×

  تركيا و الملف الکردي

  كيف يراهن أردوغان على توظيف السلام مع الكرد داخليا وإقليميا؟



*د. إبراهيم فوزي

اختبار التسوية

 

*مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

في خطوة وصفت بأنها تاريخية، وافق البرلمان التركي في 10 أغسطس 2026 على مشروع القانون الإطاري للسلام، الذي قدمه تحالف الشعب الحاكم بقيادة حزب العدالة والتنمية، وحمل اسم "قانون تعزيز التضامن الوطني والتماسك الاجتماعي"؛ وذلك بهدف تنظيم نزع سلاح حزب العمال الكردستاني وإعادة دمج عناصره في المجتمع التركي.

وهي الخطوة التي ثمّنها الرئيس رجب طيب أردوغان، وصادق على القانون ليدخل حيز التنفيذ رسميا في 18 أغسطس بعد نشره في الجريدة الرسمية؛ معتبرا إياه محطة مهمة في السعي نحو جعل "تركيا خالية من الإرهاب". وذلك في إشارة إلى أن التشريع الجديد يعد أول اختراق حقيقي في مباحثات السلام التي بدأت عام 2024، وأنه يضفي طابعا رسميا على إنهاء الصراع بين أنقرة والحركة الكردية الانفصالية الذي بدأ منذ ثمانينيات القرن الماضي، وراح ضحيته قرابة 40 ألفا.

ويسعى هذا التحليل إلى تناول الظروف التي أفرزت القانون الجديد وردود فعل أبرز الأحزاب السياسية عليه، ثم يسلط الضوء على التداعيات السياسية والمؤسسية للقانون على المسألة الكردية في تركيا، وأخيرا يهدف إلى التعرف على دوافع الرئيس أردوغان من إصدار القانون الجديد وعلاقة ذلك بمستقبل السياسة التركية تجاه الكرد داخليا وإقليميا خلال الفترة المقبلة.

 

سياق معقد:

لم يكن صدور القانون الجديد أمرا يسيرا؛ حيث تأتي التسوية الراهنة بعد عدة محاولات فاشلة كان أحدثها انهيار محادثات السلام بين السلطات التركية وحزب العمال الكردستاني عام 2015. فمنذ ذلك الوقت، دخلت العلاقة بين الطرفين مرحلة جديدة من التصعيد العسكري والأمني، ولا سيّما بعد محاولة الانقلاب العسكري الفاشل في يوليو من العام التالي؛ إذ شنت أنقرة على إثره حملة شرسة ضد المشتبه في انتمائهم للحزب. وفي السنوات التالية، ظلت العلاقات متوترة بين الطرفين؛ بسبب الهجمات على قواعد الجيش التركي في العراق؛ ما دفع الأخير إلى تكثيف هجماته ضد قوات الحزب.

غير أن مباحثات السلام شهدت انفراجة نسبية منذ أكتوبر 2024، بعدما صدرت تصريحات عن زعيم حزب الحركة القومية، دولت بهتشلي، وعضو الائتلاف الحاكم المعروف بمواقفه المتشددة تجاه حزب العمال الكردستاني؛ بإمكانية أن يؤدي زعيم الحزب التاريخي، عبدالله أوجلان، والموجود في سجنه بجزيرة إيمرالي التركية منذ 1999؛ دورا في إنهاء التمرد المسلح. وقد مثّلت دعوة بهتشلي تحولا لافتا في الخطاب القومي الرسمي، وسرعان ما استجاب أوجلان لها؛ حيث وجّه دعوة إلى أنصاره بالحزب في فبراير 2025 لإنهاء العمل المسلح؛ ليعلن الحزب حل بنيته التنظيمية فعليا في 12 مايو من نفس العام، فيما نظم بعض أعضائه في 11 يوليو 2025 عملية رمزية في محافظة السليمانية بشمال العراق لإحراق بعض الأسلحة، وذلك بعد يومين من بث فيديو مصور لأوجلان من محبسه لأول مرة يجدد فيه الدعوة للتحول نحو العمل السلمي وترك السلاح.

