×

  تركيا و الملف الکردي

  من رصاصة الانبعاث القومي إلى طاولات السلام القانوني



*هورين حسن

 

شهد التاريخ المعاصر للشرق الأوسط تحولات جذرية، أعادت رسم الخرائط السياسية والأمنية في المنطقة، ومن أبرز هذه المحطات "قفزة 15 آب" عام 1984.

لم تكن هذه القفزة مجرد حدث عسكري عابر، بل كانت الشرارة الأولى التي نقلت القضية الكردية من حراك فكري ونخبوي إلى مواجهة مسلحة شاملة عابرة للحدود، تاركة آثارا عميقة امتدت لعقود من تركيا إلى سوريا، والعراق، وإيران، قبل أن تصل في الآونة الأخيرة إلى منعرج تاريخي غير متوقع يمهد لإنهاء الإرث المسلح بالكامل.

 

الجذور والخلفيات: من أقبية السجون إلى جبال التدريب

تأتي قفزة 15 آب كرد فعل مباشر على القبضة الأمنية الحديدية التي تلت الانقلاب العسكري في تركيا عام 1980 بقيادة رئيس الأركان الجنرال "كنعان إيفرين".

فرضت سلطات الانقلاب حينها حظرا تاما على الهوية واللغة الكردية، وشنت حملات اعتقال واسعة استهدفت الناشطين والمثقفين الكرد.

في ظل هذا الانسداد السياسي، اتخذ حزب العمال الكردستاني في مؤتمره الثاني بمدينة درعا السورية عام 1982 قرارا بالتحضير للكفاح المسلح كخيار وحيد. وخلال تلك الفترة، جرى تدريب المقاتلين الكرد في معسكرات داخل سوريا وسهل البقاع اللبناني.

وفي ليلة 15 آب 1984، نفذ الجناح العسكري للحزب بقيادة القيادي معصوم قورقماز ( عكيد) هجمات متزامنة ومفاجئة استهدفت ثكنات ومراكز للشرطة التركية في بلدتي "إروه" في محافظة سيرت و"شمدينلي" في محافظة هكاري.

 

الأثر داخل تركيا: كسر حاجز الخوف وتبدل استراتيجية الدولة

بالنسبة للحاضنة الشعبية الكردية، شكلت هذه الرصاصة الأولى ما يسمى بـ "يوم الانبعاث" (Vejîn)، إذ كسرت حاجز الصمت والإنكار، وأحيت الوعي القومي بوجود قضية سياسية وثقافية لا يمكن طمسها.

وتحول الحزب تدريجيا من جماعة أيديولوجية صغيرة إلى حركة جماهيرية تنخرط فيها مختلف فئات المجتمع.

على الجانب الآخر، فرضت الدولة التركية حالة الطوارئ المستمرة لسنوات طويلة وأسست نظام "حراس القرى" لمواجهة حرب العصابات.

ومع استمرار الصراع وتعاظم كلفته الإنسانية التي تجاوزت 40 ألف ضحية، أدركت أنقرة لاحقا أن الحل العسكري وحده غير كافٍ، مما دفع الحكومات المتعاقبة إلى الاعتراف الضمني بخصوصية المنطقة، ووصل الأمر إلى إطلاق مفاوضات مباشرة وسرية خلال "مسيرة الحل السلمي" (2013-2015) قبل أن تنهار وتتجدد العمليات العسكرية عابرة الحدود عبر سلاح الطائرات المسيرة التركية.

 

الامتداد الإقليمي: سوريا، العراق، وإيران

لم تقف مفاعيل قفزة 15 آب عند الحدود التركية، بل امتدت لتشملالأجزاء الأخرى من كردستان:

-سوريا كعمق استراتيجي: استفاد الحزب من التسهيلات التي قدمتها دمشق لقائده عبد الله أوجلان، وهو الوجود التاريخي الذي أسس لقاعدة فكرية متينة بين كرد سوريا، وهي الحاضنة ذاتها التي برزت بعد عام 2011 لتشكل النواة الصلبة للإدارة الذاتية ووحدات حماية الشعب (YPG).

 

- العراق والملاذ الجبلي: وفرت تضاريس جبال قنديل في إقليم كردستان العراق المقر القيادي الخلفي للحزب، وخلق هذا الوجود معادلة بالغة التعقيد تداخلت فيها علاقات الحزب مع القوى العراقية الكردية (الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني) بين التحالفات المصلحية والصراعات المسلحة الدامية على النفوذ.

- إيران وتصدير النموذج: ألهمت التجربة الكرد في إيران، مما أدى لاحقا إلى تأسيس حزب الحياة الحرة الكردستاني ، كما أن الفلسفة الاجتماعية للحركة، وبخاصة أيديولوجية تحرير المرأة، هي التي أنجبت الشعار العالمي "المرأة، الحياة، الحرية" (Jin, Jiyan, Azadî).

