*سنان سيدي
صحيفة"جيروزاليم بوست" /الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان
قبل فجر يوم 18 أغسطس، قامت طائرات إسرائيلية بتدمير مدرج الطائرات ومرافق التخزين في قاعدة أبو الظهور الجوية في شرق إدلب، على بعد حوالي 70 كيلومترا من الحدود التركية، مما أسفر عن ثماني غارات وأضرار مادية كبيرة، ولكن دون وقوع إصابات.
توالت الإدانات أسرع من تقييم الأضرار بعد أن أعلنت دمشق أن العملية انتهاك صارخ لسيادتها. واتهمت أنقرة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو باتباع سياسات "توسعية ومزعزعة للاستقرار" قبيل انتخابات إسرائيل المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول. ووصف سفير واشنطن في أنقرة، توم باراك ، العملية بأنها "تصعيد غير ضروري" لا يسهم في تحقيق السلام الإقليمي.
أكد مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن القدس ودمشق اتفقتا على الحفاظ على الوضع الأمني الراهن، لكن سوريا "على وشك خرقه" بالسماح للقوات التركية بالانتشار في قاعدة جوية قرب حلب. وكانت إسرائيل قد حذرت دمشق مرارا، لكن دمشق اختارت المضي قدما على أي حال.
لا ينبغي لأحد أن يأخذ احتجاجات تركيا أو باراك على محمل الجد،ففي مارس/آذار 2025، أجرت فرق عسكرية تركية مسحا لمدارج الطائرات وحظائرها في قاعدتي T4 وتدمر الجويتين في محافظة حمص، بالإضافة إلى المطار الرئيسي في حماة، وذلك في إطار مفاوضات أنقرة مع الحكومة السورية الجديدة بشأن اتفاقية دفاع مشترك. ولم يجرَ تفتيش لاحق كان مقررا في 25 مارس/آذار، نظرا لقصف الطائرات الإسرائيلية للموقعين قبل ساعات. ثم شنت إسرائيل غارة أخرى على قاعدة T4 في أوائل أبريل/نيسان، ما جعلها، وفقا لتقييم استخباراتي إقليمي، غير صالحة للاستخدام.
وكانت الرسالة واضحة آنذاك كما هي الآن: لن تسمح إسرائيل بوجود قوة جوية أخرى، لا سيما تابعة لحكومة هددتها بالغزو، لتقويض حريتها في العمل فوق سوريا. إن اعتقاد إسرائيل بأن الوجود العسكري لأنقرة في سوريا يهدد أمنها ليس بالأمر الجديد في القدس، فقد دافعت الحكومة الإسرائيلية عن هذا الرأي لأكثر من عام.
إن الخطوط الحمراء الإسرائيلية في سوريا ليست لغزا، ولا تتعلق بخطاب أحمد الشرع، بل بالقدرات والثقة.
الشرع قائد سابق في تنظيم القاعدة، وقد استقبل بحفاوة في العواصم الغربية على أمل أن يكون قد تغير.
ربما يكون قد تغير بالفعل. لكن جيشه لا يزال يضم تشكيلات جهادية أجنبية، بما في ذلك وحدات من الحزب الإسلامي التركستاني، الذي ترتبط قيادته بمجلس شورى القاعدة.
وفي الوقت نفسه، يعيد تنظيم الدولة الإسلامية تنظيم صفوفه مع تقلص الوجود الأمريكي. لا تملك إسرائيل ترف افتراض أن دولة بنيت على هذه الأسس، ومسلحة ومحمية جويا من قبل أنقرة، ستبقى غير عدائية بشكل دائم. وقد أشار محللون رصينون إلى أن التوصل إلى تفاهم أمني فعال بين سوريا وإسرائيل أمر ممكن، وهذا تحديدا ما يجعل وجود حامية تركية داخل حدود الاتفاق أمرا بالغ الخطورة.
ترد أنقرة بأن وجودها في سوريا قانوني لأن دمشق توافق عليه، بينما وجود إسرائيل غير قانوني. كما نفت تركيا بشكل قاطع أي انتشار للقوات في أبو الظهور، واصفة الادعاء الإسرائيلي بأنه ذريعة ملفقة، على الرغم من أن المسؤولين الإسرائيليين يؤكدون أن معلومات استخباراتية بالغة الحساسية حول هذا الانتشار قد تم تبادلها مع واشنطن مسبقا. ومع ذلك، لا تزال حجة الموافقة تستحق التدقيق في حد ذاتها، لأنها تعد مثالا صارخا على التفسير القانوني بأثر رجعي.
