×

  بحوث و دراسات

  تناقضات «حلف مكة»: كيف لتركيا أن تقاتل إيران؟



*د.محمد نور الدين

 

لم يكن التوقيع على «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين السعودية وتركيا وباكستان، الجمعة الماضي، والذي طغى حتى على تطورات المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، والوضع في مضيق هرمز، حدثا عاديا. ذلك أن الخصوصيات العقائدية والسياسية والجغرافية للدول الثلاث الموقعة، والسياق الذي أتت فيه هذه الاتفاقية، فضلا عن الإعلان أن الهدف الرئيس منها هو الردع الجماعي للتهديدات التي تشهدها المنطقة، وأن أي عدوان على أحد أطرافها، يُعد عدوانا على الطرفَين الآخرَين - على الرغم من القول إنها غير موجهة ضد أحد -، كلها عوامل تمنح الحدث أهمية استثنائية.

ومع أن البيان الذي أُعلنت من خلاله الاتفاقية أشار إلى محادثات تجري منذ سنة بين الدول الثلاث في هذا الخصوص، فإن توقيت التوقيع في قصر الصفا في مكة، والذي تم بين ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، والرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، ورئيس الحكومة الباكستانية، شهباز شريف، كانت له دلالاته البينة. وفيما اعتبرت الصحف التركية الموالية لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم أن الاتفاقية تعكس نشوء «مركز قوة جديد»، بدت الصحف العلمانية المعارضة وكأنها تتعمد تجاهل الحدث.

وكان وزير خارجية تركيا، حاقان فيدان، أشار إلى أن الاتفاقية تهدف إلى «تعزيز الأمن الإقليمي، نظرا إلى أن التدخلات الخارجية في شؤون المنطقة، زادت من حدة عدم الاستقرار والاضطرابات». واعتبر فيدان أنه يتعين على دول المنطقة «بناء هياكل مؤسسية أكثر فاعلية تضمن الأمن والاستقرار. ولا يمكن تنمية الاقتصاد في ظل بيئة أمنية مضطربة».

وفيما يستمر توالي التحليلات والتكهنات في شأن الاتفاقية ومقتضياتها وتبعاتها، يمكن إلى الآن تسجيل النقاط التالية:

1- الاتفاقية عسكرية في جوهرها، وتقتضي الدفاع عن أي طرف يتعرض لاعتداءات، والتعاون في المجالات الدفاعية والأمنية. وفي هذا الإطار، أوضح فيدان أن آلية عمل «اتفاقية مكة» مُطابِقة، في كل النواحي، فيما ذهب البعض إلى إحياء فكرة تشكيل «حلف ناتو إسلامي». لكن، هل ثمة إمكانية فعلا لتطبيق هذه النصوص، في ظل كثرة التعقيدات وتضارب المصالح؟

2- الدول الثلاث الموقعة على الاتفاقية تدور في فلك الولايات المتحدة، وهو ما يطرح سؤالا عن موقف الأخيرة من هذه الخطوة، في ظل المواجهة المُحتدِمة بينها وبين إيران. هنا، يحتمل البعض أن تكون الاتفاقية رسالة امريكية، عبر الدول الثلاث، إلى إيران بهدف دفعها إلى تقديم تنازلات. لكن إذا كانت للسعودية مصلحة أكيدة في محاصرة طهران، ولتركيا رغبة في تعزيز نفوذها الإقليمي، فإن وجود باكستان - التي تقوم اليوم بدور الوساطة - ضمن هذا التحالف يثير العديد من علامات الاستفهام، التي يجيب عليها البعض بأن الاعتبارات الامريكية ربما كانت وراء الانضمام الباكستاني، وذلك بهدف توفير مظلة نووية، نظريا، للتحالف الجديد.

3- تثير الهوية الإسلامية السنية للدول الثلاث، مخاوف لدى بعض المراقبين من أن تتسبب هذه الخطوة في إعادة تسعير الصراع المذهبي في المنطقة، وهو ما يفسر ربما إحجام مصر (حتى الآن على الأقل) عن الانضمام إلى ذلك «البلوك السني»، على نحو قد يتيح لها القيام بدور أكبر في السياسة الخارجية - وهو الدور الذي كانت تبحث عنه تركيا دائما، لكنها افتقدته، ولم تحسن القيام به. وفي هذا الإطار، يعتقد الكاتب التركي المعروف، منصور آق كون، أن الاتفاقية ليست موجهة ضد إسرائيل واليونان، بل تهدف إلى تحقيق التوازن مع إيران واستيعابها وتوجيه رسالة إلى أذرع «محور المقاومة». ولذا، يرى الكاتب أن دولا أخرى سنية من مثل مصر وقطر والإمارات، قد تنضم قريبا إلى التحالف الجديد.

