في بداية حديثي، أتقدم، باسم رفاقي في قيادة الاتحاد الوطني الكوردستاني ونيابة عن رئيسه الأستاذ بافل طالباني، بخالص الشكر والامتنان لدعوتنا إلى جانب رفاقنا في قيادة الحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني الشقيق لهذا المؤتمر، شاكرين التفاتتهم الكريمة لحضورنا في هذا المؤتمر السياسي المهم، الذي ينعقد في ظل ظروف بالغة الحساسية والتعقيد تمر بها منطقتنا والعالم. ونأمل أن يخرج هذا المؤتمر بقرارات وتوصيات تخدم مسيرة أحزابنا وبلداننا، بما يؤمّن مستقبلاً أفضل لشعوب المنطقة عموماً.
أيها الرفاق الأعزاء،
لايخفى عليكم أن المنطقة تعيش في هذه المرحلة على وقع تطورات إقليمية وعالمية بالغة التعقيد، حيث تشتعل الصراعات والحروب التي لامصلحة لشعوب المنطقة فيها، لكنها، للأسف، هي التي تضطر إلى أن تدفع الثمن الباهظ لهذه الصراعات. وقد أدت هذه الصراعات إلى إيجاد حالة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، وتقليص فرص التنمية والاستثمار في بلداننا، مما يؤثر سلباً في الحياة الديمقراطية والاجتماعية لشعوبها، ويزيد من حالة القلق والخوف على مستقبلها. ولذلك، فإن انعقاد هذا المؤتمر في ظل مثل هذه الظروف المعقدة يكتسب أهمية بالغة في رسم سياساتنا المقبلة، بما يعيد الأمل ببناء مستقبل أفضل لشعوبنا.
ولاننسى، ونحن نجتمع هنا لمناقشة آفاق المستقبل، أن نثمّن دور المملكة الأردنية الهاشمية في سعيها الدائم إلى الحفاظ على أمن المنطقة واستقرارها، من خلال مواقفها الثابتة في التعاطي مع القضايا العربية والدولية، واعتمادها خطاباً سياسياً متوازناً وبنّاءً في ظل قيادة الملك تجاه مختلف التطورات التي تشهدها المنطقة. ولابد لنا هنا من الإشارة إلى الدور الإيجابي الذي تقوم به المملكة في الحفاظ على الهوية العربية للمقدسات الإسلامية والمسيحية، وسعيها الدائم إلى إيجاد حل عادل للصراع العربي الإسرائيلي، بما يضمن مستقبلاً أفضل للشعوب العربية، ويطوي الصفحة الدامية من تاريخ هذه القضية التي استمرت لأكثر من ثمانية عقود.
أيها الإخوة الأعزاء،
في الوقت الذي ندين فيه ونستنكر بشدة العملية الإرهابية الأخيرة التي استهدفت إحدى الكنائس المسيحية في الأردن الشقيق، والتي كان الغرض منها النيل من سمعة المملكة الأردنية وتقويض استقرارها السياسي والاجتماعي، نود أن نؤكد لكم أن مثل هذه العمليات الإرهابية، التي تقوم بها قوى الشر والظلام، لاتستهدف دولة معينة بعينها في المنطقة، بل أصبحت عمليات شاملة تستهدف مختلف الدول والأنظمة المستقرة في المنطقة.
فنحن في العراق وكوردستان عانينا من مثل هذه العمليات الإرهابية لسنوات طويلة، ودفعنا أثماناً باهظة في مواجهتنا لتلك القوى الظلامية، ومازالت التهديدات مستمرة. وقد تعرضت دول أخرى أيضاً للعديد من العمليات الإرهابية، وهذا يؤكد لنا حقيقة المقولة: «إن الإرهاب لاوطن له». فجميع الدول معرضة لتهديدات قوى الشر والظلام التي تستهدف أمن بلداننا واستقرارها.
وفيما يتعلق بنا، نحن أحزاب الديمقراطية الاجتماعية والاشتراكية، يتوجب علينا أن نمضي في طريقنا نحو بناء مجتمعات آمنة ومستقرة، على الرغم من كل هذه التهديدات الإرهابية، وأن نتمسك بقيمنا ومبادئنا التي آمنا بها، وفي مقدمتها تحقيق العدالة الاجتماعية، وتوفير الحريات السياسية، وضمان المساواة بين الجنسين، إلى جانب السعي إلى تشجيع مشاركة الشباب في عملية البناء والتنمية. وكل ذلك من شأنه أن يساعدنا على التطلع إلى آفاق التحول الديمقراطي لشعوبنا، وبناء مجتمعات قائمة على الحريات والمساواة والعدالة الاجتماعية. وهذه المبادئ تقع في صلب مهامنا بوصفنا قوى وأحزاباً سياسية تقدمية وديمقراطية.
