بيان من رئيس الولايات المتحدة الأمريكية
البيت الأبيض/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان
قبل مئتين وخمسين عاما، اجتمع الآباء المؤسسون لجمهوريتنا العظيمة في مدينة فيلادلفيا، حاملين رؤية تاريخية وإيمانا راسخا بمصير رسموه لأمتهم، يتمثل في انتزاع حرية الولايات المتحدة الأمريكية واستقلالها. فقد وقف ستة وخمسون رجلا، يمثلون إرادة الوطنيين الأحرار في المستعمرات الثلاث عشرة، ليوقعوا ميثاقا سيظل خالدا في التاريخ، بعد أن تعهدوا ببذل أرواحهم وثرواتهم وشرفهم المقدس دفاعا عن قضية الحرية. ومن خلال إعلان الاستقلال، أرسوا المبادئ التي أصبحت حجر الأساس للأمة الأمريكية، مؤكدين أن جميع البشر خلقوا متساوين، وأنهم يتمتعون بحقوق أصيلة لا يجوز انتزاعها، في مقدمتها الحق في الحياة والحرية والسعي إلى تحقيق السعادة. وفي ذلك اليوم الصيفي الحار من قلب بنسلفانيا، لم يؤسس أولئك الرجال دولة جديدة فحسب، بل نقشوا في إعلان الاستقلال قيما ومبادئ اعتبروها خالدة، تتجاوز حدود الزمان والمكان، لتصبح الولايات المتحدة، في نظرهم، قوة عالمية تقوم على الفضيلة والسلام والازدهار والعظمة.
في يونيو 1776، وقف ريتشارد هنري لي، ممثل ولاية فرجينيا، أمام المؤتمر القاري الثاني ليطرح القرار الذي سيغير مجرى التاريخ، معلنا أن المستعمرات الأمريكية آن لها أن تتحرر من نير الحكم البريطاني، وأن تحتل مكانها بين أمم العالم باعتبارها دولا حرة ومستقلة. وأسندت إلى توماس جيفرسون مهمة صياغة هذا الإعلان التاريخي، فصاغه بعناية فائقة، حتى أقر المؤتمر نصه الخالد في الرابع من يوليو، ليصبح إعلان الاستقلال الوثيقة المؤسسة للولايات المتحدة الأمريكية.
وتعهد الرجال الستة والخمسون الذين وقعوا على إعلان الاستقلال ببذل أرواحهم وثرواتهم وشرفهم المقدس دفاعا عن مبدأ ثوري غير مسبوق، مفاده أن جميع البشر خلقوا متساوين، وأن خالقهم منحهم حقوقا أصيلة غير قابلة للانتزاع، في مقدمتها الحق في الحياة والحرية والسعي إلى تحقيق السعادة.
وعلى امتداد ثماني سنوات من الحرب الشاقة والدامية، حمل الوطنيون الأمريكيون، بقيادة الجنرال جورج واشنطن، السلاح دفاعا عن هذه المبادئ، متحملين أقسى صور المعاناة والتضحية من أجل أن تبقى شعلة الحرية متقدة. فمن الطلقات الأولى التي انطلقت في ليكسينغتون وكونكورد، إلى الصمود البطولي في بانكر هيل رغم التفوق العسكري البريطاني، ثم عبور نهر ديلاوير المتجمد ليلة عيد الميلاد لتنفيذ هجوم خاطف قلب موازين الحرب، وصولا إلى قسوة شتاء فالي فورج، ظل الإيمان بالقضية أقوى من كل المحن. وفي النهاية، استطاعت تلك الروح التي لا تعرف الانكسار أن تهزم أقوى جيش في ذلك العصر في يوركتاون، فاتحة الطريق أمام استقلال الولايات المتحدة وضامنة للأجيال المقبلة نعمة الحرية.
لقد كانت تلك الروح الأمريكية الأصيلة، القائمة على الإيمان والصلابة وروح المبادرة والشجاعة والعزيمة والإصرار، هي القوة التي بعثت الحياة في الجمهورية الوليدة، وظلت، على امتداد القرون، المصدر الذي استمدت منه الولايات المتحدة قوتها ووحدتها وحريتها، وأساسا لهويتها الوطنية وأسلوب حياتها.
ومن رحم ذلك النصر الذي تحقق بعد تضحيات جسام، تحولت مجموعة من المستعمرات الصغيرة على الساحل الأطلسي، خلال بضعة أجيال فقط، إلى أقوى وأثرى جمهورية عرفها التاريخ. واستجابة لما اعتبره الأمريكيون نداء القدر، اتجهوا غربا عبر القارة الشاسعة، فحولوا سهولها الممتدة إلى حقول زراعية خصبة، وشيدوا في قلب البراري مدنا كبرى أصبحت رمزا للنمو والازدهار.
