*جوناثان بانيكوف
المجلس الاطلسي الامريكي/ الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان
قبل اندلاع الحرب مع إيران، بدأت رواية جديدة، لكنها مضللة، تنتشر بين المعلقين الغربيين، ومفادها أن الشرق الأوسط الأوسع ينقسم إلى تكتلين. ولم تفعل الحرب سوى أن عززت هذه الرواية ورسختها.
وفقا لهذه الرواية، يقف في الجانب الأول تجمع يضم أكبر دول المنطقة وأكثرها نفوذا تاريخيا، اجتمعت مواقفها وأطلقت على نفسها تسمية «الرباعية الإقليمية» أو «R4»، وهي السعودية وتركيا وباكستان ومصر. وقد عززت الدول الثلاث الأولى تحالفها الثلاثي من خلال اتفاقية مكة للدفاع المشترك، الموقعة في أغسطس 2026. وعندما تعرضت الرياض لهجمات متواصلة من الحوثيين المدعومين من إيران في أكتوبر، اقترحت مصر، وهي ليست طرفا في الاتفاقية، إرسال قوات للمساعدة في الدفاع عن المملكة أيضا.
إن الروابط الإقليمية الناشئة والشراكات التي تتطور وتتعمق، والتي تعكسها رواية «التكتلين»، هي روابط حقيقية بالفعل. فالتقارب بين دول الرباعية الإقليمية، واتفاقية مكة، والعلاقات الإماراتية الإسرائيلية، والتحولات البنيوية التي يشهدها الشرق الأوسط، كلها تطورات مهمة تسهم في إعادة تشكيل المنطقة. لكن ما يجري ليس إعادة تشكيل الشرق الأوسط أو تقسيمه إلى تكتلين منفصلين.
فالتكتل الحقيقي لا يشترط أن تكون سياسات جميع أعضائه متطابقة، لكنه يفرض التزامات ملزمة، ويقتضي إخضاع بعض التفضيلات الوطنية لقيود تحد من حرية الأعضاء في التصرف عندما تتعارض مصالحهم الأساسية. أما ما يتبلور في المنطقة فهو نقيض ذلك تماما.
فكل دولة في الخليج، وكثير من الدول الواقعة خارجه، تعيد ضبط مجمل سياساتها الخارجية والداخلية بفعل الحرب والأسئلة التي تثيرها بشأن مستقبل أمن دول الخليج ومدى موثوقية حلفائها. وقد دفع هذا الاتجاه دول المنطقة إلى التأكيد على الدخول في مرحلة جديدة من الاستقلالية الاستراتيجية.
أما الجانب الآخر، فيقال إنه يضم تجمعا مقابلا من الدول، ترتكز نواته على العلاقة بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، ويشمل، وفق بعض التصورات، إثيوبيا وأرض الصومال والهند والبحرين، وهي الأخرى من الدول الموقعة على اتفاقيات أبراهام.
ولا يمكن إنكار أن الحرب مع إيران أسهمت في تعزيز العلاقات بين الإمارات وإسرائيل، وهي العلاقات التي أضفت عليها اتفاقيات أبراهام الموقعة عام 2020 طابعا رسميا. غير أن العلاقة بين البلدين اليوم لا تستند إلى تلك الاتفاقيات بقدر ما تقوم على رؤية مشتركة لمستقبل المنطقة، تشمل القضايا الأمنية، مثل إيران والتطرف الإسلامي، إلى جانب الابتكار.
الخريطة كما ترسم غالبا في أحد الجانبين: «الرباعية الإقليمية»
السعودية وتركيا وباكستان ومصر، وهي من أكبر دول المنطقة وأكثرها نفوذا تاريخيا، مع اصطفاف الدول الثلاث الأولى رسميا ضمن اتفاقية مكة للدفاع المشترك.
وفي الجانب الآخر مجموعة تتمحور حول إسرائيل والإمارات، وتضم مزيجا من البحرين والهند وإثيوبيا وإقليم أرض الصومال. وقد نشرت إسرائيل بالفعل صواريخ اعتراضية من منظومة «القبة الحديدية» في الإمارات.
لكن إذا أمعنا النظر داخل الرباعية الإقليمية سنجد أن الانقسامات السياسية عميقة. فقد دعمت أنقرة والقاهرة طرفين متعارضين في ليبيا، وتتصادمان بشأن المياه في شرق البحر المتوسط. وحتى مع التقارب الأكبر بين أنقرة والرياض، فإنهما تتنافسان بشدة على النفوذ في سوريا.
أما «التكتل» الآخر، فهو أقل تماسكا حتى من ذلك، فلا توجد معاهدة دفاع مشترك بين الإمارات وإسرائيل. وقد اعتبرت أبوظبي ضم إسرائيل للضفة الغربية خطا أحمر، وانضمت إلى مجلس التعاون الخليجي في إدانة الضربة الإسرائيلية التي استهدفت الدوحة عام 2025.
والآن، لنتابع كيف تتقاطع خطوط العلاقات
تعتمد مصر في الحفاظ على استقرارها المالي بدرجة كبيرة على الإمارات، لا على شركائها في الرباعية الإقليمية، وذلك في ضوء صفقة تطوير رأس الحكمة التي أبرمت عام 2024 بقيمة 35 مليار دولار.
ووقعت إسرائيل ومصر في ديسمبر 2025 اتفاقية لتصدير الغاز بقيمة 34.6 مليار دولار، وهي اتفاقية حيوية لأمن الطاقة المصري على مدى السنوات الخمس عشرة المقبلة.
ووقعت تركيا والإمارات اتفاقية تجارية قبل ثلاث سنوات. وقد تضاعف حجم التبادل التجاري بينهما ثلاث مرات، متجاوزا 45 مليار دولار في عام 2025.
وتعد الهند ثاني أكبر شريك تجاري للسعودية، كما أجرت الدولتان تدريبات عسكرية مشتركة عام 2024. وتعد السعودية والإمارات كلتاهما من كبار موردي الطاقة لباكستان.
وحتى إحدى الدول الموقعة على اتفاقية مكة تتعاون مع «الجانب الآخر». فقد أبرمت باكستان صفقة أسلحة بقيمة أربعة مليارات دولار مع الجيش الوطني الليبي، وهو ما يدعم الحليف الرئيسي للإمارات في الأزمة السياسية الليبية المستمرة منذ سنوات.
هذه ليست منطقة منقسمة إلى تكتلين راسخين فالدول تتعاون في قضية، وتتنافس في القضية التالية. وهذا ما يمكن تسميته «الاصطفاف المرن متعدد المسارات»، وهو نمط يعيد تشكيل الشرق الأوسط.
