×

  کل الاخبار

  من السليمانية إلى العالم: رسائل بافل طالباني في زمن التحولات الكبرى



 

*المرصد/فريق الرصد

في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، وبينما تتقاطع أزمات الشرق الأوسط مع التحولات الكبرى في النظام الدولي، برزت مشاركة الرئيس بافل جلال طالباني في منتدى دلفي الاقتصادي الدولي 2026 في السليمانية بوصفها واحدة من أبرز المحطات السياسية والفكرية للمنتدى. فلم يكن حديثه مجرد قراءة للأحداث الجارية، بل قدم رؤية متكاملة لمستقبل المنطقة، ودور العراق وكردستان في صناعة الاستقرار، وإمكانية تحويل الجغرافيا المضطربة إلى مساحة للحوار والتفاهم.

جاءت رسائل بافل طالباني من السليمانية، المدينة التي استضافت نخبة من القادة وصناع القرار والخبراء الدوليين، لتؤكد أن الشرق الأوسط يقف أمام مفترق طرق تاريخي، وأن الحروب والصراعات الحالية ليست قدرا محتوما، بل يمكن تحويلها إلى فرص لإعادة بناء منظومة أمنية وسياسية أكثر استقرارا إذا توافرت الإرادة السياسية والحكمة الاستراتيجية.

ركز طالباني على مجموعة من الملفات المحورية التي تشغل العالم اليوم، بدءا من التوترات الأمريكية الإيرانية، ومستقبل المفاوضات الإقليمية، وصولا إلى عملية السلام في تركيا، والعلاقات العراقية الكردستانية، ومستقبل الدولة العراقية وسيادتها. وفي جميع هذه الملفات دعا إلى التهدئة والحوار ومعالجة جذور الأزمات بدلا من الاكتفاء بإدارة نتائجها.

كما حملت كلماته رسالة واضحة مفادها أن العراق وكردستان لا ينبغي أن يكونا ساحة للصراعات الإقليمية والدولية، بل جسرا للتفاهم بين المتخاصمين. ومن هذا المنطلق شدد على أهمية الدور الذي يمكن أن يؤديه العراق في تقريب وجهات النظر بين الولايات المتحدة وإيران، مستندا إلى موقعه الجغرافي وعلاقاته المتوازنة مع مختلف الأطراف.

وفي الجانب الداخلي، قدم رؤية صريحة حول مستقبل العراق وإقليم كردستان، مؤكدا أن الاستقرار في بغداد هو استقرار لكردستان، وأن نجاح التجربة الديمقراطية يتطلب شراكة حقيقية ومؤسسات قوية وسيادة القانون وحصر القرار الأمني والعسكري بيد الدولة.

ولعل الرسالة الأبرز التي أراد إيصالها إلى العالم كانت أن الثروة الحقيقية لكردستان والعراق ليست النفط أو الغاز، بل الإنسان. فمن السليمانية دعا المستثمرين والدول والشركات العالمية إلى النظر إلى رأس المال البشري الكردستاني والعراقي بوصفه المورد الاستراتيجي الأهم لبناء مستقبل أكثر ازدهارا واستقرارا.

هكذا تحولت مشاركة بافل جلال طالباني في منتدى دلفي السليمانية 2026 من مجرد حوار سياسي إلى رؤية متكاملة حول الأمن والسلام والتنمية والشراكة، ورسالة تؤكد أن كردستان والعراق قادران على أن يكونا جزءا من الحلول الإقليمية والدولية، لا مجرد متلقين لتداعيات الأزمات.

*وفيما ياتي نص اجوبته في احدى جلسات منتدى ديلفي في السليمانية (الترجمة :فؤاد عبدالله):

المقدم: الشكر الجزيل للسيد بافل طالباني ، إنه لشرف كبير أن ألقاك وأدير هذا الحوار معك في خضم كل الأحداث الجارية حاليا في المنطقة ، سيد طالباني ، لقد برز اسمك بوصفك صوتا مهما في القضايا العالمية المعقدة المتعلقة بالأمن وبناء الدولة، والأمن الإقليمي، والتقدم الاقتصادي، وكما نرى أن المنطقة تشهد تحولات كبيرة، ولذلك فهي فرصة لنا جميعا للاستماع إلى آرائك حول عدد من القضايا المختلفة.

