×

  اقليم كردستان

  خانقين بين مطرقة التغيير الإداري وسندان المادة 140 المؤجلة



عباس عبدالرزاق :

قراءة سياسية ودستورية في تعطيل استحقاق دستوري وتحول الجغرافيا الإدارية إلى واقعة على الأرض

ليست خانقين مجرد مدينة تقع على تخوم محافظة ديالى، ولا مجرد واحدة من المناطق التي أدرجها الدستور العراقي ضمن ملف «المناطق المتنازع عليها». فالمدينة، بتاريخها الاجتماعي والجغرافي والسياسي، تمثّل واحدة من أكثر النقاط حساسية في العلاقة بين بغداد وإقليم كوردستان، وفي الصراع الأوسع حول حدود الإدارة والهوية والحقوق التي خلّفها النظام السابق.

وما يجري اليوم في خانقين ومحيطها لا يمكن قراءته من زاوية قرار إداري هنا أو استحداث قضاء هناك فحسب. فالمسألة الأعمق تتعلق بسؤال دستوري لم يجد طريقه إلى الحل منذ عام 2005: ماذا يعني أن تبقى المادة 140 من الدستور معلّقة، بينما تتغيّر الوقائع الإدارية والسكانية والجغرافية على الأرض؟

جاء الدستور العراقي لعام 2005 ليضع، عبر المادة 140، خارطة طريق لمعالجة إرث طويل من سياسات التعريب والتهجير والتغيير الإداري التي شهدتها المناطق الكوردستانية خارج إدارة الإقليم، محدداً ثلاث مراحل متتالية: التطبيع، ثم الإحصاء، ثم الاستفتاء، على أن تُستكمل العملية في موعد أقصاه 31 كانون الأول/ديسمبر 2007. غير أن ذلك الموعد مرّ، ثم مرّت أعوام أخرى، وبقي النص قائماً في الدستور من دون أن تُستكمل مراحله؛ وهنا تكمن المفارقة العراقية: النص الدستوري باقٍ، لكن الوقائع التي وُضع لمعالجتها لم تتوقف عن التغيّر.

أولاً: من التعريب الصريح إلى التغيير الإداري

كان التغيير الديموغرافي في عهد النظام السابق سياسة معلنة في عدد من المناطق الكوردستانية، ارتبطت بالتهجير ومصادرة الممتلكات وإعادة توزيع السكان وتغيير الحدود الإدارية بقرارات مركزية صريحة. أما اليوم فالمشهد أكثر تعقيداً؛ إذ لم تعد المسألة تأخذ الشكل القديم نفسه — نقل عائلة وإحلال أخرى مكانها — بل يمكن أن تظهر عبر قرارات إدارية، أو إعادة رسم حدود الوحدات الإدارية، أو تغيير تبعية مناطق وقرى، أو تعطيل معالجة الملكية العقارية، أو استمرار أوضاع أمنية تُبقي عملياً سكاناً أصليين خارج مناطقهم.

وهنا يصبح السؤال أكثر حساسية: هل يمكن أن يؤدي تغيير الخريطة الإدارية، في منطقة لم تُستكمل فيها أصلاً إجراءات المادة 140، إلى إنتاج نتائج ديموغرافية وسياسية مشابهة بصورة غير مباشرة؟ هذا السؤال هو ما يعيد خانقين اليوم إلى واجهة النقاش.

ثانياً: الإطار الدستوري والقانوني — المادة 140 وما يسندها من نصوص

1. الأصل التاريخي للنص والمراحل الثلاث

لم تولد المادة 140 من فراغ؛ فهي امتداد للمادة 58 من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية (2004)، الذي وضع لأول مرة آلية «تطبيع الأوضاع» في المناطق المتضررة من التعريب قبل الانتقال إلى الإحصاء ثم الاستفتاء على تبعيتها الإدارية. وقد نقل الدستور الدائم لعام 2005 هذه الآلية بنصها إلى المادة 140، فأصبحت جزءاً من الأحكام الانتقالية في الباب الخامس منه، مع تحديد سقف زمني (31/12/2007) كان يُراد له أن يكون حافزاً سياسياً للإنجاز، لا شرطاً لسقوط الحق.