التعاون؟ بالتأكيد. أما الالتزامات المقيدة؟ فلا.
تنخرط دول الشرق الأوسط في نمط من الاصطفاف المرن متعدد المسارات، وليس في تشكيل تكتلات متماسكة.
وينبغي فهم هذا النمط باعتباره توجها تتبعه الدولة لتحقيق مصالحها في السياسة الخارجية، من خلال تعاون محدد مع دول أخرى في قطاعات وقضايا بعينها. وقد يفضي هذا التعاون إلى إقامة شراكات تمكينية، بل وحتى تحالفات، في مجال محدد، مع قبول استمرار التنافس مع الطرف نفسه في مجال آخر.
ليس السؤال هو ما إذا كانت هذه الدول ستتعاون فيما بينها، بل ما إذا كان تعاونها سينشئ التزامات تحد من قدرتها على التصرف في مجالات أخرى أو على التعاون مع أطراف أخرى.
فمعظم دول الخليج تتجنب عمليا، حتى إن لم تعلن ذلك صراحة، الدخول في تحالفات جامدة، لأنها تتحفظ على نوع الالتزامات المؤسسية الملزمة التي تجعل التحالف ذا معنى حقيقي.
وكما وازنت هذه الدول علاقاتها وتعاونها بين الولايات المتحدة والصين في قطاعات مختلفة، فإن دول المنطقة ستعطي الأولوية الآن لتطوير علاقاتها قطاعا بعد قطاع.
وفي بعض الأحيان، سيفضي ذلك بصورة طبيعية إلى تحالفات تتقاطع فيها المصالح في قطاع محدد؛ ومن الأمثلة على ذلك المسعى السياسي الذي تبذله دول الرباعية الإقليمية للتوحد من أجل إنهاء الصراع مع إيران.
وفي أحيان أخرى، ستجد الدول نفسها في مواقع متعارضة، كما حدث بين أعضاء الرباعية بشأن سوريا وليبيا والقرن الأفريقي، وكذلك بشأن الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، المعروف اختصارا باسم IMEC.
الانقسامات السياسية داخل الرباعية الإقليمية عميقة
قد تتفق المجموعة التي تضم السعودية وتركيا ومصر وباكستان بصورة عامة على أن احتواء إيران والتوصل إلى تفاهم معها يمثلان نهجا أفضل لضمان الاستقرار الإقليمي.
لكن بعض العلاقات الثنائية بين الدول الأربع تعاني خلافات عميقة، تحجبها مؤقتا تصوراتها المشتركة بشأن التهديدات، سواء تعلق الأمر بالحرب مع إيران، أو الاستياء من تصاعد وتيرة العمليات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة، أو حتى الإحباط من السياسات الأمريكية.
بين أنقرة والقاهرة
قبل ثلاث سنوات، أعادت تركيا ومصر العلاقات الدبلوماسية بينهما بعد قطيعة استمرت عقدا من الزمن. لكنهما، في سياق هذه المصالحة، تركتا مجموعة من الخلافات من دون حل، ولا تزال هذه الخلافات قائمة حتى اليوم.
وتشمل هذه الملفات:
- ليبيا: حيث دعمت أنقرة والقاهرة أطرافا متعارضة في الحرب الأهلية الليبية.
- الحدود البحرية: إذ تختلف الدولتان بشأن ترسيم الحدود البحرية في شرق البحر المتوسط.
- منتدى غاز شرق المتوسط: حيث لا تزال تركيا مستبعدة من المنتدى، في الوقت الذي تتعاون فيه مصر مع قبرص في هذا الإطار.
- سوريا: إذ تتباين مواقف البلدين بشأن دعم حكومة الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي تتهمه مصر ليس فقط بإيواء إرهابيين معروفين، بل أيضا بمنحهم مناصب قيادية ونفوذا في مواقع مهمة داخل مؤسسات السلطة.
وقد نشأ التقارب بين أنقرة والقاهرة في ظل اقتراب أزمة اقتصادية خطيرة. فتركيا كانت تحاول احتواء انهيار الليرة، وسعت إلى الحصول على التمويل، ولا سيما من دول الخليج، وهو ما جعل المصالحة مع مصر، واتخاذ موقف أكثر تشددا تجاه جماعة الإخوان المسلمين، شرطا مرجحا لتحقيق هذا الهدف.
أما القاهرة، فكانت في حاجة ماسة إلى الاستثمارات وتوسيع أسواقها التجارية من أجل احتواء أزمة حادة في النقد الأجنبي وتحقيق الاستقرار الاقتصادي.
وكانت النتيجة الانتقال إلى إدارة التوترات وتعزيز التعاون التجاري، لا تحقيق ذلك التماسك الاستراتيجي الشامل بين القطاعات المختلفة الذي يتطلبه تشكيل تكتل حقيقي.
بين أنقرة والرياض
بعد أن تراجعت حدة المواجهات التي حدت من التعاون بين تركيا والسعودية في بداية العقد الحالي، بات البلدان اليوم يتبادلان مزيدا من السلع ويزيدان استثماراتهما في اقتصادي بعضهما بعضا، ولا سيما في قطاع الدفاع. ففي عام 2023، وقع البلدان عقدا بمليارات الدولارات لشراء الطائرات المسيرة، كما تعمل شركة «بايكار» التركية لصناعة الطائرات المسيرة على إنشاء خطوط إنتاج في المملكة.
لكن على الرغم من التحسن في العلاقات التجارية، لا يزال البلدان يتنافسان على النفوذ الإقليمي والأمن، بطرق تجعل اصطفافهما الدائم ضمن تكتل شامل لمختلف القطاعات أمرا غير واقعي. فلا توجد دولة في هذا التحالف مستعدة فعليا لإخضاع خياراتها وتفضيلاتها لدولة أخرى.
ومن أبرز الأمثلة على تضارب المصالح سوريا. فعلى الرغم من الدعم القوي الذي تقدمه كل من الرياض وأنقرة لحكومة أحمد الشرع، فإن لديهما رؤيتين متعارضتين بشأن الدور الذي ينبغي لكل منهما أن تؤديه في علاقاتها مع دمشق.
تنظر الرياض إلى نفسها بوصفها قائدة العالم العربي، بل والعالم الإسلامي بأسره. وهي تشكك في دوافع تركيا في سوريا، بالنظر إلى الروابط الإسلامية المشتركة بين الشرع والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، كما تخشى أن تتحول سوريا في نهاية المطاف إلى دولة تابعة لتركيا.
