ثانيا – أن التفريق بكافة الوسائل سواء كانت قانونية أو غير قانونية ، بأن المتهم نفسه رفض الأستجابة الى مطاليب الوفد ورفض الضغط على الشركة لتلبية تلك المطاليب العادلة بالأضافة الى كونه من عملاء الأستعمار مما يفند قوله بلجوئه الى تفريق المتظاهرين بالطرق المشروعة . ثالثا – أن أستعمال القوة ووقوع الجرحى يكذب هذه العبارة ( أي الوسائل القانونية ) فما قيمة الأقوال أذا كانت تناقضها الأفعال . رابعا – أن الشرطة تريد أن تضفي على أعمالها الطابع القانوني مستندة في ذلك الى مرسوم التجمعات ذلك المرسوم المخالف للقانون الأساس . خامسا – أن تلطيف  أفراد الشرطة من قبل المتهم  ومكافأته لهم ب(25 دينار ) لشراء فواكه لهم واستحسانه العزم في تفريق المتظاهرين كما جاء في آخر تقرير المعاون المذكور يؤيد تصميم المتهم سلفا على تفريق المتظاهرين بالقوة . مع العلم أن المتظاهرين لم يحملوا السلاح كما جاء في تقرير المفوض حميد شلال المؤرخ 15/12/1953 . سادسا – لم يتخذ أية أجراءات قانونية ضد الشرطة مما يدل على رضائه عليهم .
وحيث أن جريمة القتل الواقعة على الشهيد عبد الرضا دهش قد أقترنت بجرائم الشروع في القتل ضد العمال الآخرين لذلك  فقد تحققت  أركان الفقرة ( 3 ) من المادة    ( 214 ) من قانون العقوبات البغدادي بحقه فقررت المحكمة تجريمه بموجبها .
وصدر القرار بأتفاق الأراء وأفهم علنـــــــا .
المقدم                       العقيد                 العقيد 
شاكر محمود السلام     فتاح سعيد الشالي     فاضل عباس المهداوي 
عضو                       عضو               الرئيس 
الرئيس الأول                                المقدم
إبراهيم عباس اللامي                  حسين خضر الدوري
عضو                                         عضو

قرار الحكم (39)

تشكلت المحكمة العسكرية العليا الخاصة ببغداد في يوم 4/2/1959 برئاسة العقيد فاضل عباس المهداوي وعضوية كل من العقيد فتاح سعيد الشالي والمقدم شاكر محمود السلام والمقدم حسين خضر الدوري والرئيس الأول أبراهيم عباس اللامي وأصدرت بأسم الشعب حكمها الأتي :

حكمت المحكمة على المجرم سعيد قزاز
أولا : - بالإعدام شنقا حتى الموت وفق الفقرة ( 3 )  من المادة 214 من ق.ع.ب .
ثانيا:- بالحبس الشديد لمدة عشر سنوات وفق الفقرة ( ب) من المادة الرابعة من قانون معاقبة المتآمرين  وبدلالة  الفقرة ( هـ ) من المادة الثانية من القانون المذكور .
ثالثا: - بالحبس الشديد لمدة خمس سنوات وفق الفقرة ( ب ) من المادة الرابعة من قانون معاقبة المتآمرين وبدلالة الفقرة ( د ) من المادة الثانية من القانون المذكور .
رابعا: - تنفيذ العقوبات بالتداخل حسب أحكام المادة ( 34 ) من قانون العقوبات البغدادي وأعتباراً من تاريخ توقيفه المصادف 15/7/1958 .
وحكمت عليه أيضاً بالعقوبات التبعية التالية وذلك بحرمانه لمدة عشر سنوات وفق أحكام المادة ( 5 ) من قانون معاقبة المتآمرين : 
1- من عضوية مجلس الأمة .
2- من عضوية مجالس الأمانة والبلديات والمجالس الأدارية .
3- من التوظف في الدوائر والشركات والمؤسسات والمصارف .
4- من الانتماء الى الأحزاب .
5- من ممارسة الصحافة .
صدر القرار باتفاق الآراء وأفهم علنا . 
المقدم                العقيد                    العقيد
شاكر محمود السلام فتاح سعيد الشالي       فاضل عباس المهداوي
عضـــو               عضـــو          الرئيـــــس    

الرئيس الأول              المقدم
إبراهيم عباس اللامي    حسين خضر الدوري
عضــــو              عضــــــو
























