×

  جميع المواضيع

  فرانسيس فوكوياما: ثيموس والسياسة الخارجية الأمريكية



منصة Persuasion/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان

 

وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو يلقي كلمة في الأكروبوليس بأثينا، اليونان، مستعرضا الإرث الخالد لليونان القديمة وتأثيرها في الحضارة الغربية.

ألقى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو خطابا في تلة بينيكس بأثينا في 7 أكتوبر/تشرين الأول، وهي موقع يقع أسفل البارثينون بقليل، وسبق لي أن ألقيت كلمة فيه قبل بضع سنوات. ويبدو أن أحد كتاب خطاباته كان يقرأ كتبي، إذ تناول روبيو في صلب كلمته مفهوم «ثيموس» (Thymos)، الذي يكتب اسمه بصيغة «ثوموس» (Thumos)، بوصفه القيمة الجوهرية للحضارة الغربية. وهذا صحيح إلى حد ما، لكن فهم روبيو لهذا المفهوم قاصر للغاية.

يقول وزير الخارجية الأمريكي ما ياتي:«بالنسبة إلى الإغريق القدماء، كان السعي إلى التميز هو المبدأ الأساسي لوجود الإنسان. لقد نظموا الحياة المدنية برمتها حول التنافس والطموح والمنافسة: في الفلسفة والشعر، وفي النحت والمسرح، وفي ألعاب القوى والفنون، وفي الحرب وفن إدارة الدولة. وكانت المدينة اليونانية الكلاسيكية ساحة يتبارى فيها الرجال العظام لإثبات جدارتهم وإظهار قدراتهم، وصقل إمكاناتهم من خلال الصراع الدائم، سعيا إلى أن يكونوا الأفضل والأقوى والأجمل، وأن يقتربوا، خطوة بعد أخرى، من الكمال.

وأعلم أن أسلوب الحياة الذي وصفته للتو قد يبدو غريبا على مسامع أبناء العصر الحديث، بل قد يبدو قاسيا. لقد أصبح المثل الأعلى لكثير من الأيديولوجيات في عصرنا، بصراحة، عالما ينعم بأمان كامل، يخلو من المخاطر والإخفاق، ولا يعرف مجد الانتصار ولا خزي الهزيمة...

كانت دول المدن اليونانية القديمة تعج بالشغف الحاد والتنافس والاصطفاف الفئوي والصراع. لكن من ذلك السعي الدائم إلى التميز، ومن ذلك الصراع المستمر، انبثقت النهضة الكبرى للفنون والفلسفة والطاقة السياسية والفكرية، التي حولت مجموعة من المدن المطلة على البحر المتوسط إلى مهد أعظم حضارة في العالم.

إن «ثوموس»، كما سماه الإغريق القدماء، أي جذوة الشغف والقوة والشجاعة والكبرياء، هو قلب الحضارة العظيمة. ومن دونه؟ من دونه تفقد الأمم إرادتها في القتال، وإرادتها في السعي والمثابرة، وإرادتها في البقاء».

تحدثت بإسهاب عن مفهوم «ثيموس» عام 1992 في كتابي نهاية التاريخ والإنسان الأخير، وعدت إليه في مذكراتي الجديدة في عالم الإنسان الأخير. إن «ثيموس»، بما ينطوي عليه من كبرياء وروح متوثبة ورغبة في نيل الاعتراف، يحتل بالفعل مكانة مهمة في الحضارة الغربية. لكن فهم روبيو لهذا المفهوم محدود للغاية، وهو لا يدرك أنه سلاح ذو حدين.

لا يشكل «ثيموس» جوهر الحضارة الغربية فحسب، بل يشكل أيضا، كما أشار هيغل ومفسره ألكسندر كوجيف، جوهر السياسة برمتها. فقد اندلعت أول معركة دموية بين البشر الأوائل بدافع الرغبة في الهيمنة ونيل الاعتراف، والاستعداد للمخاطرة بالحياة في سبيل ذلك. ويقود هذا الصراع على الهيمنة إلى قيام مجتمع من السادة والعبيد، لا يشعر فيه أي من الطرفين بالرضا الكامل؛ فالعبد غير راضٍ لأسباب واضحة، أما السيد فليس راضيا بدوره، لأنه ينال الاعتراف من شخص لا يعدو كونه عبدا.