أما تركيا، التي بدأت دعم جماعة هيئة تحرير الشام بقيادة الشرع عام 2017، فترى نفسها الداعم الذي لا غنى عنه للرئيس السوري، ومن غير المرجح أن تسمح لجارتها الأكثر تقاربا معها أيديولوجيا بالخروج ببساطة من دائرة نفوذها.
لكن الانقسام الأيديولوجي والتنافس على النفوذ يمثلان نمطا يتكرر في معظم أنحاء بلاد الشام.
فقد سعت أنقرة، على مدى أشهر، إلى أن تكون ضامنا أمنيا في غزة. ومع أن إسرائيل لم تكن لتقبل مثل هذا العرض بأي حال، فإنه لم يحظ أيضا بدعم ملموس من السعودية، إذ كان من شأنه وضع دولة غير عربية، لا تزال تحتفظ بعلاقات مع حركة حماس وقيادتها، في قلب القضية الأكثر إيلاما في العالم العربي.
أما في لبنان، فقد اتهمت شبكة من المواطنين الأتراك بتوفير مسار جديد لإيران لتمويل حزب الله، في وقت لا تزال فيه السعودية ودول الخليج عموما تتعرضان لهجمات إيرانية.
بين إسلام آباد والرياض
ينظر إلى العلاقات الباكستانية السعودية على أنها تتجه بصورة متزايدة نحو التنسيق والتوافق، وذلك عقب نشر إسلام آباد قوات في السعودية في أبريل 2026. لكن العلاقات الأمنية الاستراتيجية الأوسع بين البلدين أقل اتساعا مما تبدو عليه ظاهريا.
فعلى سبيل المثال، أثارت اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك الموقعة في سبتمبر 2025 غموضا علنيا بشأن ما إذا كانت باكستان ستضع أسلحتها النووية تحت تصرف السعودية إذا اقتضت الحاجة ذلك. وقد بدأ هذا الغموض عندما أوحى وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف بأن بلاده ستفعل ذلك، قبل أن يتراجع سريعا عن موقفه.
كما أن الشراكة المهمة التي تربط الرياض بالهند، والتي شملت تدريبات عسكرية مشتركة في أوائل عام 2024، أعقبتها محادثات بين الجيشين في العام الماضي، ستحتاج إلى تقليص ملموس في قطاعات متعددة حتى يصبح من الممكن واقعيا أن تدخل المملكة في التزام حقيقي ضمن تكتل مع باكستان.
وفيما يتعلق بليبيا وأزمتها السياسية المستمرة منذ سنوات، أبرمت باكستان في ديسمبر 2025 اتفاقا لشراء أسلحة بقيمة أربعة مليارات دولار مع الجيش الوطني الليبي.
ولا ينبغي التقليل من أهمية هذه الخطوة عند محاولة فهم الجدل الأوسع بشأن وجود تكتل إقليمي. فبتسليح الجيش الوطني الليبي، قدمت باكستان، وهي دولة موقعة على اتفاقية مكة التي لا تشمل الإمارات العربية المتحدة، دعما ماديا للطرف المستفيد الرئيسي وحليف الإمارات في ليبيا، الأمر الذي أسهم فعليا في دفع أحد الأهداف الأساسية للسياسة الخارجية الإماراتية إلى الأمام.
لكن الأهم من ذلك أن صادرات الأسلحة الباكستانية تتنافس بصورة مباشرة مع دور تركيا، الشريكة معها في اتفاقية مكة.
فتركيا تواصل دعم حكومة الوحدة الوطنية الليبية، رغم أنها أجرت أول اتصالاتها مع الجيش الوطني الليبي في الفترة نفسها تقريبا التي أبرمت فيها باكستان اتفاق الأسلحة.
وعلى الرغم من أن العلاقات الباكستانية مع مصر وتركيا تشهد توترات أقل، فإن معظم العلاقات الثنائية الأخرى داخل الرباعية الإقليمية تعاني مجموعة من الخلافات السياسية والأمنية التي تحول دون إقامة تحالفات استراتيجية طويلة الأمد، وتمنع نشوء التزامات رسمية ضمن تكتل تتحرك دوله بصورة شاملة ومتناسقة في مختلف القضايا والقطاعات، حتى عندما تختلف بعض الدول الأعضاء فيما بينها.
التكتل الآخر أقل تماسكا
إن التكتل الذي يروج له كثيرا بقيادة الإمارات وإسرائيل، والذي يفترض أنه يشكل ثقلا موازنا للرباعية الإقليمية، ليس تكتلا بالمعنى الحقيقي للكلمة.
فعلى الرغم من أن البلدين طرفان في اتفاقيات أبراهام، فإن الإمارات وإسرائيل لم توقعا اتفاقية للتعاون الدفاعي. كما لم يوقع أي منهما اتفاقية مماثلة مع أي دولة أخرى في المنطقة.
ولم تصمم اتفاقيات أبراهام، التي تتيح المجال لانضمام دول أخرى إليها، لتشكيل تكتل شامل، بل لجمع الدول المستعدة والراغبة في تطبيع علاقاتها مع إسرائيل.
وبالتالي، سيكون من الخطأ النظر إلى الإمارات باعتبارها محور تكتل منافس. فهي تسعى إلى تحقيق أهدافها الوطنية الخاصة، التي تتعارض في كثير من الأحيان مع أهداف السعودية. وهذا يعني أنها تعمل، في الوقت نفسه، على تعزيز تعاونها مع إسرائيل في المجال الأمني، وتواصل الاستثمار في مصر.
وقد عززت الإمارات وإسرائيل علاقاتهما الثنائية في القطاع الأمني، حيث تتفقان على نطاق واسع بشأن التهديد الذي تمثله طهران، وذلك من خلال إظهار قدراتهما المشتركة بصورة عملية، وكان أبرزها نشر إسرائيل صواريخ اعتراضية من منظومة القبة الحديدية في الإمارات.
ولا تنص اتفاقيات أبراهام على إنشاء نظام للأمن الجماعي، لكن آليات تعزيز الأمن يمكن أن تنشأ وتتطور على أساس ثنائي، وفقا لكل حالة على حدة، كما حدث خلال الحرب.
لكن تعزيز الإمارات وإسرائيل علاقاتهما خلال الحرب لا يعني بناء تكتل أوسع، بل يعكس نمط الاصطفاف المرن متعدد المسارات؛ أي زيادة التعاون في مواجهة التهديد الإيراني، في الوقت الذي تختلف فيه القدس وأبوظبي بشأن النهج الإسرائيلي تجاه القضية الفلسطينية.
