×

  بیانات و خطابات

  أوجلان: أمامنا نضال شاق وصعب للغاية



 

بدأ يوم السبت 5/9/2026  في مدينة دورتموند الألمانية الدورة الـ 34 لمهرجان الثقافة الكردية الدولي تحت شعار "مع قيادة حرة نحو مجتمع ديمقراطي"، وفي سياق المهرجان وأهميته أرسل عبد الله أوجلان رسالة إلى المهرجان، حيث قرأ عضو سكرتارية إمرالي فيصل أكتاش رسالة أوجلان في المهرجان، وجاء في نص الرسالة:

 

"إلى كونفرانس الثقافة؛

أصدقائي الأعزاء، المشاركون المحترمين،

أحييكم بمناسبة مهرجان الثقافة، وأتمنى أن يسهم هذا التجمع في بحثكم عن الحرية، وفي تعارف الثقافات مع بعضها البعض بصورة أوثق، وفي تعزيز التفكير بمستقبل مشترك.

نحن اليوم على أعتاب مرحلة جديدة. وبينما نترك وراءنا صراعات وآلام الماضي، يتعيَن علينا أن نستخلص الدروس من الأحداث السابقة وأن نفتح طريقا جديدا أمامنا. يوجد في أساس هذا الطريق، المجتمع الديمقراطي، والسياسة الديمقراطية، والعيش المشترك للشعوب وبحرية.

 

لا يمكن القضاء على الهويات واللغات والثقافات بالقمع

إنَها قاعدة عامة، فالمجتمعات لا تزول، ولا يمكن القضاء على الهويَات واللغات والثقافات بالقمع. ليست قضيتنا وضع الاختلافات في مواجهة بعضها البعض، بل إقامة نظام ديمقراطي يتمكَن فيه كل شعب من الوجود بحريَة بهويَته وثقافته، ويكون فيه العيش المشترك أمرا ممكنا.

 

شعبنا العزيز، المشاركون الكرام،

ينبغي أيضا تقييم عملية السلام والمجتمع الديمقراطي الذي طوَرناه ضمن هذا الإطار التاريخي. فهذه العملية ليس مجرَد إعلان عن موقف سياسي جديد، بل هي في الوقت نفسه إرادة مطروحة من أجل ترك أسلوب نضال قديم وراءنا وبدء مرحلة جديدة.

 

حسنا، ماذا سنضع مكان القديم؟

إن المقاربة الأساسيَة التي توصَلنا إليها هي الاندماج الديمقراطي، والاندماج الديمقراطي لا يعني أن يتخلى أي مجتمع عن هويته أو ثقافته أو وجوده المجتمعي. بل على العكس تماما، يعني أن يتمكن النَاس من الوجود بحرية داخل المجتمع بهويَاتهم الخاصَة، وأن ينظموا حياتهم المجتمعيَة بالوسائل الديمقراطيَة، إنَ عودة الذين تم نفيهم أو أعلن أنهم خارجين عن القانون، إلى أراضيهم، وتمكنهم من ممارسة السياسة الديمقراطية، والمشاركة في بناء مستقبلهم، هي إحدى مهامنا الأساسية، وليس من الصحيح اعتبار ذلك تخليا عن الحرية فمثل هذا النَهج يظهر أنَ التجربة التاريخيَة التي عشناها والاحتياجات القائمة أمامنا اليوم لم تٌفهم بصورة صحيحة، على العكس، فإنَ ما نتحدَث عنه هنا هو تحول سلمي يقوم على تقييم تجربته التاريخية، وعلى اعتماد قوَة السياسة الديمقراطيَة بدلا من العنف والحرب، ومن الآن فصاعدا، هناك حاجة إلى مزيد من السياسة، ومزيد من التنظيم، ونضال ديمقراطي أكثر قوَة.

 

يجب أن يكون للإرادة المحلية حق الكلمة والقرار

هذا هو أيضا مفهوم المجتمع الذي أتبناه. إن تمكن المجتمع من تنظيم نفسه لا يعني إحلال المجتمع مكان الدولة. بل إن القضية الأساسية هي جعل المجتمع عاملا فاعلا ومؤسسا للحياة الديمقراطية، لذلك، ينبغي ألا ننظر إلى الحياة الديمقراطية على أنَها تقتصر فقط على التمثيل في البرلمان والأحزاب السياسية.

فالإدارات المحلية، ومجالات الثقافة والتعليم، والمنظمات النسائية، والأنشطة الشبابية، والتعاونيات، وجميع التنظيمات التي ينشئها الناس حول حياتهم، تعد أجزاء مهمة من الحياة الديمقراطية، ومن المشكلات الأساسية التي نواجهها اليوم في أوروبا، وكذلك في العديد من أنحاء العالم، استخدام الموارد الطبيعيَة والاقتصادية التي تمتلكها المجتمعات من دون موافقة المجتمع، علينا استخدام حقوقنا الديمقراطية في مواجهة الاستهلاك غير المحدود للموارد الموجودة تحت الأرض وفوقها من قبل الشركات الدولية، وفي مواجهة تجاهل إرادة السكان المحليين.