3. 2 المناقشة القضائية

حيث أن حكم المحكمة الخاصة الصادر بتاريخ 4/2/1959 تضمن في الفقرة أولاً منه الحكم على سعيد قزاز بالأعدام شنقاً حتى الموت مما يستوجب أستحصال موافقة القائد العام للقوات المسلحة لتنفيذ قرار الأعدام  بأعتباره يمثل أعلى سلطة في البلاد ، وحيث أن هذا القرار قطعي غير قابل للطعن تمييزاً امام أية جهة ،  حيث أن القرارات الصادرة من هذه المحكمة لاتخضع لطرق الطعن التي نظمها قانون اصول المحاكمات الجزائية البغدادي  خلافا للقانون والدستور ، وتعتبر القرارات والأحكام الصادرة باتة وقابلة للتنفيذ حال صدورها من المحكمة العسكرية العليا الخاصة بوزارة الدفاع  ، وحيث إن الحكم الصادر بحق سعيد قزاز يقضي بالأعدام شنقا حتى الموت ،   فقد صادق عبد الكريم قاسم  بصفته القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس الوزراء على تنفيذ قرار الأعدام ، ومن الجدير بالذكر أن موافقة الزعيم عبد الكريم قاسم على التنفيذ تمت  تحت ضغط  وألحاح شديد من المجموعات السياسية اليسارية في العراق ،  فتم تنفيذ حكم الموت بالرجل صبيحة يوم 20/أيلول /1959 في سجن بغداد المركزي ،  ونقل عن طريقة التنفيذ انه  تم شنقه بطريقة غير أنسانية،  أذ قام المشرفون على تنفيذ الأعدام بقطع الحبل بعد توتره ،  وقبل أن يلفظ سعيد قزاز أنفاسه الأخيرة أعيد شنقه مرة أخرى  ، وتم نقل جثمانه من قبل ذويه بعد أستلامه من الطب العدلي في بغداد العاصمة ،  حيث دفن بصمت وهو يرقد الآن في قبر ضمن مقابرمدينة بغداد قرب منطقة باب المعظم  .
جرت محاكمة سعيد قزاز أمام المحكمة العسكرية العليا الخاصة وهي محكمة أستثنائية لاعلاقة لها بالقضاء العراقي ،  تشكلت بعد قيام ثورة 14 تموز 1958 لمحاكمة أقطاب العهد الملكي ،  وما يحيله عليها القائد العام للقوات المسلحة من قضايا تخص  متهمين بتهمة التآمر على النظام القائم أنذاك أو ما ارتكبه رموز النظام الملكي من جرائم وأخطاء بحق الشعب العراقي  ،  وتم أعتماد أمر الأحالة الأول بالقضية 70/1958 حول محاكمة المتهم سعيد قزاز  وفق الفقرة 3 من المادة 214 من قانون العقوبات البغدادي النافذ  ، والفقرتين د و هـ من المادة الثانية من قانون معاقبة المتآمرين ، كما تم أعتماد أمر الأحالة الثاني بالقضية 73 /1958 حول محاكمة نفس المتهم وفق الفقرة هـ من المادة الثانية من قانون معاقبة المتآمرين وتم توحيد القضيتين بقضية واحدة حملت الرقم الأول 70/1958 وجرت المحاكمة على ضوء ذلك .
أن الجرائم بشكل عام تنقسم من حيث طبيعتها الى  جرائم  عادية وجرائم سياسية ،  والجريمة بشكل عام هي ظاهرة اجتماعية وسلوك انساني يهدد العلاقات الأجتماعية  بفعل أو امتناع عن فعل يستوجب العقوبة ويجرمها القانون ، والجريمة السياسية هي الجريمة التي ترتكب بباعث سياسي أو تقع على الحقوق العامة أو الفردية أو الجرائم الواقعة  على النظام السياسي للدولة والمساس بنظامها أو حقوق الأفراد السياسية فيها  ، وفيما عدا ذلك تعتبر الجريمة عادية . أذن الجريمة السياسية عمل سياسي يجرمه القانون وهي صورة للنشاط السياسي للفرد وأستعماله العنف في مواجهة الخصوم ، أن الأصل في الجريمة السياسية أن يحصل عدوان على الحقوق السياسية للخصوم ومن المهم إن تبين المحكمة الباعث أو الدافع في هذه الجريمة لأهميته في معيار تحديد نوعها وموضوعها  ،  وعلى هذا الأساس أوجب القانون على المحكمة أن تبين كون الجريمة التي تتم محاكمة المتهم سعيد قزاز  سياسية في قرار الحكم الصادر منها ، ولم تلتفت المحكمة الى هذه النقطة الجوهرية أذ أن الجريمة المسندة الى سعيد قزاز وهي وفق الفقرة (3) من المـادة (214) من قانـون العقوبات البغدادي و التي تقابل المادة ( 406 عقوبات ) في القانون الحالي وهي جريمة القتل العمد ، وأركان الجريمة كما نعلم هما ركنان مادي ومعنوي ، فالركن المادي للجريمة هو سلوك أجرامي بأرتكاب فعل جرمه القانون أو الأمتناع عن فعل أمر به القانون ، أي كل مايدخل في كيان الجريمة ، وله ثلاث عناصر هي السلوك الأجرامي والنتيجة الضارة والعلاقة السببية بين السلوك والنتيجة  ، أما الركن المعنوي للجريمة فهو توجيه الفاعل أرادته الى أرتكاب الفعل المكون للجريمة هادفاً الى نتيجة الجريمة التي وقعت أو أي نتيجة جرمية أخرى ، مع وجود الاهلية في المسؤولية الجزائية ،  وتقوم المحكمة بناء على ذلك ومن خلال قناعتها بتجريم الفعل المسند الى المتهم  أذا وجدت الأدلة الأقناعية التي يستوجبها التجريم ،  وتصدر حكمها بناء على هذه القناعة التي تكونت لديها من الأدلة المستحصلة في القضية ،  وهذه الأدلة المستحصلة في دوري التحقيق أو المحاكمة هي أقرار المتهم وشهادة الشهود ومحاضر التحقيق والكشوفات الرسمية الأخرى والتقارير الفنية والقرائن والأدلة الأخرى المقررة قانونا . وفي القضية التحقيقية الأولى المعروضة أمام المحكمة لانجد أقراراً من المتهم سعيد قزاز  بصحة الوقائع المسندة اليه ،  وهي جريمة القتل الواقعة على ( الشهيد عبد الرضا دهش ) التي أقترنت بجرائم الشروع بالقتل ضد العمال الأخرين  ،  وهذه على فرض صحتها  تعتبر من صور تعدد الجرائم  الذي يقسم الى قسمين ،  وهو أما أن يكون صورياً أي معنوياً ،  أو أن يكون التعدد حقيقي أي مادي  ، وفي هذه الحال  تركز المحكمة على شهادة بعض الشهود ،  فتناقش شهادة المعاون أبراهيم القاضي في شهادته أمام المحكمة ، ففي تقريره المرفوع الى مدير شرطة البصرة بتاريخ 15/12/1953 عن حوادث البصرة ، نلاحظ أنه يذكر بالأشارة الى أمر وزير الداخلية المؤرخ في 14/12/1953 ،  المتضمن تفريق أي تجمهر بالوسائل القانونية ، فأذا ما حصلت ممارسات وأساليب غير قانونية فأن المتهم غير مسؤول عنها ،  لأنه أمر تحديدا  أن تكون أساليب التفريق وفقا للأساليب القانونية ،  وطاعة الآمر تقوم على أساس دقيق بالالتزام في نص الأمر الوارد وصلاحية الجهة التي أصدرته ، والأمر الصادر من الوزير المختص ( وزير الداخلية )  سليم وقانوني ويجعل تنفيذ الأمر مبـررا بالصورة التي رسمها  وأرادها الوزير المختص ، والأمر الصادر من سعيد قزاز بصفته وزير للداخلية هو أمر صادر من موظف مختص يمنحه القانون حق أصداره ،  والشخص الذي اصدر الأمر  الصادر من السلطة المختصة لايسأل عما أرتكبه غيره  أذ لايعتبر طرفا مهما كان في تنفيذ الأمر من أحداث ضرر للآخرين ، وأن تنفيذ الواجب كسبب من اسباب الأباحة لايبيح للموظف تنفيذ الامر من غير الاوامر الواجبة التنفيذ أيضا  ، أو إن الموظف اعتقد انه مكلف بتنفيذ هذا الأمر ، أو انه اخطا في معرفة واجبة وارتكب العمل بحسن نية ، وفي جميع تلك الحالات فان العمل غير قانوني ،  وقد ثبت للمحكمة أن سعيد قزاز حضر الى البصرة يوم 15/12/1953 لأنهاء حالة الأضراب التي كانت تهدد الأمن العام ،  وقد أستشهد المتهم بوزير الداخلية ( بعد الثورة العقيد  احمد محمد يحيى  ) الذي أصبح حاكما عسكريا للبصرة بعد أعلان الأحكام العرفية  والذي بطش باهالي البصرة في تلك الأحداث ،  وبرئيس أركان الجيش والحاكم العسكري العام اللواء  أحمد صالح العبدي – الذي كان قد  تولى رئاسة المحكمة العسكرية في البصرة أثناء الأحكام العرفية والذي اعطى الأوامر بأطلاق النار على المتظاهرين من أهالي البصرة  في العام 1956 – ولم تستمع المحكمة الى شهادتيهما - ولم يثبت أن  المتهم متسبباً في هذه الحوادث أو تجاوز حدود وظيفته ، حيث ان أصدار تلك الأوامر كانت ضمن صلاحياته القانونية اولا ، كما ان القانون يسبغ عليها الحماية ويعترف بها ،  وكان على الهيئة التحقيقية والمحكمة التركيز على الأشخاص الذين أطلقوا النار والتعمق في التحقيق عمن قام فعلا  بأعطاء الأمر بأطلاق النار ؟  وهل يعتبر قانونياً حسب الأمر الوزاري المبلغ الى الشرطة ؟ وعلى هذا الأساس فلاتقع مسؤولية جنائية مباشرة  على المتهم ،  وأن التهمة لاتستند الى مادة قانونية تـتوفر فيها أدلة تنطبق على الفعل ، أما القول بأن مطالب العمال كانت عادلة أم لا ! فهي ليست من أختصاص المتهم الذي كان يتحدد واجبه في الحفاظ على النظام والأمن العام ومايمليه عليه مركز وزير الداخلية ، لأنه غير معني بتحقيق مطالب العمال من عدمها وغير مختص في التدقيق بهذا الجانب  ،  أضف لذلك صدور مرسوم التجمعات الواجب التنفيذ . أما قيام الوزير المختص بالأمر بصرف مبلغ 25 دينار لشراء فواكه لأفراد الشرطة وأستحسانه قيامهم بواجبهم ،  فهو لايشكل جريمة مطلقا ، أما عدم أتخاذه الأجراءات القانونية ضد الشرطة فأن مسؤولية ذلك تقع على السلطة المناط بها مراقبة أفعال موظفي الحكومة – الحق العام – وليست مسؤولية الوزير المختص .
أما عن حوادث النجف الأشرف والحي وبغداد بعد الأعتداء الثلاثي على مصر عام 1956 ، فقد كان سعيد قزاز وزيرا للداخلية ،  شأنه بذلك شأن أي وزير فعال ومؤثر ضمن الأحداث ،  يحاول التركيز على تطبيق القوانين وتنفيذ سياسة السلطة ،  وهو يقف على رأس الجهاز التنفيذي ، أما مسألة الأنتخابات فلم يثبت قطعاً قيام سعيد قزاز بالتزوير شخصياً بالأنتخابات أو التدخل بشكل شخصي والأمر بالتزوير .أما أتهامه بالتدخل والأيعاز الى المسؤولين لفوز مرشح ضد آخر وهذه التهمة  أن صحت فلا تشكل جريمة عقوبتها الموت ولم تصدر المحكمة بها قرارا بالأدانة ومع ذلك فهي تعتبر جريمة سياسية ،  وقد أمر المشرع بأحلال عقوبة السجن المؤبد محل الأعدام في الجرائم السياسية ، وهذا ماصرفت النظر عنه المحكمة العسكرية العليا الخاصة  فلم تنظر للقضية على أعتبار أنها سياسية بأي شكل من الأشكال  ، وحيث  انها محكمة خاصة فلا هي محكمة عسكرية ولاهي محكمة مدنية وبذلك أضاعت الطريقين  ، بل تعاملت مع القضية بشكل عادي وربما بسبب عدم معرفة فريق المحاكمة بهذه الأسس الواجب توفرها في المحاكم الاعتيادية ،  وعلى هذا الأساس فأن قرار التجريم الصادر من المحكمة يخلو من المنطق الأقناعي وأن الأدلة المتوفرة ضد المتهم  غير كافية لأدانته وفق أحكام الفقرة    ( 3 ) من المادة ( 214 ) من قانون العقوبات البغدادي ، لذا فأن الفقرة الأولى من قرار الحكم الصادر بتاريخ 4/2/1959 مخالفة للقانون وللأصول وللمنطق ،  وأنها ألصقت بسعيد قزاز تحت تأثير الأنفعال والميل النفسي الى الجانب المضاد لسعيد قزاز، حيث إن الهياج الشخصي والأنفعال لكثير من المتضررين من النظام الملكي ،  وتحت تأثير الشارع العراقي المعادي لرموز النظام الملكي ،  الذي كان له  الأثر الكبير في توجيه المحكمة نحو الأدانة والحكم ، وتحت تأثير الهتافين الذين ليس لهم أية صفة قانونية في المحكمة ،  ويبدو من تقبل رئيس المحكمة لهم وهم يمارسون هواياتهم في الهتافات وأطلاق الأشعار والشعارات أن لهم تأثيرا آخر ،  وقد أستعملت كلمات بذيئة وتافهة من المستمعين ضد المتهم داخل قاعة المحكمة  ولم يتم منعهم من ذلك ،  وأفترى المدعي العام بواقعة غير صحيحة وليس لها اساس  ضد سعيد قزاز ،  وتمت مقاطعة دفاعه أكثر من مرة ،  وكانت تشكيلة المحكمة جميعها من أفراد عسكريين شكلوا محكمة عسكرية تفتقد للفهم القضائي والقانوني المطلوب في الهيئات القضائية ،  وعلى أعتبار أن جميع أعضائها ورئيسها لم يدرسوا القانون ولااساليب العمل القضائي ، ولم يتعرفوا على نصوص القوانين التي تنظم عمل المحاكم وأصول العمل القضائي المنصوص عليه في قانون المرافعات الجزائية في حينه   ،  بأستثناء المدعي العام ماجد محمد امين الذي كان حقوقيا ، ومع وجود القضاء العراقي العادل والنزيه ،  لا يوجد مايبرر تشكيل المحكمة العسكرية العليا  الخاصة بوزارة الدفاع  ،  التي أثبت عملها عدم معرفتها بأبسط القواعد القانونية ،  حينما قام رئيس المحكمة تحليف المتهم سعيد قزاز أكثر من مرة والمتهم لايمكن تحليفه بأي شكل من الأشكال  ، وحينما لم تستمع المحكمة لشهادات 46 شاهد لم تجد لديها متسعاً من الوقت لتستمع الى شهاداتهم حسب زعمها  في قضية عقوبتها الأعدام ،  أضافة الى دفـاع وكيل المتهم الذي أنتدبته المحكمة للدفاع عنه ( المحامي صلاح الدين محمود ) الذي يقول أن المتهم أستجار به فأجره وأنه أضطر مكرها الى الدفاع عن المتهم وأمثاله ،  وانه لن يطلب البراءة أو الرأفة لسعيد قزاز بأعتباره مؤتمنا على حياته وفق نصوص قانون أصول المحاكمات الجزائية ومايمليه عليه الضمير وأخلآق المهنة !!  أضافـة الى النقد الذي وجهته جريدة ( أتحاد الشعب ) الناطقة بأسم الحزب الشيوعي العراقي  بعددها المرقم 190 في 4/9/1959 حول الهتافات داخل المحكمة و التي نفت علاقة الحزب بها ، ورغم ورود جواب من كافة مديريات الشرطة في الألوية العراقية تنفي وجود أوامر أو برقيات من وزير الداخلية سعيد قزاز تقضي بأستعمال الرصاص أو العنف في التصدي للمظاهرات ، وعلى هذا الأساس فأن الأسس التي أرتكز عليها قرار الحكم الخاص بسعيد قزاز غير قانونية ولاتصلح للأدانة ، ويمكننا القول بأن سعيد قزاز تمت أدانته بتهم باطلة مما يقتضي النظر بعين الأعتبار لأعادة محاكمته وأصدار القرار القضائي العادل بما يتناسب مع التهم الحقيقية في القضية مع أننا لاننفي تحمله جزء من مسؤولية الأفعال حينها ولكن لايمكن تحميله لوحده أخطـاء الحكم الملكي وماتم ارتكابه من جرائم  كلها  ، فقد كان سعيد قزاز جزء من النظام الملكي  لكنه لم يكن النظام لوحده ، بالوقت الذي تم تحميله وزر أعمال وجرائم النظام الملكي كلها .
يقول الأستاذ المحامي عبد القادر الدبوني أن محكمة المهداوي لم تكن محكمة بالمفهوم القضائي وأ نها أنتهت الى مأساة قضائية خرقت فيها موازين التقاضي وأعراف المحاكمات حتى يومها ذاك ، والقضية ضد سعيد قزاز كانت – على مايعتقد الدبوني – ملفقة ومجسمة ومقصود بها ضرب أركان العهد المباد ممن كانت لهم مواقف صارمة مع الشيوعيين في العراق ، وأنه يرى كمحام عمل في القضاء والتطبيق القانوني أكثر من 45 سنة متوالية وفي كافة مجالات التعامل القضائي ، أن قرار التجريم كان واهياً وقرار الحكم كان جائرا ونزاهة المحكمة معدومة والعدالة غائبة عنها كلية منذ البداية حتى الختام .( 40)
يقول الأستاذ المحامي محمود الجلبي ( من محامي الموصل )  أن سعيد قزاز تحدى محكمة المهداوي ( الهزيلة !!  ) ، معتزاً بنفسه مدافعاً عن كرامته ، مؤمنا بالله وبالمصير . (41)
ومما يؤكد تعسف المحكمة وعدم عدالة القرار ، عدم التفات المحكمة الى جميع أسباب الرأفة ، فالمتهم كان قد خدم الوظيفة العامة أكثر من ثلاثة وثلاثين سنة ، أضافة لذلك فهو قد عبر الخمسين من العمر وأنه خدم الوظيفة العامة  دون أن يقترف أية مخالفة قانونية أو أنضباطية ، وكان موظفا نزيها ولم يسبق ارتكابه جنحة أو جناية  ،  ومما يجعل العدالة غائبة فأن محامي الدفاع لم يواجه المتهم لتنويره ببعض الحقائق المثارة في المحكمة ،  وتحول وكيل الدفاع الى وكيل أتهام ضد المتهم ، ونسي القائمون بالمحاكمة مبدأ قضائي أساسي وهو أن المتهم بريء حتى تثبت أدانته الا أن المحاكمة جرت منذ البداية بشكل غير أصولي وغير حيادي فالمتهم مدان ولم يستطع أثبات برائته .
ويقول الأستاذ المحامي جرجيس فتح الله : في العام 1956 حصلت قتول أثر مظاهرات قامت في البصرة وفي ظل الأحكام العرفية وعطلت القوانين وأصبح قائد القوات المرابطة هو المسؤول المباشر بطبيعة الحال  .  كان أسم هذا القائد  ( أحمد صالح العبدي ) وهو بعينه الحاكم العسكري العام الذي أشغل المنصب منذ فجر الرابع عشر من تموز حتى سقوط حكم قاسـم ، أستطيع أن أعدد لك أسماء نظائر ( للعبدي ) كثيرة قلدتهم ثورة 14 تموز مناصب هامة لم تكن مسؤوليتهم عن قتلى المظاهرات بأقل من مسؤولية ( القزاز ) بفرض أعتبارها مسـؤولية قانونية. ( 42)
لقد خرج المهداوي عن طوره كثيراً وأخذ يكيل الأهانات لسعيد قزاز وينعته بالخائن والسفاح  والوزير الدموي ، ووصمه بالعار ، لقد تهجم رئيس المحكمة المهداوي على سعيد قزاز أيما تهجم لكن القزاز لم يسكت له فقد رد عليه ووقف وقفة شجاعة في قفص الأتهام وجابه المهداوي بنفس الأسلوب وبمثل عنفه في الأخذ والرد وناقشه بجرأه وشجاعة ولم يظهر عليه الخوف ولم يهبه ، لقد عرف عن القزاز صلابته وشدة بأسه عندما كان في السلطة ، كما عرف عنه أستخدامه القوة والبطش عندما كان وزيراً للداخلية أبان العهد الملكي أثناء قيام الشيوعيين بمظاهراتهم وأستعماله مختلف وسائل العنـف لتشتيت شملهم ، فأزداد حقدهم عليه ، حتى أستخدموا معه مختلف وسائل التعذيب والأذلال في السجن كما حاول المهداوي أذلاله بالمحكمة فتصدى له في قفص الأتهام يصيح بالمهداوي :
قزاز – أياك وأهانتي .. حاكمني ولكنك لن تستطيع أذلالي .. أنني لاأهاب الموت .. قمت بواجبي بوصفي وزيرا للداخلية ، أردت أن أضمن حرية العمل للراغبين فيه ، والنظام ، وقضيت على أعمال الشغب ولو كنت اليوم وزيرا للداخلية مافعلت يومذاك فما أنا بنادم على ماكان . وقد أنهى سعيد قزاز دفاعه أمام المحكمة بالعبارة المشهورة       (( وسأصعد الى المشنقة وسوف أرى تحت أقدامي أناساً لايستحقون الحياة )) .و على أثرها وضع في السجن الأنفرادي لمدة طويلة ، وقد حاول الكثيرون على  دفعه لأن يقدم أعتذاراً الى هيئة المحكمة عن هذه العبارة التي قالها ، الا أنه رفض أي شيء من هذا القبيل رغم المحاولات الكثيرة التي بذلت ، مما دفع ببعض للأتصال بزوجته وطلبوا منها أن تكتب له رسالة لكي يبدي شيئاً من المرونة ويقدم أعتذاره للمحكمة ويخففوا عنه المعاملة في السجن . وفعلاً فقد حررت زوجته رسالة طلبت منه تقديم أعتذار للمحكمة الا أنه أجابها على ظهر الرسالة بعبارة (( أستعدي لكي تكوني أرملة )) ، لكنهم عندما علموا بالأمر طار صوابهم فعلقوا لافتة كبيرة أمام باب وزارة الدفاع كتبت فيها عبارة ( عبد الله الشاوي وكامل قزانجي تحت التراب وسعيد قزاز وبهجت العطية ينعمان بالحياة)، وهي محاولة لأستفزاز قاسم وتذكيره يومياً عندما يأتي الى وزارة الدفاع بأعمال سعيد قزاز وبهجت العطية ضد الحركات السياسية الوطنية . وكان سعيد قزاز يسأل عن مصير اللافتة من المواطنين الذين يزورون أقاربهم في السجن خاصة وأنهم كانوا يحرصون على تجديدها كلما مرت عليها فترة طويلة ، ولم ترفع من مكانها حتى تنفيذ حكم الأعدام به وبالعطية. كما قاموا بأرخاء حبل المشنقة عندما صعد اليها القزاز لكي لاتتم عملية الأعدام ويمعنوا في تعذيبه وفعلا عندما سحبت الخشبة من تحت قدميه سقط الى الأرض فحملوه من جديد وهو في حالة الغيبوبة الى حبل المشنقة ثانية . (42) 
وحتى نضع القاريء إمام صورة حقيقية لرئيس المحكمة العقيد فاضل عباس المهداوي ، وهو أشهر من محكمة الشعب ، ففي بلد عريق  مثل العراق لم تزل قيم جميلة وكثيرة تتحكم في تقاليده وأعرافه ، بالرغم مما لحقها من جراح وشروخ  وندب  بفعل  الأنظمة اليمينية المتخلفة التي توالت على حكم العراق منذ أنقلاب شباط  1963 ولحد اليوم  ، فيتم تقييم الأنسان من خلال ما قدمه من خدمة  للشعب وللوطن  ، وبمقدار العطاء الذي قدمه ضمن مسيرته للناس وللوطن وما سجله له التاريخ  من تفاعل سياسي أو اجتماعي   مهما كان طيفه السياسي  أو انحداره الطبقي أو انتماؤه القومي  أو دينه ،  ولهذا ينبغي علينا مراجعة التاريخ بمنظار حيادي للتوصل الى تقييم وطني  يتضمن العدالة في ثناياه ويحكمه الضمير والمنطق الوطني  البعيد عن الانفعال والانحياز  ، وباعتبار أن الحقيقة دوماً هي العمود الفقري للتأريخ مما يدفعنا للاعتماد  عليها في عملية التدوين والتقييم والوصول الى النتائج النهائية  .
وقد تبدو إن هناك مفارقة في تقييم المتهم الذي ادانته المحكمة ظلما ، وبين رئيس المحكمة الذي قضى شهيدا ورحل ومعه وزر اخطاءه . 
وضمن الحقائق الكثيرة وخلال الحقبة الزمنية التي مضت من تاريخ العراق الصاخب  برزت أسماء لها حضور ودور مهم في تأريخ العراق السياسي  ، هذه الأسماء كانت جزء من التاريخ العراقي السياسي ، وأثرت وتأثرت بالأحداث التي حدثت في العراق ، وكان لها من المواقف السلبية مثلما لها من المواقف الإيجابية والإنسانية ، مما يتحتم علينا أن نوازن  بين الكفتين ، ويستوجب الحق  أن نستذكر الجوانب الإيجابية الى جانب  السلبية ، أما ذكر أحدهما فأنه إخلال في موازنة الحقائق التاريخية وميل الى أحد الكفتين  ويلغي الحيادية ،  مما يجعل القصد المسبق واضحاً ويجعل  الميل المتراكم في ذهن الكاتب الشخصي طاغيا  فوق الحقيقة وحاجباُ لها في أحيان كثيرة .
كان المؤثر في هذا التاريخ أبان فترة  الحكم الملكي في العراق يعتمد على المرجعية العشائرية أو الطبقة الاجتماعية أو الانتماء الحزبي  ضمن تشكيلة الأحزاب الموالية للسلطة الملكية  للسلطة ، وخارج هذه الدوائر الثلاث لم يكن ينفذ أحداً ليسجل أسمه . 
غير أن الحركة الوطنية العراقية التي كانت تقف في الصف المتعارض بالضد  من صف السلطة الملكية والمختلف معها  ، كانت ترسم قيمها ونهجها ومبادئها الوطنية  وفق تصوراتها ووفق رؤاها  السياسية ، ومن خلال هذه الأمور كانت الأسماء تبرز فيها بعيداً عن العشائرية أو الطبقية أو الموالاة للسلطة ،  وباتت  هذه الحركة تتفاعل مع الحس الوطني ومشاعر الناس وبرزت أسماء مهمة سجلت  لها حضور في تفاصيل العمل السياسي في العراق ، لايمكن للباحث أن يتجاوز هذه الأسماء الوطنية ، مثلما لايمكن أن ينكر دورها في أشغال التاريخ السياسي العراقي فترة محددة سجلت لها الأحداث مالها وما عليها ، وتميزت حركة الأحزاب والقوى السياسية في العراق بتوحدها وتماسكها ، وسجلت لها مواقف نسقت فيها فعلها السياسي وفعالياتها ومواقفها السياسية ، ومن خلال كل  هذا بدت  هذه الحركات والأحزاب  أكثر تماسكاً حينما كسبت تعاطف وتقدير واحترام  الجماهير العراقية ، مسجلة بذلك تناقضاً حاداً بين منهج السلطة الملكية التي أبتعدت تدريجياً عن الجماهير العراقية لأسباب كثيرة ، وتعارضت مع  مبادئ وأهداف الحركة السياسية الوطنية التي تكاتفت وتجمعت جهودها من خلال الجبهة الوطنية ليزداد تأثيرها وقوتها في الساحة العراقية . 