ففي سبتمبر 2025، وجهت أبوظبي تحذيرا علنيا إلى إسرائيل، سعت من خلاله بوضوح إلى إيصال رسالة إلى الولايات المتحدة أيضا، مفادها أن ضم إسرائيل للضفة الغربية سيكون خطا أحمر بالنسبة إلى اتفاقيات أبراهام. ويتوافق هذا الموقف مع مطلب الإمارات الأصلي عند توقيع الاتفاقيات، حين اشترطت تعليق خطط الضم الإسرائيلية التي كانت مطروحة آنذاك.
وفي وقت لاحق من الشهر نفسه، وبعد أن شنت إسرائيل هجوما على الدوحة استهدف مسؤولين في حركة حماس، انضمت أبوظبي إلى بقية دول مجلس التعاون الخليجي، بما فيها قطر والسعودية، في إدانة الهجوم ووصفه بأنه «جبان».
وهناك أيضا انقسامات وروابط تزيد المشهد تعقيدا فيما يتعلق بالمجموعة الأوسع من الدول التي يفترض أنها تنتمي إلى تكتل تقوده الإمارات وإسرائيل، ومن بينها الهند وإقليم أرض الصومال، الذي أعلن استقلاله من جانب واحد، والبحرين.
فالهند، على سبيل المثال، هي ثاني أكبر شريك تجاري للسعودية، في حين تحتل المملكة المرتبة الخامسة بين أكبر الشركاء التجاريين لنيودلهي. وتتمسك الهند بمبدأ الاستقلالية الاستراتيجية وتسعى إلى إظهاره عمليا، بالقدر نفسه الذي تفعله دول الخليج.
من شبه المؤكد أن واشنطن ستفقد نفوذها في هذا النموذج الجديد، لكن من الحماقة الخلط بين تراجع النفوذ وانعدامه تماما
على الضفة المقابلة لليمن من خليج عدن، تستضيف أرض الصومال، التي أصبحت إسرائيل في ديسمبر 2025 أول دولة تعترف بها دولة مستقلة، ميناء إماراتيا في بربرة.
وقد توحي هذه الظروف بوجود اصطفاف مع الإمارات وإسرائيل، وبالتالي الابتعاد عن السعودية. لكن من السهل تصور أن الرياض، إذا واجهت تهديدا مستمرا ومتواصلا من الحوثيين في اليمن، قد تسعى إلى توثيق تفاهماتها مع أرض الصومال، حتى إن كان من المرجح أن تتجنب الاعتراف الرسمي بها.
أما باكستان نفسها، فقد اتخذت، من خلال تسليح الجيش الوطني الليبي، كما أشرنا سابقا، خطوة كان المستفيد الرئيسي منها أبوظبي.
المال هو العامل الحقيقي الذي يقوض تماسك الرباعية الإقليمية
لا تقل أهمية عن ذلك خريطة الاستثمارات، التي تنشئ روابط إضافية بين الدول، وهي روابط يصعب تصور وجودها لو كانت هذه الدول تنتمي فعلا إلى تكتلين متنافسين.
فمصر لا تزال حتى اليوم قادرة، من الناحية الهيكلية، على الحفاظ على ملاءتها المالية، والمفارقة أن ذلك يعود بدرجة كبيرة ليس إلى أي دولة من دول الرباعية الإقليمية، بل إلى دولة تنتمي إلى «التكتل الآخر»، وهي الإمارات العربية المتحدة.
فقد ضخت أبوظبي 35 مليار دولار بموجب اتفاق عام 2024 لتطوير منطقة رأس الحكمة في مصر، رغم وقوف البلدين على طرفين متعارضين في الصراع السوداني.
وفي الوقت نفسه، مضت إسرائيل ومصر، في وقت سابق من هذا العام، قدما في اتفاق لتصدير الغاز بقيمة 35 مليار دولار، سيكون حاسما لأمن الطاقة المصري خلال السنوات الخمس عشرة المقبلة.
وتعد الإمارات ثاني أكبر مصدر لواردات السعودية، كما أن السعودية والإمارات كلتيهما من الموردين الأساسيين للطاقة إلى باكستان.
وقبل ثلاث سنوات، وقعت تركيا والإمارات اتفاقية اقتصادية شاملة خفضت الرسوم الجمركية وغيرها من الحواجز التجارية في قطاعات رئيسية. وقد أسهمت الاتفاقية في رفع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى ثلاثة أمثال مستواه قبل إبرامها، متجاوزا 45 مليار دولار عام 2025.
وخلاصة القول، إن الدول التي تصطف ضمن تكتلات متعارضة لا تسعى عادة، في الوقت نفسه، إلى تعزيز اقتصادات بعضها بعضا أو دعم الأهداف الأساسية للسياسة الخارجية للطرف الآخر.
إن التباينات السياسية والأمنية على مستوى المنطقة كافية وحدها لتقويض نشوء تكتلات شبيهة بتلك التي عرفتها الحرب الباردة، لكن العوامل الاقتصادية والمالية هي التي تجعل قيام تكتل دائم أمرا غير قابل للتصور في نهاية المطاف.
سجلت السعودية عجزا في الموازنة بلغ تسعة مليارات دولار في الربع الثاني من عام 2026 وحده، وذلك رغم ارتفاع إيرادات النفط بنحو 22 في المئة.
وحتى قبل الحرب مع إيران، كانت الطموحات الأصلية للخطة الاقتصادية الرئيسية للمملكة، «رؤية 2030»، تتجاوز ما يمكن تحقيقه واقعيا.
ومع ذلك، يحسب للرياض أنها سعت باستمرار إلى إعادة النظر في حدود خطط التنويع الاقتصادي وإعادة تحديدها، بما في ذلك إلغاء المشاريع التي لم تعد مجدية اقتصاديا. ويأتي مشروع مدينة نيوم المخطط لها في مقدمة هذه المشاريع، لكنه ليس المشروع الوحيد بأي حال.
ومع ذلك، لا تزال التوقعات الدولية، ولا سيما الغربية، بشأن سخاء دول الخليج المالي تشكل مصدر إحباط للعواصم الخليجية.
فالتصريحات المتكررة للقادة الغربيين، التي تفترض أن دول الخليج ستقدم، بدافع الإيثار، الدعم المالي اللازم لإعادة بناء اقتصادات المنطقة، من سوريا إلى اليمن، ومن غزة إلى العراق، تعكس فهما خاطئا لطريقة تفكير القادة الخليجيين.
