×

  قضايا كردستانية

  مع الإصلاح... ضد الفساد



*عماد أحمد

*ترجمة : نرمين عثمان محمد/ عن صحيفة كوردستاني نوى 

أحيانا لا تدخل الدول مرحلة جديدة على وقع الثورات أو عبر الانقلابات الكبرى، بل يبدأ التحول الحقيقي بمجرد فتح باب ظل موصدا لسنوات طويلة. فعندما يُفتح باب الفساد، لا تنكشف ملفات مالية فحسب، بل تنبعث منه رائحة الثروات المنهوبة، والحقوق المهدورة، والمؤسسات التي أُنهكت، والدولة التي جرى اختزالها إلى غنيمة تتقاسمها شبكات النفوذ وتُباع فيها السلطة وتُشترى.

وما يشهده العراق اليوم، إذا كُتب له الاستمرار، لا ينبغي النظر إليه بوصفه حملة تستهدف عددا من الموظفين أو ملاحقة لبعض المتورطين في قضايا فساد، بل قد يمثل بداية مرحلة جديدة في مسار الإصلاح، وربما يكون الشرارة الأولى لتحول عميق يعيد الاعتبار لفكرة الدولة وسيادة القانون، ويؤسس لثورة هادئة ضد منظومة الفساد التي ترسخت على مدى سنوات.

وتكمن أهمية هذه الحملة في أنها تعيد طرح السؤال الأكثر حساسية في الحياة السياسية العراقية: هل تمتلك الدولة الإرادة والقدرة على ملاحقة المتورطين في الفساد مهما علت مناصبهم، لتصل إلى قمة هرم السلطة، أم أنها ستكرر السيناريو الذي اعتاده العراقيون، فتكتفي بتقديم صغار المسؤولين كقرابين للرأي العام، بينما يظل أصحاب القرار الحقيقيون بمنأى عن المساءلة، محصنين بالمال والنفوذ وشبكات الحماية السياسية؟

إن رفع شعار "مكافحة الفساد" لم يعد كافيا، لأن هذا الشعار تردد كثيرا حتى فقد تأثيره، وبقي في كثير من الأحيان مجرد خطاب للاستهلاك السياسي والإعلامي. أما الإصلاح الحقيقي، فهو مشروع متكامل لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها على أسس النزاهة والمساءلة والعدالة.

فمكافحة الفساد تعني ملاحقة الفاسدين واسترداد الأموال المنهوبة وإنزال العقوبات بالمذنبين، أما الإصلاح فيذهب إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إذ يستهدف تفكيك المنظومة التي أنتجت الفساد، وأتاحت له الاستمرار، ووفرت الحماية للفاسدين، وحولت مؤسسات الدولة إلى أدوات لخدمة المصالح الخاصة بدلا من خدمة المواطنين. فالمساءلة تمثل الخطوة الأولى في طريق الإصلاح، أما إعادة بناء مؤسسات الدولة وتجفيف منابع الفساد، فهي الخطوة الحاسمة التي تضمن ألا يتكرر إنتاج الفساد بأسماء ووجوه جديدة.

 بعد سقوط نظام البعث عام 2003، كان العراقيون يأملون أن تكون تلك اللحظة بداية لقيام دولة القانون والمؤسسات والمواطنة والعدالة، وأن يطوى عهد الاستبداد ليحل محله عهد الحكم الرشيد والشفافية. غير أن الواقع سار في اتجاه مختلف في كثير من مفاصل الدولة؛ فبدلا من ترسيخ مؤسسات قوية قادرة على حماية المال العام، تشكلت منظومة معقدة من الفساد، تمددت داخل مؤسسات الدولة حتى أصبحت جزءا من بنيتها الإدارية والسياسية.