2. هل يسقط النص الدستوري بانقضاء أجله؟

يذهب فقه القانون الدستوري إلى أن انقضاء أجل تنفيذي محدد في نص دستوري لا يُسقط النص ذاته ما لم يُلغَ صراحة بتعديل دستوري وفق آلية المادة 126 من الدستور نفسها، أو يُستبدل بحكم قضائي أو تشريعي معادل يحل محل الالتزام الأصلي. والمادة 140 لم تُعدَّل ولم تُلغَ، ولم يصدر عن مجلس النواب أو المحكمة الاتحادية العليا ما يفيد سقوط الالتزام السياسي والقانوني الذي ترتبه. وبالتالي فإن وصف الملف بأنه «قضية من الماضي» لمجرد انقضاء الموعد هو وصف سياسي لا يستند إلى أثر قانوني فعلي؛ فالنص لا يزال نافذاً من حيث المبدأ، وإن كان معطلاً من حيث التطبيق.

3. علاقة المادة 140 بمنظومة الحقوق الدستورية الأخرى

لا يمكن قراءة المادة 140 بمعزل عن نصوص أخرى تشكّل معها منظومة حماية متكاملة: فالمادة 23 تصون حق الملكية الخاصة وتشترط لنزعها أو تقييدها مقتضى المصلحة العامة مقابل تعويض عادل، وهو ما يجعل أي تعطيل لملفات الملكية العقارية في المناطق المتنازع عليها مساساً مباشراً بحق دستوري مستقل عن المادة 140 وإن كان متصلاً بها. والمادة 125 تكفل «الحقوق الإدارية والسياسية والثقافية والتعليمية» للقوميات المختلفة، وتصلح سنداً لأي مطالبة بصون الطابع الإداري القائم لمنطقة ذات تكوين قومي محدد ريثما يُحسم وضعها. أما المادتان 121 و122 فتنظمان صلاحيات الأقاليم والمحافظات وحق أي محافظة أو أكثر في تكوين إقليم، وهو سياق قانوني تُستحضر فيه غالباً حجة «الصلاحيات الإدارية الطبيعية للحكومة الاتحادية» التي تسوقها بغداد لتبرير قرارات مثل تحويل النواحي إلى أقضية.

4. الإشراف الأممي ولجنة المادة 140

نص قرار مجلس الوزراء العراقي في حينه، بالتنسيق مع بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) المكلّفة بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1770 (2007) بمهمة تسهيل الحوار حول الحدود الداخلية المتنازع عليها، على تشكيل لجنة عليا للمادة 140. غير أن عمل هذه اللجنة تعثّر مراراً بسبب الخلاف على منهجية الإحصاء ومعايير تحديد «من كان يسكن المنطقة قبل عام 1968»، وهي نقطة الأساس التي لا يزال أي حل تقني يصطدم بها حتى اليوم.

5. اجتهاد المحكمة الاتحادية العليا

لم تصدر المحكمة الاتحادية العليا حتى الآن حكماً حاسماً بشأن مآل المادة 140 ذاتها، لكنها تطرقت في أكثر من مناسبة — من بينها قرارها الصادر عام 2022 بشأن قانون النفط والغاز في إقليم كوردستان — إلى مبدأ عام مفاده أن أي إجراء تشريعي أو إداري اتحادي يمس مناطق ذات وضع دستوري خاص ينبغي أن يُبنى على توافق سياسي لا على سلطة انفرادية. وهذا المبدأ، وإن لم يُصَغ خصيصاً للمادة 140، يوفر سنداً قضائياً لمن يعترض على قرارات مثل تحويل جلولاء وقره تبة إلى أقضية من دون توافق مسبق مع الأطراف الكوردستانية.

ثالثاً: قره تبة وجلولاء… حين تعود الخريطة إلى الواجهة

في عام 2025، أثار قرار تحويل ناحية قره تبة إلى قضاء وضم نواحٍ أخرى إليها اعتراضات سياسية كوردية واسعة. ووصف النائب العراقي السابق كاروان يار ويس الإجراء بأنه انتهاك دستوري صريح للمادة 140، معتبراً أن المناطق المعنية مشمولة بأحكام تمنع، وفق قراءته، أي تغيير إداري وجغرافي إلى حين استكمال تطبيقها، وربط القضية بإرث التلاعب بالحدود الإدارية الذي رافق سياسات التعريب في العهد السابق.