فهؤلاء مستعدون للاستثمار عندما يكون ذلك مجديا اقتصاديا بالفعل، لكنهم لم يعودوا مستعدين لتمويل المشاريع بلا مقابل أو تقديم رؤوس الأموال على سبيل المنح.
وينطبق ذلك على السعودية فيما يتعلق بدعم المناطق الخارجة من النزاعات والمحتاجة بشدة إلى إعادة الإعمار، كما ينطبق أيضا على أي دعم سعودي محتمل للدول الأخرى في الرباعية الإقليمية.
وحتى عند النظر في إمكانات اتفاقية مكة، التي قد توفر باكستان بموجبها القوى البشرية، وتركيا قدرات إنتاج الطائرات المسيرة وبعض القوات المساندة، بينما تتولى السعودية توفير التمويل للدفاع المشترك مستقبلا، فإن الرياض ستسعى إلى توظيف هذا التحالف بالقدر الذي يخدم رؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الاقتصادية.
اتفاقية مكة تمثل تحولا جديا ..لكن
يتمثل الهدف الأهم والأوحد للأمير محمد بن سلمان في ضمان نجاح المملكة في تنويع اقتصادها والابتعاد عن الاعتماد على المحروقات، وهو مسعى يتطلب إعادة استثمار عائدات النفط والغاز السعودية في قطاعات إنتاجية أخرى.
وفي حين تأمل أنقرة والقاهرة وإسلام آباد، بلا شك، أن يؤدي توثيق العلاقات الأمنية والسياسية مع الرياض وإضفاء طابع رسمي أكبر عليها إلى تمهيد الطريق للحصول على دعم مالي أكثر سخاء أو شروط أفضل للقروض، فإن أي دعم من هذا النوع سيظل، في نهاية المطاف، محدودا وعلى الهامش.
فالمملكة لا تستطيع تحمل تكلفة تحقيق الاستقرار الاقتصادي لإحدى هذه الدول، فكيف إذا تعلق الأمر بالدول الثلاث جميعا، في الوقت الذي تعمل فيه على تنويع اقتصادها هي نفسها؟
وهذا ما يحول دون تشكيل تكتل يقوم ماليا على علاقة بين دولة مانحة وأخرى مستفيدة. والأرجح أن تحرص كل دولة على حماية مواردها وتوجيهها لتلبية احتياجاتها الداخلية، وهو عكس مبدأ تقاسم الأعباء الذي يتطلبه أي تكتل متماسك.
أما في تركيا، فقد أدى النمو المتواصل لقطاع الدفاع خلال السنوات الثلاث الماضية إلى توسع صناعتها الدفاعية، إذ ارتفعت قيمة هذا القطاع من 4.4 مليارات دولار عام 2022 إلى 10.5 مليارات دولار عام 2025.
لكن التضخم لا يزال يقوض النمو الاقتصادي في البلاد، مع اقتراب معدلاته من 30 في المئة، في حين تبلغ أسعار الفائدة 37 في المئة، وفقدت الليرة أكثر من 30 في المئة من قيمتها مقابل الدولار خلال الأشهر الأربعة والعشرين الماضية.
وتعد صفقات الدفاع الثنائية التي تبرمها تركيا من النوع الذي ترى السعودية أنها تحصل من خلاله على قيمة جيدة مقابل ما تدفعه. لكن عائدات هذه المبيعات تذهب إلى تركيا، ولن تسهم بصورة ملموسة في تعزيز اقتصاد تكتل إقليمي أوسع.
لقد دخلت باكستان في أكثر من عشرين برنامجا مع صندوق النقد الدولي منذ عام 1958، ولا تزال تعتمد على دعم خارجي واسع النطاق للوفاء بالتزامات ديونها القائمة. وبلغ حجم ديون إسلام آباد، حتى العام الماضي، نحو 91.8 مليار دولار، فيما ظلت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي عند حدود 68 في المئة.
أما مصر، فلا تزال قادرة على الحفاظ على ملاءتها المالية بفضل الاستثمار الإماراتي البالغ 35 مليار دولار. وقد أسهم هذا الاستثمار، إلى جانب قرار مصر تحرير سعر صرف الجنيه بالكامل، في إتاحة المجال للحصول على قروض إضافية من صندوق النقد الدولي بقيمة خمسة مليارات دولار.
إن هذه الظروف الاقتصادية ليست من النوع الذي يدفع دولة إلى إغلاق أبواب فرص الاستثمار المحتملة أمامها من خلال الالتزام بالانضمام إلى تكتل دون آخر.
القيود المحتملة على التعهدات بالدفاع المشترك في اتفاقية مكة
في المسائل الأمنية، تجدر مقارنة الرباعية الإقليمية بحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهو تحالف ناجح يحافظ، على الرغم من التوترات الداخلية التي شهدها مؤخرا، على قدراته وبنيته الأمنية من خلال مساهمات مباشرة وغير مباشرة تقدمها الدول الأعضاء، تبلغ نحو خمسة مليارات يورو سنويا.
ويتيح هذا الدعم المالي توفير القوات، والقيادة العسكرية المتكاملة، والمعدات المخزنة مسبقا، وآليات التفعيل التلقائي.
وتستند اتفاقية مكة بين السعودية وتركيا وباكستان إلى اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك التي وقعتها الرياض وإسلام آباد في خريف العام الماضي. وتمثل الاتفاقية محاولة قد تكون جادة من جانب هذه الدول لإنشاء ثقل استراتيجي موازن جديد لما تعتبره بعض دول الشرق الأوسط، ولا سيما السعودية، مظلة أمنية أمريكية غير كافية منذ فترة طويلة.
ووفقا لما أوردته وسائل الإعلام، فإن المادة الثانية من الاتفاقية تشبه إلى حد كبير المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي، إذ تعتبر أن أي هجوم على إحدى الدول الأعضاء هو هجوم على جميع الدول الأعضاء. لكن الاعتبارات السياسية والاقتصادية التي تقوم عليها اتفاقية مكة يرجح أن تحول دون عملها بالطريقة نفسها التي تعمل بها المادة الخامسة للناتو.
وقد عنت المادة الخامسة للناتو في كثير من الأحيان استعداد الدول الأعضاء لتقديم قوات أو مساعدات أخرى إلى الدولة التي تتعرض للهجوم، إذا دخلت في حرب مع الجهة المهاجمة. وتلزم المادة كل دولة بمساندة الأخرى، لكنها تترك لكل دولة على حدة تحديد كيفية الوفاء بهذا الالتزام.
وقد ينظر إلى الاكتفاء بتصريحات الدعم العلنية باعتباره أمرا مخيبا للآمال، وربما غير كاف أيضا، لكن لا يوجد ما يلزم الدولة العضو بتقديم أكثر من ذلك.
