×

  قضايا كردستانية

  من الزقاق المسدود إلى ذاكرة الأجيال



*عماد أحمد

الصقر الأحمر.. حلم لم يعدم

 

 

*ترجمة: نرمين عثمان محمد/ عن صحيفة كوردستاني نوى

في بغداد، كان هناك زقاق مسدود، لكن الحلم الذي حمله الملازم جوامير معه لم ينتهِ عند جدار ذلك الزقاق،فكلما فكرت في تلك اللحظة، يظهر سؤال في أعماقي: إنسان يفلت من سجن "الأمن العامة"، أي شعور يغمره وهو يجوب أزقة بغداد؟ أينتشق نسمات هواء  الحرية أم أن رائحة السجن ما زالت عالقة في أنفاسه؟ أيلتفت إلى الوراء، أم أن عينيه لا تبحثان إلا عن طريق مفتوح؟

أنالم أشهد تلك اللحظة بنفسي، لكنني أعيش معها في خيالي منذ سنوات، ولأجل فهم ذلك الدرب، يعود بي الفكر إلى تلك الأيام التي كنا نعمل فيها أعمالا تنظيمية في إقليم "پێشڕەو" حيث عملت إلى جانب الشهيد صادق شريف، والأستاذ محسن، والأستاذ جعفر، ودلشاد مولود، و العبد لله، وكانت تربطنا صلة بتلك المنظمة المناضلة.

بعد اغتيال عثمان محمد فائق في  يوم  16 حزيران 1977 في ساحة الخلاني  في بغداد، وسعيا لتنفيذ عمليات ثورية أخرى  داخل العاصمة (بغداد)، أعتقل الرفاق: الملازم جوامير، سلام، سلمان، عادل، جمال، وشێرۆ) (أعضاء منظمة "الصقر الأحمر") في منتصف آب من العام نفسه من قِبل مديرية الأمن العامة في بغداد، وبعد فترة قصيرة، أبلغنا عبر سجين أطلق سراحه أن رفاق "الصقر الأحمر" يعتزمون الفرار من السجن، ولديهم برنامج لكسر السجن والهروب وهم : الملازم  جوامير، سلام، سلمان، عادل، جمال، و(شێرۆ) كان كل اسم يستحضر معه وجها وصوتا وذكرى.

منذ ذلك الحين، صار الانتظار جزءا من حياتنا،فقد كان ممكنا أن يدق بابنا في منتصف إحدى الليالي ليقف خلفه رفيق متعب، ينوء جسده تحت وطأة الآلام بينما تحتفظ عيناه ببريقها،كانت غرفتنا الصغيرة قادرة على أن تتحول إلى ملجأ لمن أقبل من بين الموت والحياة، كنا نصغي إلى الأخبار، وقلوبنا معلقة في بغداد، وأملنا يعانق قمم قنديل شموخا، كانوا يظنون أنهم سينقلون إلى سجن "الفضيلية" لينفذوا مخططهم هناك، لكنهم لم ينقلوا، ولذلك أقدموا على محاولة الهروب من الأمن العامة، المكان الذي أرادت السلطة أن يتعاظم فيه خوف الإنسان من نفسه ويفقد ثقته بإرادته ومعتقده.

كان الصقور محتجزين في قاعة خرسانية بلا نوافذ، قاعة مقسمة إلى عدة عنابر شبيهة بالأقفاص الحديدية، ومكتظة بالسجناء،كورد وعرب وتركمان، مسلمون ومسيحيون، علمانيون وإسلاميون، يساريون ويمينيون، فما كانت الفروق القومية والدينية والعقائدية تقف حائلا دون تقاسمهم للألم.

لقد وضع الملازم جوامير وسلمان خطتهما بدقة،وهي  أن يجمعوا تدريجيا تلك الكمية القليلة من الملح التي تقدم لهم يوميا مع الطعام، وفي يوم تنفيذ الخطة يذروها في عيني الحارس، أما جوامير، وبما كان يتمتع به من قوة وبأس، فيهجم على الحارس ويهيئ الفرصة للرفاق لفكاك أنفسهم ثم يلحق بهم هاربا وهناك، بالإشارات وطرفات العيون، حددوا ساعة الصفر لهروبهم،كانت تلك النظرات المتبادلة مشحونة بالقلق وبعزيمة صامتة لا ينطق بها،وحين أستحضر ذلك المشهد في مخيلتي، أتخيل حوارهم على النحو الآتي:

• يقول سلام بصوت خافت هامسا : أيها الرفيق  جوامير، هل سيتعقبون خطانا في الخارج أيضا؟

• يرد عليه جوامير: أعلم ذلك، لكن رفاقنا ينتظرون، وأمامنا الكثير من العمل.

• يتأمل سلمان الأقفاص من حوله ويقول: ومن سيتبقى هنا، ما عسانا  أن نفعل لأجلهم؟

• يجيب جوامير بصوت منخفض: أي منا ينجو، عليه أن يخبر الناس بما يحل بهؤلاء.

• يلتفت سلام إليهما قائلا: إذن، سنحمل أصواتهم معنا أيضا.