والخلاف هنا ليس على تسمية «ناحية» أو «قضاء» بحد ذاته، بل على من يملك — من الناحية الدستورية — حق إعادة رسم الخريطة الإدارية قبل أن تُحسم القضية التي وُضعت المادة 140 أصلاً لمعالجتها. فبينما ترى بغداد أن هذه الإجراءات تدخل في إطار الصلاحيات الطبيعية للحكومة الاتحادية بموجب قانون المحافظات غير المنتظمة في إقليم رقم 21 لسنة 2008 وتعديلاته، ترى القوى الكوردية أن المناطق المشمولة بالمادة 140 تتمتع بوضع دستوري استثنائي يُقيّد تلك الصلاحيات إلى حين حسم مصيرها؛ وبين القراءتين تزداد مساحة الشك القانوني والسياسي معاً.

رابعاً:  «لا يمكن القبول بانتهاك المادة 140»

في هذا السياق، تكشف تصريحات کاروان یار ویس ،   في خانقين، حجم القلق السياسي الكوردي في المدينة. ففي أعقاب قرار تحويل جلولاء إلى قضاء، شارك اکبر حيدر ایظآ في اجتماع للأطراف السياسية الكوردستانية في خانقين، مؤكداً أن الهدف هو إيصال صوت المدينة إلى الحكومة الاتحادية عبر حكومة إقليم كوردستان، ورافضاً ما اعتبره تغييراً في منطقة مشمولة بالمادة 140، وداعياً القيادة السياسية الكوردستانية إلى موقف موحد.

وتكتسب هذه التصريحات أهميتها من موقع صاحبها المحلي؛ فهي لا تأتي من مسؤول يتحدث عن خانقين من أربيل أو بغداد، بل من مسؤول حزبي يعمل داخل المدينة نفسها. لكن قراءتها ينبغي ألا تقتصر على بعدها الحزبي، فهي تعكس أيضاً شعوراً سياسياً واجتماعياً أوسع بأن استمرار التأجيل الدستوري قد يتحول تدريجياً إلى واقع إداري جديد يصعب التراجع عنه.

خامساً: خانقين ليست وحدها

ما يحدث في جلولاء وقره تبة لايمكن فصله عن المشهد الأوسع للمناطق المتنازع عليها. ففي ملف العقارات، ظل موضوع إعادة الممتلكات المتأثرة بقرارات النظام السابق أحد أكثر الملفات تعقيداً، رغم وجود سند تشريعي له في قانون هيئة الملكية العقارية رقم 13 لسنة 2010 (المعدِّل لقانون هيئة تسوية النزاعات الملكية العقارية)، الذي ما يزال تطبيقه في المناطق المتنازع عليها منقوصاً وغير مكتمل. وقد تحدث كاروان يار ويس عام 2024 عن جهود الكتل الكوردستانية لإعادة مشروع قانون العقارات إلى جدول أعمال مجلس النواب بعد إزالة الفقرة المتعلقة به منه.

وفي خانقين نفسها، ظهرت خلال السنوات الأخيرة مشكلات متصلة بالأراضي الزراعية والملكية، من بينها شكاوى مزارعين كورد من عدم إدراج أراضيهم ضمن الخرائط الزراعية أو عدم قبول محاصيلهم، في ظل استمرار إشكالية الملكية المرتبطة أصلاً بالمادة 140، وهي شكاوى نقلتها وسائل إعلام محلية في حزيران/يونيو 2025 مشيرة إلى أن آلاف المزارعين يواجهون هذه المشكلة سنوياً. وهكذا لا تبدو المادة 140 لسكان المنطقة نصاً بعيداً في كتاب القانون، بل قضية تدخل في تفاصيل حياتهم اليومية: الأرض، والزراعة، والملكية، والإدارة، والأمن، ومستقبل أبنائهم.

سادساً: الأمن لا ينبغي أن يصبح بديلاً عن الدستور

هناك حجة أخرى تُطرح باستمرار في المناطق المتنازع عليها، وهي أن الأولوية يجب أن تكون للأمن ومواجهة تنظيم داعش وبقايا الجماعات المسلحة. ولا يمكن التقليل من أهمية هذه الحجة؛ فالمناطق الممتدة بين خانقين وجلولاء وقره تبة شهدت خلال السنوات الماضية تحديات أمنية حقيقية، وأدى الفراغ الأمني في بعضها إلى نزوح سكان من القرى والأطراف.

لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الأمن من وسيلة لحماية السكان إلى مبرر لتأجيل الحل السياسي والدستوري إلى أجل غير مسمى. فقانونياً، لا تتضمن المادة 140 ولا أي نص دستوري آخر ما يُجيز تعليق استحقاق دستوري بذريعة الظرف الأمني؛ فالأمن المستدام يحتاج إلى إدارة واضحة، والإدارة تحتاج إلى شرعية، والشرعية في المناطق المتنازع عليها لا يمكن فصلها عن الدستور. ومن هنا فإن الحل الأمني وحده لن ينهي مشكلة خانقين.

سابعاً: المشكلة ليست في بغداد وحدها

قد يكون من السهل سياسياً تحميل بغداد وحدها مسؤولية تعطيل المادة 140، لكن هذه القراءة ناقصة؛ فالمسؤولية عن عدم الوصول إلى حل نهائي تقع، بدرجات مختلفة، على عاتق القوى السياسية العراقية والكوردستانية معاً. لقد تحولت المادة 140 خلال السنوات الماضية من مشروع دستوري للحل إلى ورقة تفاوضية تُستخدم عند اشتداد الخلاف بين بغداد وأربيل، ثم تتراجع إلى الخلف عندما تتقدم ملفات أخرى كالنفط والموازنة والرواتب والمناصب الاتحادية.

وهكذا أصبح الملف يعيش حالة من «التجميد السياسي»: لا يُلغى، ولا يُنفذ. وهذا، من الناحية القانونية، أخطر من الإلغاء نفسه؛ فالإلغاء يفتح باباً سياسياً وقانونياً واضحاً يمكن الطعن فيه أو البناء عليه، أما التجميد فيُبقي النص معلقاً بلا رقابة فعلية، ويسمح لكل طرف بأن يفسّر الواقع وفق مصالحه.

ثامناً: التغيير الديموغرافي… كيف نُثبت الوقائع؟

من الضروري أن يكون الخطاب السياسي أكثر دقة قانونياً؛ فليس كل تغيير إداري تغييراً ديموغرافياً، وليس كل قرار باستحداث قضاء أو ناحية دليلاً تلقائياً على وجود مشروع للتعريب. غير أن المعيار الدولي المرجعي، وإن لم ينطبق حرفياً على وضع المناطق المتنازع عليها داخل الدولة العراقية الواحدة، يبقى مفيداً استئناساً: فاتفاقية جنيف الرابعة (1949)، في مادتها 49، تحظر نقل السكان أو تغيير التكوين الديموغرافي لمنطقة بفعل قرار سلطة لا تستند إلى إرادة سكانها، وهو المبدأ ذاته الذي استُلهمت منه فلسفة المادة 140 حين اشترطت التطبيع قبل أي تغيير في التبعية الإدارية.

والمطلوب عملياً ليس الاكتفاء باتهام طرف بالتغيير الديموغرافي، بل فتح الملفات أمام القضاء والبرلمان والجهات المختصة، عبر أسئلة محددة: من كان يسكن المنطقة قبل عام 1968؟ من هُجّر؟ من عادت عائلته؟ من بقي خارج أرضه؟ ما هي ملكية العقارات وسجلاتها الرسمية؟ ما هي الحدود الإدارية التاريخية الموثقة؟ وما الذي تغيّر بعد عام 2003، وبعد عام 2017، وبعد القرارات الإدارية الأخيرة؟ هذه الأسئلة وحدها كفيلة بنقل القضية من الخطاب السياسي إلى التحقيق المؤسسي والقانوني.

تاسعاً: ما الذي تريده خانقين؟

ربما يكون الخطأ الأكبر هو اختزال خانقين في سؤال «مع من ستكون؟»، فهذا السؤال يفترض أن مستقبل المدينة لا يمكن أن يكون إلا نتيجة صراع صفري بين بغداد وأربيل. لكن خانقين تحتاج أولاً إلى دولة تحترم حقوق سكانها، أياً كانت قومياتهم، استناداً إلى المادة 125 من الدستور التي تكفل حقوق جميع المكونات الإدارية والسياسية والثقافية والتعليمية من دون تمييز.

إن حماية الهوية الكوردية للمدينة لا تعني إلغاء وجود العرب أو التركمان أو أي مكون آخر، كما أن حماية حقوق المكونات الأخرى لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لإنكار التاريخ السكاني والسياسي للمدينة. وخانقين، في تاريخها الاجتماعي، كانت قادرة على إنتاج نموذج للتعايش، ولذلك فإن الدفاع عن حقوقها ينبغي أن يكون دفاعاً عن التنوع، والملكية، والمواطنة، والتمثيل العادل، وسيادة القانون — وهذا ما يجعل القضية أكبر من صراع حزبي.

