×

  فاجعة الانفال

  ​ثــلاثيــة جـرائــم الأنفــال القاتلــة والعــدالـــة المعلقــــة



د. محمد رفعت الإمام

* أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر- جمهــوريــة مصـــر العربيـــة

 في غضون أكثر من عام ونصف العام، وتحديدًا منذ 23 فبراير 1987-6 سبتمبر 1988، شن نظام صدام البعثي العربي ثماني حملات عسكرية ضد الكرد فيما يُسمى "عمليات الأنفال" استلهامًا من سورة الأنفال في القرآن الكريم لتكون بمثابة غطاء ديني لعملية إبادة منظمة ومتعمدة للجماعة الكردية المستهدفة. وفي الواقع، لم تكن هذه الحملات حربًا ضد "مقاتلين" في ميدان حرب، بل كانت حربًا شاملة ضد القرى بنسائها وأطفالها. في كلمة موجزة كانت حربًا ضد الذاكرة الكردية، أمر بها صدام حسين، ونفذها مباشرة على حسن المجيد "على الكيماوي" بصفته أمين سر مكتب الشمال، ومعه وزارة الدفاع والاستخبارات وقوات "الجحوش".

وقد تجسد حصاد الأنفال المر في: 182 ألف كردي بين قتيل وفقيد أغلبهم من الرجال الذين تم فصلهم عن أسراتهم وإعدامهم في الصحراء. وتدمير 4500 قرية بالكامل وتجريف حقولها وقتل مواشيها ومحوها من الخرائط الرسمية. وتهجير مليون ونصف مليون كردي قسريًا إلى معسكرات التجميع في توبزاوا ونقرة سلمان. واستخدام السلاح الكيماوي في أربعين موقعًا أبرزها حلبجة يوم 16 مارس 1988م وسقوط خمسة آلاف قتيل في خمس ساعات بغاز الخردل والسارين.

وفي الواقع، لم تكن حملات الأنفال مجرد عمليات عسكرية، ولكنها كانت مختبرًا حيًا لأبشع وأخطر ثلاثية جرائم مركبة ومتداخلة وفقًا لمعايير القانون الدولي بدءًا من الإبادة الجماعية مرورًا بالجرائم ضد الإنسانية وانتهاءً بجرائم الحرب.

حسب مفهوم جريمة الإبادة الجماعية الذي أقرته الأمم المتحدة عام 1948م ووافقت عليه العراق في عام 1950، تُصنف حملات الأنفال جريمة إبادة جماعية متكاملة الأركان المعنوية والمادية. إذ ثبت بجلاء القصد الإبادي من توقيع على حسن المجيد في 20 يونية 1987م باستخدام "كافة الوسائل بما فيها الأسلحة الكيمائية لقتل كل من يتواجد في المناطق المحرمة. وقد استهدفت الحملات القرى الكردية فقط، ولم تمس القرى العربية المجاورة.

وقد اقترف نظام صدام جميع الأفعال الإبادية المنصوص عليها في اتفاقية الإبادة (المادة الثانية). فبخصوص قتل أعضاء من الجماعة المستهدفة "الكرد"، ثمة إعدامات في الصحراء ودفنهم في مقابر جماعية. وعن إخضاع الجماعة عمدًا لظروف معيشية بقصد إهلاكها ماديًا ومعنويًا، ثمة معسكرات التجميع بلا مياه وبلا طعام مع انتشار الأمراض. وهكذا، ارتكب الجناة جريمة إبادة جماعية ضد كرد العراق مع سبق الإصرار والترصد. وعندما أدانت المحكمة العراقية العليا الجناة في 24 يونية 2007م، كانت أول مرة محكمة عربية تستخدم مصطلح "إبادة جماعية" في إدانة قضائية.

ووصلاً للتكييف القانوني لحملات الأنفال، صنفتها المادة السابعة من نظام روما جريمة ضد الإنسانية: "هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد أي مجموعة من السكان المدنيين". وقد اقترف نظام صدام كل أفعال الجرائم ضد الإنسانية: قتل وفقد 182 ألف كردي، تدمير 4500 قرية ومحوها، تهجير مليون ونصف مليون كردي قسريًا، سجن وتعذيب الأطفال والنساء والشيوخ في معسكرات اعتقال، مصادرة الأراضي وتغيير سكاني متعمد. وفي الواقع، لا تحتاج الجرائم ضد الإنسانية ضرورة توافر "القصد الخاص"؛ أي توافر قصد نظام صدام إبادة الجماعة الكردية، ويكفي أن العمليات العسكرية كانت " ممنهجة وواسعة النطاق".