وتماشيا مع ذلك، أنشأ البرلمان التركي في أغسطس 2025 "لجنة التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية" لوضع إطار قانوني وسياسي لمباحثات السلام، والتي رفعت تقريرها الختامي في فبراير 2026، وأخذت السلطات التركية بتوصياتها في مشروع القانون الإطاري للسلام، والذي تكون من 12 بندا. وقد حرص المشرع على وضع ضمانات قانونية لتنظيم عملية العفو وتسهيل عودة الآلاف من مقاتلي حزب العمال الكردستاني السابقين والمدنيين من مخابئهم في شمال العراق، وكذلك النص على حماية الكثيرين من الملاحقة القضائية وتعليق أحكام السجن الصادرة بحق آخرين وفقا لطبيعة الحكم الصادر ضدهم، مع إعطائهم فرصة للاندماج في المجتمع التركي تمهيدا للتمتع بالحقوق السياسية.

وإزاء ذلك، تنوعت ردود فعل القوى السياسية المختلفة على مسودة مشروع القانون. فمن ناحيته، أعلن حزب العمال الكردستاني دعمه للمشروع، مع تأكيد أن مضمونه غير كافٍ ولا يحقق كل المطالب الكردية، خاصة وأن بنوده لا تشمل إصلاحات سياسية، وتعمد إلى استبعاد أوجلان وقيادات الحزب العليا من العفو؛ حيث تستثني المادة السادسة أولئك الصادر بحقهم أحكام في جرائم تستوجب عقوبة السجن المؤبد والمرتكبة قبل 1 يونيو 2005؛ ومع ذلك، صوت حزب المساواة وديمقراطية الشعوب، ممثل الكرد في البرلمان التركي، لصالح المشروع، كما اتخذت قوات حزب العمال الكردستاني خطوات على الأرض تعبر عن تفاهمات مسبقة مع الجيش التركي عبر إخلاء 81 موقعا ومعسكرا عند "النقطة صفر"؛ وهو ما رصدته وسائل الإعلام في الأول من أغسطس 2026؛ بحيث تضاف إلى 72 موقعا سبق إخلاؤها في 19 يونيو الماضي.

وفي سياق متصل، أكد رئيس أكبر أحزاب المعارضة، الحزب الجديد، أوزغور أوزيل، دعمه لمسار السلام، وإن اتهم الحزب الحاكم بإدارة المفاوضات بمعزل عن المعارضة لأغراضه السياسية؛ منتقدا عدم تضمين القانون لضمانات تتعلق بالعملية الديمقراطية. وفي ضوء ذلك، انقسم السلوك التصويتي لأعضاء الحزب؛ حيث وافق على مشروع القانون 35 من أصل 91 نائبا للحزب. فيما شن رئيس حزب "الخير"، مساوات درويش أوغلو، هجوما حادا على القانون؛ واصفا إياه بـ"الخيانة"، وأنه سوف يمكّن "الانفصاليين" من أن يفعلوا عبر السياسة "ما لم يتمكنوا من فعله بالسلاح".

وعلى الرغم مما تقدم؛ لا يمكن القول إن القانون الجديد أثار انقساما اجتماعيا، بقدر ما عبّر عن التباين في توجهات الأحزاب الأيديولوجية ورؤية كل منها للمصلحة السياسية. وتدل على ذلك نتائج استطلاعات الرأي العام التركي في شهر يونيو الماضي، والتي أوضحت أن أغلبية الأتراك يرغبون في أن تتخذ الحكومة خطوات قانونية سريعة لدعم مسار السلام وتحريك المياه الراكدة؛ من أجل دمج أعضاء حزب العمال الكردستاني الذين لم يتورطوا في أعمال إجرامية. كما أنه بالرغم من بيانات الأحزاب ومناوشات ممثليها في البرلمان؛ فقد صدر القانون بموافقة أكثر من 80% من أعضاء المجلس الحاضرين؛ حيث حصد تأييد 467 نائبا، مقابل رفض 87، وامتناع 7 عن التصويت؛ من إجمالي النواب الحاضرين.