قبل قليل استمعنا إلى مداخلة قيّمة من رئيس الوزراء التركي الأسبق( أحمد داوود أوغلو )، فشكرا جزيلا له، وكذلك لرئيس جمهورية العراق نزار آميدي، ولسائر الحضور الكرام، وعليه من المهم جدا الآن أن نتعرف إلى وجهة نظرك.

مدينة السليمانية تمتلك تاريخا طويلا، وأنا قبل أيام قليلة كنت أقول لمديري: إلى أين نحن ذاهبون؟ وكنت أقول له: إلى منطقة تقع بجوار إيران وسوريا وتركيا لذلك فإن هذه المنطقة ذات أهمية كبيرة للأمن العالمي، كما أن التوترات المتعلقة بإيران تؤثر فيها بشكل مباشر.

 

*المنطقة حاليا تمر بتحولات كبيرة، أنت ماذا تقول بهذا الخصوص؟  وما هو أهم تغيير أو تحول كبير الذي حدث حتى الآن من وجهة نظرك؟

بافل جلال طالباني – رئيس الاتحاد الوطني الكوردستاني:"إن المنطقة التي نعيش فيها تمرّ الآن بتغيّرات كبيرة، ومعظم هذه التغيّرات ذات طابع سلبي إذا نظرنا إليها من زاوية الأمن والاستقرار، لكن هذا لا يعني أن هذه هي النتيجة النهائية أو المصير المحتوم، أعتقد أنه إذا نظرت جميع الأطراف إلى هذه الأزمة بمنظور أوسع وأكثر شمولا، فهناك فرصة لأن نصل إلى وضع أفضل مما كان عليه الحال قبل اندلاع الحرب، لكن ذلك يتطلّب بالتأكيد التهدئة وضبط النفس، كما يتطلّب نوعا مختلفا من المفاوضات عمّا هو قائم حاليا.

وأرى أنه كلما أُضيفت المزيد من النقاط والملفات إلى طاولة المفاوضات، زادت المساحة المتاحة أمام الأطراف للتوصل إلى تفاهمات متبادلة، وكما تفضلوا بالقول، فإن بعض القضايا متداخلة فيما بينها.

فهل يمكن تحقيق السلام مع إسرائيل من دون حل القضية الفلسطينية؟ وهل يمكن إرساء السلام بين الولايات المتحدة وإيران من دون معالجة الملف النووي؟

أعتقد أنه عندما تُطرح نقاط وملفات أكثر على طاولة الحوار، فإن فرص إقامة سلام دائم في المنطقة تصبح أكبر.

لكن هذا الأمر يحتاج إلى التهدئة وضبط النفس ، آمل أن تتحلى إدارة ترامب بهذا القدر من الصبر، وبالتأكيد فإن لديهم الذكاء والحكمة، كما أن لديهم الإرادة والرغبة لتحقيق ذلك، إذا لم يتدخل طرف ثالث أو رابع ويعمل على عرقلة هذا المسار .

*تحدثتَ عن الاتفاقات والجهود المبذولة للتوصل إلى اتفاق، برأيك، ما هي المشكلة الرئيسية الآن؟

-سأكون صريحا معك، أعتقد أن الأمر معقد، في السابق كان الحديث يدور حول عدم وجود سلاح نووي، وكذلك حول بعض الأدوار التي تؤديها جهات محددة في المنطقة، لكن يبدو أن الاهتمامات تغيّرت، فلم يعد التركيز مقتصرا على القدرات النووية فحسب، بل أصبح يشمل أيضا تخصيب اليورانيوم وأمورا أخرى.

وأعتقد أن أهم شيء يجب أن نتحدث عنه قبل كل شيء هو: ماذا نريد بالضبط؟ وبعد ذلك يمكننا أن نبدأ الحوار بشأنه.

فعندما تتقدم المفاوضات إلى الأمام، تظهر بعض المطالب التي يصعب تحقيقها. لأنني أتذكر أنه في الأيام الأولى للصراعات، كنا نسمع أنهم يقولون أنه يجب ألا يمتلك سلاحا نوويا، لا سلاحا نووي ، ولكن بعد ذلك تغيّر الخطاب في وسائل الإعلام الغربية؛ فأصبح الحديث عن التخصيب، ثم أصبح الحديث عن الصواريخ.