اتفقت الدول الموقعة على اتفاقية مكة على «التعاون الوثيق» في مجالي الدفاع والأمن (المادة الثالثة)، وإجراء «مشاورات منتظمة» (المادة الرابعة)، و«تعزيز التعاون القائم» (المادة الخامسة)، و«تعزيز قدراتها الدفاعية» من خلال التعاون المشترك (المادة السابعة)، وزيادة تبادل المعلومات الاستخبارية (المادة التاسعة).
لكنها لم تلتزم بإنشاء البنية التحتية المشتركة التي تتيح لجيوشها القتال معا، أو بتشكيل قوة موحدة توافق فيها جميع الدول على أن تعمل قواتها تحت قيادة ضابط برتبة لواء من السعودية أو باكستان أو تركيا.
وتعمل الدول الموقعة على إنشاء أمانة عامة مقرها الرياض، وفقا للمادتين الخامسة والسادسة، على أن يتولى رئاستها أول مرة الفريق الركن المتقاعد الباكستاني نعمان محمود.
وعلى الرغم من أن الأمانة العامة يرجح أن تسهم في توفير آلية مهمة للتنسيق، فمن الصعب تصور قدرتها على تجاوز العلاقات المهمة التي تربط كل دولة موقعة بدول أخرى تعتبرها الدول الموقعة معها أكبر مصادر التهديد.
فعلى سبيل المثال، إذا عادت الهند وباكستان إلى الحرب في كشمير، فقد يكون الدعم السعودي لإسلام آباد قويا على مستوى التصريحات، لكن سيكون من غير الحكمة افتراض أن القوات السعودية ستنضم إلى القتال ضد الهند، أو أن الرياض ستقطع إمدادات النفط عن نيودلهي فالسعودية، التي تضع التحول الاقتصادي الداخلي على رأس أولوياتها، لن تخاطر على الأرجح بتقويض هذا المسار من أجل أي دولة أو اتفاقية.
وتواجه باكستان قيودا مماثلة فمنذ اندلاع الحرب في فبراير، هاجمت إيران السعودية عدة مرات، وأرسلت باكستان آلاف الجنود إلى المملكة. لكن لا توجد مؤشرات على أنهم شاركوا بصورة فاعلة في الدفاع المباشر عن المملكة ضد الضربات الإيرانية، فضلا عن شن هجمات مضادة، وهي خطوة من شأنها ألا تعرض دور إسلام آباد وسيطا في الصراع للخطر فحسب، بل قد تجعل باكستان نفسها هدفا محتملا في نظر طهران.
وفضلا عن ذلك، لا ينبغي التقليل من أهمية الرفض الباكستاني المعلن الآن لاحتمال أن تشمل المظلة النووية الباكستانية السعودية في إطار اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك.
فهذا التصريح يوضح، للدول الموقعة على اتفاقية مكة ولخصومها على حد سواء، أن هناك حدودا لما يمكن أن تذهب إليه هذه الدول في سبيل الدفاع عن بعضها بعضا.
وبالمثل، ستبيع تركيا طائرات مسيرة إلى باكستان والسعودية، وربما تمنح هذه المبيعات أولوية أكبر، بما يتفق مع ما تنص عليه المادة السابعة من اتفاقية مكة، التي تقضي بأن «يدعم الطرفان، على أساس التفاهم المتبادل، تبادل التكنولوجيا بين مؤسسات الصناعات الدفاعية»، والمادة العاشرة التي تنص على أن «يقدم الطرفان أحدهما للآخر الدعم اللوجستي في أوقات السلم والحرب وحالات الطوارئ الأخرى، بما في ذلك الأسلحة والذخائر والوقود وقطع الغيار والمعدات الأخرى».
لكن تركيا لن تدخل في حرب مع إيران دعما للرياض، نظرا إلى علاقاتها الاقتصادية والتجارية الواسعة مع طهران. وينطبق الأمر نفسه على استبعاد احتمال إرسال إسلام آباد أو الرياض قوات إلى قبرص إذا تجدد الصراع بين جمهورية قبرص المعترف بها دوليا وجمهورية شمال قبرص التركية، التي لا تعترف باستقلالها حتى اليوم أي دولة باستثناء تركيا.
في الشرق الأوسط الجديد، تصطف الدول بحسب القضايا
يتمثل المجال الوحيد الذي بدأت فيه الدول الثلاث إظهار قدر ملموس من التعاون الأمني، يتجاوز ما كان متوقعا قبل توقيع الاتفاقية، في مواجهة الحوثيين، وهم جهة فاعلة من غير الدول. ويبدو، عند القراءة الحرفية للمادة الأولى من الاتفاقية، أن هذا النوع من التهديدات مشمول بأحكامها، إذ تنص على أنه: «إذا تعرضت وحدة أراضي أي من الأطراف أو سيادتها أو حدودها المعترف بها دوليا للتهديد أو الخطر، فعلى الأطراف استخدام جميع الوسائل اللازمة لإزالة هذه التهديدات».
ولم تتسبب هجمات الحوثيين على السعودية في سقوط ضحايا ووقوع دمار داخل المملكة فحسب، بل أنهت أيضا حالة التهدئة الهشة التي استمرت بين الجماعة والرياض لأكثر من أربع سنوات.
ويتمثل الاختلاف بين الماضي والحاضر في الدعم الذي تلقته الرياض من إسلام آباد، والذي قد تتلقاه أيضا من أنقرة.
فقد ذكرت تقارير إعلامية أن طائرات مقاتلة باكستانية استخدمت لدعم العمليات السعودية في اليمن ضد الحوثيين. ونفت إسلام آباد هذه التقارير، لكنها أشارت إلى أنها نشرت قوات في المملكة لتقديم الدعم الدفاعي.
أما أنقرة، فتدرس تقديم دعم دفاعي، لكنها أكدت بالفعل أنها لن تقدم مساعدة هجومية، وهي المساعدة التي قد تكون ضرورية لهزيمة الحوثيين، بدلا من الاكتفاء بإضعاف الجماعة بصورة مؤقتة.
وباعتبار هذا الدعم أول اختبار لاتفاقية مكة، فمن المرجح أنه يفي بالحد الأدنى من متطلبات الاتفاقية.
لكن التمييز بين الدعم الهجومي والدعم الدفاعي، وكذلك بين الميليشيات والدول، يظل أمرا أساسيا لفهم طبيعة الاتفاقية وحدودها.