 

منعرج 1998: اتفاقية أضنة وتحولات الجغرافيا السياسية

مع نهاية التسعينيات، وصل الصبر التركي تجاه الدعم السوري للحزب إلى ذروته.

وفي أيلول 1998، حشدت أنقرة قواتها على الحدود مهددة باجتياح عسكري. لتفادي الحرب، أخرجت سوريا عبد الله أوجلان من أراضيها ووقعت "اتفاقية أضنة" التاريخية في تشرين الأول 1998، والتي نصت على التعاون الأمني المشترك وملاحقة الحزب، وهي الاتفاقية التي عادت لتتصدر المشهد السياسي مجددا بعد الأحداث السورية عام 2011 كمسوغ قانوني للتدخلات العسكرية التركية.

 

المشهد الراهن: نزع السلاح ومسار التسوية التاريخي

بعد أكثر من أربعة عقود على انطلاق الرصاصة الأولى، يشهد المشهد الراهن تحولا جذريا يضع نهاية للحقبة المسلحة التي دشنتها قفزة 15 آب:

1- إعلان إنهاء العمل المسلح وحل الحزب (2025): أطلق قائد ومؤسس الحزب "عبد الله أوجلان" نداء رسميا في شباط (فبراير) 2025 دعا فيه الحزب إلى إلقاء السلاح وحل نفسه والتحول نحو الحل السياسي. واستجابة لهذا النداء، أعلن الحزب في أيار (مايو) 2025 حل هياكله العسكرية وإنهاء التمرد.

وشهدت مناطق اقليم كردستان العراق مراسم رمزية ألقى وحرق فيها المقاتلون أسلحتهم في تموز (يوليو) 2025، وتلا ذلك إعلان الحزب انسحاب كامل مقاتليه من داخل الأراضي التركية في تشرين الأول (أكتوبر) 2025.

 2- إقرار "قانون دمج المقاتلين" في البرلمان التركي (2026): توج هذا المسار بمصادقة البرلمان التركي في آب (أغسطس) 2026 بأغلبية ساحقة على تشريع تاريخي يضع إطارا قانونيا لنزع سلاح التنظيم وإعادة دمج مقاتليه في المجتمع وتسهيل عودتهم من العراق وسوريا.

وينص القانون على تعليق الملاحقات القضائية وأحكام السجن لمدة تتراوح بين 5 إلى 10 سنوات بحق من يسلمون أسلحتهم، على أن تسقط العقوبات تماما لاحقا ويُمنحون حق ممارسة العمل السياسي القانوني.

  3- التحديات والعقبات القائمة: رغم هذه الخطوات، لا يزال المسار محاطا بالغموض؛ إذ يستثني القانون الجديد من الإعفاءات القضائية كل من أُدين بجرائم قتل عمد أو صدرت بحقهم أحكام نهائية قبل حزيران 2005، مما يعني عدم شمول عبد الله أوجلان ونحو 200 من قيادات الصف الأول في جبال قنديل.

وأثارت هذه الاستثناءات انتقادات حادة من قيادة الحزب التي تخشى أن يظل القانون حبرا على ورق دون معالجة الجذور السياسية الأوسع للمطالب الكردية، وسط معارضة شديدة أيضا من قوى قومية تركية متشددة ترى في هذا المسار تراجعا أمام التنظيم.

-إن قفزة 15 آب 1984 التي انطلقت برصاصة يتيمة في جبال الأناضول لتفجر صراعا دمويا ممتدا على مدى أكثر من أربعة عقود، تجد نفسها اليوم أمام الاختبار السياسي والأخلاقي الأكبر في تاريخها الحديث.

ومع بدء تفكيك القواعد الجبلية الوعرة وإلقاء السلاح، لا يُسدل الستار فحسب على حقبة عسكرية عاصفة هزت أركان المنطقة، بل يُفتح فصل جديد بالكامل ينتقل فيه النضال الكردي من جبهات القتال إلى طاولات القانون وأروقة البرلمانات.

وعلى الرغم من حقول الألغام السياسية، والاستثناءات القضائية التي تحرم الرموز التاريخية من العفو، يثبت المشهد الراهن أن القضية الكردية لم تعد مجرد "ملف أمني" يمكن طمسه، بل هي رقم بنيوي حاسم في معادلة الشرق الأوسط؛ رقم لا يُحل بقوة السلاح، بل بمدى شجاعة الأطراف في تحويل البنادق إلى تشريعات عادلة وهواجس الإقصاء إلى اعتراف دستوري متبادل يحقق السلام المستدام.

*كاتبة وصحفية سورية-قامشلو


16/08/2026