وتأسيسًا على المادة الثامنة من نظام روما الأساسي، تُصنف حملات الأنفال جرائم حرب. ففي الأنفال، استخدم النظام البعثي غاز الخردل والسارين "غاز الأعصاب" في حلبجة، وهو ما دمر خمسة آلاف مدني في يوم واحد. ويُعد استخدام هذه الغازات محرمًا دوليًا بموجب بروتوكول جنيف 1925. كما أن 90% من ضحايا الأنفال مدنيين، وهو ما يتعارض مع تجريم الاستهداف العمدي للمدنيين. وكذلك، قام النظام بتدمير الممتلكات الكردية بلا ضرورة عسكرية عندما انتهج إستراتيجية "الأرض المحروقة"، وجرَّف البساتين والحقول، وقتل المواشي، وفجر المدارس والمساجد.

وجدير بالتسجيل أن التكييفث الأكمل والتوصيف الأمثل لعمليات الأنفال هو "إباة جماعية" وليس "تطهير عرقي". إذ أن غاية التطهير العرقي هو تهجير الناس من أجل الحصول على الأرض. وما حدث في الأنفال هو قتل الكرد وإزاحتهم وإقصائهم بهدف القضاء عليهم كجماعة قومية وعرقية بصفتها بدليل قتل الأطفال والنساء وكبار السن الذين لا علاقة لهم بالعمليات العسكرية.

هكذا، جمعت الأنفال الثلاثي القاتل في القانون الدولي العام بشكل متداخل ومتشابك: إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب. وقد حكمت المحكمة الجنائية العراقية العليا (2006-2010) بالإعدام على حسن المجيد بالإعدام أربع مرات عن جرائم الأنفال بسبب اعترافه الرسمي: "كان عندنا أوامر بقتل كل من هو كردي في المنطقة".

ونظرًا لأن العراق ليس عضوًا في نظام روما، فلم تُحاكم المحكمة الجنائية الدولية (2002) جناة الأنفال لأنه وقعت بين عامي 1987-1988 والمحكمة لا تأخذ بالأثر الرجعي.

ورغم هذا، أحدثت الأنفال تحريكًا نوعيًا في مبادئ القانون الدولي العام. إذ استخدمت المحكمة أوامر الأنفال التي وقعها صدام دليلاً على "القصد الخاص""؛ أي نية الإبادة. وقبل الأنفال، كان القانون يعتبر الغاز سلاح حرب، ولكن بعد حلبجة صار أداة إبادة. وأصبحت المقابر الجماعية التي وثقها فريق خبراء الطب الشرعي من الأرجنتين دليلاً قانونيًا. وأثبتت الأنفال أن مبدأ "سيادة الدولة" ليس مبررًا لاقتراف الإبادة والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب؛ إذ طالت العدالة الجناة من القادة وكبار الموظفين بغض النظر عن مناصبهم ومواقعهم.

ورغم كل هذا، تُعد العدالة ناقصة؛ إذ أن معظم الجناة هربوا أو ماتوا دون القصاص منهم حتى أن صدام الآمر بعمليات الأنفال أُعدم في عام 2006 في قضية الدجيل قبل أن يُحاكم على جرائم الأنفال. كما أن العدالة الانتقالية ناقصة؛ فلا تعويضات، والدم بلا ثمن، ولا تُوجد آلية دولية تُلزم دولة على تعويض شعبها.

وقد اعترفت البرلمانات العراقية والسويدية والنرويجية في عام 2012 بإبادة الأنفال. وفي عام 2013، اعترف بها البرلمان الكندي. وحتى الآن، لا تعترف بها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيران وتركيا ودول جامعة الدول العربية. وبدون اعتراف دولي واسع، سوف تظل جرائم الأنفال "مأساة محلية" وليست جريمة دولية. ويجب شن حملات ضد إنكار الأنفال والتأكيد على أنها جريمة إبادة متعمدة ومنظمة وممنهجة وليست "عملية عسكرية ضد متمردين". وإلى جانب متحف الأنفال بالسليمانية، لابد أن يتحول كل بيت كردي إلى ذاكرة حية؛ فالأنفال لم تنته عند المقابر الجماعية، سوف تنتهي فقط عندما يعترف العالم بها، ويُعوَّض ضحاياها، ويُدرسها في مناهجه. ولذا" فالعدالة حتى الآن معلقة.

 

 

 

 

 

 


17/08/2026