×

  جميع المواضيع

  "شرفنامه" الأمير بين عبدالناصر و مام جلال



*د. محمد رفعت الإمام

هكذا، صدر أمر طباعة كتاب "شرفنامه" بالعربية في مصر بناء على طلب رسمي من الشاب جلال طالباني وموافقة رئيس الجمهورية العربية المتحدة جمال عبد الناصر

 

*المرصد -خاص

يعد كتاب "شرفنانه" وثيقة أيقونية في العقل الجمعي الكردي. وقد ألفه أمير الأمراء الكرد شرف الدين بن شمس الدين البيتليسي (البدليسي) ومؤرخ الكرد (1543-1603م). وقد شغل منصب حاكم إمارة بيتليس (1576-1596م) حيث عزلته السلطات العثمانية بتهمة التخابر مع أعدائهم الصفويين.

ولذا، هرب الأمير الكردي إلى الشاه الصفوي في تبريز. وهناك، بدأ يكتب سفره الخالد "شرفنامه": "لما ضاع ملكي، وجدت ملك القلم"، وأنجزه بالفارسية في عام 1597م، وأهداه إلى الشاه الصفوي عباس الأول (1588-1629م).

وينقسم كتاب "شرفنامه" إلى مجلدين، أولهما عن تاريخ الملوك الكرد القدامى (الأيوبيون، المروانيون، الحسنويون، الشداديون، الرواديون)، وثانيهما تاريخ الإمارات الكردية المعاصرة له.

 ورغم أن المجلد الأول قد اتسم بأنه أول ما جمع تاريخ الكرد قبل الإسلام وحتى نهاية العصور الوسطى، فيعد المجلد الثاني الأهم لأنه وثق أنساب وأمراء وعادات "30" دولة وإمارة كردية معاصرة له. وقد قسم الكرد إلى خمسة فروع: البوتان (بيتليس، جزيرة ابن عمر، آمد – ديار بكر)، الهكارية (هكاري، جولمرك)، الظاظا (ديرسيم،بالو)، الكهلر (كرمنشاه، لورستان).

ولا ريب أن "شرفنامه" يعد ديوان التاريخ الكردي (900-1600م)، ورسم خريطة "الهوية الكردية" كأمة واحدة بأربع لهجات وإمارات سياسية. وحسب الأمير المؤلف: "الكرد قوم لم يجتمعوا تحت ملك واحد قط، ولكنهم أمة واحدة باللسان والعادات". وقد ابتغى من وراء تدوين هذا السفر المرجعي المحوري: "جمعت هذا الكتاب وأنا في الغربة، بعيدا عن وطني، لكي لا ينسى الناس أصلهم". ولذا، نال الأمير شرف الدين، وبحق، لقب، "هيرودوت الكرد"، ويعد كتابه "شرفنامه" بمثابة الدستور التاريخي للكرد،وأرسى دعائم ماهية الكرد وكردستان والكردية.

ولعل تقسيم كردستان منذ 29 مايو 1555م بموجب معاهدة آماسيا بين دولة الشاه الشيعية (ست إمارات) وبين دولة السلطان السنية (24 إمارة) كان بمثابة الدافع الأقوى عند الأمير الكردي لتدوين "شرفنامه" لإثبات أن للكرد دولا وتاريخا قبل الصفوي والعثماني بستة قرون. ولذا، أبدى ملاحظة جد مهمة: "هذه أخبار آبائنا فإن نسيناها نسينا أنفسنا". وقد حرص في المجلد الثاني – تحديدا – رسم خرائط سياسة واجتماعية للكرد لاسيما أنه عايش أول تقسيم لكردستان بمقتضى معاهدة آماسيا (سايكس بيكو القرن السادس عشر). وقد انتقد بمرارة التمزق الكردي: " ما اجتمع للكرد ملك قط. كل أمير في واد"، وتلك آفة الكرد الكبرى. وقد خشى صاحب "شرفنامه" أن يأتي "يوم لا يتبقىفيه أمير كردي واحد".

ورغم أن مصر لم ترد في "شرفنامه" إلا زمن الأيوبيين (1174-1250م) إبان العصور الوسطى ضمن المجلد الأول، فقد أسهمت مصر الحديثة في إنتاج المعرفة الكردية وبالأخص كتاب "شرفنامه". ففي عام 1930م، شهدت القاهرة طباعة "شرفنامه" بالفارسية بفضل جهود ناشره فرج الله زكي الكردي (1882-1940م) ومساعده في كتابة حواشي الكتاب والمصحح اللغوي محمد علي عوني (1879 – 1952م).

ولم تقف أهمية عوني عند هذا الحد، بل كتب مقدمة (32 صفحة) بالعربية للطبعة الفارسية، وبدأ في ترجمة "شرفنامه" إلى العربية اعتمادا على طبعة القاهرة الفارسية. ورغم أن عوني قد أنهى ترجمة "شرفنامه" إلى العربية في عام 1948م، فإنه لم يتمكن من طباعتها آنذاك ووافته المنية في 12 يونية 1952م.

 ومن المفارقات، بينما كان عوني منشغلا  في ترجمة "شرفنامه" حتى عام 1948م ووفاته عام 1952م، كان الملا محمد جميل روزبياني (1913-2001م) قد أنجز ترجمة عربية موازية وطبعها المجمع العلمي العراقي ببغداد في نفس سنة وفاة محمد علي عوني بالقاهرة (1952م).