ويتبلور الحل لهذه المعضلة عبر مسار التاريخ، مع ظهور مجتمع يقوم على الاعتراف المتبادل والمتساوي بين جميع البشر. وقد جرى التعبير عن هذا المبدأ للمرة الأولى في إعلان حقوق الإنسان والمواطن إبان الثورة الفرنسية، وكذلك في وثيقة الحقوق الملحقة بالدستور الأمريكي. ويستند كلاهما إلى فكرة مسيحية جوهرية، هي المساواة الشاملة بين جميع البشر أمام الله. وتعترف المجتمعات الليبرالية بتساوي البشر في الكرامة من خلال منح الحقوق الأساسية وحمايتها.

في كتابي نهاية التاريخ والإنسان الأخير، ابتكرت مصطلحين جديدين هما «إيزوثيميا» (Isothymia) و«ميغالوثيميا» (Megalothymia).

تشير «إيزوثيميا» إلى الرغبة في الحصول على اعتراف متساوٍ، وهي تمثل أحد الأسس الجوهرية لأي ديمقراطية حديثة. فجميع البشر يشعرون بالاستياء والغضب عندما يتعرضون للازدراء، أو عندما تُعتبر كرامتهم الأساسية أدنى من كرامة جماعة أخرى أو فرد آخر. وتتحرك السياسة المستقطبة اليوم بفعل «إيزوثيميا»: فمن جهة، تنطلق سياسات الهوية اليسارية من مطالبة الفئات المهمشة بالاعتراف المتساوي، ومن جهة أخرى، تظهر نسخة يمينية ناشئة تقوم على سردية تعرض البيض أو المسيحيين للاضطهاد.

أما «ميغالوثيميا»، فهي ذات وجهين. فقد تكون مصدرا للتقدم البشري، أو مصدرا لأعظم الجرائم وأنظمة الاستبداد التي عانت منها المجتمعات البشرية.

ويصيب الوزير روبيو حين يقول إن السعي إلى التفوق على الآخرين هو مصدر جميع أشكال التميز البشري، سواء في الفنون أو الرياضة أو الاقتصاد أو السياسة. لكن إرادة التفوق على الآخرين قد تقود أيضا إلى الهيمنة والطغيان وارتكاب جرائم لا توصف. فمن الواضح أن جورج واشنطن وأبراهام لينكولن ووينستون تشرشل كانوا مدفوعين بـ«ميغالوثيميا»، لكن هتلر وستالين وبول بوت كانوا كذلك مدفوعين بها أيضا.

وهكذا، يطرح «ثيموس» معضلة أمام الديمقراطيات. فالحقوق المتساوية التي تحميها الدولة الليبرالية تستند إلى «إيزوثيميا»، أي المطالبة بالاعتراف المتساوي بكرامة الإنسان. لكن المجتمع الناجح يحتاج أيضا إلى «ميغالوثيميا»، للأسباب جميعها التي أشار إليها روبيو؛ فهو يحتاج إلى أشخاص مستعدين للمخاطرة، ومبتكرين، ومواطنين شجعان مستعدين للقتال دفاعا عن الآخرين.

وتتمثل المشكلة، أولا، في التمييز بين الأشكال الإيجابية والسلبية لـ«ميغالوثيميا»، وثانيا، في توجيه هذه العاطفة نحو أنشطة تعود بالنفع على المجتمع الأوسع.

كتبت عن دونالد ترامب عام 1992 في كتابي نهاية التاريخ والإنسان الأخير. كنت أبحث آنذاك عن منافذ إيجابية لتصريف «ميغالوثيميا»، وطرحت فكرة أن الاقتصاد الرأسمالي يمكن أن يستوعب الرغبة في الهيمنة ويوجهها نحو عالم الأعمال. لكنني لم أكن أتخيل قط أن دونالد ترامب، بعد بضعة عقود، لن يكتفي بأن يكون ثريا، بل سيطمح أيضا إلى امتلاك السلطة السياسية.