وعندما كادت الحرب الأهلية أن تمزق البلاد، هب الأمريكيون للدفاع عن وحدة أمتهم، فخاضوا واحدة من أكثر الحروب دموية في تاريخهم، حفاظا على الاتحاد وإنهاء نظام العبودية، لتخرج الولايات المتحدة أكثر تماسكا ووحدة، بعد أن نال الملايين حريتهم.
وبعد ذلك الكفاح، دخلت البلاد عصرا جديدا من النهضة الصناعية، فشيدت المصانع العملاقة التي أنتجت الفولاذ، واستخرجت النفط من أعماق الأرض ليغذي نهضتها الاقتصادية، وسخرت الطاقة الكهربائية لتضيء مدنها، وتبني ناطحات السحاب التي غدت رمزا لتقدمها الصناعي والتكنولوجي.
وفي أحلك مراحل القرن العشرين، لعبت الولايات المتحدة دورا محوريا في رسم مسار التاريخ العالمي، إذ خرجت منتصرة من الحربين العالميتين، وأسهمت في هزيمة الأنظمة الاستبدادية والقوى العسكرية التي هددت الأمن الدولي، وشاركت في تحرير ملايين البشر من أكثر أشكال الطغيان والاستبداد قسوة، لترسخ مكانتها كإحدى القوى الكبرى الأكثر تأثيرا في النظام الدولي الحديث.
لطالما دفعت الولايات المتحدة حدود الممكن إلى آفاق جديدة، وجعلت من الطموح والابتكار عنوانا لمسيرتها. فقد حمل الأمريكيون البشرية إلى الفضاء، ووضعوا أقدامهم على سطح القمر، وغرسوا علم بلادهم فوق أرض لم تطأها قدم إنسان من قبل، بينما واصلت أنظارهم التطلع إلى المجرات البعيدة واستكشاف آفاق الكون الرحبة. وفي الوقت نفسه، أحدثت ابتكارات العقول الأمريكية، من الهاتف إلى الحاسوب الشخصي ثم شبكة الإنترنت، ثورة غير مسبوقة في حياة البشرية، إذ قربت المسافات بين الشعوب، وفتحت عصرا جديدا من التواصل والتجارة وتبادل المعرفة، وجعلت كما هائلا من المعلومات في متناول الإنسان، وأسهمت في نشر فرص الازدهار والتنمية في مختلف أنحاء العالم.
وفي ميادين العلم والطب والتكنولوجيا، واصلت العبقرية الأمريكية توسيع حدود المعرفة الإنسانية، فنجحت في علاج أمراض كان ينظر إليها بوصفها مستعصية، وكشفت كثيرا من أسرار الحياة، ورسخت مكانة الولايات المتحدة باعتبارها واحدة من أكثر الأمم إسهاما في التقدم العلمي والابتكار عبر التاريخ.
وتمثل هذه الإنجازات الكبرى الامتداد الطبيعي للإرث الذي تركه الآباء المؤسسون للجمهورية الأمريكية، وللمسيرة التاريخية التي انطلقت مع إعلان الاستقلال في الرابع من يوليو عام 1776. فالمشروع الأمريكي، بحسب هذه الرؤية، لم يبلغ نهايته، بل لا يزال يواصل تطوره ويجدد حضوره مع كل جيل.
وفي العصر الحديث، تتجلى هذه المسيرة في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، من حقول القمح الممتدة في السهول الكبرى، إلى القمم الشاهقة لجبال الروكي، ومن سواحل المحيط الهادئ إلى المدن المزدهرة على ضفاف الأطلسي، حيث يواصل الشعب الأمريكي، بروح من الثقة والفخر، استكمال ما بدأه مؤسسو الدولة.
ويستمد هذا الزخم من وحدة المجتمع الأمريكي ومن منظومة القيم التي تناقلتها الأجيال، وفي مقدمتها الإيمان بالله، والتمسك بمكانة الأسرة، وصون الحرية، وتقديس العمل والإنتاج، والاستعداد للتضحية في سبيل المبادئ والمصلحة العامة. وقد شكلت هذه القيم، على مدى أكثر من قرنين ونصف، الأساس الذي قامت عليه قوة الولايات المتحدة واستمرارها، وهي، وفق هذا التصور، ستظل الركيزة التي تستند إليها البلاد في مواجهة تحديات المستقبل وتحقيق إنجازات جديدة لم تتحقق بعد.
في هذا العصر الجديد الذي تتطلع فيه الولايات المتحدة إلى تجديد عظمتها، سنواصل ترسيخ سيادتنا، وصون وحدة أراضينا، والدفاع عن الحريات التي نعدها حقا أصيلا منذ تأسيس جمهوريتنا، كما سنحافظ على إرثنا التاريخي وثقافتنا الوطنية التي صنعت مكانة أمريكا وأكسبتها حضورا استثنائيا عبر الأجيال.