غير أن هذه القاعدة تغيرت بعد سقوط النظام الملكي وقيام الجمهورية العراقية في 14 تموز 1958 التي قادها الزعيم عبد الكريم قاسم وخطط لها تنظيم الضباط الأحرار الذي أستمد عزمه وقوته وتصميمه من أهداف ومبادئ الحركة السياسية الوطنية في العراق عموماً  ، وانسجاما مع تطلعات أهداف الشعب العراقي  ، ومن بين الأسماء العديدة للضباط الأحرار يبرز أسم  العقيد فاضل عباس المهداوي ،  وهو أحد الضباط الأحرار ضمن الخلايا التي أعلنت ارتباطها بالتنظيم العسكري ، ومن الذين ساهموا ونفذوا فعلاً  ثورة  14 تموز 1958 ، هذا الرجل الذي سيستلم منصباً جديداً لم يعرفه الضباط من قبل ولم يخططوا له أصلاً  ولاكان في حساباتهم الوطنية ، منصب رئيس المحكمة العسكرية العليا الخاصة بوزارة الدفاع ( محكمة الشعب ) ، وهي محكمة ثورية جرى تشكيلها بموجب قانون لمحاكمة أقطاب العهد الملكي  أصلاً ثم أحيلت عليها قضايا أخرى ، بالنظر لتطور الأحداث السياسية ، ومالحق الوطن والناس من شروخ نتيجة هذا التباعد والأختلاف .
وقد تشكلت المحكمة من العقيد فاضل عباس المهداوي رئيساً وشكل عضويتها كل من العقيد فتاح سعيد الشالي والمقدم شاكر محمود السلام والمقدم حسين خضر الدوري والرئيس الأول إبراهيم عباس اللامي ومثل الإدعاء العام فيها العقيد الركن ماجد محمد أمين . 
وأننا نعتقد أن المحكمة لم تكن في بال قيادة الثورة ولاتم التخطيط لها ، وقد تم إصدار قانونها بشكل مستعجل وطارئ  ومنفعل ، لذا فأنها أضافة إلى كونها محكمة عسكرية فهي محكمة استثنائية وخاصة  ، وكان الشيء الجديد الإيجابي  في المحكمة أنها علنية تبث مباشرة على الهواء من محطة التلفزيون ومحطة الإذاعة العراقية الصوتية دون رقابة أو مونتاج أو مراجعة من سلطة أو دائرة معينة ودون أية قيود  ، وهذه حالة جديدة لم تعتادها الناس في العراق ، مثلما كانت تحمل معها عنصر التشويق في عملية محاكمة المسؤولين والوزراء الذين كانوا يديرون دفة الحكم في العراق الملكي سابقاً ،  والذي أطـلق عليهم  تسمية    ( أقطاب العهد البائد )  ، وقد لقيت المحاكمات التي بثتها الإذاعة ونقلها التلفزيون الذي كان محدود القدرة في أيصال البث بحدود العاصمة وماحولها من الألوية العراقية أقبالاً منقطع النظير ومتابعة شعبية لم تكن في بال الكثير من المتابعين لمثل تلك المحاكمات  . 
وخرج علينا فاضل المهداوي من خلال المذياع في المحافظات ( الألوية حينذاك ) والتلفزيون في بغداد وماحولها  بصوت جـهوري متمكن وقدرة على محاورة الخصم ، بل وأمكانية ثقافية وشعبية ، وقدرة على  تدقيق ومناقشة الأدلة والوقائع  والشهادات من خلال الأسئلة والحوار بينه وبين المتهمين ، مع أن الرجل لم يدرس علم القانون ولاعلم النفس  الجنائي ولم يتمرس في قضايا القانون وأصول المحاكمات  ، ولكن يمكن أن تكون ثقافته العامة هي التي ولدت لديه القدرة على هذه الإمكانية.
جلب أنتباه الجميع في أيام المحاكمات الأولى، من خلال تعليقاته وتلميحاته ومن خلال الأمثال الشعبية  والأشعار العربية والعراقية الشهيرة التي تصاحب المناقشة القضائية التي لم يعتدها المشاهد العراقي ، ولا خطرت في بال المستمع والمشاهد الذي يتابع محاكمات الوزراء والجنرالات والمسؤولين وهم يقفون في قفص الاتهام ويتذللون ويطلبون المغفرة من شعب العراق ومن قيادة الثورة باستثناء قلة حافظت على شخصياتها وكبريائها  ، ومن أهمهم السيد سعيد قزاز موضوع بحثنا  ، ولم تخلو جلسات المحاكمة من خروقات قانونية وتعسف بحق المتهمين وأخلالاً بهيبة  العدالة ، أضافة الى  التعدي  بالتعليقات من قبل رئيس المحكمة الذي كان يفترض به الحياد ، وكما يفترض أنه يحاكم متهما لم تتم أدانته  وليس مذنباًً تقررت  أدانته ، والمتهم بريء مثلما نعلم حتى تثبت أدانته ، لكن أخطاء كثيرة وقعت منها ما يتحمل وزرها رئيس المحكمة شخصياً، ومنها ما يتحمله جمهور المستمعين الذين كانوا يحضروا جلسات المحاكمة ، وأدى الأمر الى انتهاك قيمة ومكانة المحكمة من خلال الهتافات السياسية والأشعار التي صاحبت جلسات المحاكمة ، لم تجد رادع أو مانع لها فاستمرت تحت تأثير التعارض والتناحر السياسي القائم في العراق آنذاك  ، حتى حصل أندساس الأصابع العربية   والأجنبية الخبيثة والعميلة  في الجسد العراقي، ومن ثم وصل الأمر الى تعميق  الاختلاف والتناحر والتقاطع  السياسي  بين الأحزاب السياسية الوطنية  العراقية والذي أنسحب  بدوره على الاجتماعي والحزبي  والشخصي ومن ثم لينسحب على كل القيم والأعراف والتقاليد الجميلة في العراق فينشر سمومه بين كل البيوت ويصيب رذاذه كل الناس دون استثناء . 
هذا الشرخ الحاصل في جسد العراق كلف العراق الكثير وأعاقه عن التطور والتقدم       وألزم الكثير بالالتزام الى جانب استنهاض القيادة الوطنية المتمثلة بعبد الكريم قاسم من أجل التغيير ، بعد أن أصطفت كل القوى المظلمة والرجعية ودوائر المخابرات الأجنبية والقوى القومية الوطنية المتعارضة مع الحكم بقصد أو دون قصد ،  لتعمل سوية وبجد لإسقاط التجربة الوطنية التي تخللت مسيرتها أخطاء مرحلية ،  كان من الطبيعي أن تقع ضمن المسيرة الحتمية للتجربة الجديدة ،  وما رافق هذه التجربة من ارتطامات ومواقف وتقاطع وأختلاف في رؤى أقطاب الحركة التي قادت الثورة ( حركة الضباط الأحرار )  ، التي أصابها الشرخ وتفرقت وتناحرت فيما بينها ووصل الأمر الى أعتقال البعض للبعض الآخر ومن ثم تطور الى أنهاء حياة البعض من المعارضين ،  وتعمق آسفين الفرقة بين الضباط الأحرار ،  وأستغلت جهات عديدة هذا الخلاف لمصلحتها ولحساباتها التقليدية ،  فاستثمرت ماحدث وساهمت في تعميقه من أجل عملية الاستعجال في إسقاط السلطة الوطنية  التي كان يقودها عبد الكريم قاسم . 
أن لكل فعل رد فعل مساو له في القوة ، وهذا الذي حصل فقد تولد رد فعل القوى المناوئة لسلطة الزعيم ، وكانت محكمة المهداوي ( محكمة الشعب ) من بين الأخطاء التي أعلنت القوى المضادة كونها شكلت  علامة سلبية على السلطة . 
ومع أن الأخطاء التي وقع بها المهداوي لم تكن سوى رد فعل لمواقف وأفعال القوى المضادة للجمهورية والزعيم عبد الكريم قاسم ، وكان العقيد فاضل عباس المهداوي  مدفوعاً بحسن النية وحبه للجمهورية الفتية والشعب العراقي والزعيم ، ولهذا أصبح المهداوي نقطة خلافية بين العديد من الأحزاب الوطنية في العراق حتى يومنا هذا ، ولكونه حدد خياره في الوقوف فى الجهة المتناقضة مع القوى المضادة للثورة والجمهورية ، لكنه بالمقابل لم يتحالف مع أعداء العراق ولم يخن الوطن  ولم ينحرف عن موقفه في نصرة شعبه  والعمل من أجل سعادته  ، ولم يساوم في هذه المواقف وبنفس الوقت فأنه لم يركن الى الهدوء ولم يتحالف مع قوى سياسية أخرى للإطاحة بزعيمه وأبن خالته الزعيم عبد الكريم قاسم . 
وقف المهداوي الى جانب الزعيم عبد الكريم قاسم قائد الثورة حتى صار الصوت المتحدث بأسمه ، وليس اعتباطا أن تخرج الجماهير العراقية  في الشوارع والساحات العامة وأزقة الفقراء تهتف للزعيم وللمهداوي  ، وترفع صورهما وتطالبهما بإصدار الأحكام التي كانت الأحزاب السياسية تمليه على الجماهير .
أن لكل أنسان سلبياته وإيجابياته ، ولابد أن تكون للمهداوي سلبيات ومواقف تسجل عليه ، ولكن بالمقابل فأن للرجل أيجابياته ، وحينما نطالع  ما كتب عن المهداوي ، نجد أن العديد من الكتابات ظهرت تحت تأثير العماء السياسي وأعتمدت على أظهار الجانب السلبي فقط وساهمت بشكل متعمد على طمس الكثير من الحقائق والوقائع . 
وحينما نقرأ الكتب التي خرجت الى حيز الوجود تبحث عن  تفاصيل حياة العقيد فاضل المهداوي ، نتلمس وجهة نظر   الكتاب من أجل أبراز الجانب السلبي فقط في حياة الرجل ، وفي هذا الجانب السلبي لم يتعرض أحد الى مبادئ وشخصية الرجل ولاوطنيته ولاأمانته ونزاهته ، بل تم التركيز على المحكمة ومارافق عمل العقيد المهداوي من سلبيات وخروج عن المنطق القضائي العام  والأعراف التي تلزم المحاكم العراقية وقوانين أصول المحاكمات الجزائية فيها . 
وتطورت الحملة التي شنتها كل القوى التي ذكرناها ، ليس أبتداء من حدوث الشرخ العراقي وكون المهداوي لم يزل على قيد الحياة وهو يمارس عمله في المحكمة التي أشتهر أسمه معها  واشتهرت أيضاً هي معه ، بل استمرت  توظف كل الطاقات  والإمكانيات  من أجل الثأر من سمعته و النيل من شخصية الرجل  بقصد سياسي معروف آنذاك ، وظهرت كتابات عديدة ونشرت مواضيع  كثيرة جميعها تعالج الجانب السلبي في حياة المهداوي الكثير منها  يخالف الحقيقة والقليل منها  يتطرق إلى الواقع  ويجنح الى الوقائع المنطقية ويسرد الأحداث بشكل موضوعي وعقلاني ، للتوصل الى تحليل الأسباب والنتائج ، غير أن أحداً لم يتطرق الى الجانب الحقيقي والإيجابي من حياة فاضل عباس المهداوي  . 
هذه الكتابات كانت جزء من الحملة السياسية المضادة لحكم الزعيم عبد الكريم قاسم ومن ثم بالضد من التيار اليساري الذي كان العقيد المهداوي يقف فيه أو تم اعتباره من المحسوبين عليه ، ولهذا فقد جانبت الكثير من الأنصاف ، وتمادت في حشو الأحداث والإدعاء والنقل غير الآمين مدفوعة بالعماء السياسي الذي عم البلاد في ذلك الوقت . 
والمهداوي الذي قاتل حتى اللحظة الأخيرة  لم يكن متخاذلاً  كما قيل في بعض الإصدارات ، لأنه ألتحق بزعيمه في مقر وزارة الدفاع ، مقاتلاً حتى اللحظة الأخيرة بالرغم من أنه كان  خارج مقر الوزارة عند حدوث حركة الانقلاب ، لكنه ألتحق بوزارة الدفاع فوراً وقاتل مع الزعيم عبد الكريم أيماناً منه بقضيته  ، ولم ينسحب ليلاً حينما طالبهم الزعيم بذلك مثلما أنسحب الكثير من الضباط الذين كانت لهم مناصب أعلى من منصب المهداوي ورتبة أعلى من رتبة المهداوي ومصلحة أكبر من مصلحة المهداوي في بقاء السلطة  ، بل سـار مع الزعيم بإصرار وثبات  وهو يعرف حقاً أنه سيلاقي حتفه ، بل لم يخالف أوامر الزعيم عبد الكريم قاسم ولم يناقشها ، استجاب لدعوته الى الاستسلام بغية حقن الدماء وإنقاذ أرواح المقاتلين الى جانب الزعيم عبد الكريم قاسم ، وقد أستشهد برجولة ورباطة جأش دون محاكمة ودون خوف من الموت  .
كانوا يطلقون عليه (( السليط اللسان )) و (( بوق الشيوعية )) ، لكنه الرجل الذي تذلل له المشير عبد السلام عارف وتملق له أحمد حسن البكر ، وقد أصبحا من بعده رؤساء لجمهورية العراق ، ولم يتذلل لهما حينما كان أسيراً بين أيديهما فكان تصرفهما معه سوية  يدلل على منتهى الخسة والجبن ، وستبقى هذه الحقيقة من ضمن حقائق عديدة سيذكرها التاريخ بحق المهداوي وبحق كل من عبد السلام عارف وأحمد حسن البكر . 
ثمة حقائق كثيرة تم تغييبها عمداً  عن فاضل عباس المهداوي في حين أنه يعتبر من بين أكثر الشخصيات المثيرة للجدل  والأختلاف والمساجلات والنقاش في تأريخ العراق المعاصر من مختلف التيارات السياسية والقوى الاجتماعية العراقية والعربية ، وهو بعد عبد الكريم قاسم من أكثر الشخصيات  التي وقع  عليها التشويه وطمس الحقائق وتغييبها .
ومن الأنصاف أن نذكر أن فاضل عباس المهداوي كان ضابطاً نزيها ، وقد تضمنت أضبارته الشخصية في أدارة الضباط بوزارة الدفاع وأضبارته التقاعدية ما يشير الى نظافة سلوكه الوظيفي والشخصي وتفانيه في مسلك الجندية ، والتوصيات المرفقة من الآمرين والضباط المسؤولين تدلل على ذلك ، وقد تدرج في المسلك العسكري بشكل طبيعي حتى وصل الى رتبة عقيد في الجيش العراقي ، وحينما قامت ثورة 14 تموز عام 1958 كان برتبة عقيد ،  وأصبح رئيساً لأخطر محكمة أقامتها ثورة 14 تموز 1958 وهي ( المحكمة العسكرية العليا الخاصة بوزارة الدفاع ) والتي أطلق عليها شعبياً أسم  ( محكمة الشعب ) وسمتها الأحزاب والشخصيات المعارضة ( محكمة المهداوي )  ، نزيها أستمر بنزاهته حتى الرمق الأخير واستشهاده يوم التاسع من شــباط عام 1963 بالطريقة التي عرفناها في مقر الإذاعة العراقية دون تحقيق ودون محاكمة  ، كان عفيف اليد ، ملتزماً ، اجتماعيا لايتنكر لعلاقاته الأنسانية مع تغير الزمن وتبدل الأوضاع ، ولم يستطع خصومه أن ينكروا ذلك عليه . 
عرف عن المهداوي الموضوعية وسرعة البديهة وحبه للطرائف والنكات ، ولم تسجل عليه حادثة تدلل على حبه للمال وتفكيره بالاكـــتناز أو أن يصبح أحد الأثرياء ، كما أشتهر بعلاقاته الاجتماعية الشعبية التي  أدامها وأستمر عليها وحرص عليها  طيلة حياته ،  ولم يفرط بها أو يتناساها حينما صار رئيساً لأعلى محكمة عسكرية في البلاد  . 
تم الاتصال به من قبل البعض عارضين عليه مبالغ خيالية وبالطريقة التي يريدها ويرغبها مقابل إصدار أحكام مخففة لبعض السياسيين المخضرمين في العراق وكانت تجري محاكمتهم أمامه ولم تصدر ضدهم أحكام نهائية بعد ... حينها ضحك المهداوي ولم يقل أكثر من مقولة الأمام علي ( ع ) (( يادنيا غري غيري )) والطريف أن الأحكام صدرت عنهم مخففة بالنتيجة . 
كان المهداوي رمز  من رموز ثورة  14 تموز وناشطاً  من نشطاء حركة السلام العالمي ، ورئيساً لمحكمة ثورية وفق أمكاناتها المتواضعة باتجاه تحقيق العدالة ووفق المنظور السياسي المهيمن على الشارع العراقي حينذاك . 
لم يوافق على تقديم طلب للحصول على قطعة أرض في منطقة اليرموك في مدينة بغداد  مثل باقي الضباط من الآمرين ، لأنه كان يتحجج بأن زوجته تملك دار آلت اليها أرثاً من أهلها ، ولهذا بقي نظيفاً لم يشأ أن يخالف قناعاته وضميره .
سجل المهداوي تجربته التاريخية وقدرته ( سلبا ام إيجابا ) على الولوج في خضم الارتطام السياسي العراقي فاحبه الفقراء من اهل العراق وعلقوا صورته وسط الأكواخ وصرائف الفقراء والبيوت الطينية وفي جبا يش فقراء الهور ،  بينما ساهمت في الهجوم عليه اذاعات عربية وأجنبية ومؤسسات صحفية لها ثقلها ووزنها واشتركت أحزاب عراقية ودينية وقومية وحركات سياسية عربية وجمعيات وتجمعات  بذلك بما في ذلك إذاعة لندن وصوت أمريكا وصوت  العرب .
لم يكن المهداوي وزيراً ولاتائباً للقائــد العام للقوات المسلحة ولاحاكما عسكريا عاما ، كان مجرد رئيساً لمحكمة عسكرية ثورية أملتها ظروف المرحلة ،  مع تحفظنا على  نتائج عملها ،  لكنه جلب أنتباه الجميع أكثر من غيره ، فاشتهرت المحكمة باسمه أكثر مما أشتهر هو باسمها ، وقد سجل التاريخ العراقي والعسكري والقضائي  باحتقار واشمئزاز العديد  من أسماء رؤساء المحاكم العسكرية والمجالس العرفية  أمثال شمس الدين عبد الله وشاكر مدحت السعود  والنعساني  ونجم الدين  عبد الله العاني  ، التي كانت تحصد أعمار العراقيين وتسلب منهم شبابهم  ، بمدد سجن طويلة  لا تتناسب مع الاتهامات المسندة لهم ،  ولا تتفق مع القوانين ولاتسمح لهم بحق الدفاع ولا بعلنية المحاكمات ولا بنزاهة التحقيق ، ويتذكر أهل العراق كيف أن الأحكام كانت تصدر من هذه المحاكم والمجالس بالكمية وليس وفق التهمة أو الجرم المنسوب للمتهم ، وكانت الأحكام تحمل معها جرماً فادحاً بحق الناس والقانون والعدالة ، وقد سجلت المحاكم والمجالس العرفية العراقية صفحة مخزية ومخجلة في صفحات القضاء العراقي والعدالة العراقية ، كل هذا دفع العامل الداخلي والخارجي  والظروف التي أستجدت في العراق من خلال هذا التطاحن الحاصل وتدخل أطراف عربية وخارجية لتكون طرفاً في النزاع ، ووصلت الأمور الى القيام بأنقلاب عسكري كانت الغاية منه أنهاء حياة الزعيم عبد الكريم قاسم والمحيطين المقربين له من أمثال العقيد فاضل عباس المهداوي  والعقيد وصفي طاهر وغيرهم من الذين تقرر أنهاء حياتهم  باستعجال .
كان المهداوي برتبة عقيد حين قامت ثورة 14تموز 1958 وبقي بهذه الرتبة طيلة فترة بقاء الثورة رغم كونه كان يستحق رتبة أعلى لمضي المدة القانونية المقررة للترقية  لكنه كان يعيد أوراق ترشيحه الى مرجعة غير موقعه مع عبارة ( منتدب الى وظيفة مدنية لتأجيل النظر في الترقية ) وبالرغم  من وجود الإضبارة في دائرة التقاعد العسكري ، فأن أحداً من الكتاب والباحثين لم يشر الى هذه الملاحظة.
لم تسجل على المهداوي نقطة واحدة تشير الى إمكانية تأمره مع أية جهة كانت ضد زعيم الثورة عبد الكريم قاسم مثلما فعل العقيد عبد السلام عارف ، وظل المهداوي وفياً على محبته للزعيم عبد الكريم مخلصاً لمبادئ الثورة على عكس ما سجل التاريخ العراقي عن عبد السلام عارف ، وقد استفاد العديد من العسكريين من الظروف غير الاعتيادية التي مرت بها الثورة في سنواتها الأولى الا فاضل عباس المهداوي ، فقد بقي كما كان حاله حال الزعيم عبد الكريم قاسم  ، وقد تم اغتياله من قبل زمرة الانقلاب صباح يوم التاسع من شباط عام 1963  وهو برتبته التي جاء فيها صبيحة ثورة تموز 1958 دون تحقيق أو محاكمة .
أن مناقشة أسباب تشكيل محكمة عسكرية بدلاً من المدنية، وعدم الالتفات الى الناحية القانونية الشكلية في التشكيل ، لاتتم مناقشتها من خلال شخصية المهداوي بل من خلال الأسس التي قامت عليها من قبل قيادة الثورة والجمهورية الفتية  ، ويمكن أن تسجل كنقطة سلبية لم تكن لها أية مبررات مع وجود القضاء العراقي المدني المؤهل لأجراء مثل هذه المحاكمات ، ويكفي أن تكون المحكمة علنية ويتم عرضها من خلال شاشة التلفزيون العراقي وتنقل بواسطة الإذاعة مباشرة دون رقابة أو  تدقيق أو تقطيع ودون أدنى حرج أو سرية في المحاكمات والجلسات .
وحينما نستعرض المحاكمات التي جرت في العراق بعد زمن المهداوي ، وما صدر عنها من أحكام ومآسي ، وكيف كانت تجري وفق سريتها  وظلمها واستخفافها بالإنسان وبالقانون ، ندرك جيداً مدى البون الإنساني الشاسع بين ماجرى في زمن المهداوي ، وما قامت به السلطات المتعاقبة  بعد ذلك . 
يقينا نحن بحاجة الى كلمة نزيهة ، وواضحة عن سيرة فاضل عباس المهداوي الذي طغى لقبه على رتبته ، ومنصبه على أسم المحكمة التي لايعرف أسمها الا القليل من الباحثين والمثقفين ، الا أن الناس تعرفها بأسم  (( محكمة الشعب )) .
نقول بأن المهداوي دخل اللعبة السياسية وهو يعرف أبعادها ونتائجها ، غير أنه أصر على الاستمرار في المسير من خلال ألغامها ومطباتها  وسط الارتطام الدموي الحاد الذي حصل بين القوى السياسية العراقية ، فأخطأ في جوانب ومواقف ، وأصاب في أخرى ، لكنه كان عراقياً وطنياً نزيها مخلصاً لمبادئ الثورة والزعيم عبد الكريم قاسم وأبنا باراً لشعبه وشهيداً من شهداء  الحركة الوطنية في العراق  دفع حياته ثمناً لذلك . 
وهكذا شغل العقيد فاضل عباس المهداوي أبن المحلة الشعبية البغدادية المشهورة       ( الفضل ) ردحاً من الزمن ومن تاريخ العراق السياسي ، وكان مثار نقاش ونقطة خلاف بين السياسيين في العراق وخارجه ، لكن وطنيته لم يختلف عليها أحد . 
جاء المهداوي الى واجهة التاريخ بمظلة وطنية وخرج من أحداث التاريخ حاملاً صفة الشهادة بمظلة وطنية . وللأنصاف نقول أن تحيزاً ملحوظاً كان يبرز منذ بداية المحاكمة فلم يتعسف رئيس المحكمة العقيد فاضل عباس المهداوي  ولا المدعي العام العقيد  ماجد محمد أمين بمثل ماتم نحو سعيد قزاز مندفعين عاطفياً ضده مستندين الى سمعته دون تدقيق قضائي عادل للوقائع ، ورغم أننا لانريد أن نجعل لسعيد قزاز غطاء أو حماية أزاء ما حصل ، فأن مواقف سعيد قزاز داخل المحكمة تعتبر مساهمة جادة في أبراز وأنكشاف شخصية الرجل على مستوى الاذاعة والتلفزيون وأمام المنصفين من المستمعين ، وما من أحد كان مكره على الكتابة في حينها فالحوار تم توثيقه وتسجيله وبالأمكان الرجوع اليه ولايمكن أفتراض المواقف مع الدقة ضمن عملية التحقيق عن ماضي الرجل وموقفه في المحكمة ، وظهر الرجل قوياً معتدا بنفسه ولو طرح سؤال لماذا تصرف سعيد قزاز بهذا الشكل ؟؟ هل أنه كان يائسا بالفعل ؟ هل أنه يعرف أن تقرير مصيره قد تقرر مسبقاً ؟ هل كان يشعر أن جسامة الأفعال التي تحملّ مسئوليتها تدعوه لمثل هذا الموقف ؟
أن هذا يقودنا لمعرفة سعيد قزاز عن قرب ، فالمرء لايتصرف دائماً بفعل الدوافع التي يرغب المجاهرة بها والسرد لايفعل أي شيء في كشف الكوامن ،  فمجرد السرد لايخلق المواقف لأنه يمثل وجهة نظر الكاتب  ، الأنسان صاحب العلاقة  هو الذي يخلقها ويحركها . 
مامن شك أن مسؤولية وزير الداخلية سعيد قزاز تستوجب محاكمته وتحمله جزء مما وقع في العراق ، ومامن شك انه جزء فاعل من النظام الملكي لم يلبث إن دافع عنه ولم يزل حتى لحظة محاكمته مؤمنا به ، ولكنه كان يقر بتحمله جزء من المسؤولية مما يسهل ويمهد الطريق إمام المحكمة التي تجاوزت كل ذلك ،  وتوجهت نحو أدانته بكل ما ارتكبه النظام . 
وحينما يقول سعيد قزاز أمام الملأ ووسط قفص الأتهام أن الدفاع دفاعه وبتوقيعه وأنه مسؤول عن كل كلمة وردت فيه ،  فقد عرفنا قزاز متحملا للمسؤولية على الدوام منذ بداية أستلامه المسؤوليات الأدارية ،  ولم يكن سعيد قزاز يائساً مطلقاً فالكل يعرف من هو سعيد قزاز ، فقد كان يتصرف تصرف الواثق من مصيرة والشجاع دون تمثيل لتلك المواقف في اللحظات الحرجة ،  وهو حينما يذكر أن أكثرية الناس سواء في بغداد أو في خارج بغداد يعرفون من هو سعيد قزاز ، فانه كان  يقصد فعلا قوله هذا  ،  يقف ويتحدى  رغم عدم وجود توازن بين موقف المتهم وسط قفص الأتهام وموقف رئيس المحكمة ،  من أنه يجب أن يرد الأهانة أحقاقاً للحق وحماية لكرامته ،  مع صحة أعتقاده بان الموت قاب قوسين منه أو ادنى  الا أنه لايهاب الموت فالموت حق ويأتي مرة واحدة ولهذا لم يضعف القزاز مرة واحدة أمام المحكمة بأية جلسة من الجلسات  .
ولاأعتقد أنه يختلف أثنان في العراق بأن موقف القزاز بما أسفر عنه من نتائج موقف يوصف بالشجاعة والكبرياء ومن موقع الواثق من نفسه ولايختلف أثنان بما فيهم المهداوي رئيس المحكمة من أن سعيد قزاز كان نزيها وعادلا ويشغل المنصب الذي يستحقه في ذلك العهد  .
وأذا كان لابد من تقييم عام لما جرى مع سعيد قزاز فلا أزيــد على أن أقول أنه كان مجنياً عليه وليس متهماً .






