هكذا أتصور تلك المسؤولية الجسيمة التي تجلت في محاولتهم، لم تكن غايتهم مجرد النجاة بأرواحهم، بل أرادوا العودة إلى النضال ومواصلة برنامج منظمة "الصقر الأحمر" في عاصمة العراق كبداية لثورة جديدة، بيد أن محاولتهم لم تبلغ نهايتها المنشودة، فقد تمكن الملازم جوامير من الإفلات من الأمن العامة، لكنه أعيد اعتقاله مجددا من قِبل شرطة مكافحة الإجرام في زقاق مسدود في البتاوين ، كما أصيب سلمان داود على جدار الأمن العامة، وتكسرت أجنحة بقية الصقور داخل المعتقل.

اخذو لاحقا إلى محكمة الثورة سيئة الصيت وصدرت بحقهم أحكام الإعدام، ثم نقلوا إلى سجن أبو غريب، وفي 10 نيسان 1978 ارتقى «جوامير، سلام، سلمان، جمال، عادل، وشێرۆ» شهداء، لينضموا إلى قافلة  الشهداء الخالدين الذين (عاشوا قليلا، لكنهم عاشوا كالصقور) ،  وقد سيق سلمان إلى حبل المشنقة وهو مثقل بجراحه.

دائما ما أتوقف طويلا عند تلك العبارة: "أعدم وهو جريح"، إنسان كان جرحه بحاجة إلى دواء ويد إنسانية حانية، سيق إلى الموت المنحوت،وفي تلك اللحظة كشفت السلطة عن وجهها الحقيقي، إذ كانت تهاب حتى جسدا جريحا لأنه ظل ينبض بالإرادة، تلك الإرادة التي تواصلت مسيرتها في نضال الاتحاد الوطني الكوردستاني بلا توقف، ولم تدفن أمنياتهم مع رفاتهم تحت التراب.

بعد إعدامهم بيوم واحد، وتحديدا في 11 نيسان 1978، أعتقلت أنا أيضا من داخل معهد التكنولوجيا في الزعفرانية بببغداد، لأجد نفسي في زنازين الأمن العامة، مكثت لأكثر من مئة يوم في زحمة الزنازين الانفرادية، كان ضيق المكان والرعب يتدفقان في جسدي، حتى إن التعذيب أزال الفواصل بين الليل والنهار، وهناك، عاينت الموت رأي العين، فكلما انفتح الباب، كنت أجهل أأعود إلى تلك الغرفةأم  أن تلك ستكون أنفاسي الأخيرة خارجها، لقد تجرعت مرارة البقاء في ذلك المكان، غير أنهم، وسط ذات الخوف والعذاب، استطاعوا حشد طاقة المحاولة، وكان تفكيرهم يدفعني إلى النظر لجدران زنزانتي الانفرادية بعين أخرى، فمن قبلي، بحثت أيادٍ عدة عن ثغرة تقود إلى الحياة والنضال،وهناك أدركت بعمق لِم يخشى الظالم سجينا ما زال يحلم، القيود تقيد الأيدي، لكنها لا تستطيع محو الأمل من وجدان الإنسان، ومنذ تلك الأيام، استقرت هذه الكلمات في شغاف قلبي: ما دامت الإرادة حية، فالجدار ليس الكلمة الأخيرة.

مرت السنوات، لكن كل فيلم أو رواية أو خبر يتناول "كسر السجون" أشاهده أو أقرأه أو أسمعه، يعيد أعضاء منظمة "الصقر الأحمر" أمامي، تشرق وجوههم وكلماتهم وسلوكياتهم في ذاكرتي حية، فأرى أنفسنا مجددا جنبا إلى جنب، بإرادة فولاذية، نناضل من أجل الكورد وكوردستان.

واليوم، حين حدثني الأخ نجم الدين الفقي عبد الله عن مشروع الفيلم الوثائقي الخاص بكسر سجن موصل، تجددت تلك الذكريات في ذهني،أصغيت إلى حديثه فاستحضرت رفاقي، وأحسست أن قصتهم هي الأخرى تترقب صوتا ينتشلها من الصمت.

وبعد أن عبرت عن تقديري وامتناني، قلت له: لماذا لا تشرعون في توثيق محاولة "الصقر الأحمر" أيضا؟

رحب الأخ نجم بالإقتراح  وقال: حسنا، سنطلب من الأخ عباس عبد الرزاق، شقيق الشهيد سلام، كتابة سيناريو لها، وسنشرع في العمل  عليها من خلال هيئة التوعية.

بتلك الكلمات، شعرت كأن بابا موصدا في ذاكرتي منذ أعوام قد انفتح قليلا، لقد سعى أولئك الأبطال للفرار من السجن، واليوم بات لزاما علينا أن نروي قصتهم لأجيال المستقبل بأسمائهم وملامحهم وحقيقتها، ليدركوا أي أمانيٍ راودت قلوبهم وأي ثمن غالٍ بذلوها في سبيلها، كنت ما زلت أمشي في خيالي بمعية جوامير، لكنني هذه المرة أريد أن أشق من ذلك الزقاق المسدود طريقا لجيل لم يشهد تلك الحقبة،ليعرفوهم، وليعلموا أن "الصقر الأحمر" قبل أن يكون اسما لمنظمة، كان حلم أناس أحبوا الحرية لأنفسهم ولشعبهم.


25/10/2026