 ولم يعد حجم ما تعرض له العراق من نهب وسرقة يقاس بالأرقام وحدها، بل بما خلفه من خراب في حياة المواطنين ومستقبل البلاد، حتى بات المثل الشعبي القديم: "رحم الله سارق الكفن" يبدو أقل قسوة أمام ما جرى. فسارق الكفن كان يعتدي على حرمة الموتى، أما لصوص المال العام فقد اعتدوا على حياة الأحياء ومستقبلهم؛ سرقوا قوت الأطفال، ودواء المرضى، وحق الطلبة في التعليم، ورواتب المعلمين، ومستحقات الجنود والبيشمركة، وأرزاق العمال والكادحين. ولم يكونوا مجرد مختلسين للمال العام، بل تحولوا إلى طبقة احتكرت السلطة والثروة، وتعاملت مع الدولة باعتبارها غنيمة، ومع المال العام باعتباره ملكية خاصة.

 ولم تكن "سرقة القرن" مجرد قضية فساد مالي عابرة، بل مثلت عنوانا لمرحلة كاملة اختلت فيها منظومة الحكم، وكشفت أن الفساد لم يعد ظاهرة هامشية تنشأ في الدوائر الصغيرة، بل أصبح، في كثير من الأحيان، يبدأ من مراكز القرار نفسها. فاللص لم يعد يتسلل من الأبواب الخلفية، بل يدخل إلى مؤسسات الدولة من أبوابها الرسمية، يحمل الأختام القانونية، ويتمتع بغطاء سياسي وحماية من أصحاب النفوذ.

 ومن هنا، فإن أي مشروع جاد للإصلاح لا يمكن أن ينجح إذا اقتصر على ملاحقة صغار الموظفين أو تقديم بعض الأسماء للرأي العام، بينما تبقى مراكز القوة السياسية والمالية بمنأى عن المساءلة. فالإصلاح الحقيقي يبدأ من قمة هرم السلطة قبل قاعدته، لأن فساد القيادة يفسد المؤسسة بأكملها. وإذا كانت قمة الهرم غارقة في الفساد، فمن الصعب انتظار النزاهة من القاعدة. وإذا كان المسؤول نفسه ينتهك القانون، فكيف يمكن مطالبة الموظف باحترامه؟ وإذا كان من يشرع القوانين أول من يلتف عليها، فكيف يمكن للمواطن أن يستعيد ثقته بالدولة ومؤسساتها؟

 ولهذا، فإن المعركة الحقيقية ليست مع أفراد بعينهم، بل مع ثقافة سياسية ومنظومة حكم سمحت للفساد بأن يتحول من استثناء إلى قاعدة، ومن جريمة فردية إلى أسلوب لإدارة الدولة. واستعادة ثقة العراقيين لن تتحقق إلا عندما تصبح سيادة القانون فوق النفوذ، وتخضع جميع مراكز القوة للمساءلة دون استثناء، ويصبح المنصب العام تكليفا لخدمة المواطنين، لا امتيازا للإثراء على حسابهم.

فلسفة العدالة تعلمنا أن العقوبة ضرورة، لكنها ليست وحدها الطريق إلى الإصلاح. فالدول لا تُبنى بالسجون وحدها، وإنما تُبنى بسيادة القانون، وترسيخ النزاهة، ومحاسبة من يتولى الشأن العام. ومن هذا المنطلق، يقدم التاريخ الإسلامي نموذجين خالدين في الحكم الرشيد والعدالة، يتمثلان في الخليفة الراشد عمر بن الخطاب والإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، اللذين لم يكونا مجرد قائدين سياسيين، بل مدرستين في تحمل المسؤولية وصون المال العام وإعلاء قيمة العدالة فوق كل اعتبار.

فقد عُرف عمر بن الخطاب رضي الله عنه برقابته الصارمة على الولاة والموظفين، وبشعوره العميق بالمسؤولية تجاه الرعية، حتى نُقل عنه قوله المشهور إنه لو عثرت دابة على شاطئ الفرات لسئل عنها، في تعبير بليغ عن أن الحاكم مسؤول عن أي تقصير يقع داخل حدود سلطته، وأن العدالة تبدأ من إحساس الدولة بمسؤوليتها تجاه كل فرد من أفراد المجتمع، لا من الاكتفاء بإصدار الأوامر أو رفع الشعارات.