*******************************************
الهوامش 
(36) محاضــر جلســات المحكمة العســكرية العلــيا الخاصــة ( محكمة الشــعب ) الجزء العاشر – ص3 .
(37) نص الدفاع منشور في الجزء العاشر من محاضر جلسات المحكمة العسكرية العليا الخاصة ( محكمة الشعب ) ، وأحتفظ بنسخة من التسجيل الصوتي له بصوت المرحوم سعيد قزاز على شريط كاسيت .
(38) المحكمة العسكرية العليا الخاصة ( محكمة الشعب ) – المرجع السابق  ص 219-231.
(39) نقل قرار التجريم وقرار الحكم من محاضر المحكمة – الجزء العاشر من ص 4032 – 4039 .
(40) لقاء مع الأستاذ المحامي عبد القادر الدبوني بتاريخ 9/12/1995 بالموصل .
(41) لقاء مع الأستاذ محمود الجلبي بتاريخ 28/10/1995 الموصل .
(42) محمد حمدي الجعفري / محكمة المهداوي – مطابع دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد 1990 – ص76-77 .   

                         























                           
الفصل الرابع

4. 1 الأيام الأخيرة في حياة سعيد قزاز

تختلج أعماق المرء أحاسيس وأنفعالات خاصة حينما يعرف أن لحظات نهاية حياته قد أقتربت ،  فقد يتمسك بالحياة ويتحول الى شخص منهار مسكين ،  أوأن  يقوم بطلب الرحمة والمساعدة من سجانيه أو ممن لهم سلطة الأمر بأعدامه ،  أو أنه ينتظر لحظة الخلاص الأمل من أية بارقة أو حلم يتصورها ستحدث فجاءة ، أو انه يتماسك مؤمنا بقدره ،   ومن يتعايش مع هذه اللحظات ينقل بصدق اللحظات أو الأيام الأخيرة من حياة سعيد قزاز ، لقد كان سعيد قزاز جريئا وشجاعا في محكمة المهداوي وبعد أن صدر عليه الحكم بالأعدام كان صلبا وشجاعا ومؤمنا بقدر الله سبحانه وتعالى وأن صلابته أحيانا تتخطى المعقول ، وحتى نسمع  تلك الشهادات عن سعيد قزاز من أناس كان لهم مساس يومي بهذه الأحداث ،  كان لقاؤنا مع العقيد المتقاعد السيد صديق الصفار والذي حكمت عليه المحكمة العسكرية العليا الخاصة بوزارة الدفاع ( محكمة الشعب )  بالأعدام أيضا ضمن المحكومين في حركة الموصل عام 1959 ضد حكم عبد الكريم قاسم ، وقد أقتيد الى زنزانة الأعدام في سجن بغداد المركزي أي بعد شهرين وستة وعشرين يوما على صدور قرار الحكم بالأعدام ضد سعيد قزاز وبذلك فقد عاش مع سعيد قزاز مائة وأربعين ليلة ، يقول الصفار عن أيام عاشها مع سعيد قزاز في سجن بغداد  (( أنه وجد سعيد قزاز رجلا نشيطا ذا معنويات عالية لم يؤثر فيه حكم الأعدام مطلقا ، كان يلتقي به دائما أثناء فترات الأستراحة في فناء السجن القديم وقد أرتدوا جميعا بدلات الأعدام وأن السيد الصفار  يتذكر عند دخوله الى زنزانات الاعدام فيقول كان سعيد قزاز يستقبلنا ويخفف علينا هموم الحكم وفي ذكرى عيد العمال العالمي في 1/5/1959 خطب عبد الكريم قاسم في الجماهير المحتشدة التي كانت تطالبه بأعدام (( الخونة القدامى والجدد ! )) أي جماعة العهد الملكي وجماعة حركة الموصل فأخبرهم عبد الكريم قاسم بأن قرار الأعدام بيده وطلب منهم أن يطلبوا شيئا غيره ما يخص البلد وكان سعيد قزاز يستمع للخطاب وعند الأنتهاء من الأستماع كان سعيد قزاز يبشرنا بأن الزعيم عبد الكريم قاسم لن ينفذ الأعدام كما أكد ذلك رشيد عالي الكيلاني مما رفع معنويات الجميع .
 يقول السيد الصفار كنا نقتل الوقت بقراءة الكتب ، كل يقرأ ما تشتهي نفسه ، كان سعيد قزاز خصما قويا للشيوعية العالمية والمحلية وكان يعجبه أن يتعقب أخبار وزارة الداخلية وترقية الموظفين بالمناصب الأدارية والتعيينات في الوزارة . كان يفرح لتسمية موظف جيد في منصب أعلى ويحزن لمن يتبوأ مركزا لايؤهله له شيء سوى المحسوبية والعلاقات الشخصية ، كان سعيد قزاز في قاعة خاصة ومعه أحمد مختار بابان وغازي الداغستاني وبهجت العطية وعمر علي وفاضل الجمالي ، كان دائم اللوم على غازي الداغستاني وعمر علي بأعتبارهما عسكريين وكنا نختلف معه في هذا المجال ثم أخذ يصرف النظر عن هذا التوجه بعدئذ ، كان يحمل روحا أنسانية تسامحية ومما يذكره أنهم جاءوا بمعتقلين جدد كان من بينهم أحد الضباط الذين أساءوا كثيراالى سعيد قزاز أثناء أعتقاله بعد ثورة 14تموز ( يوليو ) 1958 أذ كان المدعو ( فاضل الساقي ) آمراً للمعتقل عند أعتقال سعيد قزاز وكان يتلذذ بالأساءة الى القزاز وأسماعه كلمات تزعجه وتؤذيه وبعد دورة الزمن تم أعتقال فاضل الساقي وعند دخوله المعتقل كان في حالة يرثى لها ، فكان سعيد قزاز يساعده بأيصال السجاير والأكل رغم أنه كان في زنزانة منفردة ومنعت عنه المواجهة وأيصال الأشياء الا أن سعيد قزاز لم ينقطع لحظة عن الأتصال به متناسيا ماقدمـه هذا الشخص من أساءة اليه . وفي مرة أخرى مرض الأستاذ فاضل الجمالي مرضا شديدا فأخذ يحاول أسعافه وخدمته ومعاونته ومن ثم الأتصال بآمر المعتقل وأحضار طبيب لمعاينته وعندما كتب الطبيب ورقة الدواء لم يكن الأستاذ فاضل الجمالي يملك المال لدفع ثمن الدواء رغم أنه كان يشغل منصب رئيس وزراء في العهد الملكي فما كان من سعيد قزاز الا أن تطوع لدفع المبلغ المقــرر من ماله الخاص . وفي لقاء ضم ّ السيد صديق الصفار وبهجت العطية ويوسف كشمولة ورفيق عارف وسعيد قزاز في باحة السجن كان الحديث يدور حول تقديم بهجت العطية تقارير الى وزير الدفاع بينما كان رفيق عارف يدافع عن ذلك من أن أجهزة الأمن كانت تقوم  بأتهام أي ضابط جيد بتهمة التآمر على النظام وبهذا فأن اللوم والخلل يقع على رفيق عارف الذي لم يكن يعير لتقارير جهاز الأمن الأهتمام القوي وأن سعيد قزاز بصفته وزيرا للداخلية كان راضيا عن دفاع بهجت العطية وأنه يؤيد ما أورده بهجت العطية . 
كان سعيد قزاز مثقفا يجيد اللغة الأنكليزية وقد شاهده السيد الصفار وهو يطالع كتاب جواهر لال نهرو ( لمحات من تاريخ العالم ) باللغة الأنكليزية وأنه تدرج بالمناصب الأدارية بجدارة من مدير ناحية حتى وصل الى وزارة الداخلية ، كان يؤكد بأن جميع ماقام به من أعمال طيلة حياته غير نادم عليها لابل يفتخر بها ويرتاح الى سردها وكان أثناء النقاش معه لايؤيد ولايحبذ فكرة حلف بغداد وأنه يعارض الفكرة وأنه كان راضيا جدا عن سياسة نوري السعيد الا انه ينتقد تصرفات الوصي عبد الاله . 
وعندما القى المرحوم سعيد قزاز دفاعه في محكمة المهداوي وعند عودته الى السجن سأله السيد الصفار عن أسباب هذا الدفاع الحاد والرد القوي على رئيس المحكمة فأسـرّ السيد الصفار والحديث للمرحوم القزازعلى لسان الصفار  ، من انه أثناء ماكان في قفص الأتهام في محكمة المهداوي كان يشاهد وصفي طاهر مرافق عبد الكريم قاسم والذي كان قبلها مرافقا لنوري السعيد يجلس متشفيا في المقصورة المخصصة لجلوس الملك لمشاهدة سعيد قزاز في قفص الأتهام حيث أن محكمة المهداوي تنعقد في بناية البرلمان القديم الملاصق لوزارة الدفاع وأنه أي سعيد قزاز كان يقصد بكلمته الشهيرة بأنه لاترهبه المشنقة وعندما يصعد عليها سيرى الكثيرين ممن لايستحقون الحياة تحت أقدامه أنه يقصد بها وصفي طاهر . وقد تم نقله في زنزانة أنفرادية بعد ألقائه الدفاع وطلبوا منه الأعتذار من هيئة المحكمة الا أنه اصــرّ على عدم الأعتذار ثم تمت أعادته الى قاعته الأولى مع زملائه .
أن سعيد قزاز كان يؤمن بوحدة العراق يعتز بعراقيته وكونه كرديا ضمن التراب العراقي وضمن الوحدة العراقية .
وعن أعتقال ديوالي الدوسكي فانه يقول أن الأمن يتطلب أعتقاله وانه يهمه أمن اللواء ( المحافظة ) وقد أرسل أحد ضباط الشرطة المدعو بشير السلمان للقبض على ديوالي الدوسكي ثم ذهب سعيد قزاز الى دهوك وعندما جلبه الضابط بشير قام القزاز بأقتياد الدوسكي وأركبه في سيارة مسلحة وركب شخصيا معه بعد أن ترك سيارته وعند وصوله الى المتصرفية حكم عليه بموجب قانون العشائر . 
يستذكر من أصدقائه في مدينة الموصل صديقه الأستاذ الصحفي  عبد الباسط يونس رجب وكان معجبا بجرأته وبما يمليه عليه ضميره ، يتذكر كل أهالي الموصل الطيبين ويحتفظ بذكريات عن آل كشمولة ومن ضمن من يتذكرهم أدريس كشمولة وعبد الكريم كشمولة وعبد الرزاق كشمولة وكان حديثه الى السيد الصفار والى يوسف كشموله أثناء فترات الأستراحة وكانا يتحدثان له عن أحداث الموصل وماشهدته المدينة من مآس مروعة نتيجة تصادم القوى السياسية في المدينة . 
وعند ما أبلغوه بالتنفيذ قام يودع السجناء منتصب القامة بشوشا يصافح بقوة تنم عن أيمان كبير وقام بالسلام على جميع زملائه وسجانيه ، وفي اليوم الثاني حضرت عوائل كثيرة الى باب السجن لتوديع أبنائها وكان من ضمن من حضر لتوديع سعيد قزاز زوجته وأبنته وزوجها وأنه طلب من السجان الرئيس عرفاء (( وناس )) أن لايسمح لعائلته بالمواجهة ويخبرهم أنه يرفض مواجهتهم الا أن السجان وقع في حيرة وأرتباك وحرج فالنساء تبكي واللحظات نهائية وأخيرة وبعد ألحاح السجناء قام السجان بأدخال عائلته وكانت أبنة سعيد قزاز تسب وتشتم حكومة عبد الكريم قاسم بينما كانت زوجته تبكي وقد ودعهم بعيدا عنهم في زاوية الزنزانة وكان يتكلم معهم بالكردية وطلب منهم الذهاب بسرعة وتركه يواجه مصيره المحتوم . وفي الليلة الأخيرة لم ينم أحد من السجناء الى أن بلغت الساعة الرابعة فجرا حيث أقتادوا سعيد قزاز وعبد الجبار فهمي وعبد الجبار أيوب وبهجت العطية الى غرفة التنفيذ في نفس السجن وقد صعد الحراس فوق سطح السجن لمشاهدة التنفيذ وقد عاد أحد السجناء وهو متألم ، وحينما سأله السيد الصفار عن التنفيذ أخبره بأنهم قاموا بقطع الحبل عند بدء عملية شنق سعيد قزاز فسقط في الحفرة فقاموا بربطه بحبل جديد وشنقه مجددا بغية الأمعان في تعذيبه قبل أن يلفظ أنفاسه ، وبذلك فأن سعيد قزاز تم شنقه مرتين وبذلك أنتهت حياة سعيد قزاز وبقيت أفعاله وأعماله وكان عمر علي أشد المتألمين على أعدام المذكورين أعلاه وكذلك فاضل الجمالي .))  ( 44) 
يقول الأذاعي يونس بحري الذي أعتقل مع سعيد قزاز يوم 15تموز ( يوليو ) 1958 : كان توفيق السويدي في المعتقل يوم 18 تموز (يوليو ) 1958 وعندما مر به آمر المعتقل المقدم نوري قال السويدي مخاطبا آمر المعتقل :
ياسعادة المقدم العدل أساس الملك .
فأجابه المقدم نوري : هذا صحيح ولكنكم لو حكمتم بالعدل لما قمنا بهذه الثورة ولما أعتقلناكم ثم أن كلمـــة سعادة ومعالي ممنوع أستعمالها بعد الآن وأن كلمة     (( سيادة )) هي المستعملة . قال السويدي الذي جمع جرأته وأستعاد حيلته المعهودة : أننا تحت تصرفكم . وستقول العدالة كلمتها فينا وسيحكم التاريخ . وعندها تدخل المرحوم سعيد قزاز في الوضوع فقال بلهجته الكردية : تكلم عن نفسك وحدك يا أستاذ سويدي   ، أما أنا  فأنني مسؤول عن أعمالي كلها . فأجاب السويدي : أنت تدري ياسعيد بك أن الحكم كان يديره عبد الاله ونوري ، أما نحن وبقية الرؤساء والوزراء فلم نكن سوى أحجار شطرنج ينقلا نها حيث ومتى يريدان وعندها أحتد سعـــيد قزاز وهب واقفا وهو ينظر بغضب الى توفيق السويدي ، ونسي أنه معتقل وقال بحدة وأصرار : هذا كذب وأفتراء بالنسبة لي ولبعض الوزراء الذين أعرفهم وتعرفهم أنت جيدا مثلي . فأنا عندما أضطلع بالمسؤولية لا أعرف عبد الاله ولا نوري بل أعرف واجبي ومسؤوليتي ، والآن وأنا معتقل أقول أمام  الله  والناس أن هؤلاء جميعا ليسوا بمسؤولين ، بل المسؤول ا نا وحدي عنهم على الأقل ! وأشار بيده الى متصرف بغداد عبد الجبار فهمي والى بهجة العطية والى بقية الموظفين التابعين لوزارة الداخلية من متصرفي الألوية ومدراء الشرطة وأمانة العاصمة والبلديات .  (45) 
يقول اللواء الركن حازم حسن العلي والذي كان معتقلا من ضمن المشتركين بحركة الموصل أنه تم نقلهم الى نفس الدار التي كانوا يسكنون فيها سابقا والتي يشغل بعض غرفها جماعة العهد الملكي وتم وضعهم في غرفة واحدة وأوصد الباب عليهم وجيء بأ حد جنود الأنضباط وجلس قبالة الباب .
وبعد برهة خرج من تلك الدار كل من سعيد قزاز وبهجت العطية وعبد الجبار فهمي وعبد الجبار أيوب المحكوم عليهم بالأعدام من جماعة العهد الملكي وعند مرورهم من أمام الغرفة التي كنا فيها – والحديث لحازم العلي -  وجاء الينا قائلا (( أشجابكم هنا شني القضية )) فأجبناه بانه ليس لدينا أية معلومات وكل ما هنالك طلب منا النتقال الى هنا . وكانت هيئته تدل على أنه يتوقع شيئا خطيرا بالنسبة له وللجماعة التي معه . وتم نقلهم الى القاطع الذي أتينا منه .. وعندما حلت الساعة الثامنة مساء صدر بيان الحاكم العسكري العام المرقم 116.( 46)

بيان الحاكم العسكري العام 
أن الخونة المجرمين الذين تعاونوا مع الأستعمار والطامعين في بلادنا والذين خانوا هذا الوطن العزيز وعرضوا أمن البلاد وأهلها الى الخطر وتآمروا بكل وقاحة على سلامة الجمهورية العراقية التي ظهرت الى العالم الحر وأنبثق كيانها الزاهر في يوم 14 تموز ( يوليو ) . هذه الجمهورية المسالمة المحايدة التي تتمتع بالسلطة والسيادة الكاملة والأستقلال التام وتحمي كيانها من كل تدخل أجنبي لحماية مجموع الشعب الجبار في العراق وأرجاء الأمة العربية . هؤلاء الخونة الذين يلاحقهم الخزي والعار وتذكرهم الأجيال القادمة باللعنات . هؤلاء الخونة الذين كانوا معاول بيد الأجنبي والأستعمار لتقويض كيان هذه الجمهورية سوف ينالون  عقابهم  جزاء لخيانتهم بحق الشعب والوطن .
سوف ينفذ حكم الأعدام رمياً بالرصاص ببعض الخونة المجرمين من العسكريين الذين أشتركوا في مؤامرة الخائن الشواف وذلك في ميدان رمي أم الطبول في الوشاش في الساعة الرابعة من يوم الأحد الموافق 20/9/1959 .
وقد جرى تخفيض لبعض أحكام الأعدام الصادرة عدد كبير من المجرمين الى السجن مع خفض مدة السجن لمجرمين آخرين سوف يعلن عن أسماؤهم قريبا .
كما سينظر في الأحكام المتعلقة في المجرمين الآخرين في المستقبل .
بعد أن يتم  التنفيذ فعلا في يوم 20/9/1959 سوف يصدر عنا بيان مفصل بذلك .

                                            
               اللواء الركن                                                               أحمد صالح العبـدي
الحاكم العسكري العا م 

وفي الساعة الثانية من بعد ظهر يوم 20/9/1959 أذيع البيان التالي : 

 بيان رقم 117 صادر عن الحاكم العسكري العام 

الى أبناء الشعب الكرام – ألحاقا ببياننا المرقم 116 في 19/9/1959 .
أولا : - لقد تم في الساعة الرابعة من صباح هذا اليوم تنفيذ حكم الأعدام شنقا في سجن بغداد المركزي بحق الخونة المجرمين من المدنيين سعيد قزاز وبهجت العطية وعبد الجبار فهمي وعبد الجبار أيوب والذين كانوا قد تآمروا على سلامة بلادنا بالتعاون مع الأستعمار والطامعين قبل الثورة المظفرة . 
كما تم في الساعة السابعة من صباح هذا اليوم تنفيذ حكم الأعدام رمياً بالرصاص في ميدان رمي أم الطبول بحق الخونة من الضباط المطرودين من الجيش الزعيم الركن ناظم الطبقجلي والعقيد الحتياط رفعت الحاج سري والمقدم الركن عزيز أحمد شهاب والرئيس  الركن داود سيد خليل والعقيد خليل سلمان والرئيس الأول توفيق يحيى آغا والرئيس يحيى حسين الحماوي والمقدم الركن علي توفيق والرئيس هاشم الدبوني والملازم الأول حازم خطاب والمقدم أسماعيل هرمز والرئيس الأول مجيد الجلبي والرئيس زكريا طه كانوا قد أشتركوا وتعاونوا في حركة التمرد والعصيان التي قام بها الخائن عبد الوهاب الشواف ضد سلامة وأمن الجمهورية بعد أن أقترنت قرارات الحكم الصادرة بحقهم عن المحكمة العسكرية العليا الخاصة ومصادقة سيادة وزير الدفاع ، ,اننا نؤكد للمواطنين بأن المصير الذي لقيه هؤلاء الخونة سيكون نتيجة حتمية للمتآمرين والعملاء الذين يتعاونون مع الأجنبي بالتعرض لسلامة وكيان جمهوريتنا العزيزة بزعامة أبن الشعب البار الزعيم الركن عبد الكريم قاسم . وختم البيان الذي تعرض في الفقرة ( 2) منه تخفيف عقوبة الأعدام بحق بعض المحكومين الى الأشغال الشاقة المؤقتة لمدة خمس عشرة سنة وتخفيف الخرى الى عشر سنوات وذيل البيان بتوقيع اللواء الركن أحمد صالح العبدي الحاكم العسكري العام بتاريخ 20/9/1959 .
ويسترسل السيد حازم العلي :
أما ماجرى لزملائنا من رجال العهد الملكي الذين نفذ بهم حكم الأعدام شنقا صبيحة يوم 20/9/1959 في سجـن بغداد المركزي وهم كل من سعيد قزاز وبهجت العطية وعبــد الجبار أيوب وعبد الجبار فهمي فلابد أن أذكر ( خسة )  ( كذا  ) الشيوعيين وحقدهم الأسود على الذين لايؤمنون بعقيدتهم المشبوهة العميلة ( كذا ) وكيفية أنتقامهم من أعدائهم حتى في طريقة الموت التي يفرضونها عليهم .
فالمعروف عن سعيد قزاز بأنه أشهر وزير داخلية في العهد الملكي وأشجع المتهمين الذين أحيلوا الى محكمة المهدا وي من رجال العهد الملكي ، وكان موقفه في المحكمة موقف غير المبالي من الحكم المعلوم الذي ستصدره المحكمة هذه وهو         ( الأعدام ) .  لذلك انهى د فاعه  بالعبارة المشهورة " وسأصعد الى المشنقة وسوف أرى تحت أقدامي أناساً لايستحقون الحياة ". 
ولم ينس الشيوعيون تلك الكلمة فعملوا لافتة كبيرة وضعوها أمام باب وزارة الدفاع  على واجهة المقهى التي كانت أمام الوزارة آنذاك مكتوب عليها   ( عبد الله الشاوي وكامل قزانجي تحت التراب وسعيد قزاز وبهجت العطية ينعمان بالحياة ) والغرض منها أستفزاز عبد الكريم قاسم وتذكيره يوميا عند خروجه من الوزارة بأن سعيد قزاز وبهجت العطية لايزالان على قيد الحياة .
وكان سعيد قزاز دائم الأستفسار من المواجهين عن مصير تلك اللافتة التي كان يحرص الشيوعيون على تجديدها كلما أصابها القدم والبلى واستمرت باقية في مكانها لحين تنفيذ حكم الأعدام بالقزاز وبالعطية . وحدثنا بعض الجنود الذين رافقوا القزاز ورفاقه الى المشنقة بأن الشيوعيين الذين أشرفوا على عملية تنفيذ حكم الآعدام بهم تعمدوا أن يرخوا حبل المشتقة عندما صعد القزاز بخطى ثابتة اليها . وعندما سحبت اللوحة الخشبية من تحت أقدامه سقط على الأرض ولم تتم عملية الأعدام ، لذلك حملوه الى المشنقة من جديد وكرروا عملية الشنق مرة ثانية وهو في حالة شبه غيبوبه أمعانا في تعذيبه ولتشفية قلوبهم المريضة وحقدهم الأسود اللعين " ولاتحسبن الله غافل عما يعمل الظالمون " وفي المرة الثانية صعدت روحه الى بارئها ظلم الأنسان لأخيه الأنسان . ( 47) 
وعن أنطباعاته الشخصية عن سعيد قزاز من خلال لقائه به في السجن يقول السيد العلي : أما سعيد قزاز وزير داخلية العهد الملكي فكان أقرب المحكومين الى قلوبنا حيث كان شجاعا ومرحا ومتواضعا الى أبعد الحدود وكنا نحبه ونحترمه لشجاعته ودماثة خلقه ، فهو الذي قـال للمهداوي في المحكمة عند ألقائه دفاعه ( سأصعد الى المشنقة سوف أرى تحت أقدامي أناسا لا يستحقون الحياة ) وعلى أثر تلك العبارة وضع في السجن الأنفرادي لمدة طويلة وطلب منه أن يقدم أعتذارا الى هيئة المحكمة عن تلك الكلمة الا أنه رفض ذلك ، مما حدا بالشيوعين الى الأتصال بزوجته وطلبهم منها أن تكتب له رسالة تطلب منه تقديم أعتذار للمحكمة ، الا أنه جاوبها على نفس الورقة بعد أن حياها بما يلي ( أستعدي لأن تكوني أرملة ) . وأبى أن يكتب الأعتذار للمحكمة مما أضطرهم  في النهاية الى أطلاق سراحه من السجن النفرادي ونقله من الغرفة المخصصة لزملائه المحكومين بالأعدام . ولكن الشيوعيين واعضاء محكمة المهداوي لم ينسوا له تلك الأهانة وعاقبوه عليها عند تنفيذ حكم الأعدام بــه . ( 48)
كان المدعو ( فاضل الساقي ) آمرا لمعتقل أبي غريب وقد أساء كثيرا لسعيد قزاز وحدثت أن دارت دورة الزمن وتم أعتقال الساقي بتهمة التآمر على عبد الكريم قاسم وأقتيد الى نفس المعتقل ويقول يونس بحري أنه أخبره أحمد مختار بابان بأن فاضل الساقي من المعتقلين الجدد وأنه يريد طعاما فهو لم يأكل منذ 75 ساعة فقال له المرحوم سعيد قزاز .
خذ هذا الطعام واعطه لفاضل الساقي .. لقد غفر الله ماتقدم من ذنبه وماتأخر لأنه صار معتقلا مثلهم وزميلا لهم .( 49) 
كتب لي الأستاذ المحامي عبد القادر الدبوني أثناء توديعه لشقيقه الشهيد هاشم الدبوني ضمن شهداء حركة الموصل 1959 أنه كان ليلة أعدام سعيد قزاز في باحة السجن حينما شاهد المرحوم القزاز داخل زنزانته فكبــر أكراما ثم توجه نحو الزنزانة وحيا سعيد قزاز وقبل رأسه وشـد ّ على يديه وقال له : أنا لله وأنا اليه راجعون . وبشره بالمغفرة فالمظلوم شهيد والشهيد مظلوم .. فقال له سعيد قزاز أخطأنا في كثير وغلطنا في حساباتنا مع كثير . ياأخي سامحني . فقال الدبوني : والله لاأكن لك الا الأحترام والتقدير .  فأنشرح بكلامه كثيراوتكلما وتكلم سعيد قزاز بعبارات متقطعة فيها حكمـة وأعتداد بالنفس وثقة في رحمة الله تعالى . ولمع في خاطر الدبوني رغم الشجون المغرقة فقال له .
الدبوني : يكفيك فخراوعملاً مجيداً يوم قلت ( لاأنام حتى ينام دجلة ) فأشرق وجه القزاز وقال : أتذكـرها ؟ 
الدبوني : قرأئتها في جرائد ذلك العهد . على ماأتذكر !! 
القزاز : أصبحت منسية !
الدبوني : لايضيع العمل الطيب بين الله والناس ، والتاريخ سجل للأعمال المجيدة وغيرها . وختم اللقاء والحرس يستعجلون بهم فقال الدبوني ..
لقد تركت سجلا ناصعا ووقفت في المحكمة سيدا كريما شجاعا وكنت في وظائفك وطنيا .  لم تخف ولم تهن وهذا المصير المقسوم هو ماقرره الله سبحانه وتعالى . وبلغت الشجون ذروتها فدمعت عينا الدبوني فقال له القزاز : الله بصـير بعباده وهـو أرحـم الراحـمين . ( 50) 
يقول الدكتور كمال السامرائي (51) 
في ساعة من ظهر يوم 21/9/1959 دخل الى غرفتي بمستشفى السامرائي شاب في نحو الثلاثين من عمره . مكور الرأس بجمة خفيفة . ممتليء البطن وبطول معتدل . وحياني بأدب لم يخف الحزن الذي كان يسيطر على وجهه وهو يقول لي بلغة دارجة أستطعت أنها لاتخلو من لكنة كردية .
عندي مريضة وأحتاج الى مساعدتك . 
فقلت له :
لم أعتد أن أزور المريضات في بيوتهن ، وأفضل أن يكون الفحص في المستشفى فقد تحتاج المريضة الى مداخلة آنية لاتتوفر أدواتها في البيت .
فقال لي :- هي مريضتك . وأنا زوجها الدكتور كمال وقرب رأسه من رأسي وأضاف – هي بري بنت سعيد قزاز . 
وكنت أعرف أن سعيد قزاز قد حكم عليه بالأعدام في محكمة المهداوي   ( العليا الخاصة ) ولعلاقتي مع أبيها قلت لهذا الشاب .
هيا أليها .
وسألته حين تحركت السيارة وأنا أجلس الى جانبه .
أين يكون البيت يادكتور كمال ؟
أجابني : قرب كراج أبراهيم سعيد .
ولم أكن أعرف مكان هذا الكراج ولكنني أعرف أن بيت سعيد قزاز ليس بعيدا من مستشفى السامرائي فقلت له : أعرف أنما تسكنان في بيت سعيد قزاز القريب من مستشفى السامرائي فقال لي : هذا صحيح غير أن بعض ( الأولاد ) صاروا يضربون البيت بالحجارة منذ بدأت محاكمة سعيد قزاز ، فأضطررنا أن نغادر ذلك البيت وأستأجرنا بيتا متواضعا بعيدا عن الأنظار. ( وبعد لحظات من السكوت سألته ) : 
مم تشكو بري يادكتور كمال ؟
فلم يجبني وأعدت عليه السؤال على أحتمال أنه لم يسمعني فقال : 
البارحة ليلا خابر مدير السجن أحد أقاربي ليطلب منا الذهاب الى السجن لرؤية أبي بري ، وعرفت مقدما أن تلك قد تكون أخر زيارة قبل أن يعدم . وذهبت أنا وأم بري وبري لنراه ، فأوقفنا جندي عند طاق من سعف النخيل يفضي الى درب يصل الى بناية صغيرة غير بعيدة عنا ، ومالبثنا طويلاً حتى طلع علينا أبو بري يقوده جنديان من زنديه . وكان حليق الرأس ، فلم تتمالك أم بري وبري نفسيهما عن البكاء حتى أغمي على بري فتقدم منها أبوها سعيد قزاز ,انهضها وقبلّها وضمها الى صدره . ثم أستدار نحو أم بري وقبلها وقال لها :
 أنا راضي عنك ياأم بري ، فتهيأي من الآن أن تكوني أرملة . وهذا أمر الله .
وتقدم منه الجنديان وأمسكا بزنديــه وهما يقولان له :
كافي سعيد بك 
هذا ماقاله لي الدكتور كمال وهو معي في طريقنا الى عيادة زوجته بري سعيد قزاز .
ووصلنا الى البيت الذي فيه المريضة بري . هو من النوع النمطي الذي كان مألوفا في بغداد قبل الأربعينيات ، غرفتان صغيرتان عند مدخله ، ثم هول غير واسع تنفذ اليه غرفتان من جانبيه وفي جبهته التي تقابل مدخله باب تؤدي الى حديقـة صغيرة خلـف البيت . كانت بري الشابة في بداية حملها الأول . وبحالة هستيرية من التشنج ، ولم أكتشف ما يدل على أن الرحم أو الجنين قد تأثر بحالتها النفسية . فطمأنتها على ذلك ووصفت لها مشروبا مهدئا وعلى باب غرفتها وأنا أهم بالخروج منها سألت الدكتور كمال بهمس : أين أم بري أريد أن اراها أن أمكن ؟ 
فقادني الى هول البيت وفيه رأيتها تجلس على خشبة وهي تسند ظهرها الى الجدار وكان وجهها جامدا كأنه تمثال من رخام أبيض . وعيناها بلا حياة ولانور . أي عزاء يسلي هذه المرأة ؟ أحسن عزاء أن أقعد الى جانبها دقيقة دون كلام ، وهذا ما فعلته ، وحين نهضت لأغادر الهول سمعتها  تقول بصوت مبحوح : أشكرك يادكتور كمال .





