ولا ينبغي التقليل من أهمية الدعم الذي تقدمه إسلام آباد وأنقرة للمساعدة في توفير الحماية الدفاعية للمملكة. فهذا الدعم مهم، لكنه من المرجح أيضا أن يكون محدود التكلفة. فالحوثيون لا يمتلكون على الأرجح القدرة أو الرغبة في الرد على باكستان أو تركيا. كما أن إسلام آباد وأنقرة لا تخاطران بخسائر مالية، من قبيل تراجع حجم التبادل التجاري مع الحوثيين.
وينبغي مقارنة ذلك بتكاليف دعم الرياض في مواجهتها مع إيران، أو دعم باكستان في حال اندلاع صراع جديد مع الهند، أو مساندة تركيا في العراق، سواء في مواجهة الدولة أو الكرد.
إن تفعيل اتفاقية مكة في مواجهة الجهات الفاعلة من غير الدول والجماعات الإرهابية يجعل منها أداة جديدة ذات أهمية، وإن كانت محدودة النطاق، للتعاون بين هذه الدول. لكنها لا ترقى إلى مستوى الترتيبات الأمنية التي يمكن أن يوفرها تكتل حقيقي.
المرونة أصبحت ضرورة لا غنى عنها
من الأفضل فهم اتفاقية مكة باعتبارها شكلا ناشئا من الاصطفاف المرن متعدد المسارات. فهي تمثل تحولا جديا بعيدا عن المظلة الأمنية الأمريكية، لكنها لا تعني القطيعة معها.
لقد سرعت الحرب مع إيران مسارا مستمرا منذ سنوات، شهدت خلاله إدارات أمريكية متعاقبة، ديمقراطية وجمهورية، تقويض ثقة حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بالقول والفعل، بنظام أمني كانوا يعتمدون فيه بصورة شبه كاملة على واشنطن.
وفي الوقت نفسه، أبدت الولايات المتحدة استياءها من عدم بذل معظم حلفائها العرب، باستثناء الإمارات والبحرين، جهودا كافية لتحمل مسؤولية دفاعهم عن أنفسهم. وهنا تكمن المفارقة.
فالحرب، التي يقال إن الإمارات والسعودية والكويت والبحرين شاركت خلالها في هجمات انتقامية ضد إيران، قد عززت اقتناع دول الخليج بضرورة البحث عن شركاء جدد ومتنوعين، بدلا من مضاعفة اعتمادها على واشنطن وحدها. وقد نفت الكويت هذه التقارير.
وكان تنويع مصادر التسلح والابتعاد عن الاعتماد على الموردين الأمريكيين سيحدث على أي حال؛ فقاعدة الصناعات الدفاعية الأمريكية، في ظل الالتزامات الحالية، لا تكفي ببساطة لتلبية جميع احتياجات حلفاء الولايات المتحدة.
وقد ازدادت حدة هذه الحقيقة مع استمرار الحرب مع إيران في ظل حالة من عدم اليقين، فهي لم تنته بعد، ولم تتحول في الوقت نفسه إلى حرب شاملة.
وقد تؤدي اتفاقية مكة بالفعل إلى تبادل الدول الثلاث الطائرات المسيرة والمعلومات الاستخبارية فيما بينها، أو إلى إعطاء هذا التعاون أولوية على التعاون مع دول أخرى في المنطقة أو مع الولايات المتحدة.
لكن لا يوجد ما يدعو إلى الاعتقاد بأن هذا الاصطفاف سيمتد خارج مجالي الدفاع والأمن ليشمل التجارة والأعمال والحوكمة والتكنولوجيا والاقتصاد والطاقة ورأس المال البشري، بالقدر اللازم لتقسيم المنطقة إلى تكتلين متنافسين.
فلا توجد أي دولة من الشرق الأوسط بين أكبر شركاء تركيا في الاستيراد، كما أن أكبر شركاء أنقرة في التصدير ينتمون إلى أوروبا، باستثناء جارتها العراق. أما أكبر سوق لصادرات باكستان فهو الولايات المتحدة.
وفي الأول من مارس 2026، أي بعد يوم واحد من اندلاع الحرب مع إيران، أصدرت دول الخليج بيانا في ختام اجتماع استثنائي لمجلس التعاون الخليجي، أكد فيه المجلس حقه في الرد.
وخلال الأشهر التالية، توجه عدد من سفراء دول مجلس التعاون الخليجي معا للقاء كبار المسؤولين في البيت الأبيض ووزارة الخارجية ووزارة الدفاع والكونغرس الأمريكي.
لكن غياب استجابة عسكرية منسقة تجاه إيران، وعدم التوصل إلى سياسة متفق عليها بين أعضاء المجلس حيال طهران، كشفا عن أكثر من مجرد خلافات في وجهات النظر. فقد أشار ذلك إلى وجود إحجام بنيوي لدى جميع الدول الأعضاء عن إخضاع تقديراتها الوطنية لآلية عمل جماعية.
وإذا تعذر اتخاذ موقف جماعي خلال أكبر أزمة تواجهها دول الخليج منذ عقود، فمن غير المرجح أن تخضع السعودية خياراتها لتفضيلات باكستان أو تركيا، تماما كما لن تخضع الإمارات خياراتها لتفضيلات إسرائيل.
وبدلا من ذلك، ستتحرك هذه الدول معا عندما تتوافق مواقفها بشأن قضية معينة، مثل الأمن الإقليمي، ولن تفعل ذلك عندما تختلف مصالحها.
لماذا يستمر تصور التكتلين، ولماذا هو مضلل؟
يوفر التصور القائل بنشوء تكتلين في الشرق الأوسط لصانعي السياسات الغربيين إطارا مألوفا لمحاولة فهم التحولات المتسارعة في المنطقة، وأساسا واضحا لبناء استراتيجية إقليمية، أو استراتيجيتين.
كما أن هذا التصور يرصد بصورة صحيحة أنماط التعاون والتقارب الأيديولوجي والاتفاقيات الرسمية بين الدول.
لكن الاستنتاج الذي يخلص إليه بعضهم، ومفاده أن هذه الاتفاقيات الجديدة تدفع نحو تشكيل تكتل أو تكتلات جديدة، ينطوي على سوء فهم لطبيعتها المحدودة، ولرغبة الدول المشاركة في الاحتفاظ بالمرونة ضمن تحالفاتها.
فالاختلافات بين الدول التي تدخل في ترتيبات جديدة ومحدودة العضوية، سواء كانت سياسية أو مالية أو أيديولوجية أو استراتيجية، ليست فجوات ينبغي العمل على سدها.