عاشراً: نحو إعادة فتح المادة 140 — خطوات عملية بسندها القانوني

إذا كانت المادة 140 قد تعطلت طوال هذه السنوات، فإن استمرار التعطيل لن يؤدي إلا إلى جعل تنفيذها أكثر صعوبة؛ فكل سنة تمر تعني تغيراً جديداً في السكان والعمران والملكية والإدارة. ولهذا فإن إعادة فتح الملف لا تعني بالضرورة العودة إلى الوراء، بل الاعتراف بأن المشكلة لم تُحل، عبر خطوات من بينها:

أولاً — تشكيل لجنة اتحادية–كوردستانية مستقلة وشفافة لإعادة تقييم ملفات المناطق المشمولة بالمادة 140، بالاستناد إلى الصلاحية التي يمنحها قرار مجلس الوزراء الأصلي بتشكيل لجنة المادة 140، مع تحديث تشكيلها وآلية عملها.

ثانياً — تجميد أي تغيير جوهري في الحدود الإدارية للمناطق المتنازع عليها لحين التحقق من انسجامه مع المادتين 140 و125، بما يوازي مبدأ «عدم الإخلال بالوضع القائم» (status quo) المعمول به في القانون الدستوري المقارن للمناطق ذات النزاع على التبعية إلى حين حسم وضعها القانوني.

ثالثاً — إعادة فتح ملف العقارات والممتلكات استناداً إلى قانون هيئة الملكية العقارية رقم 13 لسنة 2010، بصورة تضمن حقوق أصحابها الأصليين من دون تمييز قومي أو مذهبي.

رابعاً — ضمان عودة النازحين إلى قراهم ومناطقهم الأصلية، تفعيلاً لروح المادة 140 ذاتها في مرحلة «التطبيع»، مع توفير الأمن والخدمات التي تجعل العودة ممكنة ومستدامة.

خامساً — اعتماد آلية أمنية مشتركة في المناطق التي تعاني من الفراغات الأمنية، بما يمنع تحويل السكان إلى ضحايا للصراع بين المؤسسات والقوى المسلحة.

سادساً — الانتقال من استخدام المادة 140 كورقة تفاوضية إلى التعامل معها بوصفها استحقاقاً دستورياً نافذاً غير قابل للتقادم إلا بتعديل دستوري صريح وفق المادة 126.

خاتمة: حين يصبح الزمن طرفاً في النزاع

تقف خانقين اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: من جهة، هناك تاريخ من سياسات التغيير السكاني والإداري لم تُعالج آثاره بصورة كاملة؛ ومن جهة أخرى، هناك مادة دستورية وُضعت لمعالجة هذا الإرث، لكنها بقيت معلّقة بعد انقضاء موعدها المحدد من دون أن تفقد نفاذها القانوني. وبين الاثنين تستمر الخريطة في التغيّر.

وهنا تكمن المفارقة الأخطر: كلما تأخر تطبيق المادة 140، ازدادت تعقيداً الوقائع التي يُفترض أن تعالجها. فتحويل جلولاء إلى قضاء، أو إعادة رسم حدود قره تبة، أو استمرار إشكالات الملكية في خانقين، قد تبدو كل واحدة على حدة قضية إدارية بحتة؛ لكنها حين توضع في سياق تاريخ المنطقة وتعطيل المادة 140، تصبح جزءاً من سؤال أكبر يتعلق بمستقبل المناطق المتنازع عليها كلها.

والمطلوب ليس انتصار بغداد على أربيل، ولا انتصار أربيل على بغداد، بل أن ينتصر الدستور على منطق الأمر الواقع. فخانقين لا تحتاج إلى خريطة جديدة بقدر ما تحتاج إلى خريطة قانونية عادلة؛ خريطة تعترف بتاريخها، وتحمي سكانها، وتصون تنوعها، وتعيد الحقوق إلى أصحابها، وتترك القرار النهائي لأهل المنطقة وفق الآليات الدستورية ذاتها. أما استمرار التأجيل، فلن يحافظ على الوضع القائم — بل سيُنتج، بصمت، وضعاً جديداً مختلفاً كل يوم.


01/09/2026