 

تداعيات أولية:

لا شك أن القانون الإطاري للسلام مع الكرد أسهم في تحريك الجمود المؤسسي الذي ظل عقبة أمام محاولات تسوية المسألة الكردية في السنوات الماضية. وفي ضوء ذلك، يمكن الإشارة إلى مجموعة من التداعيات الأولية للقانون الجديد على المسألة الكردية في تركيا، ومن أبرزها:

 

1-تأكيد قدرة أنقرة على رسم ملامح المشهد الكردي:

 جاءت رمزية توقيت إقرار القانون بالبرلمان معبّرة عن التحول العميق في موازين القوة بين الدولة التركية والحركة الكردية الانفصالية. فقد تزامنت موافقة البرلمان مع ذكرى توقيع معاهدة سيفر في 10 أغسطس 1920، التي مثّلت في الذاكرة السياسية التركية أحد مظاهر تهديد الوحدة القومية؛ حيث فرضت على الدولة العثمانية التخلي عن الأراضي التابعة لها، التي يقطنها غير الناطقين بالتركية؛ وهو الوضع الذي ألغته لاحقا معاهدة لوزان الموقعة عام 1923.

وبعد أكثر من قرن، تعود الدولة التركية إلى إدارة الملف الكردي، ولكن من موقع القوة، بما يؤكد هيمنتها السياسية. وبوصفها الطرف الذي يملك القدرة العسكرية والمؤسسية والسياسية على تحديد شروط إنهاء الصراع؛ فالقانون الجديد يكرس انتقال حزب العمال الكردستاني من تنظيم مسلح إلى أفراد يخضعون لشروط الدولة وآلياتها القانونية، بعد نزع سلاحه وحل هياكله التنظيمية؛ تمهيدا لخضوع أعضائه لعملية مراجعة قانونية وأمنية دقيقة يصدق عليها رسميا مجلس الأمن القومي، برئاسة أردوغان نفسه، من أجل السماح لمن تنطبق عليهم شروط أنقرة بالعودة إليها.

 

2-إعادة دمج المقاتلين الكرد تدريجيا في المجتمع التركي:

يمثل التشريع الجديد تحولا نوعيا في مقاربة الدولة التركية للمسألة الكردية؛ إذ لا يقتصر على إنهاء الوجود المسلح لحزب العمال الكردستاني، وإنما يضع إطارا مؤسسيا لإدارة مرحلة ما بعد الصراع وإعادة دمج عناصر التنظيم في مؤسسات الدولة والمجتمع. ويظهر ذلك من خلال إنشاء "مجلس التقييم والتنسيق" برئاسة نائب الرئيس التركي جودت يلماز، إلى جانب "لجنة المراقبة" البرلمانية، وسيطلع رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن الهيئتين بصورة دورية على آخر التطورات. وسيتقدم الكرد الراغبون في المصالحة والحصول على العفو بطلباتهم لهذه الجهات التي سوف تنظر فيها وتصدر قرارها خلال فترة محددة.

إلى جانب ذلك، يتبنى القانون شكلا من العدالة الانتقالية المشروطة، عبر التمييز بين المنتمين إلى التنظيم أو الداعمين له ممن لم يتورطوا في جرائم قتل، وبين المتهمين بجرائم جسيمة؛ إذ يتيح تأجيل التحقيقات أو تنفيذ الأحكام لفترات تصل إلى خمس سنوات إذا كانت الجريمة تصل عقوبتها إلى 15 عاما، وعشر سنوات إذا ما كانت الجريمة تتجاوز عقوبتها 15 عاما، مع إمكانية إسقاطها في حال عدم ارتكاب جرائم جديدة؛ ومن ثم يفتح القانون للمرة الأولى مسارا قانونيا لإدماج آلاف الكرد من مقاتلي الحزب في سوريا والعراق، أو المدانين في السجون التركية أو من صدرت بحقهم أحكام غيابية؛ وبذلك تنتقل أنقرة في استراتيجيتها تجاه الكرد الانفصاليين من "المواجهة العسكرية" و"الاحتواء الأمني" إلى "إعادة الاندماج" و"التفاهم المشترك".

