*لطيف فاتح فرج
*ترجمة: نرمين عثمان محمد/ عن صحيفة كوردستاني نوى
تحتاج كركوك إلى وعي شامل يساعد أبناءها على معرفة ذواتهم وفهم الآخر، ووعي يمنع تحول النزعة القومية إلى أداة للنيل من بعضهم بعضا، أو الإساءة المتبادلة، أو تصوير الآخر بصورة قبيحة. فعندما يتولى شخص كردي أو عربي أو تركماني منصبا معينا، ويعمل على معالجة مشكلة أو مواجهة ظاهرة سلبية، سعيا إلى جعل المدينة أجمل وأكثر تنظيما، لا يجوز تفسير عمله على أنه تعبير عن عداء قومي يستهدف مكونا آخر. فإذا ألقى أحد أفراد الشرطة في كركوك، أيا كانت قوميته أو انتماءاته، القبض على شخص مخالف ينتمي إلى مكون آخر، أو فرض عليه عقوبة، فلا ينبغي قراءة هذا الإجراء من منظور الصراع القومي، أو تصويره على أنه مشكلة بين القوميات.
وإذا افترضنا أن شخصا تركمانيا قتل تركمانيا آخر، أو أن شخصا كرديا قتل كرديا آخر، فهل يجوز لشرطي عربي أن يقول إن إلقاء القبض على القاتل ليس من اختصاصه، وإن على التركمان التعامل مع القاتل التركماني، وعلى الكرد التعامل مع القاتل الكردي؟ فكيف يمكن، في ظل هذا المنطق، بناء مدينة تقوم على التعايش واحترام الاختلاف؟
إن كركوك بحاجة إلى تضافر جهود الجميع للقضاء على الظواهر البشعة والمسيئة فيها. وفي إدارة شؤون المدينة والمجتمع، وتنظيم الحياة العامة، ومواجهة السلوكيات غير الحضارية، ينبغي ألا تكون الهوية القومية معيارا للتعامل، بل يجب أن تتقدم الهوية المدنية الجامعة على سائر الهويات الفرعية. وتعني الهوية المدنية أن يشعر كل مواطن من أبناء المدينة بأنها مدينته، وأن يعمل من أجل أن يكون مستقبلها أفضل من حاضرها.
وكان من المفترض أن يبلغ الوعي في كركوك مستوى يجعل الأشخاص الذين جلبوا من مناطق أخرى لتغيير طابع المدينة وتركيبتها الديموغرافية، إن حدث ذلك في سياق سياسات النظام السابق، يرفضون بأنفسهم مواصلة الظلم الذي ارتكبه نظام البعث، بدلا من أن يسعى أحفادهم إلى البحث عن ذرائع لتحويل مكونات المدينة إلى أعداء لبعضها بعضا.
وعندما يؤدي شرطي أو موظف أو مسؤول أو شرطي مرور عملا جيدا، حتى لو ترتب عليه ضرر أو عقوبة لشخص ينتمي إلى أحد المكونات، وكان الموظف أو الشرطي من مكون آخر، فلا ينبغي اتخاذ ذلك ذريعة لإثارة العداء القومي. بل إن المكون الذي ينتمي إليه الشخص الذي ارتكب المخالفة هو الأجدر بأن يشيد بعمل الموظف أو الشرطي الذي أدى واجبه على نحو سليم، لأن هذا الموظف يخدم المدينة في نهاية المطاف، وهذا تحديدا ما تحتاج إليه كركوك.
إن بناء المدن يتطلب، قبل كل شيء، سيادة القانون، والتفاهم، والعمل المشترك. ولا يجوز إخضاع تطبيق القانون لرغبات المكونات أو أهوائها، لأن ذلك قد يفضي إلى التمييز والانقسام على أسس قومية. فإذا فرض شرطي عقوبة على شخص بسبب مخالفة للقانون، أو ألقى القبض عليه، فلا ينبغي أن يكون السؤال الأول عن هوية الشرطي القومية أو هوية الشخص المعني، بل يجب النظر إلى مدى قانونية الإجراء وسلامته.
فالشرطي في المدينة، ولا سيما في كركوك، يمثل المدينة بجميع مكوناتها وتنوعاتها، ولا يمثل قومية بعينها أو مكونا محددا. ومن هذا المنطلق، يتعين على جميع أبناء كركوك، سواء أكانوا داخل مؤسسات الحكومة أم خارجها، أن يتعاملوا مع هذه القضايا بوعي ومسؤولية كبيرين، وأن يضعوا انتماءهم إلى كركوك في مقدمة الاعتبارات الأخرى.
إنني أؤمن إيمانا راسخا بأن التربية على التعايش وقبول الآخر يجب أن تبدأ منذ مرحلة رياض الأطفال والمدارس الابتدائية، وأن تستمر في مختلف مراحل التعليم. كما أؤمن بضرورة أن يواصل السياسيون ورجال الدين وأفراد المجتمع، بصورة عامة، العمل من خلال وسائل الإعلام على تعزيز ثقافة قبول الآخر، وترسيخ قيم التعايش المشترك، والانتماء المدني إلى المدينة.
لقد ارتبط موضوع زاوية هذا العدد بأحد الموظفين المخلصين والحريصين على مصلحة المدينة، الذي سعى إلى أداء واجبه وخدمة كركوك، لكنه تعرض لمحاولات لتشويه صورته والإساءة إليه.