***************************************  
الهوامش 
42. لقاء مع العقيد المتقاعد السيد صديق علي الصفار بتاريخ 11/2/1996 بالموصل.
43. لقاء مع العقيد المتقاعد السيد صديق علي الصفار  بتاريخ 11/2/1996 بالموصل.
44. يونس بحري / 7أشهر في سجون بغداد – الطبعة الأولى –بيروت 1960 ص30
45. حازم حسن العلي / أنتفاضة الموصل – الدار العربية بغداد 1987ص 84
46. حازم العلي / المرجع السايق ص202
47. حازم العلي / المرجع السابق ص42 
48. يونس بحري / المرجع السابق ص99
49. لقاء مع الأستاذ المحامي عبد القادر الدبوني بتاريخ 9/12/1995 في الموصل 
50. د.كمال السامرائي / حديث الثمانين بغداد 1996 ص316 ومابعدها











4. 2  الكلمة الأخيـــرة 

نظرة فاحصة في علاقات سعيد قزاز الأجتماعية تبين لنا أنه كان يوظف مركزه الوظيفي من أجل الأجتماعي على الرغم من حبه وتقديسه للوظيفة ، لكنه بالنتيجة أستطاع بناء علاقات أجتماعية واسعة بين  الكرد والعرب والتركمان  – نستطيع أن نعتبر مدينة الموصل نموذجا – فكان حسب ماحدثني به المرحوم عبد الباسط يونس والسيد أكرم الصفار يرتبط بعلاقات شخصية غير متكافئة ،  فكأن يسهر مع  مجموعة من الأدباء والصحفيين والمحامين ورجال الأعمال ، وله علاقات مع فقراء من اهل الموصل ،  أضافة لكل هذا فلم تجعله الوظيفة أن يضع قناعـا على وجهه أو حجابا بينه وبين الناس ، فقد كان باب وظيفته مفتوحا ولهذا يقدم أحيانا على أفعال وتصرفات وأصدار أوامر يعتبرها البعض دليلا على نبل أخلاقه أو حرصه على الصداقة أو حفظه لقدسية العلاقة الأجتماعية ،  في حين يعتبرها البعض الآخر خرقا لمباديء المركز الوظيفي والمهمة المناطة به وأستغلالا  لهذا المنصب بأعتباره يمثل قطبا من أقطاب النظام الملكي في العراق بما تمثله أهمية وزارة الداخلية .
وعلى سبيل المثال لا الحصر ما ذكره السيد طالب مشتاق في مذكراته حين أخبره سعيد قزاز بعدم تسليم ولده ( باسم ) إلى الأمن السياسي للتحقيق معه مما دفعه لتهريبه وتخليصه من التحقيق في القضايا المثارة ضده بالوقت الذي كان سعيد قزاز هو المسؤول الإداري الأول عن عمل الأمن السياسي .
وينقل الدكتور د. كمال مظهر أحمد  في مقدمة كتاب السيد عبد الرحمن البياتي عن السيد محمد كريم فتح الله عضو اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الكردستاني في أواخر العهد الملكي الذي أنشق عنه بعد انتصار ثورة الرابع عشر من تموز 1958 لينضم الى صفوف الحزب الشيوعي والذي يبدي أعجابه بمبدئية سعيد قزاز واستقامته والعديد من مواقفه غير المتوقعه ، وغير المعروفة في سياق تمسكه بقيم المجتمع وأعرافه من أغربها قاطبة مساعدته المباشرة لسكرتير الحزب الديمقراطي الكردستاني المرحوم إبراهيم أحمد للاختفاء عن أنظار رجال الأمن بعد صدور أمر يقضي بإلقاء القبض عليه عندما كان هو وزيرا للداخلية ، ولم يرغب في الضغط على الأجهزة المعنية التي كان في حوزتها أدلة ثبوتية ضده .
كان القزاز يميل إلى تقدير ومحبة الأدباء والمثقفين والمؤرخين والشعراء وعلى الرغم من مواقفه السياسية المناهضة للشيوعية الا أنه كان يكن تقديرا وأحتراما للأدباء من اليسار على الرغم من معرفته بعلاقاتهم السياسية المناهضة للحكم الملكي ، وكمثال فقد كان ذو النون أيوب وهو من كوادر الحزب الشيوعي العراقي ثم أنفصل عنه – أديبا ومثقفا وقاصّـا ، أو مواقفه مع شاعر العرب الأكبر  محمد مهدي الجواهري ،  وأثبت القزاز أن الجانب الإنساني والأدبي في روحه يغلب على الجانب السياسي فيقدم على مساعدته ومساعدة غيره من خلال مركزه الوظيفي . 
لم تعرف الموصل وهي المدينة التي اعتبرتها مركز البحث عن سعيد قزاز موقفا أو تصرفا مشينا أو غير عادل لسعيد قزاز على الرغم من أن رضاء الناس غاية لاتدرك الا أنني وبعد هذه السنوات الطويلة على رحيل سعيد قزاز ألتقيت بالعديد من أبناء هذه المدينة الجميلة والطيبة وعلى اختلاف مشاربهم لكنهم أتفقوا على ما يتميز به القزاز من أخلاق وفضائل متأصلة في أعماقه .
مع أنني لاأنفي الطعن الذي سمعته من بعض في ما يخص الجانب السياسي لشخصية سعيد قزاز ، قيل الكثير ومن ضمن ماقيل أرتباط سعيد قزاز بالمخابرات البريطانية وهو لم يزل شابا ... وسعيد قزاز صنيعة من صنائع الأستعمار البريطاني التي زرعها في العراق لمحاربة الشيوعية والأشتراكية والفكر الوطني ن ولم يزل حتى اليوم من يتخذ موقفا متشنجا منه .
رجل مجهول لاتعرف كيف جاء وكيف تم تصعيده وتوزيره وفرضه على مجلس النواب !! متعصب وعصبي الشخصية ويلجأ  الى العنف والقسوة  في تعامله مع موظفيه .. سعيد قزاز خادم أمين للحكم الملكي ولسيطرة الأستعمار الأنكليزي وقد قدم حياته ثمنا لذلك وغير  ذلك من الاتهامات .. ولكن هل نعتقد أو يعتقد غيرنا حقا أن سعيد قزاز كان مرتبطا بالمخابرات الأنكليزية ؟  وهل بقي الأمر سرا بعد أن مرت على وفاته ثلاث وأربعون سنة  ؟ كان يعتقد أن فكرة الشيوعية تهدم بلده مثلما يعتقدها  غيره ، من أين أستقى هؤلاء معلوماتهم ؟ من أدخل هذه الأفكار المناوئة للشيوعية في أفكارهم ؟ كيف توصل سعيد قزاز لهذه القناعة ؟ هذا ما عجزت عن معرفته بعد هذا الزمن الطويل لرحيل الرجل .. ولكن هل يحق للآخر أن يعتقد بما يشاء أم لم نزل نحرم الرأي الآخر ونحن نعبر الى الألفية الثالثة من الزمن . 
هو حازم وجاد في عمله ويقدس الواجب والمهمة المناطة به وهذه صفات تسجل في صالحه .
كان معروفاً بالأصرار على قراراته وخاصة مايراه مناسبا للمصلحة العامة  ، غير مبالي بالمركز الوظيفي ،  وكمثال على ذلك أستقالته من مؤسسة الموانيء العراقية بسبب أصرار الوزير عبد الوهاب مرجان على تعيين السيد أبراهيم الراضي بوظيفة أقدم ضابط حسابات في مديرية الموانيء ،  بسبب عدم خبرة هذا الشخص في أعمال فرع من أهم فروع الموانيء ،  أضافة الى أعتذاره عن الأشتراك بوزارة السيد فاضل الجمالي المتشكلة بتاريخ 17/9/1953 لحين بذل المساعي لأقناعه بالأشتراك .
ثمة سؤال يطرح نفسه عن سر بقاء سعيد قزاز وزيرا للداخلية على الرغم من تغير الوزارات ورؤسائها فقد كان في وزارة الجمالي الولى عام 1953 ثم الثانية عام 1954 ثم وزيرا للداخلية في وزارة العمري عام 1954 وبنفس العام في وزارة توري السعيد الثانية عشرة ومن ثم وزارته الثالثة عشرة في عام 1955 ثم الرابعة عشرة في عام 1957 وفي وزارة أحمد مختار بابان المتشكلة بتاريخ 19/5/1958 ولحين قيام ثورة 14 تموز ( يوليو ) 1958 وأنهاء الحكم الملكي في العراق ، حدث تبدل سريع وقصير للوزراء وللوزارات ولكن سعيد قزاز كان مستمرا كوزيرا للداخلية مع كل هذه التغييرات ، نستطيع أن نستنتج أن قزاز كان الشخص المناسب لتطبيق سياسة السلطة الداخلية في العهد الملكي بدقة وحرص وأمانة ، وأنه كان الشخص الذي على مايبدو يحظى برضا العرش ( الملك والوصي ) في تطبيق هذه السياسة أثبات  نجاحه بأدارة دفة قيادة وزارة الداخلية في تلك الظروف  ،  ولأنه  من الوزراء النشطين المتابعين لعمل وزاراتهم ، أضافة الى شخصيته التي تعكس طابع الحرص والجد والمثابرة ، والأهم من كل هذا عدم تعاطفه مع الحركات السياسية الوطنية المناهضة للحكم الملكي في العراق  ، وشهرته  بالعداء للحركة الشيوعية وأخلاصه المفرط للحكم الملكي والعائلة المالكة في العراق . 
كل هذه الأسباب تجعل من سعيد قزاز القاسم المشترك في جميع الوزارات المتشكلة منذ توليه الوزارة ( الشؤون الأجتماعية ) بتاريخ 21/12/1952 ووزارة الداخلـية بتاريخ 17/9/1953وحتى قيام ثورة 14 تموز ( يوليو ) 1958 . وقد صرح برضاه عن سياسة نوري السعيد مع أنتقاده تصرفات الوصي عبد الألـه أضافة الى تمسكه بوحدة العراق وشراكة العرب والأكراد في هذا الوطن . 
أكتسب خبرة عالية في العمل الوظيفي من خلال شخصيته ومفاهيمه في العمل ،  اضافة الى ذكاء وسرعة بديهة ومقدرة على بناء علاقات أجتماعية في كل مجتمع يعمل فيه ،  بشرط أن تكون الشخصيات التي يرتبط بها اجتماعيا تتفق معه بالحد الأدنى في المفاهيم السياسية العامة ،  وأهمها صيانة الحكم الملكي ومصلحة العراق وفق مفاهيمه التي سردناها . 
لم نعرف أن لسعيد قزاز أرثا عائليا أو أملاكا عقارية في السليمانية وحتى في بقية مناطق العراق التي عمل بها وليس أكثر دلالة على هذا ما أورده المؤرخ حنا بطاطو في مؤلفه – العراق – الكتاب الأول حين لم يرد ذكر  أسم سعيد قزاز من بين الأسماء الواردة في الجداول الخاصة بتملك الأراضي الزراعية لرؤساء الوزارات والوزراء العاملين في العهد الملكي .(52) 
إضافة إلى عدم تركه عقارا مسجلا باسمه ملكا صرفا بعد وفاته يمكن أن نعتبره من ممتلكاته العائلية ولهذا نستطيع الزعم بأنه لم يكن مباليا بأنماء ثروة له سواء عن الطريق المشروع سيما وأنه عمل مدة غير قليلة بوظائف إدارية عالية توفر له دخلا جيدا يمكنه من توفير الكثير مع وجود عائلته الصغيرة أو عن الطريق غير المشروع الذي لم يسلكه أبدا .
يذكر المؤرخ العراقي الأستاذ مير بصري بأن سعيد قزاز كان جم التواضع ومثال النزاهة ، كان يأتي وهو وزير الداخلية إلى سيارات شوفرليت المتحدة ( شركة لاوي ) وكنت – والحديث للأستاذ مير بصري – مديرا فيها فيتحدث إلى الكبير والصغير ويستمع الى الشكاوى والاقتراحات .ومن طريف ما أذكره أن جريدة الحارس نشرت لي قصيدة وجدانية ، فكتب محرر أحد الصحف الأسبوعية المغمورة مقالا يقول فيه أن القصيدة أنما هي تمجيد لدولة إسرائيل وحللها كما أوحى له خياله ... كلمت سعيد قزاز تلفونيا وأخذت الجريدة أليه في وزارة الداخلية، وكانت مديرية الدعاية العامة تابعة لوزارته ، فقرأها وقال : عجيب ! ... ثم أحتفظ بالجريدة ولم يقل لي شيئا بعد ذلك . لكن صديقا من رجال الصحافة زارني بعد أيام وقال لي : ما أشد تقدير وزير الداخلية لك!! لقد نشرت جريدة .... كلمة عنك فأستدعى الوزير مدير الدعاية العام وصاحب الجريدة فأنب الصحفي وقال لهما : لقد غادر آلاف اليهود ولو شاء مير بصري أن يذهب الى أسرائيل أو أي بلد عالمي آخر للقي من الأكرام والأحترام قدر مايلقاه هنا أو أكثر منه لكنه آثر البقاء في وطنه أعتزازا به . وحذر الرجلين من التعرض للناس وتفسير ما يكتبونه خلاف رأيهم . وقال لمدير الدعاية العام أذا عاد صاحب الجريدة الى مثل هذا فقدم لي تقريرا لأغلق جريدته . ويتابع الأستاذ مير بصري ليسرد نبذة من ذكرياته عن سعيد قزاز ...
 ويقول مــير بصري أشترى سعيد قزاز من شركتنا قبيل ثورة 14 تموز       ( يوليو ) 1958 سيارة شوفرليت وثلاجة أمريكية بالأقساط . وكلم مدير شرطة النقليات بالتلفون لتسجيل سيارته ، فقال له المدير أننا نحتفظ بأرقام صغيرة للوزراء ورجال الدولة ، لكن سعيد قزاز أجابه : لاأريد رقما صغيرا ، فأين وصلتم في التسجيل ؟ قال على ما أتذكر 50 الفا وكذا – بغداد ، قال سعيد قزاز أذن سجل سيارتي في أول رقم يلي ذلك .
ولما أعتقل بعد ثورة 14 تموز ( يوليو ) 1958 جاءت زوجته وقالت : أسترجعوا السيارة والثلاجة لأنني لاأتمكن من تسديد بقية الأقساط . فقال لها محمد كامل الخضيري مدير الشركة العام : أننا قد شطبنا بقية الأقساط ، وذلك أقل ما يمكننا عمله لقاء خدمات زوجك الجليلة لهذا البلد ، فأحتفظي بالسيارة والثلاجة ولاتهتمي بدفع شيء.
ويقول الأستاذ مير بصري أنه في آخر سيرة  سعيد  قزاز في كتابه ( أعلام الكرد ) ص242 كتب : ورقي عود المشنقة بلا خوف ولاجزع فصح فيه قول الشاعر أبي الحسن الأنباري :
علو في الحياة وفي الممات                 لحق أنت أحدى المعجزات
لكن الناشر عزّ عليه أن يثبت ذلك فحذف العبارة المذكورة عند الطبع بدون علمي (53) .
وماذكره المؤرخ  مير بصري يمكن أعتباره شهادة في جانب من الجوانب الأيجابية في شخصية سعيد قزاز ،  الذي يندفع لأنصاف مواطن عراقي من ظلم وتشويه وقع عليه ،  ثم تأكيده عدم حصوله على أمتياز أو مكسب على حساب الأخرين حينما يؤكد على تسجيل سيارته الشخصية بعد أول رقم وصل اليه التسجيل  وهو وزيرا للداخلية . الا يبدو الأمر مليئا بالمفارقة في هذا الزمن المرير ،  الذي أستحالت فيه طبقة الوزراء والقيادات الى طبقة تعتبر الأمتيازات والمكاسب حقا مكتسبا ينبغي ويجب أن تختلف عن كل الناس في  أمتيازاتها و حقوقها وتلغي من قواميسها مفاهيم الواجبات والمساواة .
حينما سألت أحد كوادر الحزب الشيوعي أيام ما كان سعيد قزاز وزيرا للداخلية وكان الرجل قد أعتزل العمل السياسي ، عن موقف الحزب في حينها من سعيد قزاز ، قال أن سعيد قزاز كان يتعاطف مع المؤسسات القمعية ضد الحركة السياسية الوطنية في العراق ،  ولم يكن يبدي أي مرونة ،  أضافة الى أنه لم يتعاون مع كل التنظيمات الوطنية العراقية قبل الثورة  ، وكان ملكيا أكثر من الملك  ،  مما أكسبه كراهية الأحزاب الوطنية وعدم تعاطف رجال السياسة معه ،  ونفى بشدة أن يكون الحزب الشيوعي العراقي وراء حملة المطالبة بأعدامه وعزا ذلك الى كراهية الجماهير التي لاتقتصر على الحزب الشيوعي العراقي قبل وبعد الثورة مثلما أشتهر بهجت العطية كرئيس لأكبر المؤسسات القمعية في العراق وأن الحزب الشيوعي العراقي يحمل القزاز مسؤولية مجزرة سجن الكوت وقمع  أنتفاضة الحي  لما له من دور شخصي مؤثر في هذه الأحداث .  
أشتهر سعيد قزازبهذا الأسم  وتكرر هذا في جميع الأرادات الملكية بتشكيل الوزارات مثلما أشتهر به بين الناس ، واللافت أن محاضر التحقيق المدونة في محاضر الهيئة التحقيقية الخاصة بوزارة الدفاع عام 1958 أوردت نفس الأسم في حين أنها كانت تسجل الأسم الثلاثي للمتهم الذي يجري التحقيق معه ، هذا بالأضافة الى ماورد في أمر الأحالة الصادر من القائد للقوات المسلحة والموقع من قبل الزعيم الركن عبد الكريم قاسم ومن ثم قرار التجريم وقرار الحكم الصادرين عن المحكمة العسكرية العليا الخاصة ( محكمة الشعب ) أذ ورد الأسم سعيد قزاز خاليا من الأسم الثلاثي للمتهم ، ومما يزيد المسألة غرابة أن موافقة القائد العام للقوات المسلحة بتنفيذ أمر الأعدام شنقاً ، وهو أمر موقع من قبل عبد الكريم قاسم شخصيا والبيان المرقم 117 بتاريخ 20/9/1959 الصادر عن الحاكم العسكري العام اللواء الركن أحمد صالح العبدي الذي أعلن عن تنفيذ حكم الأعدام بسعيد قزاز شنقا حتى الموت في سجن بغداد المركزي لم يورد غير أسم الشهرة المعروف ( سعيد قزاز ) .
كان سعيد قزاز منسجما مع السياسة العامة الخارجية والداخلية للسلطة في العهد الملكي ، عنيدا في أعتقاداته ،  جريئا وصادقا في مفاهيمه ،  وأنه فعلاً وظف قدراته وطاقاته ومركزه الوظيفي من أجل محاربة الحزب الشيوعي العراقي لابدافع سياسي أو حزبي ،  وأنما حسب أعتقاده بما يمثلة خطر الشيوعية العالمية على وطنه ، وهذه النعرة كانت منتشرة أيام الخمسينيات مابعد مرحلة الحرب العالمية الثانية ويتمسك بها أعداء الفكر الشيوعي ، لكن سعيد قزاز لم يخف هذه الأفكار والمفاهيم ولم يبرر للأخرين أندفاعه بسلوك هذا النهج ،  بل بقي مصّرا على أعتقاده ثابتا على مفاهيمه ، بل متفاخرا بذلك مثلما قال في دفاعه أمام محكمة الشعب ، فهل يوضح لنا كل هذا جزء من سلوك شخصية سعيد قزاز الذي لم يطعن أبدا بالنظام الملكي أو بمجالسه النيابية وقوانينه المرعية ؟  ولم يتجاوب مع أسئلة رئيس المحكمة الذي حاول أن يحشره بزوايا حرجة للطعن بقانون  أسقاط الجنسية ؟  في حين برر سعيد قزاز دستورية القوانين الصادرة التي هيأتها وزارة العدل بعد تدقيقها ،  من قبل ديوان التدوين القانوني ثم عرضها على مجلس النواب ومجلس الأعيان ،  ومن ثم تشريعها بأرادة ملكية لتأخذ مكانها القانوني وتصبح نافذة وواجبة الطاعة من جانب الجميع .
ومع أن الكثير يدرك أن وزير الداخلية مطبق أمين للقوانين الصادرة بما يمثله من سلطة تنفيذية ، الا أن القزاز حوكم على أساس أنه مشرع القانون .
أميتا على علاقاته الأجتماعية ويحفظ العلاقة الأنسانية أذ يذكر الصحفي عبد الباسط يونس بأنه بقي على علآقة بسعيد قزاز منذ وصوله مدينة الموصل للعمل فيها كمتصرف ولحين الحكم بأعدامه ، وأكد لي ذلك المؤرخ المرحوم  ( سعيد الديوه جي ) والسيد أكرم الصفار . وحدثني جمع من كبار مدينة الموصل بأن سعيد قزاز كان ينفق من ماله الخاص على عوائل معوزة لم ينقطع عن الأنفاق عنهم الا حين القبض عليه بعد الثورة ، ولم يصرح أبدا عن هوية هذه العوائل ، هذا بالأضافة الى مساعداته للمحتاجين عن طريق مركزه الوظيفي كمنصرف مباشرة أو بأحالتهم الى الدوائر المختصة بذلك .
جانب أيجابي كبير يقابله بالتأكيد  جانب سلبي ، لكنك عندما تغوص في أعماق الرجل من خلال أحداث حياته ستقف عند محطات جديرة بالتقدير والأحترام ، وحينما تنظر لأعتقاداته وتفانيه في عمله الوظيفي حتى وأن جعله هذا التفاني يقف في الصف المعادي للنشاط السياسي المناهض للحكم الملكي ، سنجد أن تنازعا لعناصر الخير والشر تكمن في دواخله ، لكن عناصر الخير التي تطغي على شخصيته وسلوكه هي التي تطغي وهي الغالبة .
مالذي يدفع سعيد قزاز لبناء علاقات أنسانية مع أشخاص لهم أفكارهم السياسية المناهضة للحكم الملكي أو من العاملين في الصحافة أمثال عبد الباسط يونس رجب صاحب جريدة المثال الموصلية ويحيى قاسم صاحب جريدة الشعب ؟
يقينا أنه يبني علاقاته الأنسانية بغض النظر عن أفكار الآخرين يعني هذا أن لشروط علاقاته الأنسانية أسسا وضوابط شخصية يحددها بنفسه ولاتحددها له الأفكار السياسية التي يعتقدها وأن كان يتفق معهم بالحد الأدنى في مصلحة الوطن . 
لم يكن سعيد قزاز عميلا للمخابرات النكليزية ولم يكن متعصبا لقوميته ، ولم يثبت التاريخ قيام سعيد قزاز بأي تصرف أو موقف يمكن أن يعرض العراق للتجزئة أو الهيمنة أو الأذلال مثلما حدث  للعراق في زمن الطغاة والدكتاتورية  .
المقاييس العامة تؤكد نزاهة سعيد قزاز ،  و كان موظفا قديرا ناجحا بأدارة وزارته التي كان يملك سلطة كاملة بأدارتها ضمن سياسة ونهج الوزارة ولم يكن البلاط يتدخل في عمله . 