وأرى أن تغيير هذه الخطوط الحمراء ليس أمرا مساعدا، وأعتقد أنه يجب أن تكون هناك خطة واضحة بشأن ما الذي تريده بالضبط، وكيف ستتمكن من تحقيقه، لذلك لا أعتقد أن الأمر بسيط؛ بل أعتقد أنه صعب ومعقد .

 

*هل ترى وجود اختلاف في وجهات النظر بين الولايات المتحدة وإسرائيل؟

-بالتأكيد.. إذا تحدثت عن الكورد في إيران، فإن الأهداف كانت مختلفة، وحتى المواطنون الإيرانيون البسطاء يستطيعون التمييز بين ما إذا كانت تلك الهجمات إسرائيلية أم أمريكية.

لقد كنت طالبا للتاريخ، حيث أنه على مدى 650 عاما خاضت الإمبراطورية الرومانية حروبا مع الإمبراطورية الفارسية. هل تعرف ماذا حدث؟

كان الرومان ينتصرون دائما لكنهم لم يتمكنوا أبدا من القضاء على الإمبراطورية الفارسية أو إخضاعها بشكل نهائي، كان للفرس إمبراطورية مثل الرومان تماما؛ وكانت لديهم حضارة وثقافة وثروات وذهب، وكان الفرس يمتلكون كل ذلك أيضا، وفي كل مرة كان الرومان يحاولون الدخول إلى عمق إيران بقوة عسكرية كبيرة، كان الإيرانيون يستفيدون من موقعهم الجغرافي ويجبرونهم على الانسحاب، وفي نهاية المطاف كان الرومان يتعرضون للاستنزاف والضعف داخل روما نفسها، وهذا الوضع استمر لمدة 650 عاما، وهذه هي الرسالة نفسها.

 

*عندما بدأت التوترات المرتبطة بإيران، تحدثتَ أنت مع الرئيس ( دونالد ترامب) ووزير خارجية إيران ( عباس عراقجي ) وكان الهدف الرئيسي هو عدم جر الإقليم إلى دائرة التوترات،  كيف تقيّم الوضع الحالي؟ وما هي الخطوات الأساسية التي ينبغي اتخاذها؟

-أعتقد أننا نحن الكورد ، كورد العراق يجب أن ندرك أولا أن الرابح والخاسر في هذه الحرب سيكون العراق، قبل إيران وقبل الولايات المتحدة، ولذلك، وبصفتنا عراقيين، يجب علينا أن نعمل على إبقاء هذه المنطقة مستقرة قدر الإمكان، وأن نسعى إلى إبعاد الضرر عن أصدقائنا أو أقل قدر ممكن من الأذى ببعضهم البعض.

وأعتقد أن هذا هو الدور الذي نهض به الاتحاد الوطني. فقد لعب الاتحاد الوطني دورا جيدا في تهدئة التوترات الداخلية، وفي فهم ثقافة بعضنا البعض، وفي فهم الأحزاب المختلفة وخطوطها الحمراء،وهذا هو جمال كوردستان العراق؛ إذ يمكننا أن نكون ذلك الجسر الذي يربط بين هذه الدول المختلفة.

كما أتقدم بالشكر إلى حكومة باكستان على ما قامت به، لكن في داخلي أشعر بشيء من الألم، لأنني أعتقد أن هذا الدور كان ينبغي أن نقوم نحن به، وكان ينبغي أن يقوم به العراق.

فالعراق شريك للولايات المتحدة، والعراق وكوردستان أيضا جاران لإيران، ولذلك كان ينبغي أن يكون هذا الدور من نصيب العراق.

وهذا أحد الأسباب التي تجعلني متفائلا جدا بهذه الحكومة العراقية الجديدة، فأنا أؤمن بأن الحكومة العراقية الجديدة لديها رؤية لا تقتصر على النظر إلى الشرق فقط، بل تنظر أيضا إلى الغرب، كما أن لديها رؤية واضحة فيما يتعلق بسيادتنا، وأن نكون عراقيين من أجل العراق، لذلك أنا سعيد جدا لأننا جزء من هذا المشروع،  لدينا رئيس وزراء جيد جدا، ولدينا رئيس جمهورية جيد جدا، وكذلك لدينا رئيس برلمان وفريق حقيقي ومتماسك، ونحن متفائلون للغاية. 