وبعد ست سنوات على وفاة عوني، تقدم ممثل الحزب الديمقراطي الكردستاني الشاب جلال طالباني صاحب الـ "25" ربيعا بمذكرة في 18 يولية 1958م إلى الرئيس جمال عبد الناصر (1917 – 1970م) بطباعة كتاب "شرفنامه" بالعربية ليكون للكرد بمثابة "الشاهنامه" للفرس. وقد وافق ناصر، وأصدر توجيهاته إلى د. ثروت عكاشة وزير الثقافة والإرشاد القومي الذي أسرع في تنفيذ "التوجيه الرئاسي" للطلب الكردي، وأصدر القرار رقم 142 في 5 أغسطس 1958م بطباعة كتاب "شرفنامه" تأليف شرف خان البيتليسي (البدلسي) على نفقة الدولة (المادة الأولى)، وتخصيص (15) ألف جنيها من الموازنة العامة (1958-1959م) لطباعة (10) آلاف نسخة من الجزء الأول (المادة الثانية)، ويوزع مجانا داخل الجمهورية العربية المتحدة وسفاراتها في الخارج علاوة على المنظمات والحركات التحررية في الشرق الأوسط (المادة الثالثة).

هكذا، صدر أمر طباعة كتاب "شرفنامه" بالعربية في مصر بناء على طلب رسمي من الشاب جلال طالباني وموافقة رئيس الجمهورية العربية المتحدة جمال عبد الناصر. وقد حصلت وزارة الثقافة على مخطوط ترجمة عوني من أسرته وبرعاية صديقه الشيخ عمر وجدي شيخ رواق الكرد بالأزهر الشريف.

وعكف على مراجعته د. يحيى الخشاب (1909-198١م) من رواد الدراسات الشرقية بمصر. وفي 15 سبتمبر 1958م، صدر الجزء الأول من "شرفنامه" بتكليف من الإدارة العامة للثقافة – وزارة التربية والتعليم (المصرية) عن دار إحياء الكتب العربية (عيسى البابي الحلبي وشركاه). وفي يولية 1962م، صدر الجزء الثاني (20 ألف نسخة) عن نفس دار النشر ولكن بإشراف الإدارة العامة للثقافة، قسم الترجمة والألف كتاب، وزارة التعليم العالي.

ولا ريب أن الطلب الكردي من الرئيس المصري بطبع "شرفنامه" بالعربية كان بموافقة سياسية مع الملا مصطفى البارزاني (١٩٠٣- ١٩٧٩ م) زعيم الحركة الكردية آنذاك. ورغم قناعة ناصر بعدالة قضية الكرد وأحقيتهم في أن يكون لهم كيان سياسي مستقل، فلم تكن طباعة "شرفنامه" عملا ثقافيا "بريئا"؛ إذ كانت ورقة من أوراق ناصر لمجابهة حلف بغداد. وفي هذا السياق، نجح الفتى جلال طالباني بقيام دور" الوسيط الذكي" الذي أقنع ناصر بأن "التاريخ سلاح أقوى من البندقية". وقد أدرك طالباني بأن الأمم لا تبنى بالبندقية وحدها، بل بالذاكرة أيضا.

اعتبرت السلطات العراقية أن مصر دعمت الثورة الكردية بطباعة كتاب تاريخي اسمه "شرفنامه"، وتدخله إلى العراق عبر الحدود السورية ضمن شحنات السلاح. وقد نجحت السلطات العراقية في إلقاء القبض على ثلاث شاحنات في زاخو وبداخلها أربع آلاف نسخة من الكتاب "مخبأة تحت صناديق الذخيرة".

 وكان التوصيف العراقي للشرفنامه: "كتاب تحريضي انفصالي يهدف إلى تقسيم العراق"، وهذا يعد "وثيقة تاريخية مزيفة لشرعنة الانفصال". وقد احتجت بغداد بشدة على قيام الجمهورية العربية المتحدة بتزويد الكرد بالأسلحة والكتب التحريضية وحملتها المسئولية الكاملة عن إراقة الدماء في شمال العراق "كردستان الجنوبية". وفي سبتمبر 1962، قدمت بغداد شكوى رسمية ضد القاهرة في جامعة الدول العربية. وفي 18 يولية 1962م، أصدر عبد الكريم قاسم أمرا: "كل من يحمل كتاب شرفنامه يعتبر عميلا لمصر ويحاكم محاكمة عسكرية".

وحسب التقارير، يعد "شرفنامه" أخطر من ألف بندقية. فالبندقية تقتل جنديا، والكتاب يصنع أمة. وعلى درب بغداد، احتجت بشدة أنقرة وطهران لأنهما وجدتا في "شرفنامه" تهديدا وجوديا لدولتيهما؛ إذ وقعت كردستان الشمالية في جنوب شرق تركيا ووقعت كردستان الشرقية في شمال غرب إيران. ووفقا لتقارير الدبلوماسيين الغربيين: "الكتاب يوفر شرعية تاريخية للانفصال الكردي "مما سيعقد أوضاع الشرق الأوسط". وبذا، كان "شرفنامه" أول كتاب في التاريخ المعاصر يستخدم بمثابة "سلاح جيوسياسي"؛ وأول نموذج في الحرب الباردة لاستخدام "التاريخ كسلاح ناعم".

ورغم هذه المعركة الجيوسياسية حول "طبعة ناصر"، فإن كتاب "شرفنامه" أيقونة مهمة في تاريخ النضال الكردي الطويل لإثبات حقهم السليب.

فثمة من يراه دستورا تاريخيا وسندا للاستقلال، وثمة من يراه مرجعا مهما لإثبات التعددية، وثمة من يراه وثيقة لفهم أخطاء الماضي. ويبقى "شرفنامه" سفرا مجيدا، ألفه أمير، وأسهم في نشره رئيسان كبيران؛ ناصر – جلال.

*أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر – مصر

*شكرا للدكتور ياسين رؤوف الذي تفضل بارسال هذه المقالة التوثيقية من مصر


06/09/2026