وعند تسلم سعيد قزاز حقيبة وزارة الداخلية تمت أجازة العديد من الصحف الصادرة في بغداد والألوية العراقية والكثير من هذه الصحف كانت منبرا للمعارضة السياسية ،  مثل جريدة الفكر الجديد والفرات والدستور والبيان واليقظة والمواطن والأفكار والثقافة الجديدة وغيرها ،  مما يشكل علامة من علامات حرية التعبير التي كان سعيد قزاز يحترمها ولم يكن يضيق بها الا حينما يتصورها خرجت عن حدودها .
يؤكد المؤرخ الدكتور كمال مظهر أحمد بأنه في حال أي تقويم لشخصية الرجل ولدوره وقناعاته ينبغي أن يؤخذ في الأعتبار أنتماؤه الأسري والأجتماعي والأجواء التي نشأ فيها ، فضلا عن خصاله بوصفه أنسانا مبدئيا ، طيبا ، عفيف اللسان ، جريئا دون حدود ، معجبا بحضارة الغـرب وقيمها غاية الأعجاب ، حساسا بأفراط تجاه كل عمل ثوري عموما ، وتجاه جميع أجنحة اليسار خصوصا  وتلك من خصال سعيد قزاز .
يذكر السيد فيصل حسون الذي كان معتقلا يوم 29تموز( يوليو ) 1958 :      ( وكان أول من تعرفت عليهم من المعتقلين الذين تحلقوا في الصباح حول فراشي يسألونني عن أحوال البلد وتطورات الثورة وكلهم متعجب لأعتقالي . .. السيد سعيد قزاز أخر وزير داخلية قبل أندلاع الثورة وقد بادرني قائلا على الفور -  لقد حاولت قبل الثورة بثلاثة أيام أن أتحدث اليك تلفونيا .. لكنني أخفقت في الأتصال بك على الرغم من تكرا ر المحاولة ثلاث مرات ، قلت له : ولكن أحدا لم يبلغني أنك أتصلت تلفونيا .. قال : وهل أنا مجنون لأقول لمن رد على أتصالي التليفوني بمكتبك أنني وزير الداخلية وليست بيننا معرفة شخصية لأتسبب في أزعاجك وأقلاق راحتك وجعلك تضرب أخماسا بأسداس عما يريده منك وزير الداخلية .. وأدركت في تلك اللحظة أي نوع من الرجال كان سعيد قزاز الذي ظلمناه حين تصورنا أنه واحد من جلاوزة الحكم متجاوزين عن الصفات الأنسانية التي كان يتحلى بها ، وأضاف سعيد قزاز أنه قرأ سلسلة مقالاتي عن زيارتي الأولى للسليمانية والمناطق المحيطة بها من شمال العراق وكانت له ملاحظات على تلك المقالات التي نشرت قبل قيام ثورة 14 تموز ( يوليو ) 1958 بأقل من أسبوع وكل ما يتمناه على الله تعالى أن يتيح له فرصة أصطحابي معه في زيارة أخرى لشمال العراق لأرى بعيني مالم يتح لي الأطلاع عليه من مفاتن هذا الجزء من الوطن ولأكتب عنه تفصيلا عن محاسنه وعن أهله وعن مشكلاته .
سمعت بأذني ورأيت بعيني سعيد قزاز يدور على رجال الأدارة والأمن التابعين لوزارة الداخلية من المعتقلين ويقول لهم فرادى أو مجتمعين أن عليهم حين يسألون خلال مواجهتهم مع لجان وهيئات التحقيق عن أية قضية تتصل بعملهم ووظائفهم الا يترددوا في ألقاء المسؤولية على عاتق وزيرهم – وزير الداخلية – كأن يقولون أن سعيد قزاز هو الذي أمر بذلك وأنهم نفذوا  التعليمات والآوامر التي أصدرها اليهم ، وسمعته ذات مرة يقول : لقد كنت وزيرا ولم أكن طرطورا .. وأنني مستعد لتحمل مسؤولية الوزير بعد أن ذهب عني النفوذ والسلطان ولن أقول مايقوله اليوم غيري .. لن أقول أنني كنت أنفذ من غير أقتناع أوامر عبد الاله ونوري السعيد ... فقد مات عبد الاله ونوري السعيد وبوسعي أن احملهما المسؤولية بعد أن غابا عن الوجود ....  لكنني أقرر بمحض أختياري وأعلن تحملي مسؤولية كوني وزيرا نفذت السياسة التي آمنت بها والتي أعتبرها سياستي ولست مستعدا للتنصل منها طلبا للخلاص من العقاب ومهما كانت النتائج والتبعات . (54) 
كما يذكر السيد توفيق السويدي بأن أحداث سوريا التي كانت قد أعتبرت نصرا للسياسة الفرنسية لم تكن وليدة جهد الرئيس نفسه بل كانت نتيجة تعاون وزير الداخلية سعيد قزاز وعبد الكريم الأزري من دون أن يحيطا علم الرئيس بتفاصيلها وحتى بعض موادها الأساسية .(55)
ثم يضيف السيد فيصل حسون في آخر ذكرياته الصحفية بأنه سأل بهجت العطية مدير الأمن العام عما أذا كان يعرف شيئا عن حركة الضباط الأحرار فأكد له أنهم يعرفون الكثير ويتابعون نشاط حركة الضباط الأحرار الا أنهم تلقوا التحذيرات تلو التحذيرات من الأمير عبد الاله بعدم التدخل في شؤون الجيش وأن يظل جهاز الأمن بعيدا عن رصد ومراقبة مايدور في محيطه وقد أضطر في الشهور الأخيرة التي سبقت قيام الثورة الى مفاتحة سعيد قزاز وزير الداخلية ومصارحته بأنه لايريد أن يتحمل مسؤولية السكوت عما يجري .. وكان سعيد قزاز بدوره يضيق بتصرفات عبد الاله ويكرهه شخصيا وربما تبادل الأثنان مشاعر الكراهية ... 
وبعد أستيزار سعيد قزاز في الوزارة السعيدية الثانية عشرة أصدرت الحكومة مرسوم ذيل مرسوم أسقاط الجنسية عند ذوي الأفكار الهدامة رقم 17 لسنة 1954 ومرسوم مراقبة وتصفية نقابات العمال رقم 18 لسنة 1954 ومرسوم ألغاء الجمعيات والأحزاب والنوادي رقم 19 لسنة 1954 ومرسوم المطبوعات رقم 24 لسنة 1954 أضافة الى مرسوم الطواريء المرقم 10 لسنة 1956 الصادر من الوزارة السعيدية الثالثة عشرة .
ولو خلطنا كل هذه الأحداث وجمعنا مفراتها واحدة واحدة .. صارم وجدي مشهور بقوة الشخصية ،  يملأ  كرسي الوزارة حتى تتيقن أنه خلق لوزارة الداخلية ، عنيد يعتقد بأن النظام الملكي هو الأنسب لحكم العراق وينبغي عليه بذل الجهود ومحاربة من يعتقد خلاف ذلك وعلى هذا الأساس ظهر الشرخ الكبير والتقاطع الواضح بينه وبين القوى السياسية الوطنية المعارضة للحكم في العراق الملكي .  وبالمقابل فهو رب أسرة صغيرة تتكون من أمرأة لادور أجتماعي مهم لها غير دورها في داخل بيت سعيد قزاز  أسوة بكل الأمهات من جيلها تحظى بحب وتقدير وأحترام سعيد قزاز وأهله  وأبنة وحيدة تشكل كل ذرية سعيد قزاز . 
لم تكن هذه العائلة الصغيرة مرفهة ،  ولم تستفد من مركز رب أسرتها الوزير المزمن بوزارة الداخلية ،  ولم تتمتع بسفرة الى خارج العراق ،  بل لم يذكر أحدا عن ظهور زوجة وأبنة سعيد قزاز ظهورا لافتا للنظر في مدينة بغداد حينما عمل كوزير ،  أو في الألوية العراقية حينما عمل بصفة متصرف أو موظف أداري ،  مما يزيد المرء حيرة عدم تمكن هذه العائلة الصغيرة من تملك بيت يتناسب مع مكانة الوزير في حين بقي الوزير مستأجرا لبيوت حكومية قديمة تم أخلائها بحكم القانون بعد ثورة 14 تموز       ( يوليو ) 1958 لتستأجر العائلة دارا مستقلة من النوع النمطي المألوف . 
راتب الوزير في العهد الملكي ما يكفي عائلته ويوفر له أمكانية شراء دار أو بناء دار حديثة في ذلك الزمان ولكن ماذا خلف سعيد قزاز لعائلته ؟ وأي عزاء أحاط بحياة أمرأة تقدمت الخمسين فقدت رفيق حياتها بقيت وحيدة الا مع أبنته التي تزوجت حال حياته طبيبا أختصاصيا في الباطنية يدعى  ( كمال عبد الله ناجي ) شغل منصب عميد كلية الطب بجامعة السليمانية وتوفي عام  ، 1977 فيما بقيت أبنة سعيد قزاز تقيم في لندن مع أولادها ، بعد أن توفيت والدتها السيدة ( زكية توفيق قزاز ) زوجة السيد سعيد قزاز في عام 1984 في العراق . 
الكثير ممن ألتقيتهم أكدوا لي بأن سعيد قزاز لم يتخل عن قيمه وأخلاقه الكردية الأصيلة وهو لين من غير ضعف وشديد من غير عنف . 
لم يكن سعيد قزاز أنعزاليا أو يعيش من خلال عقدة معينة فقد كانت علاقاته  الأجتماعية تثبت عكس ذلك ،  فقد كان أجتماعيا يحب المرح ويسعى الى جمع  الأصدقاء والسهر معهم أكثر الأحيان ،  أضافة الى أمتلاكه ثقافة لايستهان بها ،  تدلل على مطالعاته المستمرة ومتابعته لشؤون الأدب والسياسة والصحافة والشعر والثقافة بشكل عام ، ويذكر لي المرحوم عبد الباسط يونس الذي لازمه فترة وجوده في مدينة الموصل بأن سعيد قزاز كان يسحر جلساتهم ليلا ويبقى معهم الى ساعات متأخرة ومن ثم يلتحق بدائرته في صباح اليوم التالي . 
دخل سعيد قزاز صفحات من تأريخ العراق السياسي أذ كان عنصرا بارزا ومؤثرا ،  ولم يكن لعشيرة القزاز ولا أنتماؤه القومي ولا نفوذ عائلته قاعدة يؤسس عليها هذا الدخول المؤثر ، بل لم تكن له أصلا قرابة أو صداقة مع العرش ،  ولكن وضوح أفكاره بغض النظر عن صحتها من عدمه ، ومجاهرته بالعداء للحركة الوطنية ،  وأخلاصه المتفاني للنظام الملكي في العراق ،  وللوظيفة العمومية بشكل عام هو القاعدة التي وقف عليها للوصول الى هذا الموقف ،  الذي جعل رؤوساء الوزارات من عام 1953 وحتى قيام ثورة تموز  ( يوليو ) 1958 لاتفكر  بأيجاد بديل عنه لوزارة الداخلية .
لمع أسم سعيد قزاز حينما أثبت للحكومة كفائته وقدرته ونجاحه في أدارة المركز الأداري الذي عمله كمديـر ناحية أو مدير تحرير متصرفية أو قائممقام أو متصرف ، ومن ثم بدأ هذا اللمعان يزداد بموقفه الصلب مع وزير المواصلات والأشغال السيد عبد الوهاب مرجان وتقديمه برقية استقالة من عمله كمدير عام للموانيء العراقية ومن ثم تسلمه حقيبة وزارة الداخلية التي نجح بأدارتها وفق منظور السلطة السياسية في ذلك العهد .
غير أن سعيد قزاز سيزداد شهرة بوقوفه كمتهم أمام المحكمة العسكرية العليا الخاصة ( محكمة الشعب )  ، والذي تميز عن مواقف أقطاب العهد الملكي والتي تميزت بالتفاوت بين الأعتدال والضعف ،  في حين كان موقف سعيد قزاز شجاعا وكثير الوثوق بنفسه مدافعا عن غيره لاعن نفسه .
غير أننا نتوقف عند محطات مهمة في حياة سعيد قزاز ، وهي أصراره على تحميل نفسه مسؤولية الأحداث التي تجري المحاسبة عليها ،  محاولا لملمة وزر وأخطاء الآخرين ،  وهو ليس موقفا واحدا ليمكن أن نوعزه للأنفعال النفسي وضعف وقوة النفس في لحظة معينة ،  فقد كان يدور على رجال الادارة والأمن من المعتقلين ، أن عليهم أن لايترددوا بألقاء المسؤولية على عاتقه بصفته وزيرا للداخلية ، يقول الدكتور كمال ممظهر أحمد في مقدمة كتاب السيد عبدالرحمن البياتي : كان معدن سعيد قزاز ، دون أدنى شك ، من النوع النادر والفريد فسبحان من لايضعف أمام مغريات الحياة وجبروت من بيدهم مصائر الناس والعباد  ، ولو لم يكن الأمر هكذا لما كان بوسعه ، وهو في قفص الأتهام في جو مشحون ضده بصورة هستيرية أن يتحدث هكذا بأباء وشموخ قل نظيرهما .
لم يفقد القزاز توازنه وكبرياءه مطلقا بعد محاكمته ، وأصدار حكم الموت بحقه ، بل على العكس من ذلك تماما أنه رجع الى زنزانته مرفوع الرأس ، مرتاح الضمير لأنه أدى ماكان عليه أن يؤديه وفق قناعته التي لم تزعزها توسلات الأم والزوجة والأبنة الوحيدة والأقرباء ، ولاحتى من كانوا يقبعون معه في المعتقل نفسه ، حرصا منهم جميعا على مصيره .
وينقل الدكتور كمال مظهر عن أحمد مختاربابان أخر رئيس وزراء في العهد الملكي في مذكراتـه التي ورد فيها ( بأن الذين حافظوا على توازنهم داخل المعتقل ، وأمام المحكمة ، كانوا يتمتعون ، دون شك ، بثقة عالية بالنفس ، وبمبدئية جديرة بالتقدير بغض النظر عن أختلافنا معهم غالبا في الرأي والتقويم ) وينتهي الدكتور كمال الى القول بأن هذا نوع من البشر فقط يرفضون الخنوع في أحلك لحظات حياتهم ... الحقيقة التي ينبغي علينا أن نقرها بغض النظر عن كل تناقض وأختلاف في ميدان الفكر والأنتماء ، فأن البشر بمعدنهم قبل أي أعتبار آخر . 
كتب المؤرخ العراقي الدكتور سيار كوكب الجميل عن الخطايا التي تحملها عبد الكريم قاسم فيقول : ((  صادق على قرار إعدام المرحوم سعيد القزاز وزير الداخلية السابق، دون أية جريرة اقترفتها يداه، بل لمجرد لرغبة الشيوعيين وتطبيبا لخاطرهم، فلقد ذرف أهل كركوك الدمع الغزير على إعدام سعيد قزاز في وقته، عرفاناً لخدماته المشكورة للبلد.. وعلى رأسها استحداثه أفران الإعاشة في المدينة وتوفير الخبز الرخيص للناس في سنين عجاف.. ودرئه تفشي مجاعة في البلد. 
ملخص الكلام أن التاريخ يعطي كل ذي حق حقه إن لم يكن عاجلاً، فآجلاً سواء كان ذلك بالسلب أو بالإيجاب. )) 
وفي موقف آخر مع توفيق السويدي يوم 18/7/1958 يؤكد سعيد قزاز  لسامعيه وأمام الله أن هؤلاء الناس ( ويقصد رجال الأدارة والأمن التابعين لوزارة الداخلية ) ليسوا بمسؤولين ، بل المسؤول وحده عنهم على الأقل ،  وأمام المحكمة يؤكد مسؤوليته ويصّر على عدم طلب شهود دفاع لمعاونته في توضيح دفاعه ونفي التهم الموجهة اليه وتفنيدها .
يقول السيد رفعة الجادرجي أبن السياسي الوطني كامل الجادرجي :  بعد سنة من الثورة زار رشيد مطلك الوالد وأنفرد به وبعـد خروجه روى لنا الوالد مادار بينهما . قال : نقل الي رشيد عرضا من قاسم بضرورة تقريب وجهات نظر الطرفين لتطوير مسيرة الثورة على نحو أفضل . فأجابه الوالد بأنه قد فات الآوان وأن عبد الكريم يحكم البلاد بشكل فردي وأن فرديته لايمكن التغلب عليها . فقال رشيد ، من الضروري غض النظر عن بعض تصرفاته لأنه على الأقل بطل الثورة كما يقال . عندئذ أجابه الوالد : لكن عبد الكريم ليس بطل الثورة. فأستغرب رشيد مطلك وسأله : أذن من هو بطل الثورة ؟ قال الوالد : هو سعيد قزاز !! لأن الثورة لم تبق على شخص يحافظ على حيثيته غير سعيد قزاز ، فهو أذن بطل الثورة . وكان الوالد يشير بذلك ساخرا  الى موقف سعيد قزاز الجريء عند محاكمته أمام المهداوي . ( 56) 
منذ  تسليم نفسه الى السلطات الرسمية بعد أعلان قيام ثورة 14 تموز           ( يوليو ) 1958 ، وأحالته الى الهيئة التحقيقية الخاصة ،  ومن ثم أحالته مع أوراقه التحقيقية الى المحكمة العسكرية العليا الخاصة ( محكمة الشعب ) ،  وبدء محاكمته يوم 24/1/1959 ،  وبعد ذلك  صدور قراري التجريم والأدانة يوم 24/2/1959 ، وأنتهاء بتنفيذ حكم الأعدام شنقا حتى الموت في سجن بغداد المركزي فجر يوم 19/9/1959 ،  لم تهتز معنويات  سعيد قزاز  ، ولاتغيرت مواقفه وبقي مصرا على تحميل نفسه المسؤولية ، ولم يطلب الرحمة والرأفة لامن رئيس المحكمة ولامن زعيم البلاد ،  بأعتباره الزعيم المطلق الذي يقرر تنفيذ عقوبة الأعدام الصادرة بحكم المحكمة أو يوقف الحكم أو يعدله  أو يلغيه كما فعل بأحكام أخرى صدرت ضد متهمين كانت قضاياهم أخطر بكثير على حياة الزعيم وأمن السلطة في حينها .
وخلال المرحلة الزمنية من صدور الحكم بالموت بتاريخ 24/2/1959 ولغاية تنفيذ الحكم في 19/9/1959 تقع ستة أشهر وخمسة وعشرون يوما ، يعرف فيها سعيد قزاز أن حياته على وشك الأنتهاء وأنه مقبل على الموت حتما ، لكن تصرفاته داخل زنزانة الأعدام ،  وخلال  هذه الفترة الزمنية تؤكد أن الرجل كان يتصف بالشجاعة والمعنويات الثابتة العالية التي لم يكن يتصنعها في لحظة ما وأنما كانت لصيقة عمره ومن صفاته التي أكتسبها حال حياته .
وقد أيدت السيدة بري سعيد قزاز في مكالمة هاتفية معها  من إن  السيد فؤاد عارف فاتح الزعيم عبد الكريم قاسم حول عدم أعدام والدها  فوعده قاسم بذلك غير أن قاسم أخل بوعده هذا . 
وقد ذكر السيد عبد الرحمن البياتي نقلا عن السيد كمال السامرائي كون زوجة السيد القزاز وأبنته وزوجها كانوا آخر من ودع القزاز قبل أعدامه ،  الا أن السيدة  بري سعيد قزاز أخبرتني في المكالمة الهاتفية  بأنها ووالدتها وزوجها الدكتور كمال كانوا يقيمون بصورة مؤقتة في مدينة الرمادي ،  وحينما وصلهم الخبر في ساعة متأخرة من الليل تمكنوا من السفرفي تلك الساعات الحرجة ،  حيث وصلوا الى بغداد صباحا  ، وكان تنفيذ الحكم قد تم بالمرحوم والدها  ، حيث قاموا  بأستلام جثته من دائرة الطب العدلي وتم دفنه بصمت في مقبرة باب المعظم في بغداد . 
يقول الشاعر محمد مهدي الجواهري أنه ذهب الى بهجت العطية لأستحصال الموافقة على سفره الى دمشق للمشاركة في تأبين عدنان المالكي فقال له بهجت العطيه : يا أبا فرات تعلم أن قضيتك وقضايا من هم من طبقتك بيد ( وزير الداخلية ) وأنت تعرف ( سعيد قزاز ) وتعرف كم هو يحبك لذلك أرجو أن تمهلني الى الغد . فقال الجواهري : بكل أمتنان .
كان ( سعيد قزاز ) وزيرا للداخلية حينئذ وهو صاحب العلاقة حين أصبحت مزارعا وقبلها فصاحب مقال خطير عن مديرية الأمن وجواسيسها وتجسسهم عليّ وعلى بيتي ومسؤوليته هو بالذات المسؤول عن كل ذلك .
وسعيد قزاز معروف بنزاهته وقوته وقد دفع عن ذلك وبعد ثلاث سنوات تقريبا وفي عهد ( عبد الكريم قاسم ) أغلى ثمن  يدفعه  المرء الا وهو حياته كما ستأتي الأشارة .
وفي اليوم التالي ... صدق الرجل في وعده فسعيد قزاز موجود الآن في مجلس الوزراء .
بعد ساعة تقريبا وقد عرفت أن مجلس الوزراء قد فرغ من أجتماعه أتصلت ( ببهجت العطية ) فدعاني وعلى عجلة  من أمره  اليه ،  وأبلغني أن    ( سعيد قزاز ) لايرد لك طلبا لاجواز سفر ولاغيره ولكنه كصديق لك قال : لو سألني الجواهري رأيي لقلت له أن لايذهب ، أما أذا أصّــر وأحب فجواز سفره جاهز .. سلموه أياه . ( 57) 
وعن التناقض  يذكر الجواهري كيف أنه يستغرب من قائممقام مرشح في العهد الملكي للطرد لأسرافه في الأرتشاء أن يصبح وزيرا في عهد الثورة لمجرد أنه كان يلبي طلبات قاسم الملحّة ،  أما رئيس هذا القائممقام ومرجعه الأعلى سعيد قزاز متصرف لواء الكوت ثاني أقوى رجل في الدولة وأعفهم وأشدهم محاسبة للمقصرين فهو محكوم بالأعدام ومعدوم فعلا لمجرد أنه كان يكره تنفيذ طلبات عبد الكريم قاسم الشخصية تلك في أيامه السالفة .
والذين مايزالون أحياء من رفاق قاسم ومعاصريه بوسعهم بحق أن يكونوا وثيقة دامغة في ماكان من أمر عبد الكريم قاسم مع سعيد قزاز . 
ولعلني لاأحتاج الى شهادة – والحديث للجواهري – فقد كانت كلمة سعيد قزاز نفسه وعلى رؤوس الأشهاد وهو يتلقى حكما عابرا من المهداوي طالما بدل الكثير والكثير من أمثاله لدى القائد الأعلى (( من أنه سيصعد المشنقة وتحت قدميه من لايستحق الحياة )) ومن عسى أن يكون المطلوب بها الذي تحت قدميه غير عبد الكريم قاسم .(58) 
ترى ماذا يدفع وزيرا مثل سعيد قزاز لتقدير وأحترام الجواهري المتعارض مع سياسة النظام غير تقديره وأحترامه للشعر والأدب والثقافة ؟ 
