×

  الاعلام و التکنلوجیا

  توتر العلاقة بين ترامب ووسائل الإعلام الامريكية



*د. عدالت عبد الله

 

ضمن سلسلة من المحاضرات حول “قانون وأخلاقيات العمل الإعلامي”، التي نقدمها كدروس نظرية لطلابنا في قاعات التدريس، تناولنا في الأيام الماضية قانون الصحافة في اقليم كوردستان رقم (35) لسنة 2007، والذي أعتقد أنه أحد القوانين المميزة والمعاصرة، لا سيما إذا ما تم الدفاع عنه فعلا وتطبيقه كما هو.

نحن نستحضر أحيانا أمثلة على مجموعة من البنود والمواد التي تعزز وتدعم حرية العمل الصحفي وتمنح إعلاميينا بعض الحقوق الأساسية، ونرى أنه من الصالح أن يتعرف عليها طلابنا في الجامعات والمعاهد كمصدر تباهي ليذودوا عنها هم ايضا مستقبلا، خاصة وأننا كنا قبل نحو 20 عاما شواهد ومشاركين، إلى جانب العشرات من الصحفيين والأكاديميين والقانونيين، في صياغة تلك البنود والمواد القانونية التي نعي مدى تدرجها في مصلحة الحريات الديمقراطية في العراق وإقليمه كردستان.

ومن بين النقاط المشرقة، على سبيل المثال: أن الصحافة حرة ولا توجد أي رقابة مسبقة على المطبوعات، أو أن للصحفي الحق في عدم الكشف عن مصادر معلوماته إلا بقرار قضائي، أو تلك النقطة التي تنص على: أن للصحفي الحق في حضور المؤتمرات والنشاطات العامة. ولا شك إن التذكير بهذه البنود لا يعني عدم وقوع انتهاكات في الواقع العملي، لا، إطلاقا، فالانتهاكات كثيرة ومختلفة وتغطي نقابة الصحفيين في الإقليم ومرصد “ميترو” سنويا، جزءا كبيرا منها، وذلك بغية حماية الصحفيين وحقوقهم وحرياتهم.

وفي هذا الصدد، نقول دائما: كلما كان الإعلام والصحافة مهنيا أكثر، صارت السلطة الرمزية التي يتمتع بها أمتن وأقوى، بل وتتجاوز أحيانا مصطلح “السلطة الرابعة” لتظهر نمطيا وكأنها “السلطة الأولى”، لاسيما حين تؤثر في وضع المسؤولين وقراراتهم ومؤسسات الدولة ومراكز صنع القرار عموما.

ولأجل ذلك، غالبا ما نستحضر لطلابنا أمثلة حية من تجربة حقلي السياسة والإعلام في الولايات المتحدة الأمريكية، ففي هذا البلد، ورغم كل الانتقادات الجذرية، التي يوجهها مفكرون من أمثال نعوم تشومسكي وإدوارد هيرمان وإدوارد سعيد، لا يزال الإعلام هنا يشكل منبعا لإلهام الإعلاميين المحترفين والتواقين للحرية في العالم في مجالات عدة، وخاصة من حيث التأثير في السلطة السياسية أو الحرص على القضايا المحلية لبلدهم.صحيح أن الإعلام الأمريكي نفسه قد قدم خدمات جليلة للسلطة وهيمنة هذه الدولة في العالم، وصحيح أنه يتعرض غالبا لانتقاد حادة بفعل تبعيته للخطاب الصادر عن وزارة الخارجية والبنتاغون أثناء النزاعات والحروب، أو لكونه يمثل إعلاما يعمل لصالح مالكيه من الشركات العملاقة.

كل هذه الحقائق قويمة تماما، وفي هذا المضمار تناولت شخصيا في كتابي المعنون (الإعلام والملفات المعاصرة) الصادر عن (دار العلوم العربية) في بيروت 2016، جوانب جلية وخفية عديدة من تلاعبات الخطاب الإعلامي الأمريكي. أي أننا في النهاية لسنا بغافلين عن ذلك الجانب من تجربة إعلام هذه القوة العظمى، خصوصا وأنه كان لسنوات نموذجا للنقاشات الأكاديمية والفكرية في العديد من المراكز العالمية وكنا نناقشه في الجامعة مع الأساتذة المختصين.