 

3-اختبار درجة الانفتاح أمام توسيع التمثيل السياسي للكرد:

 كشفت السنوات الأخيرة عن عدد من القيود المفروضة على النشاط السياسي للكرد. فعلى سبيل المثال، رصد تقرير صادر عن مركز ستوكهولم للحرية في 25 يونيو الماضي إقالة أو سجن أو استبدال 10 رؤساء بلديات ورؤساء مشاركين منتخبين عن حزب المساواة وديمقراطية الشعوب منذ الانتخابات المحلية في مارس 2024؛ وذلك على خلفية إدانات أو تحقيقات مرتبطة بالإرهاب والتعاون مع حزب العمال الكردستاني. وعلى صعيد متصل، استمر احتجاز ومحاكمة عدد من السياسيين والنشطاء الكرد أو فرض قيود على عملهم السياسي للاعتبارات ذاتها.

ولذلك، يمكن أن يشكل القانون الجديد اختبارا لمدى انفتاح النظام السياسي التركي أمام إعادة تشكيل موقع الكرد في الحياة السياسية عبر زيادة نسب تمثيلهم السياسي؛ وهو الأمر الذي ينظر إليه باعتباره جزءا رئيسيا من أي تسوية شاملة للمسألة الكردية، خاصة وأن القانون الجديد يفتح الباب لمناقشة أوضاع عدد من السياسيين الكرد الذين تعرضوا للسجن أو العزل من مناصبهم، ويتضمن بندا يسمح لأولئك الذين تنطبق عليهم شروط العفو بممارسة حقوقهم السياسية بشكل طبيعي بعد ثلاث سنوات.

وفي هذا السياق، قد يفتح القانون، وفق كيفية تطبيقه والقرارات القضائية اللاحقة؛ الباب أمام إعادة النظر في بعض القيود المفروضة على عدد من السياسيين الكرد، ومن بينهم صلاح الدين دميرتاش، النائب والمرشح الرئاسي السابق، والرئيس المشارك سابقا لحزب الشعوب الديمقراطي (الممثل للكرد وقتذاك)، والمسجون منذ عام 2016؛ حيث برأته المحكمة من تهمة القتل العمد، وإن حكم عليه في 2024 بالسجن لمدة إجمالية بلغت 42 عاما في تهم تنظيمية وسياسية أخرى.

 

4-الإبقاء على سؤال الهوية الكردية مفتوحا:

 من الواضح أن القانون الجديد حرص على التسوية القانونية لأوضاع المقاتلين أولا، ثم أبدى اهتماما أقل بالحقوق السياسية للكرد. وفي المقابل، لم يتناول المطالب المتعلقة بالهوية والثقافة واللغة الكردية، وإلى أي مدى يمكن التوفيق بينها وبين الهوية التركية. ولا شك أن انتهاء التهديد الأمني سوف يفتح الباب أمام الكرد لطرح تساؤلات أكبر بخصوص الاعتراف الثقافي بهويتهم المستقلة داخل المجتمع التركي، وتوسيع الحق في استخدام لغتهم المحلية في التعليم والقضاء والإدارة، مع الاعتراف بوحدة الدولة، لا سيّما وأن حزب العمال الكردستاني قد أعلن عن تخليه عن مطالب "الانفصال" وتأسيس "دولة كردية مستقلة" منذ فترة طويلة.

أضف إلى ذلك أن ثمة مطالب كردية متكررة بتخفيف "قانون مكافحة الإرهاب"، والذي يشمل بنودا يصفونها بأنها "فضفاضة"، وتجعل أية تصريحات مؤيدة لمطالب الكرد الثقافية مبررا لإصدار أحكام بالسجن. ويعني ذلك أن قضايا الحقوق الثقافية سوف تكون أولى الاختبارات الحقيقية للمرحلة القادمة من عملية التسوية، والتي سوف تثبت مدى قدرة الدولة التركية على احتواء المسألة الكردية.