إذا كانت هناك معادن أو نفط أو مياه أو أي موارد طبيعية أخرى في منطقة ما، فيجب أن يكون للسكان الذين يعيشون هناك حق الكلمة والقرار بشأن كيفية استخدام ذلك المورد. ولا ينبغي أن تكون إرادة السكان المحليين مجرَد إرادة يستمع إلى رأيها، بل يجب أن تكون صاحبة كلمة حقيقية في اتخاذ القرارات.

وتعد رها أحد أبرز الأمثلة على ذلك، ففي هذه الجغرافيا التي تعد إحدى أهم مراكز الثقافة النيوليتية، لا يزال الفقر والبطالة يعانيان منها بشكلٍ خطير حتى اليوم. وقد تشتت سكان رها في أنحاء العالم، وهذا المشهد يوضح لنا أيضا النتائج التي يمكن أن تترتب على فقدان المجتمع حقه في الكلمة بشأن موارده ومستقبله.

وبهذه المناسبة، أود أن أسلط الضوء بشكل خاص على حق المرأة في تقرير مصيرها ففي مجتمع لا تتمتَع فيه المرأة بالحرية، لا يمكننا الحديث عن مجتمع ديمقراطي، إن أيَ نوع من التدخل القسري ضد حياة المرأة وإرادتها الحرة أمر غير مقبول..

ويتمثَل بعد أساسي آخر للحل الديمقراطي في حرية الهوية والمعتقد والفكر والثقافة، ولا ينبغي النظر إلى ممارسة الكرد، أو أي مجموعة اجتماعية أخرى، لغتها وثقافتها وهويتها على أنها تهديد، إنَ القضية الأساسية هنا هي ألا تعرقل الدَولة التطور المجتمعي.

فمهمة الدَولة ليست وضع المجتمع في قالب واحد، بل تهيئة الظروف التي تستطيع فيها الهويَات والمجتمعات المختلفة أن تعيش معا بصورة ديمقراطية وحرة.

واليوم، فإنَ ما ينبغي قوله للشَبيبة في أوروبا، ولكل القوى الديمقراطيَة في تركيا والشَرق الأوسط، ولكل من يناضل، هو التالي: أمامنا نضال شاق وصعب للغاية.

لكن هذا النضال لم يعد، في الأساس، نضال الأسلحة، بل هو نضال السياسة والتنظيم والثقافة والاقتصاد والتضامن المجتمعي، ومع ترك مرحلة وراءنا، يجب توسيع مجال النضال الديمقراطي. وأقوى أشكال الدفاع هو المجتمع المنظم. فالمجتمع القادر على حل مشكلاته بنفسه، وإنشاء مؤسَساته الخاصة، والحفاظ على ثقافته، وممارسة السياسة الديمقراطيَة، يستطيع أيضا الدفاع عن مستقبله بصورة أقوى.

وأؤمن بأنه لا ينبغي لأوروبا أن تتعامل مع هذه العملية باعتبارها مجرد مراقب ينظر إليها من الخارج. فالتجربة التاريخية لأوروبا تظهر مدى خطورة النتائج التي يمكن أن تترتَب على الحروب والصراعات المتمحورة حول الدَولة القوميَة.

لكن التاريخ نفسه يظهر أيضا أن نماذج تمكن الهويَات والشعوب المختلفة من العيش معا في إطار القانون الديمقراطي هي نماذج ممكنة، إن ما نحتاج إليه اليوم ليس فصل الشعوب والمعتقدات عن بعضها البعض، بل تمكينها من العيش معا بصورة ديمقراطية، مع الحفاظ على حرياتها وهويَاتها الخاصَة.

وبالطبع، قد تكون هناك انتقادات واعتراضات بشأن طبيعة العملية التي طورناها وأبعادها النظرية. لكن هذا الوضع ينبغي ألا يشكل عائقا أمام اجتماعنا معا وخوضنا النضال جنبا إلى جنب، فلنعمل جميعا على استكمال أوجه النقص في المرحلة الجديدة من خلال الانتقادات.

ولهذا، يجب أولا وقبل كل شيء بناء الثقة فمن دون الثقة، لا يمكن لأي تحول ديمقراطي أن يصبح دائما، ولذلك، من الضروري عدم تأخير الترتيبات السياسية والقانونية، وإزالة العقبات التي تعترض طريق السياسة الديمقراطية، وتهيئة الظروف التي تمكن جميع أطراف العملية من الشعور بالأمان، وأتمنى أن يسهم مهرجانكم في هذا النقاش، وأن يكون مناسبة تساعد الشعوب على فهم بعضها البعض بصورة أفضل والتقارب فيما بينها.

إن مهمَة المرحلة الجديدة ليست إعادة عيش الماضي، بل استخلاص الدروس منه وبناء حياة جديدة أكثر حرية وديمقراطية، تكون فيها إمكانية العيش المشترك متاحة.

أحييكم جميعا باحترام.

 

عبد الله أوجلان

 إمرالي


06/09/2026