 

*لنتحدث عن الحوارات والاتصالات مع الرئيس دونالد ترامب  ومع السيد عباس عراقجي، لكن دعني أوضح لك شيئا أولا: هناك قلق في أوروبا والعالم من احتمال انزلاق المنطقة إلى حرب أوسع، هل الوضع خطير إلى هذه الدرجة؟ وهل يمكنك توضيح ذلك؟ وإلى أي مدى ترى أن الحفاظ على التوازن بين هذين الطرفين أمر حساس؟

-في اتصالي الهاتفي مع السيد ترامب والسيد عراقجي، تحدثنا معا، وباختصار ناقشنا كيف يمكن أن تتطور الصراعات، وتبادلنا توقعاتنا بشأن المسار الذي قد تسلكه الأحداث، ولكنني أعتقد أنه كان ينبغي على قادة كوردستان في العراق أن ينظروا إلى ما هو الأفضل لهم ولنا، وأن يحددوا ما الذي نريده بالضبط، وبصفتي شخصا متفائلا، وكاتحاد وطني، ومع أخي وزملائي الآخرين في الاتحاد الوطني، كانت لدينا دائما رسائل وقنوات تواصل دبلوماسية، وكنا نؤمن أنه بإمكاننا إحداث فرق.

فنحن نستطيع أن نمتلك تنسيقا جيدا مع تركيا، ونستطيع أن نعمل مع تركيا ومع الجماعات الكوردية، وأعتقد أنه يمكننا معا أن نمنع وقوع الكوارث، وفي الوقت الذي كانت فيه هذه الأحداث تقع وكانت الضغوطات شديدة جدا، كنت أعتقد أننا ما زلنا قادرين على تغيير الأمور.

والذي أصابني بخيبة أمل في ذلك الوقت، هو أن بعضا من القادة ( أشخاص معينين ) كانوا يكتفون بمشاهدة التلفاز فقط، ولم يكن لدينا أي اجتماع للكاببنة الحكومية، ولم يكن هناك أي اجتماع بين قيادات الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي ، وكان من المستحيل تنظيم تلك الأمور بهذه الطريقة، ولم يكن من الجيد أن يحدث ذلك، لأن الناس لم يكونوا يعرفون أننا نجتمع ونتحدث عن هذه المشكلات، وأن لدينا خطة لحمايتهم.

لقد حاولنا، على مستوى الطرفين ومع الأطراف الأخرى، أن يكون لنا تأثير أكبر، وما زلنا نؤمن بأننا نُحدث تأثيرا فعليا، هذه كانت خيبة أملنا على المستوى الداخلي.

أما على المستوى الدولي، فإن خيبة أملي هو ألا يُسمح للسيد ترامب بإبرام اتفاق، أنا أعتقد أنه قادر على التوصل إلى اتفاق، وأعتقد أنه سيتوصل إليه بالفعل، وأرى أن هذا الاتفاق سيكون اتفاقا معقولا، وآمل أن يتحلى بالهدوء وضبط النفس مع جميع الأطراف وأن يضع حدا لهذه الأزمة.

وأعتقد أيضا أنه عندما نصل إلى تلك النتيجة، ستكون هناك فرصة حقيقية للتوصل إلى اتفاق مع إيران، لأن مثل هذا الاتفاق سيجعل هذه المنطقة، وبشكل خاص مدينة السليمانية أكثر اطمئنانا وسعادة.

لكن كما تفضلوا قبلي فإن هناك مشكلة أساسية تقف عائقا خلف هذا الخلاف، وما لم تتم معالجة تلك المشكلات، فإنك لا تفعل سوى إضافة صداع جديد إلى الصداع الموجود أصلا، وفي الجوهر فإنك تخفي المشكلة الحقيقية بدلا من حلها، ولهذا السبب، فأنا أشبّه ذلك بإعطاء الماء مع حبة باراسيتامول؛ أي أنك تعالج الأعراض مؤقتا، لكنك لا تعالج أصل المشكلة.

 

*تحدث عن علاقتك، أو عن علاقة الإقليم، مع طهران، وإلى أي مدى أنتم قريبون من بعضكم البعض؟

-لدينا علاقة جيدة جدا مع طهران، ولدينا علاقة مميزة مع واشنطن. أنا وقوباد عدنا مؤخرا من واشنطن، والآن أنا سعيد جدا لأن لدينا أيضا علاقات جيدة جدا مع إخواننا الأتراك، وإذا نظرت إلى الأمر، فنحن حزب سياسي صغير، بينما هذه الدول الثلاث أو الأربع كانت في حالة صراع وحروب، وكان علينا أن نُوجد توازنا بين جميع هذه الدول، لذلك قمنا بوضع خطوطنا الحمراء، وحددنا ما يمكن القيام به وما لا يمكن القيام به، لذلك إذا كنا نحن قادرين على فعل ذلك، فإن العراق قادر على فعله أيضا، كما أن الدول الأخرى تستطيع القيام به، فالأمر لا يحتاج إلا إلى الشجاعة.