لقد خلصت دول الشرق الأوسط الأوسع إلى أن أي فجوات في علاقاتها مع حلفائها بشأن قضية معينة يمكن تعويضها من خلال التعاون مع أطراف أخرى.
وبالتالي، فإن الالتزامات تظل محصورة في قطاع محدد، كالدفاع، أو حتى في مجال فرعي منه، مثل الطائرات المسيرة.
ومن المرجح أن تنظر تركيا إلى اتفاقية مكة باعتبارها فرصة لعزل إسرائيل واستهدافها سياسيا. لكن السعودية لن تكون لديها أي رغبة في الاصطفاف مع أنقرة في حربها الكلامية مع القدس، تماما كما لن تقبل إخضاع نفسها لتفضيلات إسلام آباد أو أنقرة إذا كانت تلك التفضيلات تنطوي، ولو بدرجة محدودة، على مخاطر تهدد أهدافها الداخلية.
وبدلا من ذلك، يرجح أن توظف المملكة الصراع الحالي مع الحوثيين بوصفه اختبارا حاسما للاتفاقية.
ولكي يشكل هذا الاختبار أساسا ناجحا للتعاون الأمني المستقبلي، بما في ذلك نشر قوات الدول بعضها دفاعا عن بعض عندما يتعرض أحد الأعضاء لهجوم، ينبغي أن تساعد باكستان وتركيا الرياض على تحقيق أهدافها الاستراتيجية، من خلال توفير القدرات المطلوبة في الوقت الذي تحدده المملكة، وليس في الوقت الذي تقرره إسلام آباد أو أنقرة.
وتحمل هذه التطورات تداعيات مهمة على السياسة الأمريكية. فمن شبه المؤكد أن واشنطن ستفقد جزءا من نفوذها في هذا النموذج الجديد، لكن من الحماقة الخلط بين تراجع النفوذ وانعدامه تماما.
ستظل الولايات المتحدة موردا رئيسيا للأسلحة، ووجهة للاستثمارات، ومصدرا تسعى الدول إلى الحصول منه على التكنولوجيا، حتى مع سعي الصين إلى منافستها في جميع هذه القطاعات.
وإذا كان الشرق الأوسط يتجه نحو الاصطفاف المرن متعدد المسارات بدلا من التكتل ضمن محورين، فلا حاجة إلى أن تختار واشنطن صراحة بين الدول المرتبطة باتفاقيات أبراهام والدول الموقعة على اتفاقية مكة.
ستواصل إدارة ترامب الدفع باتجاه اتفاقيات أبراهام، نظرا إلى أن الرئيس يعتبرها إحدى أهم ركائز إرثه في السياسة الخارجية خلال ولايته الأولى.
لكن النظر إلى اتفاقية مكة باعتبارها نقيضا مباشرا لاتفاقيات أبراهام، حتى لو كانت بعض الدول التي بادرت إلى الاتفاقية تنظر إليها من هذه الزاوية، من شأنه على الأرجح أن يؤدي، من دون ضرورة، إلى تبديد ما تبقى للولايات المتحدة من نفوذ.
ومن المرجح أن يفضي ذلك أيضا إلى نتيجة سلبية إضافية، تتمثل في تسريع توجه مصر والسعودية وباكستان وتركيا نحو بكين.
إن واشنطن تتمتع بميزة مهمة تتمثل في أنها ليست مضطرة إلى الاختيار بين هذه الدول، وينبغي لها ألا تفعل ذلك.
والنهج الأفضل هو المنافسة بالطريقة التي تعمل بها المنطقة نفسها حاليا: قطاعا بعد قطاع.
ستكون الولايات المتحدة الشريك المفضل في الملفات التي تتمتع فيها بميزة تنافسية، مثل القدرات العسكرية والتدريب، وأسواق رأس المال العميقة، والتكنولوجيا المتقدمة، والمعلومات الاستخبارية. وفي المقابل، ينبغي لها أن تتقبل توجه دول الشرق الأوسط إلى شركاء آخرين في ملفات أخرى، تماما كما ينبغي للولايات المتحدة أن تفعل ذلك.
وقد أثبتت واشنطن بالفعل قدرتها على الحفاظ على اتساق السياسات عبر الإدارات الرئاسية المتعاقبة ومع أطراف إقليمية مختلفة، عندما تمنح هذه المسألة أولوية حقيقية، كما توضح اتفاقياتها المتعلقة بالذكاء الاصطناعي مع كل من السعودية والإمارات.
وفضلا عن ذلك، من شأن هذا النهج استثمار إحدى نقاط التفوق القائمة للولايات المتحدة على الصين، التي أثبتت مرارا أنها مستعدة لبيع المعدات العسكرية لدول المنطقة، لكنها لا تستعد للقيام بدور الضامن الأمني عندما يبدأ القتال.
وينبغي لواشنطن أن تستثمر تفوقها الناجم عن وجود قواعدها العسكرية وانتشار قواتها الحالي، وأن تدخل في حوار صعب، لكنه بالغ الأهمية، مع العواصم الشرق أوسطية بشأن ما تحتاج إليه الولايات المتحدة وشركاؤها بعضهم من بعض لتعميق التزاماتهم المتبادلة.
إن الاستراتيجية القائمة على أن تكون الولايات المتحدة أفضل شريك في إطار الاصطفاف المرن متعدد المسارات، بدلا من محاولة هندسة تكتل لا ترغب المنطقة في قيامه، يمكن أن تضمن احتفاظ واشنطن بنفوذها، بدلا من خسارة المزيد منه.
في هذا الشرق الأوسط الجديد، تصطف الدول بحسب القضايا، ولا تختار جانبا واحدا بصورة نهائية.
لم تعد الاستقلالية الاستراتيجية لدول المنطقة مجرد توجه آخذ في الظهور، بل أصبحت واقعا قائما.
وكلما اتسع نطاق الالتزامات بين دولتين ليشمل قطاعات وقضايا متعددة، ازدادت قوة العلاقة بينهما. لكن الرغبة في الاحتفاظ بالمرونة ستظل قائمة، وهي حاجة لا يستطيع أي تكتل منفرد تلبيتها.
ملاحظة: حدث هذا المقال في 23 أكتوبر لتوضيح أن الكويت نفت التقارير الإعلامية التي أفادت بمشاركتها في هجمات انتقامية ضد إيران.
*جوناثان بانيكوف هو المدير الأول لمبادرة سكوكروفت للأمن في الشرق الأوسط التابعة للمجلس الأطلسي. وشغل بين عامي 2015 و2020 منصب نائب مسؤول الاستخبارات الوطنية لشؤون الشرق الأدنى في مجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي.