*محمد شيخ عثمان
مناضلة الجبل وسيدة السلام
ليست كل الشخصيات السياسية تقاس بالمناصب التي شغلتها، بل بما قدمته من تضحيات في اللحظات الأكثر صعوبة، حين كان الخيار بين الراحة والمخاطرة، وبين الحياة العائلية الهادئة وطريق النضال الشاق، وفي تاريخ الحركة التحررية الكردية تبرز هيرو إبراهيم أحمد بوصفها واحدة من تلك الشخصيات الاستثنائية التي اختارت الطريق الأصعب، فكتبت اسمها في سجل النضال الوطني بمداد من الصبر والتضحية والإيمان بالقضية.
حين قررت الالتحاق بجبال كردستان إلى جانب رفيق دربها الرئيس مام جلال ، لم تكن تغادر منزلا عاديا نحو مهمة عابرة، بل كانت تتخذ قرارا مصيريا تركت بموجبه ولديها بافل وقوباد في رعاية والدتها الكاتبة والمناضلة گلاويژ، في لندن، لتلتحق بصفوف الثورة الجديدة وسط الجبال المعرضة للقصف اليومي والملاحقة المستمرة من قوات النظام البعثي.
وقلما نجد أما تفضل أن تبتعد عن فلذات كبدها وتتحمل مرارة الفراق من أجل شعبها ووطنها وقضيتها، لكن هيرو إبراهيم أحمد فعلت ذلك بإرادة راسخة وإيمان عميق بأن الحرية تستحق التضحيات.
لم تكن مجرد زوجة لقائد ثوري كبير، بل كانت شريكة كاملة في النضال والكفاح و حملت الكاميرا كما حمل الآخرون السلاح، ووثقت بعدستها معاناة البيشمركة وجرائم النظام البعثي وقصفه للقرى والمناطق المحررة. وتحولت تسجيلاتها المصورة إلى أرشيف تاريخي نادر يوثق مرحلة مفصلية من تاريخ كردستان، حتى باتت تعد أول مصورة ومقاتلة في صفوف البيشمركة وصاحبة أكبر أرشيف للثورة الجديدة.
"أم البيشمركة" بحق
في الجبل كانت "أم البيشمركة" بحق، تشاركهم قسوة الحياة اليومية ومخاطر المعارك والتنقل المستمر تحت القصف. لم تبحث عن الأضواء أو الألقاب، بل كانت ترى أن الواجب الوطني أكبر من أي منصب أو امتياز. ولهذا لم يتغير شيء في شخصيتها عندما أصبح مام جلال أول رئيس كردي لجمهورية العراق.
فمع وصول الرئيس جلال طالباني إلى قصر الرئاسة في بغداد، رفضت هيرو إبراهيم أحمد أن تتقمص صورة "السيدة الأولى" التقليدية، رغم أن اللقب كان مستحقا لها بروتوكوليا وفضلت أن تبقى كما عرفها الناس: قريبة من المواطنين، بعيدة عن مظاهر السلطة.
كما رفضت الانتقال إلى القصر الجمهوري، معتبرة أن هذا الاسم ارتبط في ذاكرة العراقيين بسنوات طويلة من الخوف والاستبداد، الى ان تم استبدال التسمية بـ"قصر السلام"، ليصبح رمزا للأمل بدلا من أن يبقى رمزا للرعب.
وإذا كان تاريخ الشعوب يكشف معادن الرجال والنساء في أوقات الأزمات، فإن المرحلة التي أعقبت الوعكة الصحية للرئيس مام جلال كانت من أصعب المراحل التي واجهها الاتحاد الوطني الكردستاني والعراق عموما.
فقد كان الاتحاد الوطني أحد أعمدة العملية السياسية العراقية وأحد ركائز الاستقرار في كردستان والعراق، وكان أي ضعف أو انقسام داخله ينعكس مباشرة على المشهد السياسي برمته.
في تلك اللحظات العصيبة برز دور هيرو إبراهيم أحمد بصورة واضحة، فقد تصدت لمحاولات التشتيت والانقسام، وحافظت على وحدة الاتحاد الوطني الكردستاني وتماسكه، ولم تسمح بأن يتحول المرض الذي أصاب قائده التاريخي إلى مدخل لإضعاف الحزب أو النيل من دوره الوطني. وتحملت مسؤولية ثقيلة في مرحلة دقيقة، فحمت المؤسسة السياسية التي ساهمت في بنائها على مدى عقود، وسعت إلى الحفاظ على دورها الكردستاني والعراقي، واضعة مصلحة الحزب والقضية فوق كل اعتبار.
ولم يقتصر عطاؤها على السياسة والنضال العسكري، بل امتد إلى العمل الإنساني والاجتماعي والثقافي. فقد أسست منظمة حماية أطفال كردستان، وساهمت في رعاية آلاف الأطفال والأسر المحتاجة، وأطلقت مشاريع إعلامية وثقافية رائدة مثل تلفزيون خاك وقناة كردسات، كما دعمت حماية التراث الكردستاني والمحافظة على المعالم التاريخية، وأسهمت في تأسيس متحف الأمن الأحمر وتوثيق الذاكرة الوطنية لشعب كردستان.
إن الحديث عن هيرو إبراهيم أحمد هو حديث عن جيل كامل من النساء الكرديات اللواتي لم يكتفين بدور المتفرج على الأحداث، بل كن جزءا من صناعتها. نساء حملن هموم شعبهن في زمن الحرب والسلم، وأثبتن أن النضال لا يقتصر على ساحات القتال، بل يشمل أيضا التربية والثقافة والإعلام والعمل الإنساني وبناء المؤسسات.
وفي عيد ميلادها، لا تكفي الكلمات لاستحضار مسيرة حافلة بالعطاء والتضحية. لكن أجمل ما يمكن أن يقال لها هو أنها كانت ولا تزال صاحبة الفضل والأمجاد، وسندا لشعبها وقضيتها، ورفيقة درب النضال الطويل، وأما للبيشمركة، ورمزا للصمود والإرادة الوطنية.
كل عام وأنت بخير هيرو خان، وكل عام وتاريخك المشرق يلهم الأجيال الجديدة معنى الوفاء للقضية، والإخلاص للشعب، والثبات على المبادئ مهما اشتدت التحديات.