نعم، لقد أُضعفت إيران من الناحية العسكرية، لكن يمكن القول إنها أصبحت في بعض الجوانب الأخرى أكثر تماسكا وأكثر قوة، وهذا واضح من خلال طبيعة الحرب والهجمات الجارية، كما أن هناك نقطة أخرى تحدث عنها رئيس الوزراء السابق، وهي أن الحرب اليوم أصبحت مختلفة، فبواسطة صاروخ أو طائرة مسيّرة لا تتجاوز كلفتها 20 ألف دولار، تستطيع أن تُجبر عدوك على استخدام منظومات دفاعية تكلف ملايين الدولارات، فقط من أجل إسقاط ذلك الصاروخ أو تلك المسيّرة، وهذا سيخلق مشكلة أكبر من قضية مضيق هرمز، إنها حرب مالية واقتصادية لا يمكن الاستمرار فيها إلى ما لا نهاية.

الإيرانيون لا يستطيعون مواصلة هذه الحرب إلى الأبد أو الانتصار فيها بهذه الطريقة، لذلك فمن الواضح أن السلام يجب أن يعود، وأعتقد أن أفضل أنواع السلام هو ذلك السلام الذي تخرج فيه من الحرب وأنت محتفظ بكرامتك.

 

*بودنا أن توضح لنا الوضع المتعلق بعملية السلام في تركيا، كونك قد اجتمعت قبل يومين مع السفير التركي في العراق، هل كان الاجتماع جيدا؟

-كان اجتماعا مثيرا للاهتمام، وأعتقد أن عملية السلام ستستمر وستنجح، حيث جددنا تأكيد رغبتنا في دعم هذه عملية السلام، كما أكدنا استعدادنا وقدرتنا على المساعدة في إنجاح عملية السلام بالتعاون مع بعض الأطراف الكردية، والآن، والحمد لله، هناك الكثير من الأمور التي يمكننا القيام بها مع الجانب التركي.

نحن نتحدث عن إخواننا التركمان، ونمثلهم بصورة متساوية وعادلة، وأعتقد أنه بإمكاننا أن نعمل معا في بغداد.. وأنا متفائل جدا.

 

*ما هو مفتاح التقدم؟ وإلى أي مدى يُعدّ تسليم أسلحة الجماعات المسلحة إلى الحكومة أمرا مهما؟

-هذه ضرورة ملحة جدا ، وهي التي ستحدد نجاح هذه الحكومة أو فشلها، وأعتقد أنها مسألة ضرورية جدا، بعض الأشخاص في العراق يعتقدون أننا كنا محايدين في هذه الحرب، لكن أيها السادة، نحن لم نكن محايدين، لقد أُطلقت الصواريخ عبر أجوائنا باتجاه كل دول الجوار من دون الحصول على موافقة الحكومة، ولا يمكن لهذا الوضع أن يستمر بهذه الطريقة.

إذا قررنا نحن بوصفنا حكومة أن نشن الحرب ، فهذا شأن آخر، وعندها يجب أن نتحمل نتائج ذلك القرار ونواجه تبعاته، لكن ليس من حق أي مجموعة أن تتخذ القرار نيابة عنا، ولهذا أود أن أتحدث عن شجاعة بعض الأشخاص، مثل الشيخ ( قيس الخزعلي )  والحاج شبل، وهؤلاء الإخوة الذين تمكنوا من رؤية مستقبل العراق، إنهم يرون عراقا موحدا، عراقا تحكمه قوانينه ومؤسساته، ولا توجد أي حاجة لأن تكون لديهم جيوش خاصة بهم، بل ينبغي أن يكونوا جزءا من جيش العراق، وأعتقد أن هذا هو النجاح الحقيقي .

 

*الوضع السياسي في العراق يمرّ بمرحلة جديدة، كون البلد تديره وجوه جديدة، إلى أي مدى تُعدّ الشراكة والتنسيق بين أربيل وبغداد أمرا مهما؟

-إنه أمر مهم جدا، وأعتقد أننا بحاجة إلى توجه جديد يمتد من أربيل إلى بغداد، وأرى أننا بحاجة إلى مزيد من التنسيق، فأربيل لا تمثل حكومة إقليم كوردستان وحدها، بل إن إخواننا وأصدقاءنا في الحزب الديمقراطي الكوردستاني بحاجة أيضا إلى إعادة تقييم علاقاتهم مع بغداد، ويجب أن يصلوا إلى تفاهم أساسي وجوهري، وهو تفاهم لم يصلوا إليه حتى الآن.

العراق المسالم والمستقر وذو السيادة يعني كردستانا مسالما ومستقرا وذو سيادة، والعكس صحيح أيضا.

أما التوقف عند فكرة أن العراق شيء منفصل، ثم الحلم بأن تتحول كوردستان إلى جنة بطريقة سحرية، فهذا أمر يناقض الحقيقة تماما، وأعتقد أنه كلما أدركت جميع الأطراف هذه الحقيقة بشكل أسرع كان ذلك أفضل.

أنا شخصيا زرت بغداد عدة مرات خلال شهر واحد، لأنني أحب الذهاب إلى هناك، ولأن الموجودين هناك هم أصدقائي، أزورهم لأنهم أصدقائي، وجميع أصدقائي هناك، ومن السهل جدا العمل معهم، فهم لا يطلبون سوى الصراحة، والعمل المشترك، والاحترام المتبادل، فإذا احترمتهم فإنهم سيحترمونك دون شك، فهذه هي طبيعة العلاقات.

هذا هو الشرق الأوسط، وهذه هي العلاقات فيه: اجلسوا معا، اشربوا الشاي والقهوة، وتناولوا البقلاوة.

 

*الأمر لا يتعلق فقط بتناول البقلاوة، بل يتعلق بالثقة أيضا، وبما الذي يركز عليه الطرفان؟

-انظر، كيف يمكنك أن تبني الثقة؟ وكيف يمكنك أن تؤسس قاعدة لعلاقة جيدة؟

إذا كنت في كل مرة آتي إليك وأقول لك: أنت مخطئ في هذا، وأنت أخطأت في ذلك، فكيف ستُبنى العلاقة؟ وكيف سيساعدك ذلك على التقدم إلى الأمام؟

إذا كنت أتعامل معك بهذه الطريقة، فهذه ليست علاقة حقيقية، بل مجرد كلام.

 

*ما تأثير ذلك على العلاقة بين أربيل وبغداد؟ أقصد تأثير الأطراف الخارجية؟

-لا أعتقد أن لذلك أي تأثير، فعندما يكون هناك تأثير، فإننا نحن من نسمح له بأن يكون مؤثرا، قبل عدة أشهر، وفي ظروف شديدة التعقيد، كنا نتحدث مع الإيرانيين، والأمريكيين، وإخواننا الأتراك، وكانت لديهم الرؤية نفسها التي لدينا، يمكنك أنت أن يكون لك تأثير عليهم، لكن لا تسمح لهم بأن يكون لهم تأثير عليك، ولا تسمح لهم بأن يدفعوك إلى داخل مشكلتهم أو صراعهم، ساعدهم على حل المشكلة، لكن لا تصبح جزءا منها.

لو كان والدي موجودا، لكان يجتمع مع جميع الأطراف، ويستمع إلى كل النصائح والتوجيهات، ثم يتخذ القرار بشأن أي الآراء هو الأقرب إلى الصواب،وفي بعض الأحيان لم يكن يستمع حتى إلى نصائحنا نحن، هذه هي الفكرة الأساسية، وأشعر أننا جعلنا الوضع أكثر تعقيدا مما ينبغي، لأنك عندما تتبنى وجهة نظر دولة معينة، لا ينبغي أن تتحول إلى خادم أو أداة لخدمة تلك الدولة.