 ولكن برغم ذلك الجانب الذي يجلب بلا شك الانتقاد لصيت الإعلام الأمريكي في مراحل ما، إلا أن وسائل الإعلام في هذا البلد تبقى فريدة في مجالات عديدة، أبرزها التأثير السياسي، وصناعة الرأي العام، وكشف الأسرار، وتغطية ملفات الفساد، وتزويد المتلقي بأكبر قدر من المعلومات، بل وحتى تعرية الكثير من فضائح الشخصيات السياسية.

في هذه الأيام، أعادت الموجة الجديدة من التوتر بين البيت الأبيض، وتحديدا دونالد ترامب، وعدد من الشبكات الإعلامية الكبرى في ذلك البلد، فتح هذا الموضوع وتأجيجه مجددا! وبرأينا إن هذه التوترات، إن دلت على شيء ما، فإنما تدل بوضوح على استمرار وحيوية المطالبة بحرية العمل الصحفي وعدم الاستسلام أمام هذه القيم العظيمة، مثلما تعد دليلا على تأثير الإعلام الأمريكي في مركز القرار في ذلك البلد ورؤسائه.صحيح أن خلفية هذا التوتر قديمة وترجع إلى عام 2016 إبان حملات ترامب الانتخابية ضد هيلاري كلينتون مرشحة الديمقراطيين، إلا أن التوتر ذاته، ولا سيما مع وسائل الإعلام الكبرى مثل: CNN ،CBS ،ABC، وFOX News، وNBC News، وقبلها مع The New York Times وThe Washington Post  وبعض وسائل الإعلام الجماهيرية الأمريكية الأخرى، يعطي مؤشرا واضحا على أن وسائل الإعلام تستطيع التغطية بالشكل الذي تتطلبه ابجديات المهنة، لا بالاتجاه الذي يطلبه رئيس البلاد أو البيت الأبيض.

في الحقيقة، إن القضية ليست سياسية أو قانونية بقدر ما يحاول الرئيس ترامب إضفاء هذين البعدين عليها، والذريعة على ذلك تتضح في ثلاثة أمثلة:

 أولا: تكليف وزارة العدل الأمريكية من قبل الرئيس ترامب للتحقيق مع تلك الشبكات الإعلامية الكبرى بتهمة خرق قانون شيرمان لحظر الاحتكار Sherman Antitrust Act، في وقت لا يتصل فيه هذا القانون بالعمل الإعلامي بشكل مباشر بل يتعلق بحظر الاحتكار وحماية المنافسة العادلة في السوق (تماما كما يحدث معنا أحيانا في اقليم كردستان حين يسجن صحفيونا بموجب القانون رقم 3 لمكافحة الإرهاب لسنة 2006!).

ثانيا: القرار الصادر قبل أيام من قاض فدرالي أمريكي داخل البيت الأبيض نفسه، والذي أعاد حق الدخول إلى البيت الأبيض لشبكات CNN وMSNBC   وجريدة Politico، بعد أن كان رئيس الولايات المتحدة قد منع دخولهم.

 ثالثا: تاريخ الدعم الذي قدمته تلك الوسائل الإعلامية الأمريكية العملاقة ذاتها لترامب ولأعماله التجارية والاستثمارية وأخباره ونشاطاته الشخصية، قبل مجيئه إلى البيت الأبيض كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية في عام 2016.إن هذه الأمثلة الثلاثة تفيد بوضوح إن التوتر لا يتصل، كليا أو جزئيا، بالبعدين السياسي والقانوني بقدر ما يرتبط بعجز تكهنات الرئيس الأمريكي وتوقعاته في الحصول على دعم تلك الشبكات الإعلامية الجماهيرية الكبرى له، سواء في مرحلة الحملات الانتخابية لعام 2016 ولاحقا 2020م، أو في فترة رئاسته في الولاية السابقة وهذه الولاية.

 أما الوجه الآخر للتوتر فهو أن كل تلك الشبكات الإعلامية الأمريكية تمتك، بنسب متفاوتة، خطابا نقديا تجاه العديد من الملفات الدولية والمحلية لبلادها خلال فترة رئاسة الرئيس ترامب، وهو ما دفع الرئيس لتفسير تلك الوسائل الإعلامية على أنها وسائل إعلامية مضللة ومخادعة.


01/11/2026