×

  الاتحاد الوطني الکردستاني

  روجآفا بين منطق «الكل أو لا شيء» وسياسة «خطوة بخطوة»



*لطيف نيرويي

*الترجمة : محمد شيخ عثمان

تكشف حصيلة التجربة التاريخية للنضال التحرري الكردي أن منطق «إما كل شيء أو لا شيء» لم يكن خيارا سياسيا ناجحا، بل كان في كثير من المحطات سببا في ضياع الفرص وانتهاء الثورات إلى نتيجة مؤلمة مفادها: «لا شيء». فقد أثبتت الوقائع أن رفض الممكن سعيا وراء الكامل كثيرا ما أدى إلى خسارة الممكن والكامل معا.

وانطلاقا من هذا المنظور، فإن تقييم اتفاق روجآفاي كردستان مع حكومة دمشق ينبغي ألا ينطلق من منطق الرفض أو القبول المطلق، بل من منظور السياسة الواقعية، ومن مبدأ النضال التراكمي القائم على تحقيق المكاسب خطوة بعد أخرى. ففي ظل المعطيات الراهنة، لا يقف أمام روجآفاي كردستان سوى خيارين رئيسيين:

الخيار الأول:انتهاج سياسة «اللعبة الصفرية»، أو منطق «إما كل شيء أو لا شيء»:هذا الخيار يتطلب توافر ظروف داخلية وإقليمية ودولية مواتية، وهي ظروف تميل اليوم بوضوح إلى خدمة مصالح حكومة دمشق أكثر مما تخدم مصالح الكرد. وعليه، فإن الإصرار على هذا النهج في ظل موازين القوى الحالية لن يقود إلا إلى إهدار الفرص، وقد ينتهي بالكرد إلى خسارة ما هو متاح، لتقترب محصلتهم السياسية من الصفر.

الخيار الثاني: اعتماد «اللعبة غير الصفرية»، القائمة على مبدأ تحقيق الممكن وانتزاع المكاسب الواقعية ضمن حدود موازين القوى والظروف القائمة. ويعد هذا الخيار أكثر واقعية وجدوى، لأنه يتيح للكرد ضمان جملة من الحقوق والمكتسبات القابلة للتطوير والبناء عليها مستقبلا.

ويبدو أن تبني الجنرال مظلوم عبدي لهذا النهج جاء استنادا إلى قراءة متأنية لتجارب الثورات الكردية السابقة، وإلى قناعة مفادها أن النضال السياسي لا ينبغي أن يرهن جميع أوراقه بخيار واحد أو مرحلة واحدة، بل يجب أن يقوم على التدرج في تحقيق الأهداف، واستثمار الفرص المتاحة بما يخدم المصلحة الوطنية.

فالخبرة التاريخية تؤكد أن إبرام اتفاق يضمن جزءا من الحقوق القومية، مهما كان محدودا، أكثر حكمة وواقعية من رفضه والمجازفة بخسارة كل شيء. إذ إن الإخفاق في التوصل إلى تسوية قد يفضي إلى تداعيات خطيرة، أبرزها:

-فقدان الدعم والإسناد الدولي.

-تصاعد التهديدات الداخلية والخارجية.

-حدوث فراغ أمني يهدد الاستقرار.

-استمرار معاناة مئات الآلاف من النازحين، إلى جانب تعقيد المشكلات الإدارية والخدمية، وتعريض أرواح المواطنين الكرد وممتلكاتهم لمزيد من المخاطر.

-بقاء أزمة الجنسية من دون حل، بما يعني استمرار حرمان شريحة من الكرد من حقوق المواطنة الكاملة، وفي مقدمتها حق التملك والتصرف القانوني بأملاكهم.

وبناء على ذلك، أصبح الخيار الثاني بمثابة خارطة الطريق للمرحلة الراهنة، وانتقل من كونه رؤية سياسية إلى مسار عملي للتنفيذ. ووفق هذا المسار، تطوى مرحلة النضال المسلح، لتفسح المجال أمام مرحلة جديدة قوامها النضال السياسي والمؤسساتي عبر الأطر البرلمانية والقانونية والدستورية. كما يتيح هذا التحول لجميع القوى السياسية في روجآفاي كردستان، بما فيها تلك التي لم تكن جزءا من الكفاح المسلح، الانخراط في العملية السياسية والمساهمة في الدفاع عن الحقوق القومية عبر الوسائل الديمقراطية والمؤسساتية.

ومن شأن هذا المسار أن يهيئ للشعب الكردي في سوريا فرصة لتحقيق جملة من المكاسب والحقوق التي طال انتظارها، ومن أبرزها:

-الاعتراف الرسمي باللغة الكردية لغة وطنية إلى جانب اللغة العربية، وهو مطلب تاريخي ظل الشعب الكردي في سوريا يناضل من أجله وينتظر تحقيقه لعقود.

-إضفاء الشرعية القانونية على التعليم باللغة الكردية في المناطق الكردية، بما يكفل للشعب الكردي حقه الطبيعي في التعلم بلغته الأم، بعد سنوات طويلة من سياسات الحرمان والتهميش، التي حرم خلالها عدد كبير من الكرد السوريين حتى من أبسط حقوق المواطنة.

-ضمان مشاركة الكرد في الحكومة المركزية على أساس الشراكة القومية، بما يعكس حضورهم ودورهم في إدارة الدولة.

-تخصيص تمثيل قومي للكرد في المجلس الوطني، بما يضمن مشاركتهم في المؤسسة التشريعية ويكرّس حضورهم السياسي ضمن النظام الدستوري للدولة.

-أما على الصعيد العسكري، فإن الاتفاق لا يعني نزع سلاح القوات الكردية أو حلّها، وإنما إعادة تنظيمها ودمجها ضمن هيكلية جديدة، لتصبح جزءا من القوات المسلحة للدولة، مع الحفاظ على دورها وخبراتها التي اكتسبتها خلال سنوات القتال.

ومع ذلك، فإن التوصل إلى تسوية لقضية معقدة وحساسة بحجم القضية الكردية في سوريا لا يمكن أن يكون اتفاقا مثاليا أو خاليا من الثغرات، كما أنه لن يلبّي، بالضرورة، جميع تطلعات الشعب الكردي. ومن ثم، فإن توجيه النقد إلى الاتفاق أو إبداء التحفظ على بعض بنوده يعد أمرا مشروعا وطبيعيا.

غير أن ما يصعب تبريره هو رفض الاتفاق برمّته، في الوقت الذي لا يطرح فيه أي بديل عملي وأكثر جدوى، قادر على تحقيق مكاسب أكبر أو توفير ضمانات أفضل لحل هذه القضية.


01/09/2026