 

رهانات أردوغان:

تكشف التداعيات الأولية للقانون الجديد أن الرئيس أردوغان يدير مجموعة من التوازنات الدقيقة بين القوميين المؤيدين لمسار التسوية مع الكرد والرافضين لها، وكذلك بين المطالب الكردية بحقوق سياسية وثقافية أكبر وبين المتشددين إزاء ذلك. وفي هذا الإطار، من المهم الإشارة إلى كيفية تفكير الرئيس أردوغان في توظيف المسألة الكردية، وكيف يمكن أن تؤدي دورا في تشكيل السياسة التركية على الصعيدين الداخلي والإقليمي، وذلك على النحو التالي:

 

1- إضعاف معسكر المعارضة التركية في الانتخابات المقبلة:

ففي أحدث استحقاق انتخابي للبلديات عام 2024؛ أدى حزب المساواة وديمقراطية الشعوب دور "صانع الملوك" في السياسة التركية، بعدما أسهم دعمه لمرشحي أكبر أحزاب المعارضة آنذاك، حزب الشعب الجمهوري، في هزيمة حزب العدالة والتنمية الحاكم لأول مرة منذ تأسيسه؛ ولذلك، يبدو أن تسريع تسوية الملف الكردي جاء انعكاسا لرغبة الرئيس أردوغان في كسب ثاني أكبر أحزاب المعارضة حاليا، حزب المساواة وديمقراطية الشعوب، إلى صفه، وإبعاده عن معسكر المعارضة الذي يعاني انقساما منذ الأزمة القانونية التي عصفت بحزب الشعب الجمهوري، وانتهت برحيل أوزيل، وتأسيسه الحزب الجديد في يوليو الماضي، وتزايد أعداد المنشقين المنضمين إليه وأبرزهم أكرم إمام أوغلو من محبسه في 12 أغسطس الجاري.

وبالتوازي مع ذلك، يتبع الحزب الحاكم استراتيجية استقطاب نواب المعارضة لتقويض قدراتها، وكان من أحدث نتائج ذلك إعلان الرئيس أردوغان انضمام نائبين من حزب الخير القومي ونائب من حزب المستقبل؛ ليرتفع عدد نواب حزب العدالة والتنمية الحاكم إلى 280 نائبا، وذلك على هامش كلمته بالذكرى 25 لتأسيس الحزب في 14 أغسطس الجاري. ويؤكد ما تقدم أن تسوية المسألة الكردية لا يمكن أن تقرأ بمعزل عن استراتيجية أوسع يتبعها أردوغان لتفكيك المعارضة؛ مما قد يمنحه هامشا أكبر للمناورة في الانتخابات المقبلة.

 

2- عقد صفقة محتملة مع الكرد تمهيدا لإبقاء أردوغان في السلطة:

يواجه أردوغان قيودا دستورية على الترشح لولاية رئاسية جديدة عام 2028، ولا يملك بديلا عن تعديل الدستور أو إجراء انتخابات مبكرة إذا ما أراد الاستمرار في السلطة؛ لذا، ينظر البعض إلى التسوية الكردية باعتبارها إحدى أوراق الرئيس أردوغان لإعادة تشكيل التحالفات الانتخابية المقبلة. وفي هذا الإطار، ربما يهدف التحالف الحاكم بقيادة حزب العدالة والتنمية وشريكه حزب الحركة القومية، واللذين يملكان حاليا 326 مقعدا بالبرلمان؛ إلى الاستفادة من أصوات حزب المساواة وديمقراطية الشعوب، والبالغ عددها 56 مقعدا؛ ما يعني امتلاكهما معا 382 مقعدا.

وهكذا، يمنح التحالف مع الكرد أردوغان القدرة على تجاوز عتبة "ثلاثة أخماس المجلس" (360 مقعدا) اللازمة لحل البرلمان وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية جديدة، وفقا لنص المادة 116 من الدستور، أو لطرح أية تعديلات دستورية على الاستفتاء الشعبي وفقا لنص المادة 175 من الدستور. كما يوفر التنسيق مع الكرد فرصة لتكوين تحالف أكبر يضمن موافقة ثلثي أعضاء المجلس (400 عضو) اللازمة لتمرير التعديلات الدستورية مباشرة دون عرضها على الاستفتاء الشعبي.

وفي هذا السياق، ربما تكون قضايا مثل توسيع الحقوق السياسية والثقافية للكرد، وتقديم بعض التنازلات بشأن مصير أوجلان وقيادات حزب العمال الكردستاني، على طاولة المفاوضات بين الحزب الحاكم والكرد لحسم الخطوة المقبلة في مصير أردوغان السياسي.