إن ترامب مثال نموذجي على «ميغالوثيميا» المنفلتة من كل قيد. فهو لا يستطيع التمييز بين الصفات الإيجابية والسلبية التي تستحق التقدير، ولا يكترث بجودة أحكام الأشخاص الذين يمنحونه الاعتراف والتقدير. إنه يريد أن يُنحت وجهه على جبل راشمور باعتباره واحدا من أعظم الرؤساء الأمريكيين، لكنه يسعى أيضا إلى أشكال أكثر تفاهة من الإشادة، مثل الحصول على جائزة نوبل للسلام أو إطلاق اسمه على مركز كينيدي.

وقد أطلع ترامب الصحفية ماغي هابرمان مؤخرا على قائمة تضم أكثر الحكام نفوذا في التاريخ، ممن كان يعجب بهم بوضوح ويرغب في أن يضاهيهم. وضمت القائمة جنكيز خان وأتيلا الهوني ونابليون وماو تسي تونغ وستالين، ولم تضم رجل دولة ديمقراطيا واحدا.

إن رغبة الوزير روبيو في الحفاظ على رضا رئيسه تدفعه إلى ليّ الحقائق حتى تفقد شكلها الحقيقي. فهو يتحدث عن تحالف بين الولايات المتحدة وأوروبا يستند إلى القيم المشتركة، متجاوزا حقيقة أن الرئيس يُبدي إعجابا واضحا بفلاديمير بوتين وشي جين بينغ يفوق إعجابه بقادة الدول الديمقراطية الأخرى.

كما يتحدث روبيو عن عجائب العلم والتكنولوجيا التي أبدعتها الحضارة الغربية، في الوقت الذي تعمل فيه إدارته على خفض التمويل المخصص للأبحاث العلمية في مختلف المجالات. ويحتفي بالاتفاق المتعلق بغرينلاند، من دون أن يذكر رغبة ترامب في انتزاع الجزيرة من الدنمارك.

يمتدح الوزير روبيو «ثيموس» من دون أن يولي اهتماما للغايات التي يجري توجيهه نحوها. وكان الأجدر به أن يتذكر أن الإفراط في «ميغالوثيميا» هو ما دفع ألكيبيادس والأثينيين إلى خوض الحملة العسكرية الكارثية على صقلية، التي يوضح المؤرخ ثوسيديديس أنها شكلت بداية هزيمتهم في الحرب البيلوبونيسية.

كما ينبغي للوزير أن يتوقف قليلا عند العبارة الواردة في إعلان الاستقلال الأمريكي:

«نحن نؤمن بأن هذه الحقائق بديهية، وهي أن جميع البشر خُلقوا متساوين».

إن مبدأ المساواة الإنسانية هذا، وليس الاحتفاء بالأفراد العظام، هو ما شكّل أساس جانب كبير من السياسة الخارجية الأمريكية على مدى عقود.

ولهذا المبدأ تحديدا، تعهد الآباء المؤسسون للولايات المتحدة، وكذلك أجيال كثيرة من الأمريكيين الذين جاؤوا بعدهم، بأن يضحوا بحياتهم وثرواتهم وشرفهم المقدس.

 

*فرانسيس فوكوياما عالم سياسي وكاتب بارز، اشتهر بأعماله المتعلقة بنهاية التاريخ والديمقراطية الليبرالية. ويشغل منصب باحث أول في معهد فريمان سبوغلي للدراسات الدولية بجامعة ستانفورد.

وهو مؤلف كتاب نهاية التاريخ والإنسان الأخير، الذي يُعد من أبرز مؤلفاته وأكثرها تأثيرا.

ويكتب فوكوياما عمودا بعنوان «بصراحة، فوكوياما» (Frankly Fukuyama)، الذي استمر في نشره بعد انتقاله من منصة American Purpose، ويُنشر حاليا في منصة Persuasion.


18/10/2026