×

  قضايا كردستانية

  بعد (51) عاما؛ حق التاريخ أم مسؤولية التاريخ؟



*عِماد أحمد

*ترجمة: نرمين عثمان محمد/ عن صحيفة كوردستاني نوى

يعتقد بعض الناس أن التاريخ أشبه بكنز؛ فكلما ازداد عراقة واتساعا منح صاحبه قوة وهيبة ومشروعية أكبر. لكن التاريخ في حقيقته، أكثر من كونه كنزا، هو أمانة. أمانة تزداد ثقلا عاما بعد عام، لأن منجزات الأجيال وتضحياتها ونضالها لا تخلق حقوقا فحسب، بل تضع أيضا مسؤوليات أكبر على عاتق من يأتي بعدها.

في حياة الأفراد والأمم والتنظيمات، لا يوجد ما هو أكثر خطورة من التأريخ والاعتقاد بأن الماضي وحده يكفي لحماية الحاضر والمستقبل. فكثير من السلطات والحركات الكبرى في العالم لم تندثر بسبب فقر تاريخها، بل بسبب ثقل ذلك التاريخ نفسه؛ إذ بدأت تعيش على ذكريات انتصاراتها، لا على واجبات الحفاظ على تلك الانتصارات وصيانتها.

بعد (51) عاما، يمتلك الاتحاد الوطني الكوردستاني واحدا من أغنى التواريخ السياسية لهذه الأمة؛ تاريخا من الشهداء، و(الپێشمەرگە)، والنضال، والانتفاضة، وإدارة الإقليم، والدفاع عن الحقوق الدستورية للشعب الكوردي. لكن السؤال الأهم اليوم هو: هل ينتج هذا التاريخ حقوقا أكثر، أم مسؤوليات أكبر؟

هناك فرق عميق بين من ينظر إلى التاريخ بوصفه وثيقة ملكية، ومن يراه أمانة. فالأول يطالب دائما بالاحترام والتقدير، أما الثاني فيسعى باستمرار إلى إثبات جدارته. الأول يبقى أسير الماضي، أما الثاني فيجعل من الماضي مصباحا يضيء طريق المستقبل.

إن هذا السؤال يختلف تماما عن أسئلة عام 1975، أو حتى عام 1991. فهناك جيل ينظر إلى الحاضر أكثر مما ينظر إلى التاريخ، ويبحث عن الحلول والمعالجات أكثر مما ينجذب إلى الشعارات، وينتظر مؤسسات قوية وقوانين عادلة وخدمات لائقة أكثر من استعادته للذكريات. إنه لا يربط حياته بالماضي وحده، بل يريد أن يطمئن إلى كيفية قدرة السلطة السياسية على توفير مستقبل أفضل وأكثر كرامة له. وهنا تحديدا لا يعود التاريخ وحده كافيا، وتبدأ المسؤولية الحقيقية.

يقول فلاسفة السياسة إن (الشرعية لها مصدران؛ أحدهما الماضي والآخر الكفاءة). فالماضي قادر على صناعة الاحترام والتقدير، لكن الكفاءة وحدها هي التي تمنح الثقة والاستمرارية. لذلك فإن أي تنظيم يمتلك تاريخا كبيرا، ينبغي أن يسأل نفسه دائما: هل ما زال، في نظر الرأي العام، بمستوى تاريخه وحجم الإرث الذي يحمله؟

بعد (51) عاما من التجربة، لم يعد اختبار الاتحاد الوطني الكوردستاني اختبار وجود أو عدم وجود. فقد اجتاز هذا الامتحان عندما نهض من بين رماد نكسة عام 1975. أما اختبار اليوم فهو اختبار المسؤولية؛ اختبار القدرة على أن يكون بمستوى تلك التضحيات والآمال والأحلام التي قدمت الأجيال السابقة من أجلها أعظم التضحيات.

فالتاريخ، مهما كان عظيما، لا يمكن أن يكون بديلا عن الحاضر. والشهداء، مهما كانت مكانتهم وقداستهم، لا يستطيعون أن يجيبوا بدلا عنا عن أسئلة اليوم. وما يحفظ التاريخ ليس مجرد ترديد الأسماء واستحضار الذكريات، بل تحمل ثقل المسؤولية التي خلفها ذلك التاريخ.

ولهذا، فإن الإرث الحقيقي للاتحاد الوطني الكوردستاني بعد (51) عاما لا يتمثل فقط في إنجازاته التاريخية، بل في قبوله وتحمله للمسؤولية التاريخية.

فالتاريخ لا يخلد التنظيمات لأنها قدمت تضحيات كثيرة فحسب، بل يحفظ تلك التنظيمات التي ما زالت تشعر بثقل تلك التضحيات، وتختبر نفسها كل يوم تحت ضوء المسؤولية التي ترتبت عليها.


07/06/2026