4- تخالف الاتفاقية مبدأ أتاتورك القائم على الحياد بين الدول، والذي يجليه شعار «سلام في الوطن، سلام في العالم». لا بل يذهب البعض إلى اعتبارها استنساخا لـ«حلف بغداد» الذي أسسته بريطانيا عام 1955، وكانت تركيا طرفا فيه في ظل حكومات الإسلامي عدنان مندريس. ومن خلال هذه المقارنة، يذهب هؤلاء إلى أن تركيا لم تدخل في أي أحلاف إقليمية، إلا في ظل حكومات ذات طابع إسلامي.

5- يأتي الإعلان عن التحالف الجديد بعد شهر من انعقاد قمة حلف «الناتو» في تركيا، وهو يبدو منسجما مع مقررات القمة التي رأى فيها البعض قبولا تركيا بأداء أدوار لصالح الغرب في مواجهة التهديدات الآتية من روسيا وإيران. ويُنظر، بالتالي، إلى دول «حلف مكة» الثلاث على أنها تقوم بدور الوكيل للغرب في المنطقة، وذلك بهدف تخفيف الأعباء عن الولايات المتحدة.

6- بدأت الأوساط التركية الموالية لإردوغان، تبرر الانضمام إلى الحلف الجديد، بأنه يضيف عامل ردع جديدا ضد الأطماع الإسرائيلية في تركيا. وعلى الرغم من أن العامل الإسرائيلي ليس بعيدا تماما من المشهد، فإن التركيز عليه الآن يبدو أنه يفيد إردوغان في كسب أصوات جديدة في معركة الرئاسة لعام 2028، ولا سيما في ظل تراجع شعبية حزب «العدالة والتنمية».

7- يبقى السؤال حول الطرف الذي يحتاج إلى مثل هذه الاتفاقية. فلتركيا حساباتها الداخلية والإقليمية التي لا تحتاج فيها إلى دعم من السعودية (غير القادرة أصلا على ذلك)، فيما باكستان بعيدة جغرافيا عن أي صدام تركي مع إسرائيل أو اليونان، ولا تشعر بالحاجة إلى هذا الحلف لمواجهة الهند، وهي التي تملك قنبلة نووية. كما لا يمكن تركيا أن تغامر بدعم علني لإسلام آباد ضد نيودلهي. وعليه، فإن الطرف الأكثر احتياجا إلى هذا الاتفاق هو السعودية، التي تعاني من تآكل صورتها الردعية، سواء تجاه إيران أو اليمن. وإذ يوفر لها الحلف الجديد نظريا فرصة لترميم صورتها، فمن غير المضمون نجاح هذه المحاولة.

8- يختزن الحلف الجديد تناقضات كثيرة بين أعضائه - من بينها التباين العقائدي بين الإسلام العثماني والإسلام الوهابي، واللذين يتصادمان منذ أكثر من مئتَي عام -، وهو ما يُفقِده واحدا من المداميك المهمة الضرورية لنجاحه، فيما لا يجدي هنا كلام مسؤول تركي، إلى صحيفة «حرييات»، عن أن الاتفاقية تستند أيضا إلى «التاريخ المشترك والإيمان». ومن شأن هذه التناقضات أن تضع تركيا أمام امتحان صعب، عندما يتعلق الأمر بهجوم إيراني، مثلا، على السعودية التي قد تطلب مساعدتها تنفيذا للاتفاقية. فهل ستفعلها تركيا وتدخل في حرب للدفاع عن المملكة ضد إيران؟

على أي حال، يبدو من الصعب اليوم التفاؤل بهذا الحلف الجديد، الذي يعيد إلى الأذهان فترة «حلف بغداد»، وما شهدته المنطقة خلالها من منافسات وقلاقل عديدة، وذلك وفق الكاتب التركي المعروف في صحيفة «قرار»، فهمي قورو.


16/08/2026