شهادة جديدة تتطابق مع السيرة الذاتية لموضوع البحث وعرضا أمينا لوقائع صادقة مع التاريخ يداي بها الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري ليصف سعيد قزاز بأنه الرجل القوي والعفيف والشديد بمحاسبة المقصرين ، العفة الصفة التي أفتقدناها في هذا الزمان .. الصفة التي أجمع عليها كل من ألتقيت بهم للتحدث عن سيرة سعيد قزاز ، هذا الجانب الأيجابي والمضيء من حياة سعيد قزاز تعمدت أن أسرد ماكتبه من لم يكن مع سعيد قزاز على وفاق أو ممن كان يتعارض سياسيا مع مفاهيم وسياسة ومعتقدات  سعيد قزاز ، لكن شهاداتهم جاءت لصالح سعيد قزاز مما يدلل فعلا أن الحقيقة لاتغيب وأن غابت بتعمد أو لظرف ما  فالى فترة قصرت أم طالت لكنها ستظهر واضحة للعيان . 
كان سعيد قزاز ينتمي الى النخبة المتنورة وكان على غير وفاق مع رؤوساء العشائر والأقطاعيين فيقول السيد جرجيس فتح الله : قلب القزاز طراز تطبيق نظام العشائر رأسا على عقب وأستخدمه سيفا مسلطا على رقاب بعض رؤساء العشائر وأقطاعيين من ( بادينان  ) ، بعد أن طال بهم أمد العبث والأزدراء بالقانون وكثرت أعتداءاتهم على الأهالي من نهب الأغنام الى ضبط الأراضي الى أغتصاب اوهتك الأعراض . جاء بهم القزاز مكبلين وأودع السجن بعضهم وأثقل بعضهم بغرامات من مال وسلاح وسحق عنجهيتهم وداس على هيبتهم وهزأ بما ملكوه من سلطان ، وبعضهم كان عضوا في مجلس النواب .
أربعة أو خمسة منهم خرج ( القزاز ) وراء أحدهم في قلب منطقته وليس معه غير العريف الشرطي ( جورج ) وكان المطلوب قد أعد له مظاهرة مسلحة من أتباعه ، فلم يعبأ بها وأستله منهم كما تستل الشعرة من العجين وأركبه مكبلا سيارة مكشوفة وجاء به ليثقله بحكم بالسجن وبغرامة فادحة .
وتقصد أن أشهد طرفا من  محاكمة  أقطاعي كبير النفوذ هو ( أحمد رشيد ) أمير البروار كما كان يعرف به . ألقاه في السجن ثم أجرى محاكمته ، جاء به مصفدا وحاكمه في ديوان المتصرفية  .  مشهد لاأنساه ماحييت وكان    ( أحمد رشيد بك ) صلفا ، وفخر مما فخر به بأنه كان يحمل وسام الرافدين . وأذ ذاك عصف الغضب ( بالقزاز ) وكأنه تذكر به أمرا فخرجت من فمه عبارات ما صدقت أذني أن سمعتها – عبارة لوقالها قائل غير ( القزاز ) لما نجا من طائلة عقاب بتهمة الطعن في الذات الملكية وكان ( احمد رشيد ) يعّرض بها بالمناسبة التي نال عنها وسام الرافدين .(59) 
كما أكد هذه الواقعة المؤرخ الدكتور كمال مظهر أحمد في مقدمته لكتاب السيد البياتي ( سعيد قزاز ودوره في سياسة العراق حتى عام 1959) .
حدثني الأستاذ عبد القادر البريفكاني أن السيد مسعود البارزاني كان طفلا صغيرا حينما زار سعيد قزاز متصرف لواء الموصل مع أهله من الكبار للتوسط حول أخلاء سبيل بعض رجال البارازانيين الذين ثاروا على السلطة وكان السيد مسعود يتمتع بجرأة تفوق عمره لما يتمتع به من نباهة وذكاء غرسها فيه والده الزعيم مصطفى البارزاني رمز الحركة الكردية ، فقد أقترب من المنضدة التي كان يجلس خلفها المتصرف وحين كان الكبار منشغلون سأله السيد مسعود عن أسباب أعتقال أهله وعن أسباب عدم أخلائهم من السجن ؟ 
فما كان من سعيد قزاز الا أن يسحب أحد أدراج مكتبه ليستل منها قلما من الحبر قدمه هدية متواضعة الى السيد مسعود البارزاني الذي فرح بتسلم هدية المتصرف ثم قام السيد سعيد قزاز بمخاطبة مسعود البارزاني من أنه يعرف أن للأكراد حقوقا لكن العنف والسلاح والقوة لن نجلب لهم حقوقهم فقط ، هذا القلم من سيحل مشاكلهم ويكسبهم قضيتهم ، وبقي السيد مسعود البارزاني  يحتفظ ربما الى الآن بهذا القلم الجميل . 
ومهما كانت درجة صدقية تلك الرواية ، فهو يعرف أن لقومه حقوقا ... وهو يعرف أيضا أن هذه الحقوق مغموطة لكنه يؤكد بأن القوة والعصيان والتمرد لن تضع حلا لمشكلتهم ، هذه وجهة نظره قبل أكثر من 40 سنة ، فالى أي عمق يشير سعيد قزاز ليضع مفاهيم ينادي بها الزمن بعد هذه السنوات الصعبة . 
تنقل كثيرا وأستوزر كثيرا لكنه بقي عراقيا أصيلا يعتز بعراقيته ولم تصدر منه بادرة واحدة تدلل على ميل ولو قليل الى جانب  أخوته  واهله  الأكراد على حساب العرب ، فالعراق واحد ومسؤوليته أمام الله واحدة  ، ولهذا كان لايعبأ بمعرفة قومية الرجل ، فالعربي والكردي والتركماني أمامه سواسية لايختلفان الا وفق منظور الأخلاص للنظام الملكي وسياساته الداخلية والخارجية ، ولهذا تنعكس عليه الشخصية الكردية المتمثلة بشجاعته وشهامته وأخلاقه الكريمة مما يشكل لنا كفتين في تحليل شخصية سعيد قزاز الأنسان والسياسي الذي هو جزء لايتجزأ من النظام الذي يعمل فيه ، ومن تصفح ماجمعناه عنه وبحدود القليل المتواضع الذي توصلنا له ، نجد أن صفات الأنسان النبيل تطغي على كل مظاهر السياسي والسلطة والحكم . 
نتفق على أن جميع الوزراء ونواب البرلمان كانوا يستندون في عملية بروزهم السياسي أو الوظيفي الى جملة قواعد من أهمها الثقل العشائري أو العائلي أوالأجتماعي حيث تؤثر في عملية الأستناد ،  أضافة الى حاجة السلطة الى هذا الأسم في عملية الموازنة والتوفيق وأكمال عملية الأنسجام لفترة ما ، لكننا نفتقد لكل هذا حينما نصل لوضع سعيد قزاز الذي لم يكن يمثل الأكراد في الحكومة على الرغم من كونه كرديا ،  ولم يكن يمثل عشيرته ولاممثل قوي لجهة سياسية ،  ولم يدخل في تحالفات حزبية أو نيابية للوصول الى مركزه ،  فقد كان دائما يشكل القاسم المشترك والثقل الذي يعطي الموازنة في عملية تشكيل الوزارات العراقية منذ عام 1953 حتى قيام ثورة 14 تموز  ( يوليو ) 1958،  مما يدعو للتأمل أو التمعن مليا بحالة يمكن أن نسميها عرضيا حالة سعيد قزاز الذي كان الأسم الذي أتفق عليه كل من فاضل الجمالي والعمري ونوري السعيد وأحمد مختار بابان رغم كل ماعرفناه عنهم من أختلاف ثقافي ومفاهيم سياسية وحتى في طرائق الحكم وأدارة السلطة وأختلاف أسماء الوزراء المتشكلة منهم وزاراتهم والتي كان سعيد قزاز قاسمها المشترك  .
أتأمل رسالة وردتني من المؤرخ العراقي الأستاذ مير بصري وهو يذكر أن سعيد قزاز لم ينصف لافي حياته ولابعد مماته ، حقا كنت أسأل وأنا أستعرض رسائل الماجستير والدكتوراه لطلبة قسم التاريخ في الجامعات العراقية والتي تشعبت دراستها لأكثر أسماء الوزراء ورؤساء الوزارات أو السياسيين لفترة الحكم الملكي ، غير أن سعيد قزاز غاب عنها .. ( قبل إن يطبع السيد عبد الرحمن البياتي رسالته في العام 2001 ) ،  وألح ّ بالسؤال ولكن لماذا ؟
حينما قصدت وزارة الداخلية العراقيةفي العام 1994  ألتمس معاونتي للأطلاع على ملفات تخص سعيد قزاز أو حقائق أدارية عن حياته ، أصطدمت  بأستخفاف مسؤوليها الذين قدموا لي النصيحة  بترك الموضوع والأنصراف الى عملي القضائي وحسم أضابير الدعاوى المتكدسة في المحاكم . 
لم يكن هذا دافعا للأحباط ولكني لم أجد ملف سعيد قزاز التقاعدي في محله حين مراجعتي .!!
ترى لمصلحة من يتم التعتيم على حياة رجل عمل بخدمة الدولة العراقية مدة زادت عن 33 سنة ؟  ولماذا هو بالذات في حين تمت دراسة جميع أقرانه من الوزراء والعاملين في الساحة السياسية في تلك الفترة ؟  وأيضا أسأل لماذا يتم تحميله لوحده وزر أعمال النظام الملكي الممتد لأكثر من 38 سنة ؟ ولماذا هذه الحساسيةالمفرطة تجاه سعيد قزاز بالذات ؟ والذي ثبت أنه يؤمن بأفكار أصلاحية لكنها تختلف عن الجانب الآخر . وقد كتب بعض معتبرا كتابتي هذه عن سعيد قزاز محاولة لأضفاء مسحة أنسانية ووطنية على شخصية سعيد قزاز ولم أوفق في ذلك كما يزعم ، أو محاولة مني لألغاء الأتهامات التي التصقت بسعيد قزاز ،   ولكن المطلوب منا جميعا التعود على قول الحقيقة وكتابتها كأسلوب منفتح لكتابة التاريخ العراقي لأنني أيضا أنتمي الى خندق يتناقض مع خندق سعيد قزاز ما يجعل مهمتي أكثر صعوبة ، وفي كل الأحوال لايمكن أن نبرأ ساحة السلطة ولامسؤولية القزاز في تفاصيل الأحداث مع الأخذ بعين الأعتبار قياس الزمان والمكان عند التقييم ، ومامن شك أن ماسجله القزاز من موقف خلال فيضان بغداد عام 1954 يسجل له صفحة مشرقة ومتميزة لايختلف عليها أحد ، ويسجل التاريخ العراقي الحديث إن القزاز صاحب فكرة أفران الأعاشة التي اعتبرت مكسبا للفقراء وذوي الدخل المحدود في توفير رغيف الخبز بأسعار مدعومة ، وينقل الدكتور كمال مظهر أحمد عن العميد المتقاعد والوزير في العهد الجمهوري خليل الزوبعي كيف تجاهل سعيد قزاز أيام فيضان بغداد المشهور عام 1954 أمرا شفهيا أصدره له شخص الوصي على عرش العراق الأمير عبد الاله بواسطة مرافقه الأقدم عن طريق الزوبعي بصدد أرسال مساعدات عينية فورية الى أمير ربيعة لقناعة القزاز ، كما جاء في رده ، بأن الفقراء أولى بتلك المساعدات . وقلما ظهر أداري عراقي في العهد الملكي رصد مثله أعمال لجان تسوية حقوق الأراضي التي ألفت بموجب قانون خاص ، فلقد بذل كل مافي وسعه ليحول دون التلاعب بمضمون القانون لصالح الملاكين على حساب الفلاحين ، مع ذلك علينا أن نقرّ أن القزاز كان وحيدا في هذا الميدان النبيل ، أنه ناطح قلاع الأقطاعيين الحصينة بسيف خشبي ، الا أن ذلك لاينفي مقاصده الجليلة ، كما لاينفي أنه كان يرنو مخلصا الى أنقاذ النظام من منطلق قناعاته الفكرية وينتهي الدكنور كمال مظهر  الى القول بأن القزاز أدرك جيدا وعن وعي ناضج بأن عهد الأقطاع قد ولى وأنتهى . 
ويستذكر الأستاذ فرهاد عوني – نقيب صحفيي كوردستان مآثر سعيد قزاز  في مادة جميلة نشرت في جريدة خه بات تحت عنوان ( لاأنام حتى ينام دجلة ) ، في حين أثار المحامي كنعان محمد أمين البرزنجي في مقالاتـه المنشورة بجريدة الأتحاد في العددين 426و427 بتاريـخ 22/6/2001 و29/6/2001 حول مواقف سعيد قزاز تجاه الشيخ محمود الحفيد وأحداث السليمانية ، ولم يثبت التاريخ وجود خلاف بين الشيخ محمود الحفيد وبين القزاز بل أستمر الأحترام والتقدير  بينهما ومما يؤكد هذا أستمرار زيارته وعائلته الى مستشفى الحيدري في بغداد لأجراء عملية جراحية يوميا  دون أنقطاع – هذا ما أكدته السيدة بري سعيد قزاز لي – ولو كان هناك موقف آخر لأستندت عليه الهيئة التحقيقية التي قامت بالتحقيق في كل مواقف القزاز ولتم أعتبارها تهمة من ضمن التهم التي تمت محاكمته بموجبها ، وكنا قد كتبنا الرد على تلك المقالات في العدد 432  بتاريخ 3/8/2001 من جريدة الأتحاد ص 15 .
أن القزاز يعرف أن للأكراد حقوقا ، لكنه يفهم أن طريقة تحصيل الحق تؤخذ عن طريق الكلمة في هذا الوطن المشترك للعرب والكرد منذ الآف السنين ، وعلى الرغم من هذا الفهم والنهج الذي يعتقد به سعيد قزاز لم يستطع أن يطغي على تقكيره أو مشاعره تجاه الآخر . 
حين نعود لفترة زمنية تزيد على نصف قرن سنجد أن مفاهيم عميقة بدلالات أعمق يعتقد بها سعيد قزاز تكون قد سبقت زمنها وشكلت  ومضة بناءة في فهم أسلوب تحصيل الحق لقومه من سلطته . 
ولم تزل هناك اقلام تحمل المرحوم سعيد قزاز المسؤولية الكاملة في احداث العراق ، ففي مقالة للكاتب مصطفى علي نعمان نشرت بتاريخ 1/6/2003 على موقع صوت العراق الألكتروني  نقدا ًلبرنامج بين زمنين الذي بثته قناة ابو ظبي عن التاريخ العراقي  يقول فيها : 
(( تحدث البرنامج عن قضية سعيد قزاز، وخلق من هذا الدعي المجرم الجلاد شهيداً، بطلاً، مظلوماً، من المدافعين عن الديمقراطية، والحرية.
كرس “بين زمنين” وقتاً للدفاع عن سعيد قزاز أطول من الوقت الذي كرسه للدفاع عن عبد الكريم قاسم، محور الحلقات، ومن يرى الحلقات يتصور قزاز شهيداً، مظلوماً، مغلوباً على أمره، لكن الوقائع تقول عكس ذلك.
قزاز مسؤول عن قتل المئات من أبناء الشعب العراقي، العزل، المسالمين، فقد كان بطل قمع المظاهرات في العهد البائد، وبطل قتل المساجين السياسيين العزل في سجونهم، فإن لم يكن الوزير الذي أصدر الأوامر مسؤولاً عن هذه الجرائم فعلى من تقع المسؤولية؟ وإن كان بريئاً فمن المجرم؟ 
رأيت بعيني "وكنت في الثامنة عشرة" كيف فتحت الشرطة في سنة 56 النار على المتظاهرين، أمام مركز شرطة المركز العام في الموصل، قتل في لحظة واحدة ستة عشر واحداً متظاهراً، وجرح ما يزيد على السبعين، وكان من جملة القتلى صديقي حازم البارودي، جاري، وبنفس عمري، وكنا هو وأنا ذاهبين إلى أبيه، لغرضين، لنرى المظاهرات التي سمعنا عنها في الثانوية، والتي اندلعت تأيداً لمصر، ضد العدوان الثلاثي، ولإيصال "سفر طاس" الغداء، في دكانه في سوق "العتمة ي"، شاهدنا المظاهرات، كان شيئاً غريباً، جموع لا حصر لها، وشعارات، وهتافات، ثم انطلق الرصاص، من مركز الشرطة، تلفت حولي أبحث عن حازم، رأيته يتمدد قريباً مني، والدم ينزف من صدره، وقميصه ينتقع بالدم، ولم أدرِ ماذا أفعل، أ أتركه وأهرب كالآلاف الآخرين، أم أبقى فأموت، حينئذ انتبذت ركناً في الزقاق، والدموع تسح رغماً عني، وأمامي جسد صديقي مرمي على الأرض، يلفظ أنفاسه الأخيرة، لقد استقرت تلك الحادثة الرهيبة في أعماقي وكأنها حدثت البارحة.
فمن هو المسؤول؟ الشرطي الذي أطلق النار؟ الضابط الذي أمر الشرطي، أم آمره؟ أم المصدر الرئيس، أي الوزير؟
ما ضر لو بقيت المظاهرات؟ كانت شعاراتهم تأييداً لمصر ضد العدوان، ولم أسمع أي كلمة ضد نظام نوري السعيد، أو الملك، ولم تقم بأي عمل تخريبي، فلماذا الرصاص؟ لماذا العنف؟ لماذا قتل الأبرياء؟
أعاد المسلسل تمثيل محاكمة قزاز، مردداً أقواله، وبتركيز كبير على كلماته نفسها، وكأنه بطل من أبطال الحرية، لا جلاداً ملطخة يداه بدماء الأبرياء والأطفال. )) 
بينما كتب الدكتور رشيد الخيون مقالاً في جريدة الشرق الأوسط بلندن بتاريخ 19/5/2005 يقول فيه : ((  لم يكره العراقيون أن يكون الكردي سعيد قزاز وزيراً للداخلية. ومن أعمال هذا الوزير أنه كان يقوي عرى الوحدة العراقية بتعيين ابن الجنوب بالشمال وبالعكس )) . 
وأذا ماتجردنا من الأنفعال في تشخيص وتقييم شخصية  سعيد قزاز يمكن أن ننتهي الى كونه نموذجا للسياسي والأداري التقليدي الذي يطغي عليه أخلاصه للحكم الملكي وماتفرضه عليه بيئته الأجتماعية ،  وما ترسخ في عقله من قيم ومفاهيم وأعراف بقي يتمسك بها حتى اللحظات الأخيرة من حياته .
لازلت أتذكر حديث صديقي الموصلي أبا عزام الذي كان يحدثني عن معرفته الشخصية بسعيد قزاز حين كان متصرفا لمدينة الموصل ،  وكان يمر ليلا بعد أن يقبض معاشه الشهري على أربعة بيوت في منطقة باب لكش وباب الجديد من الفقراء ويطرق أبوابهم ليسلمهم مايتمكن من تسليمه لهم وعند أنتقاله الى بغداد أصبح يكلف هذا الصديق الذي رفض أن يفصح عن أسمه لأيصال المبالغ اليهم من دون معرفة أسم مصدر المساعدة حتى أنقطعت بعد أعتقاله ومحاكمته .
من خلال أستقراء سيرة سعيد قزاز نستطيع أن نستنتج أنه كان موظفا متدرجا في العمل الوظيفي ، كان صارما وجديا في عمله وهذا ما أشتهر عنه ، ترسخت بعض المفاهيم لديه ، البعض منها أكتسبها بتجربته العملية والبعض الآخر أفكار يعتقد جزما بصحتها . ومن مفاهيمه في العمل أخلاصه المتفاني للوظيفة العامة وتقديسه لمفهوم السلطة والدولة الملكية ومكانة الموظف العمومي ضمن تسلسل السلم الوظيفي أي بالأستحقاق القانوني ، أضافة الى أمتلاكه ذاكرة وذكاء متميزين بقي يتمتع بهما الى نهاية عمره المأساوية . أما أعتقاده ببعض الأفكار وعلى الرغم من أنني لم أتوصل الى مصادر التأثير الأولية لكنني أفترض أنه ومن خلال مطالعاته وعلاقاته الأجتماعية ،  ومن خلال أوراق مذكراته الشخصية التي ارسلت صورة منها السيدة بري سعيد قزاز ،  والتي يذكر فيها تذكره شكل والده مرة واحدة  وأنه كان برعاية جده بعد وفاة والده في السنة الثالثة من عمره  حيث منحـــه رعاية وحنان كبيرين ،  وكان له شقيق يدعى ( علي ) توفي في طفولته، وسبب تسميتهم بالقزاز لأشتغالهم جميعا بأعمال الحرير      ( القز ) وأنه عاش في جو مشحون بالحزن وكانت تسليته الوحيدة عند ذهابه الى المقبرة صحبة والدته  ،  و القزاز كان يشعر أنه لايملك ما يملك الأطفال ،  و دخل الى كتاب الملا شريف الواقع داخل جامع الشيخ جلال في المحلة وتعلم فيها قراءة القرآن المجيد ،  ويصف بعد ذلك أهوال الحرب العالمية الأولى وكان في السنة العاشرة من عمره ،  بعد أن أنتقل القزاز الى كتاب خواجه أفندي وكان معلمه فيه عبد العزيز أفندي عثمان آغا ودرس الأدب الفارسي،  ويقول أن المستوى الثقافي في هذا الكتاب  كان أرقى ، ولكفاءة المدرس وقابليته على تعليم الطلاب تعلم القزاز اللغة التركية واللغة الفارسية ،  ودرس الشعر والآدب والفنون ،  وخلال تعليمه شعر بالفوارق الطبقية بين الطلاب وأقام علاقة صداقة حميمة مع أبن المدرس أحمد ومع أبن عمه عبد الرحمن سعيد أفندي الذي توفي عام 1933،  ولم يزل القزاز يتذكره حال حياته  بألم وأسى ثم أنتقل بعدها الى المدرسة الرسمية، وأن القزاز يعتقد بأن الفكر الشيوعي خطر على العراق  وعلى مستقبل العالم ( حسب أعتقاده!!) ولهذا يتوجب عليه محاربته بالوسائل التي يعتقد أنها مناسبة ، ولكن هذه الوسائل تبدو بسيطة وبدائية بالمقارنة مع وسائل محاربة  ليس أفكار الشيوعية فحسب بل كل الفكر التقدمي في الوقت الحاضر في العراق من قبل سلطة صدام حسين . كذلك فأنه وعلى الرغم من عدم التزامه الديني يعتقد أيضا أن أي مساس بالدين يعتبر خطيئة ينبغي التصدي لها ولهذا يصّر على القول أنه يفخر بمكافحته للشيوعية في العراق بدافع وطني أسلامي حسب مفهومه كمعاد للحركة الشيوعية .
أن اللافت للنظر أن سعيد قزاز لم يكن ينتسب الى تنظيم سياسي أو حزب وبقي متفردا معتزا بقدراته على أدارة وزارة الداخلية ، أذ ليس من الطبيعي أن يتم تكليف سعيد قزاز تسلم حقيبة وزارة الداخلية على الرغم من التغييرات السياسية للوزارات العراقية منذ عام 1953 ولحين قيام ثورة 14 تموز 1958 وسقوط النظام الملكي وقيام الجمهورية ، مما يلل على معرفة أقطاب السياسة العراقية حينذاك بمواهب وقدرات سعيد قزاز ،  الذي أصبح وبجدارة صاحب خبرة أكتسبها من خلال تدرجه الوظيفي وقدراته الذاتية ،  مع أنه لايملك أرثا عائليا أو ماليا يمكن التعكز عليه ضمن التركيبة  السياسية للسلطة  العراقية قبل الجمهورية . 





























