×

  جميع المواضيع

  من سيادة الوجود إلى سيادة الدستور



*محمد شيخ عثمان

 

مع انتقال العراق إلى مرحلة جديدة في أعقاب انسحاب قوات التحالف الدولي، تبرز أمام الدولة والقوى السياسية مسؤولية تتجاوز مسألة الوجود العسكري الأجنبي إلى سؤال أوسع:كيف يحصن العراق قراره الوطني ويعزز استقراره في المرحلة المقبلة؟

لا يعني انتهاء المهمة العسكرية للتحالف، انتهاء علاقات العراق الدولية، ولا سيما مع الولايات المتحدة.

فـاتفاقية الإطار الاستراتيجي بين البلدين تنظم التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والدفاعية، وتتيح استمرار التنسيق وفقا للمصالح والحاجات العراقية، بما في ذلك الاستفادة من التعاون الدفاعي عند الحاجة، ضمن الأطر القانونية والاتفاقات النافذة.

لكن الأساس يبقى في الداخل، وفي مقدمة ذلك "الالتزام بالدستور" دون التلكوء والانتقائية، فالدستور هو المرجعية الناظمة لعمل مؤسسات الدولة وعلاقات السلطات وحقوق المواطنين والمكونات. وإن الالتزام الكامل به هو الحجر الأساس لبناء دولة القانون وترسيخ العملية السياسية ونجاح مهمة المراجعة، ولا تراجع عن هذا الالتزام، الذي يمثل ضمانة لتعزيز الموقف الوطني وحفظ سيادة البلد.

ومن هذه القاعدة تنطلق "الوحدة الداخلية" فالتكاتف بين المكونات، والابتعاد عن الإقصاء والتهميش والتمييز بين المواطنين والمحافظات، ليست عناوين سياسية فحسب، بل متطلبات لبناء دولة يشعر فيها الجميع بأنهم شركاء متساوون في الوطن والحقوق وهذه المنظومة تكتمل عبر "الشراكة السياسية"، التي ينبغي أن تتجاوز تشكيل الحكومات إلى المشاركة الفعلية في صناعة القرار وإدارة مؤسسات الدولة فاحترام التعدد وإدارة الاختلاف ضمن المؤسسات الدستورية يوفران أرضية أكثر استقرارا للعمل الحكومي والبرلماني، ويحولان التنوع العراقي إلى عنصر قوة بدلا من أن يكون سببا للانقسام.

وفي هذا السياق، تحتل "العلاقة بين بغداد والاقليم" موقعا أساسيا في بناء الدولة الاتحادية، فتنظيم العلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان وفقا للدستور، ومعالجة الملفات المشتركة بالحوار والتفاهم والمؤسسات، يعززان استقرار العراق ويمنحان النظام الاتحادي قدرة أكبر على مواجهة التحديات.

لا تحتاج المرحلة المقبلة إلى اختزال مفهوم السيادة في غياب القوات الأجنبية، كما لا ينبغي النظر إلى التعاون مع الحلفاء باعتباره انتقاصا منها،بل المطلوب هو بناء دولة تمتلك مؤسسات قوية وقرارا وطنيا، وتحكمها قواعد دستورية واضحة، وتقوم علاقاتها الداخلية على الشراكة والمواطنة.

ومن هنا، فإن انسحاب قوات التحالف ينبغي أن يشكل فرصة لترسيخ هذه المعادلة: دستور يحترم، ووحدة داخلية تصان، وشراكة سياسية حقيقية، وعلاقة مستقرة بين بغداد وكردستان، فكلما توحد العراقيون حول مؤسسات دولتهم ومرجعيتهم الدستورية، أصبح العراق أكثر قدرة على حماية مصالحه وقراره الوطني، وأكثر استعدادا لإدارة علاقاته الدولية من موقع الدولة الواثقة بقدراتها ومؤسساتها وسيادتها.


01/10/2026