أما الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقد جعل العدالة حجر الأساس في بناء الدولة، وأكد في أقواله ورسائله إلى ولاته أن السلطة لا قيمة لها إذا تحولت إلى وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية أو توزيع الامتيازات على الأقارب والمحاسيب. وكان يرى أن المال العام أمانة لا يملك الحاكم حق التصرف بها إلا بما يحقق مصلحة الناس، وأن الظلم والفساد هما الطريق الأسرع إلى انهيار الدول مهما امتلكت من قوة أو نفوذ.

واليوم، حين يتحدث العراق عن الإصلاح ومكافحة الفساد، فإن استحضار هذه النماذج ليس استدعاء للتاريخ من أجل التفاخر به، بل لاستلهام المبادئ التي قامت عليها الدولة العادلة. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ بالخطب والبيانات، ولا يتحقق عبر ملاحقة صغار الموظفين وحدهم، وإنما يبدأ من قمة هرم السلطة، حيث تُصنع القرارات وتُدار الموارد وتُرسم السياسات.

ولهذا، فإن نجاح أي مشروع إصلاحي يقاس بقدرته على إخضاع كبار المسؤولين للمساءلة قبل غيرهم، لأن الدولة التي تعجز عن محاسبة أصحاب النفوذ لن تتمكن من بناء الثقة بين المواطن ومؤسساتها. وكما يقال: إن السلم يُنظف من أعلاه لا من أسفله. فإذا بقي كبار الفاسدين بمنأى عن المحاسبة، فإن كل حديث عن الإصلاح سيظل مجرد شعارات تتردد في وسائل الإعلام، بينما يبقى الفساد قادرا على إعادة إنتاج نفسه جيلا بعد جيل. أما حين تصبح العدالة فوق الجميع، وتُطبق على القوي قبل الضعيف، فإن الدولة تضع أولى لبنات الإصلاح الحقيقي، وتفتح الباب أمام بناء مؤسسات تستحق ثقة مواطنيها وتحمي مستقبلهم.

لقد أثبتت تجارب الدول الناجحة أن الدول التي اكتفت بتغيير اللصوص لم تُغير الفساد، أما الدول التي عززت القضاء، ورسخت المؤسسات، وحققت الشفافية في العقود، وفعلت الرقابة المالية، وضمنت استقلالية الأجهزة الرقابية والاقتصادية، فقد حولت الفساد من مهنة عالية الربح إلى مخاطرة كبيرة بالنسبة للفاسدين.

وإذا استمرت هذه الحملة التي يقودها رئيس وزراء العراق( علي الزيدي)، فإنها ستكبر ككرة الثلج؛ فكلما مضت إلى الأمام انكشفت الشبكات الخفية، والأسماء، وحماة الفساد. والمهم ألا تتحول هذه الحملة إلى أداة سياسية لتصفية الحسابات، بل أن تصبح مسارا وطنيا لإصلاح أسس الدولة.

وفي هذا الإطار، فإن الاتحاد الوطني الكردستاني يدعم كل خطوة قانونية وعادلة، ولا يدعم أي شخص فاسد، بل يدعم المبادئ: العدالة، والشفافية، وسيادة القانون، ومحاسبة كل من نهب المال العام، دون تمييز بسبب المنصب أو المكانة.

فلا يمكن لأي حزب أن يقوى في ظل دولة ضعيفة، كما لا يمكن لأي دولة أن تصان بالفساد. إن الدولة تقوم على الثقة، والقانون، والعدالة.

واليوم ينبغي أن تتكاتف أصوات المواطنين، ووسائل الإعلام، والقضاء، والقوى السياسية لدعم هذه الثورة البيضاء؛ فالمال العام ملك للشعب، ويجب أن يعود إلى الشعب.


05/07/2026