 

3- إعادة تشكيل السياسة الإقليمية تجاه الكرد في سوريا والعراق:

تنظر تركيا إلى تسوية المسألة الكردية داخليا باعتبارها فرصة لتعزيز قدرتها على التأثير في مستقبل الترتيبات السياسية والأمنية المتعلقة بالكرد في جوارها الإقليمي، إضافة إلى إتاحة المجال لإعادة توجيه جزء من مواردها المالية والعسكرية نحو تعزيز نفوذها ومصالحها الاستراتيجية في البلدين. فمن ناحية، قد تمنح التسوية أنقرة مساحة أكبر للتحرك في إعادة ترتيب المشهد السوري، ولا سيّما فيما يتعلق بتحديد شكل العلاقة بين الحكومة الحالية في دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بوصفها القوة العسكرية الرئيسية ذات القيادة الكردية في شمال شرقي سوريا. كما قد تعزز تمسك أنقرة بالاتفاق المبرم في يناير 2026 بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، والذي وضع إطارا لدمج (قسد) في الدولة السورية؛ ما يدعم وحدة سوريا مع ضمان حقوق سياسية وثقافية للكرد فيها، بدلا من قيام كيان كردي مستقل يتمتع بالحكم الذاتي على حدودها الجنوبية.

ومن ناحية أخرى، قد تمنح التسوية مع حزب العمال الكردستاني أنقرة الفرصة لإعادة صياغة علاقتها مع بغداد. فقد مثّل تمركز عناصر الحزب في شمال العراق، ولا سيّما في جبال قنديل وسنجار؛ هاجسا أمنيا مستمرا لتركيا، ودفعها إلى زيادة عدد القواعد العسكرية داخل الأراضي العراقية، وتكثيف عملياتها العسكرية لمواجهة التهديدات المحتملة. وقاد ما تقدم إلى توتر نسبي في علاقتها مع بغداد، التي نظرت إلى بعض التحركات العسكرية التركية على أنها تمس السيادة العراقية.

وهكذا، فإن تفكيك البنية العسكرية لحزب العمال الكردستاني؛ قد يهيئ الظروف للانتقال بالعلاقات التركية العراقية من التركيز على إدارة التهديدات والعمليات العسكرية إلى توسيع مجالات التعاون الاقتصادي والسياسي. وقد بدأ هذا التحول يكتسب زخما عمليا في 1 أغسطس الجاري، مع توقيع البلدين اتفاقا لمدة عام لاستئناف تشغيل خط أنابيب العراق–تركيا؛ ما يعكس تزايد ارتباط التسوية الجديدة بالمصالح الاقتصادية ومشروعات الطاقة والتجارة التي تجمع أنقرة وبغداد وأربيل.

 

ختاما،

 لا تقتصر أهمية "قانون تعزيز التضامن الوطني والتماسك الاجتماعي" على كونه إطارا قانونيا لتسوية ملف حزب العمال الكردستاني وإعادة دمج مقاتليه في المجتمع التركي وحسب، وإنما تمتد تأثيراته إلى إعادة تشكيل المسألة الكردية برمتها، سواء على مستوى علاقة الدولة التركية بمواطنيها الكرد، أم علاقة التحالف الحاكم بحزب المساواة وديمقراطية الشعوب الممثل للكرد، وكذلك على مستوى المقاربة التركية للقوى الكردية المنتشرة في جوارها الإقليمي، ولا سيّما في سوريا والعراق.

ويبقى القول إن المستقبل القريب سوف يكشف قدرة مؤسسات الدولة التركية على تنفيذ إجراءات نزع السلاح وإعادة دمج عناصر حزب العمال الكردستاني، وكذلك قدرة الرئيس أردوغان على احتواء مخاوف التيار القومي في الداخل، وإدارة التوازن الدقيق بين متطلبات التسوية مع الكرد واعتبارات الأمن والاستقرار السياسي. كما أنه سوف يكشف أيضا عما إذا كان القانون الجديد سيمثل نقلة تاريخية لحل المسألة الكردية في تركيا أم مجرد ورقة لإعادة هندسة الوجود الكردي بما يخدم المصالح السياسية للحزب الحاكم داخليا وإقليميا.

*مدرس بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة


01/09/2026