نحن في الاتحاد الوطني الكوردستاني مازلنا نواصل مسيرتنا وفق منهاج حزبنا ومبادئه، من أجل بناء مجتمعنا الديمقراطي القائم على أسس العدالة الاجتماعية والمساواة وتحقيق الحريات، على الرغم من التهديدات التي نواجهها. وسنعمل، في إطار النظام الاتحادي الطوعي الذي أقرّه الدستور العراقي، على تحقيق تلك القيم التقدمية، وسنسير جنباً إلى جنب مع الأحزاب والقوى الديمقراطية في سائر دول المنطقة والعالم، لتحقيق هذه المبادئ والأهداف التي نؤمن بها، خدمةً لشعبنا الكوردستاني والشعب العراقي عموماً.
وعليه، فإننا بحاجة ماسة ودائمة إلى دعم الأحزاب الديمقراطية في البلدان الشقيقة والصديقة، بما يعزز توجهاتنا نحو تحقيق تلك الأهداف السامية. ويُعدّ الحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني من أقرب الأحزاب إلينا في مجال التعاون لتحقيق هذه المساعي النبيلة.
أيها الإخوة الأعزاء،
لاشك في أنكم لاحظتم، مثلنا، التراجع الذي شهدته وتشهدُه الأحزاب الديمقراطية في العديد من دول العالم، وخصوصاً الدول الأوروبية، أمام صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة. فعلى سبيل المثال، هناك تقدم ملموس للأحزاب والقوى اليمينية المتطرفة على حساب الأحزاب الديمقراطية والاشتراكية في ألمانيا ، منها صعود حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD). ولكن رغم أن هناك بالمقابل أحزاب ديمقراطية اشتراكية نجحت في عقد تحالفات سياسية وبرلمانية وخصوصا في هولندا التي شهدت تحالفا بين الحزب الاشتراكي والعمال والخضر ، ولكن تبقى هناك مخاوف حقيقية من صعود أحزاب يمينية متطرفة في دول أوروبية أخرى تزامنا مع تصاعد الخطابات السياسية المناهضة للهجرة واللاجئين .
وبطبيعة الحال هناك أسباب عديدة تقف وراء هذا الصعود المقلق لأحزاب اليمين المتطرف، لعل أهمها إخفاق بعض الأحزاب الديمقراطية والتقدمية في تحقيق أهدافها، نتيجة اتباعها سياسات شعبوية، الأمر الذي يسهم في صعود أحزاب اليمين المتطرف.
إن الصراع السياسي، باعتقادنا، لايقوم على مبدأ «مع أو ضد»، كما أن السياسة ليست معركة بين الشعب والنخب السياسية أو الاقتصادية، ولاتقتصر على مخاطبة مشاعر المواطنين وإثارة غرائزهم العاطفية، بل تقوم السياسة الصائبة على تقديم حلول عقلانية لمشكلات المواطنين، تستند إلى أيديولوجية راسخة ورؤية اقتصادية واجتماعية متكاملة، تحقق تطلعات الشعب إلى بناء مجتمع متوازن ومستقر، ينعم بالرفاهية والحريات العامة والفردية.
نحن في هذه المنطقة نمتلك ثروات ضخمة وطاقات بشرية هائلة، ينبغي للأنظمة والسلطات القائمة أن تستثمرها في تحقيق العدالة الاجتماعية وبناء أسس دولة متينة، لاتتأثر بالصراعات والحروب وحالة عدم الاستقرار الدولي والإقليمي.
وتكمن مشكلتنا الأساسية في غياب رؤية سياسية وفكرية قادرة على إحداث التغيير الاجتماعي، إلى جانب عدم قدرة السلطات على استغلال هذه الثروات وتوظيفها في بناء المجتمع. ولهذا نرى أن الكثير من عقولنا المبدعة تهاجر، وأن الملايين من أبناء أوطاننا يلجؤون إلى الدول الأوروبية هرباً من انعدام فرص الحياة الحرة الكريمة في بلدانهم، وغياب فرص العمل والحريات، وفي مقدمتها غياب العدالة في توزيع الثروات.
لقد كانت هذه المشكلات، ومازالت، تعيق بناء مجتمعات عربية قائمة على العدالة الاجتماعية. وعليه، نأمل أن يخرج مؤتمرنا هذا برؤية فكرية شاملة تحدد سبل التوجه نحو حل هذه المعضلات، والبحث عن معالجات حقيقية لمختلف هذه التحديات، بما يضمن لشعوبنا فرص الحياة الحرة والكريمة، ويضع حداً لهذا النزيف المؤسف في قدرات شعوبنا، ويعيد الأمل بالمستقبل، ويعزز التعايش السلمي بين شعوبنا، ويؤمّن لها حياة أفضل ومستقبلاً مشرقاً تتحقق فيه العدالة الاجتماعية والمساواة والأخوة بين الجميع. وهذه كلها من مبادئنا وقيمنا الأساسية.
في الختام،
أتمنى لرفاقنا في هذا التجمع السياسي التوفيق والنجاح في رسم سياسات صائبة تحقق أهداف هذا المؤتمر.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
سعدي أحمد بيره
عضو المكتب السياسي
للاتحاد الوطني الكوردستاني - العراق