نادرا ما انتظرت تركيا إذنا عند دخولها سوريا. فقد شنت ثلاث عمليات عسكرية رئيسية عبر الحدود - عملية درع الفرات عام 2016، وعملية غصن الزيتون ضد عفرين عام 2018، وعملية نبع السلام عبر رأس العين وتل أبيض عام 2019 - وبررت أنقرة كل عملية منها بأنها دفاع عن النفس ضد الإرهاب، ونفذت جميعها رغم اعتراض دمشق الصريح.
وقامت تركيا بتسليح وتمويل الميليشيات الإسلامية والجهادية طوال فترة الحرب. ولا تزال تسيطر فعليا على مساحات واسعة من الشمال، وتواصل دفع رواتب فصائل الجيش الوطني السوري السابقة التي اندمجت الآن في الجيش السوري الجديد - وهي فصائل موثقة باحتجاز المدنيين وابتزازهم وإساءة معاملتهم.
إذن، العقيدة التركية السائدة هي كالتالي: يحق لأنقرة عبور الحدود واحتلال أراضٍ أجنبية عندما ترى تهديدا لأمنها القومي، وعلى الجميع قبول ذلك، باستثناء إسرائيل.
أمضت تركيا عقدا من الزمن في تقويض السيادة السورية، وقضت الأشهر العشرين الماضية في التذرع بـ"وحدة الأراضي السورية" كما لو كانت مبدا تأسيسيا. هذا ليس قانونا، بل هو مجرد موقف إقليمي مقنع بالقانون.
لا نعلم على وجه التحديد ما هي الأصول أو الأنشطة التي دمرها الجيش الإسرائيلي في أبو الظهور. وقد أوضحت إسرائيل مبرراتها دون الكشف عن معلوماتها الاستخباراتية، وهو إجراء معتاد عندما يتعلق الأمر بالمصادر والأساليب. لكن من شبه المؤكد أن هيئة الأركان العامة التركية تعرف تماما ما كان موجودا هناك، وتعرف أن إسرائيل لن تتسامح مع ذلك، ولديها أسباب وجيهة لتفضيل إبقاء النقاش في نطاق دوافع نتنياهو الانتخابية. والجدير بالذكر أن الحجة الانتخابية هي محور اهتمام أنقرة، وهي تستبدل بسهولة أي سرد للسلوك التركي بادعاء حول النوايا الإسرائيلية.
كما تفضل أنقرة عدم الخوض في شؤون الرأي العام السوري. ففي يوليو/تموز 2024، اجتاحت أعمال شغب مناهضة لتركيا شمال سوريا الخاضع للسيطرة التركية، حيث أحرق المتظاهرون منشآت تركية، وقتل خمسة أشخاص. ولم يتبدد هذا الاستياء. ويدرك السوريون العاديون بشكل متزايد أن التوسع التركي داخل بلادهم يعرض مدارج الطائرات السورية لقصف إسرائيلي متكرر، وأنهم يتحملون تبعات منافسة لم يختاروها.
إن موافقة دمشق، على أي حال، لا تحسم أي شيء فيما يتعلق بإسرائيل. فدولة عضو في حلف الناتو ترفض تصنيف حماس، وتستضيف قيادتها، وكشفت المخابرات الإسرائيلية مؤخرا على أراضيها عن شبكة تمويل تابعة لحماس موجهة من إيران تحول مئات الملايين من الدولارات، لا يحق لها أن تلقي محاضرات على دولة لديها مخاوف مشروعة بشأن الإرهاب. كما أن خطاب أردوغان التصعيدي ليس نتاجا لأحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول، بل يمتد من المواجهة التي وصفها بـ"الدقيقة الواحدة" مع شيمون بيريز في دافوس عام 2009، مرورا بحادثة سفينة مافي مرمرة ، وصولا إلى تباهيه عام 2024 بأن تركيا قد تدخل إسرائيل "كما دخلنا قره باغ، كما دخلنا ليبيا" - وهو تصريح كرره في أبريل/نيسان 2026.
إن غريزة واشنطن لخفض التصعيد سليمة، وآلية ثلاثية لفض الاشتباك جديرة بالبناء؛ إلا أن المحاولات السابقة لم تثمر إلا قليلا. لكن إلقاء اللوم على القدس بشكل تلقائي، قبل أن تتضح الصورة الاستخباراتية، يوحي لأنقرة بأن التصعيد لا يكلف شيئا وأن الضغط الأمريكي يسير في اتجاه واحد.
لقد أمضى أردوغان سنوات يقال له إن تهديداته مجرد كلام. رفضت إسرائيل هذا الافتراض في قاعدة تي 4، ورفضته مجددا في قاعدة أبو الظهور. على توم باراك أن يتساءل عن سبب أهمية قاعدة قرب حلب لدرجة استهدافها قبل أن يستنتج أنه ما كان ينبغي استهدافها.