وسنمضي قدما في استكشاف آفاق الفضاء، بإعادة الأمريكيين إلى سطح القمر في حضور دائم، ومواصلة الرحلة نحو المريخ لغرس العلم الأمريكي على كثبانه الحمراء، في تعبير عن طموح لا يعرف الحدود. وفي الوقت نفسه، سنسخر الإمكانات الهائلة للذكاء الاصطناعي وتقنيات الحوسبة الكمية، ونستثمر الثروات الطبيعية والطاقة الكامنة في أرضنا، بما يعزز ازدهار الاقتصاد الأمريكي ويوفر مزيدا من الرخاء لشعبنا.
وسنظل ملتزمين بحماية المواطنين الأمريكيين وصون أسلوب حياتهم، والتصدي لكل تهديد بحزم وقوة وعدالة. كما سنحافظ على قدسية الحق في الحياة، ونعمل على حماية الإنسان منذ بدايات وجوده، ونعيد الأمن والاستقرار إلى مدننا وشوارعنا، تمهيدا لعصر جديد يقوم على الازدهار، والصحة، وتكافؤ الفرص، وجودة الحياة لكل أسرة أمريكية.
ولن تتوقف هذه الإدارة عن العمل حتى تفي بكل هذه الالتزامات التي تعدها واجبا وطنيا وأخلاقيا. وبهدي من المبادئ التي أرساها الآباء المؤسسون، وبالثقة الراسخة التي يستمدها الشعب الأمريكي من إيمانه بقيمه، سنقود الولايات المتحدة نحو عصر ذهبي جديد من القوة والازدهار. فبالنسبة لأمة تؤمن بالحرية، وتثق بقدراتها، لا توجد قمة يستحيل بلوغها، ولا أفق يعجز الطموح عن الوصول إليه، ولا حلم كبير يتجاوز إرادة الساعين إلى تحقيقه.
في الذكرى المئتين والخمسين لاستقلال الولايات المتحدة المجيد، نجدد إيماننا بأن أمتنا ولدت بعناية إلهية، وتعمدت بدماء الأبطال، واستمرت عبر تضحيات أجيال متعاقبة من الوطنيين المحبين للحرية الذين بذلوا أرواحهم وجهودهم وثرواتهم لصون الروح الأمريكية وحماية الجمهورية. ونعاهد أنفسنا على أن نبقى يقظين وحازمين في الدفاع عن هذا الإرث العظيم، حتى تظل شعلة الحرية متقدة في مواجهة كل التحديات.
ونتذكر أن جمهوريتنا ولدت من رحم الشجاعة، وأن الشجاعة نفسها هي الضمان الحقيقي لاستمرارها وبقائها.
وقبل كل شيء، نتوجه بالشكر إلى الله القدير على نعمه التي أغدقها على وطننا، ونحمده على عنايته التي رافقت أمتنا في كل محنة وكل انتصار. وبامتنان عميق للأمانة التاريخية التي حملناها جيلا بعد جيل، نستحضر بإجلال الأبطال والحالمين والعمال والجنود الذين شيدوا هذه الأمة ودافعوا عنها، ونجدد العهد بأن نكون أوفياء لتضحياتهم وجديرين بالإرث الذي تركوه لنا.
واليوم، يقف الشعب الأمريكي موحدا، مستلهما الروح التي أوقدها الآباء المؤسسون في فيلادلفيا، ورسخوها في إعلان الاستقلال، ومؤمنا بأنه، بعون الله، سيواصل العمل من أجل أن تصبح الولايات المتحدة أكثر قوة وازدهارا وفخرا وعظمة مما كانت عليه في أي وقت مضى.
وبناء على ذلك، فإنني، دونالد ج. ترامب، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، واستنادا إلى الصلاحيات المخولة لي بموجب دستور الولايات المتحدة وقوانينها، أعلن رسميا أن الرابع من يوليو/تموز 2026 يصادف الذكرى المئتين والخمسين لاعتماد إعلان الاستقلال.
وأدعو جميع الأمريكيين إلى إحياء هذه المناسبة الوطنية بكل فخر واعتزاز، وإقامة الاحتفالات والمراسم التي تليق بعظمة هذا اليوم، تكريما للإرث المجيد، والتاريخ العريق، والإنجازات الاستثنائية التي حققتها جمهوريتنا عبر قرنين ونصف من الزمن.
وإثباتا لذلك، فقد وقعت هذا الإعلان في اليوم الثالث من شهر يوليو/تموز من عام ألفين وستة وعشرين، الموافق للعام المئتين والخمسين لاستقلال الولايات المتحدة الأمريكية.
دونالد جيه. ترامب