الهوامش 

51. للفائدة أنظر الجدول المنشور في كتاب حنا بطاطو / العراق – الكتاب الأول – طبع مؤسسة الأبحاث العربية بيروت 1990 ص394 
52. رسالة مؤرخة في 21/5/2000 من لندن من الأستاذ المؤرخ مير بصري الى المؤلف 
53. فيصل حسون – مقالة منشورة بجريدة الشرق الأوسط العدد 7107 في 13/2/1998 بعنوان أحداث سياسية وحكايات صحفية – شهادات في هوامش التاريخ .
54. توفيق السويدي / مذكراتي نصف قرن من تاريخ العراق والقضية العربية – دار الحكمة للطباعى والنشر – الطبعة الثانية 1999-ص533 
55. رفعة الجادرجي / صورة أب – مؤسسة البحاث العربية بيروت لبنان 1985 –ص61
56. محمد مهدي الجواهري / ذكرياتي – ج2- دار الرافدين دمشق 1991 ص134-135
المرجع السابق ص203 
57. جرجيس فتح الله / رجال ووقائع في الميزان – دار ئاراس – أربيل مطبعة التربية 2001- ص166-167
                           









. 3  الخاتمــة


أشتهر سعيد قزاز بتعاطفه مع المؤسسات القمعية للحركات السياسية في العراق ورعايته لمنتسبيها ، ومن وجهة نظر أخرى نستطيع أن نتلمس مدى أنعكاس مفاهيمه المجردة للعمل الوظيفي وما يتطلبه هذا العمل من تكاتف وتعاضد بين رأس الهرم الوظيفي في وزارة الداخلية وبين جميع منتسبيها من الذين يؤدون واجباتهم المناطة بهم على أكمل وجه ومن بين هذه الأجهزة من الشرطة والأمن السياسي .
وتبقى بعض الثوابت التي لايختلف عليها أحد ،  وأهمها أن سعيد قزاز وعلى الرغم من قدراته في السيطرة على وزارة الداخلية ،  وسعة أمتدادها في تلك الأيام ،  وسطوته الشخصية الصارمة ،  فأنه لم يستغل هاتين الصفتين لمصلحته الشخصية مطلقا، لابل أن احدا لم يستطع النيل منه في هذا الخصوص . ويكفي علما أنه لم يكن يملك بيتا لأسكان عائلته على وجة الأستقلال ولاسيارة حكومية لأستعمالات العائلة ،  فقد كان منصرفا الى التفاني في العمل الوظيفي ،  فلا يكاد يفرق بين حياته ووزارة الداخلية . ومن الطريف أن نذكر أنه حينما كان في السجن بعد محاكمته والحكم بأعدامه كان يتساءل عن أخبار وزارة الداخلية وأسماء من تشملهم الترقيات ومن يستحق تبوء المناصب الأدارية ،  حيث أن هذه المسائل تشكل هاجسا مهما في حياته،  مما يدلل على طغيان شخصية الموظف الأداري على شخصيته المجردة،  أذ أنه كان  يتابع ذلك على الرغم من محـنة الحكم والسجن . 
وعلى الرغم من طغيان هذه الشخصية فأنه لم يستطع مسح بعض الصفات الأنسانية التي يتمتع بها فتطغي أحيانا صفاته الأنسانية – الكردية النبيلة – فيقدم الخدمات التي تصل لحد الخرق القانوني ويقدم النصائح لأصدقائه حتى لو كانت هذه النصائح لأعداءه السياسيين فيبرهن بأنه عراقي يرتبط فعلا بقيم وأعراف هذا البلد . 
وسعيد قزاز على الرغم من كونه كردي القومية يعتز بأنتسابه لهذه القو مية وعلى الرغم من أنه يعتبر علما من أعلام الكرد في العراق الا أنه لم يلق ذلك الأهتمام اللائق بشخصه وسيرته وذكراه مع أنني وجدت كل التقدير والحب له من جميع الأخوة الأكراد الذين ألتقيت بهم أثناء كتابة هذه السيرة ، وقد تلتفت أحد مؤسسات الكرد للأهتمام بذلك بما تملك من قدرة وأمكانية وتماس بموضوع البحث . 
ونموذج يشابه سعيد قزاز يشب يتيما فقد أباه وهو صغير يشق دروب الحياة بتأني وصبر ليكمل تعليمه ،  ثم يبدأ ببناء شخصية لافتة للنظر وجالبه للأنتباه بحيث تغري أقطاب العمل السياسي حينذاك بالتمسك به لقيادة الجبهة الداخلية مع ما يحيط هذه الجبهة من تحرك وطني نشط منذ بداية الخمسينات ولحين حدوث الثورة عام 1958 جدير بالدراسة .
الثابت من الأحداث أنه لم تكن لسعيد قزاز مصلحة راسخة أو دوافع سياسية للتنافر الواضح مع الحركات السياسية في العراق أو الأندماج والذوبان في كيان النظام الملكي غير ما ذكرناه أنفا.
وعلى الرغم من أن أنتفاضة عام 1948 التي قام بها الشعب العراقي أستنكارا ورفضا شعبيا لمعاهدة بورت سموث مع بريطانيا التي أستهدفت أبدال أتفاقية عام 1932،  تزامنت مع قرارات التقسيم الدولية في فلسطين وقيام دولة أسرائيل الا أنها لاقت مواجهة وعنادا من سياسة الحكومة ، في وقت كان فيه سعيد قزاز متصرفا للواء الموصل ، في حين أنه واجه في وزارة الداخلية عند أستيزاره أحداثا سياسية وشعبية مهمة منها أضراب عمال البصرة عام 1953 وأنتفاضة عام 1956 بسبب الهجوم الأنكليزي الفرنسي الأسرائيلي على مصر في شهر تشرين الأول ( أكتوبر ) ، حيث أندلعت أوسع أنتفاضة جماهيرية عمت كل أنحاء العراق تم مواجهتها بموجب خطة أمن بغداد التي وضعها سعيد قزاز عند تسلمه وزارة الداخلية ، هناك من يقول هذه هي مهمة الوزير المختص وهذا هو أساس عمل وزير الداخلية وأن ماقام به سعيد قزاز يقع ضمن الأختصاص الوظيفي في أطار القانون ولم يحدث أي خرق لمواد الدستور العراقي أو القوانين النافذة . 
ترك سعيد قزازا تاريخا مشرقا من النزاهة والمواقف التي تدلل على صـلابة شخصيته وشجاعته ، كما ترك سعيد قزاز خصوما سياسيين غير متكافئين في المواقع والقوة ، وأقترن أسمه بتطبيق أجراءات أسقاط الجنسية العراقية عن بعض السياسيين العراقيين على الرغم من أنه كان منفذا لايد له في تشريع القانون الذي وضعته السلطة التشريعية ، في حين كان يقف سعيد قزاز في خانة السلطة التنفيذية .
وحتى لايتم أعتبار العدالة مغيبّة قد ماتت ومادامت الأسس التي قامت في حينها لأصدار الحكم بالموت على سعيد قزاز والتي تم الأرتكاز عليها غير قانونية ولاتصلح للأدانة ، تبرز أمامنا مهمة قد تبدو جديدة في واقع العراق السياسي الحديث ، الا أن هذه المهمة ستكون من مهام رجال القانون والقضاء حينما يعود القانون والدستور والسيادة للعمل في العراق بعد زوال حكم صدام حسين وطغيانه وأنتهاك القانون والدستور والتفريط بسيادة وكرامة العراق ، ستبرز مهمة القضاء الحيادي العادل في أعادة محاكمة بعض من تم تجريمهم من دون أساس قانوني وأصدار القرار القضائي العادل وفق التهم التي تمت محاكمتهم بموجبها وعلى غرار ما يحدث في هذا العالم المتمدن حينما تدور دورة الزمن ويتم أكتشاف حقائق تتطلب أعادة المحاكمة والمسألة أعتبارية تدخل في صلب حياة العراق .
ومابين عام 1959 وعام 2002 فترة عصيبة عاشها العراق ، وقد رحل الكثير من شهود الأحداث عن هذه الدنيا ولكن الحقيقة كما قلنا هي  العمود الفقري للتاريخ  فقد تغيب بعض الوقت الا أنها حتما ستبرز واضحة وصريحة سيما وأن الكثير من شهود الأحداث قد سجلوا شهاداتهم التي نشرت .
ولأن سعيد قزاز لم يكن بطلا قوميا ولاخائنا عرض الوطن للذل والتقطيع فقد كان واضحا وصريحا ومؤثرا بأحداث العراق السياسية ومتأثرا بها لذا فأن بحثنا هذا لايمكن أن يشكل بادرة لأعادة الأعتبار للرجل لأي سبب كان وأنما يشكل دعوة مخلصة لأعادة السرد التاريخي للعراق بشكل مجرد خال من العواطف والأنحياز ، والكل مدعو لمد يد العون في هذا السرد خدمة للعراق والتاريخ والحقيقة والأجيال القادمة .















المصادر 

1. جرجيس فتح الله / رجال ووقائع في الميزان – دار ئاراس – مطبعة التربية أربيل 2001.
2. حنا بطاطو / العراق – الكتاب الأول – مؤسسة الأبحاث العربية – بيروت – لبنان 1990 .
3. حازم حسن العلي / أنتفاضة الموصل – الدار العربية بغداد 1987 .
4. طالب مشتاق / أوراق أيامي – دار واسط للدراسات والنشر والتوزيع – بغداد 1989 
5. يونس بحري /سبعة شهور في سجون بغداد – الطبعة الأولى – بيروت 1960.
6. كمال السامرائي / حديث الثمانين –ج2- وزارة العلام –دار الشؤون الثقافية العامة بغداد 1996.
7. محمد حمدي الجعفري / محكمة المهداوي – دار الشـؤون الثقافية العامة بغداد 1989.
8. ميـر بصـري / أعلام الكرد – مؤســسة رياض الريس للطــباعة والنشر – لندن 1996 .
9. محمد مهدي الجواهري / ذكرياتي –ج2- دار الرافدين – دمشق 1991 .
10. عبد الرزاق الحسني / تاريخ الوزارات العراقية – الطبعة السابعة – دار الشؤون الثقافية العامة بغداد 1980.
11. عبد الرحمن البياتي / سعيد قزاز ودوره في سياسة العراق حتى عام 1959 –  الطبعة الأولى  المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت لبنان 2001.
12. عبد الرزاق محمد أسود / موسوعة العراق السياسية – المجلد الثالث – الدار العربية للموسوعات – بيروت 1986 .
13. فيصل حسون / مقالة منشورة في جريدة الشرق الأوسط العدد 7107 في 13/2/1998 . 
14. ذو النون أيوب / قصة حياته – القسم الرابع – الطبعة الأولى – فينا 1983 .
15. رفعة الجادرجي / صورة أب – مؤسسة الأبحاث العربية – بيروت لبنان 1985 .
16. توفيق السويدي / مذكراتي .. نصف قرن من تاريخ العراق والقضية العربية – دار الحكمة الطباعة والنشر – الطبعة الثانية 1999. 
17. محاضر جلسات المحكمة العسكرية العليا الخاصة بوزارة الدفاع  ( محكمة الشعب ) الجزء العاشر .
18. سجلات الحكومة العراقية للأعوام 1927 – 1931 – 1942 – 1945 مطبعة الحكومة بغداد . 
19. محاضر جلسات مجلس النواب العراقي . 
20. جريدة المثال الموصلية – جريدة فتى العرب الموصلية – جريدة الحوادث – جريدة أتحاد الشعب  – جريدة اليقظة – جريدة الأتحاد – جريدة خه بات . 
21. رسالة من المؤرخ العراقي مير بصري للمؤلف مؤرخة في 21/5/2000 من لندن .
22. لقاءات شخصية متعددة مع المرحوم عبد الباسط يونس بالموصل 95/96.
23. لقاءات شخصية متعددة مع المرحوم سعيد الديوه جي بالموصل 1995 .
24. لقاء بالسيد صديق السيد علي الصفار بالموصل 5/11/1996.
25. لقاء بالمحامي السيد عبد القادر الدبوني بالموصل بتاريخ 9/12/1995
26. لقاء بالمحامي السيد محمود الجلبي بالموصل بتاريخ 28/10/1995 . 
27. لقاء بالأستاذ باسم مشتاق في اربيل نيسان 2007 
28. أتصالات ومراسلات مع السيدة بري سعيد قزاز – لندن . 
29. مقالات للسادة كاظم حبيب وحكيم نديم الداوودي وفارس عبد الستار البكوع وعوني الداوودي وقيس القره داغي وفرهاد عوني . 












  مواضيع أخرى للمؤلف
←  زهير كاظم عبود.. أرشيف فكري يوثق أسئلة العراق وتحولاته
←  زهير كاظم عبود جـلال طالباني القاسـم العراقـي المشـترك
←  الإلتباس في كتابة التاريخ وكيفية مواجهته
←  هل ستحل المـادة 140 من الدستور مشكلة كركوك
←  النتائج الأيجابية للأعلام الكردستاني باللغة العربية
←  من يفصل في الخلاف بين السلطة الاتحادية والإقليم في تفسير النص الدستوري؟
←  كيف ننصف الرئيس مام جلال طالباني ؟
←  التوحد العراقي المطلوب
←  التدخل في شؤون العراق.. بين الاطماع والوصاية
←  المطالبة الكردية بالفيدرالية اصبحت هاجسا عراقيا وطنيا
←  لا للفيدرالية…!
←  الفيدرالية وتنشيط الذاكرة
←  ( الإنصات المركزي ) لم تزل تضيء الطريق
←  لمحات عن سعيد قزاز
←  الكسب غير المشروع والإثراء دون سبب
←  إشكالية التشكيلات العسكرية خارج إطار القوات المسلحة
←  كيف يستعيد العراق عافيته؟
←  العلاقة بين مجلس النواب والحكومة الجديدة
←  اتقوا الله بالعراق في ثرواته
←  السلـم المجتمعـي ومبـدأ التسامـح
←  متى تستعيد البصرة مكانها الطبيعي؟
←  هل سيتم تعديل الدستور؟
←  اختصاصات المحكمة الاتحادية العراقية العليا
←  منصب (رئيس الجمهورية)..السيد الرئيس
←  الخطوات الدستورية لتشكيل الحكومة
←  السياقات الدستورية في اختيار الرئاسات