 

*ما الذي يؤخر تشكيل حكومة إقليم كوردستان؟ ولماذا لم تتشكل الحكومة حتى الآن رغم مرور كل هذا الوقت؟

-أعتقد أن ما يؤخر هذه العملية هو أن بعض الأشخاص داخل الحزب الديمقراطي الكوردستاني لم يتمكنوا لحد الآن من تقبّل الحقائق الجديدة في العالم، والحقيقة الجديدة في العالم هي في الواقع، ليست جديدة إلى هذا الحد، فكوردستان ليست إمارة ، وكوردستان دولة وليست دولة مستقلة، لكنها كيان ديمقراطي، ويجب أن تُدار على هذا الأساس، ويجب أن نفهم كيف تعمل الشراكة الحكومية الحقيقية في الواقع، لذلك أعتقد أن المشكلة تكمن في طريقة تفكير بعض الأشخاص المحددين.

وهذا شأنهم هم، وليس شأني أو شأنك، فهم مستمرون في إصدار القوانين ووضع الاستراتيجيات على أساس غير صحيح منذ البداية، ومن الصعب أن تنجح عندما تبني الأمور بهذه الطريقة، ونحن نرى نتائج ذلك الآن، وهم أيضا يرونها.

هناك مشكلات داخل النظام، وهناك غياب للتوافق، وكل هذا يضر بكوردستان.

أنا الآن لدي تحالف سياسي في كردستان مع الجيل الجديد، وهو حزب شاب وقوي، وكم سيكون الأمر أفضل لو كانت علاقتنا مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني على هذا النحو أيضا، لماذا أستطيع أن أجلس مع الأستاذ (صلاح الدين بهاء الدين )  وأن يوجهنا بحكمته وخبرته كأحد كبار الشخصيات السياسية، بينما لا أستطيع أن أفعل الشيء نفسه مع السيد ( مسعود بارزاني) ؟ ، هذا لا يبدو منطقيا بالنسبة لي.

وأعتقد أن ما هو موجود في بغداد يمثل نموذجا مميزا للحكم، وينبغي تطبيق شيء مشابه له هنا أيضا، يجب أن نجتمع جميعنا معا، ويجب أن يكون لجميع الأحزاب الكوردية مجلس أعلى يجمعها، لقد طرحنا هذا الاقتراح عدة مرات، لكنهم لا يقبلونه، ولا أعتقد أن أي حكومة في كوردستان يمكن أن تنجح إذا كانت حكومة إقليم كوردستان الجديدة نسخة مماثلة للحكومة السابقة.

وأريد من الجميع أن يفهموا هذه النقطة، ولست أنا وحدي من يقول ذلك، أطلب منكم أن تبقوا هنا بضعة أيام، وأن تتحدثوا مع الناس العاديين في الشوارع، فلن تجدوا أحدا يريد عودة التشكيلة الحكومية السابقة كما كانت."

 

* ما الذي يجب أن يتغيّر؟

-يجب أن يكون هناك فهمٌ أعمق لمعنى الشراكة، وفهمٌ أفضل لبغداد، وفهمٌ أفضل للوضع الأمني في الشرق الأوسط، كما ينبغي ترقية بعض الشخصيات الموجودة داخل الحكومة .

 

*وفي الختام، ما هي الرسالة التي تود توجيهها إلى القادة الدوليين، وإلى المستثمرين، وإلى القادة الموجودين هنا؟ أعطنا رسالة واحدة.

-السليمانية واحدة من أغنى مدن العالم. تعالوا وكونوا جزءا من هذه الثروة، إن ثروة السليمانية ليست الغاز أو النفط، بل هي أهلها، إنها تكمن في شعبها المثقف جدا، والموهوب، والمتعدد اللغات، والذي يستحق كل الاحترام والتقدير.

ولهذا أوجّه دعوة إلى كل تاجر، وكل مستثمر، وكل دولة، للاستفادة من هذه الإمكانات،

لكنني سأخرج قليلا عن إطار الرسالة الواحدة التي طلبتها مني، لأنني أريد أن أتحدث عن كوردستان كلها وعن العراق كله.

إن مستوى التعليم لدينا مرتفع في جميع أنحاء كوردستان؛ في دهوك، وفي أربيل، وفي السليمانية، والأمر نفسه ينطبق على العراق أيضا، وهذا هو رأس مالنا الحقيقي وثروتنا الحقيقية، لكنه لم يُستثمر بعد بالشكل الصحيح، ولم يُستفد منه كما ينبغي.

وبدعم شعبنا، وبحكمة شخصياتنا الكبيرة، وبعون الله، سنتمكن من تحقيق ذلك خلال السنوات الأربع القادمة في حكومة كوردستان الجديدة... أو ربما لن تكون هناك حكومة في كوردستان.


07/06/2026