×


  قضايا كردستانية

   تصحيح المسار.. مسؤوليتنا الوطنية



*بافل جلال طالباني

 لا تقاس الأحزاب العريقة بعدد السنوات التي مرت على تأسيسها، بل بقدرتها على تجديد نفسها والاستجابة لتحديات الزمن. فالتاريخ، مهما كان مجيدا، لا يكفي وحده لضمان المستقبل، ما لم يتحول إلى قوة دافعة للإصلاح والتطوير وخدمة الناس.

ومن هذا المنطلق، فإن مسؤوليتنا في الاتحاد الوطني الكردستاني لا تقتصر على صيانة الإرث النضالي الذي صنعه الرواد وفي مقدمتهم الرئيس مام جلال، بل تمتد إلى بناء مرحلة جديدة تستجيب لتطلعات المواطنين، وتعالج أوجه الخلل، وتعيد الثقة بين المجتمع ومؤسسات الحكم.

 لقد علمتنا التجارب أن الشعوب لا تبحث عن الخطابات بقدر ما تبحث عن النتائج، ولا تقيس نجاح القوى السياسية بما ترفعه من شعارات، بل بما تقدمه من خدمات وما تحققه من استقرار وعدالة وفرص حياة كريمة. ولهذا فإن تصحيح مسار الحكم لم يعد خيارا سياسيا، بل أصبح ضرورة وطنية وأخلاقية تفرضها مسؤوليتنا تجاه شعب كردستان.

إن أولى أولوياتنا تتمثل في بناء حكم رشيد يقوم على الشفافية والمساءلة والعدالة في توزيع الموارد والثروات، ويضمن وصول الخدمات إلى جميع المواطنين دون تمييز. فالمواطن يجب أن يبقى محور العملية السياسية وغايتها، لا أن يكون ضحية للصراعات والتجاذبات الحزبية.

ومن هنا فإن مواجهة الفساد، وحماية المال العام، وتطوير المؤسسات، وتحسين مستوى الخدمات، وضمان حقوق الموظفين والعمال والكادحين، ليست ملفات إدارية فحسب، بل ركائز أساسية لاستعادة الثقة الشعبية وتعزيز الاستقرار السياسي والاجتماعي.

وفي الوقت نفسه، فإن الحفاظ على وحدة الصف الكردستاني يمثل إحدى أهم المسؤوليات الوطنية في هذه المرحلة. لقد أثبتت التجارب أن الانقسام يضعف الجميع، وأن قوة إقليم كردستان وقدرته على حماية مكتسباته وحقوقه ترتبط مباشرة بمدى قدرة القوى السياسية على الحوار والتفاهم والعمل المشترك.

إننا نؤمن بأن الخلاف السياسي أمر طبيعي في أي تجربة ديمقراطية، لكن تحويل الخلاف إلى صراع دائم يضر بالمصلحة العامة ويضعف مؤسسات الإقليم ويبدد طاقات المجتمع. ولذلك سنواصل العمل من أجل ترسيخ ثقافة الحوار والتوافق، وتغليب المصالح الوطنية العليا على الحسابات الضيقة.

كما أن حماية تجربة إقليم كردستان لا تنفصل عن تعزيز العلاقات مع الحكومة الاتحادية في بغداد على أساس الدستور والشراكة الحقيقية والاحترام المتبادل. فالكرد ليسوا ضيوفا في العراق، بل شركاء أصيلون في بنائه وصياغة نظامه الديمقراطي وترسيخ استقراره.

ومن هذا المنطلق، فإن معالجة الملفات الخلافية بين أربيل وبغداد يجب أن تتم عبر الحوار الدستوري والتفاهم السياسي المسؤول، بعيدا عن لغة التصعيد أو سياسات فرض الأمر الواقع. لقد أثبتت التجارب أن الحلول المستدامة لا تصنعها الأزمات، وإنما يصنعها التفاوض الجاد والإرادة المشتركة.

إن الاتحاد الوطني الكردستاني سيواصل دوره في بناء جسور الثقة والتفاهم بين الإقليم والحكومة الاتحادية، والعمل من أجل ضمان الحقوق الدستورية لشعب كردستان، والدفاع عن مبدأ الشراكة الوطنية الذي آمن به الرئيس مام جلال وجعله أساسا للعمل السياسي في العراق الجديد.

وفي الإطار الوطني العراقي الأوسع، فإننا نرى أن حماية الديمقراطية وتعزيز الاستقرار السياسي مسؤولية مشتركة تقع على عاتق جميع القوى الوطنية. فالعراق بحاجة إلى ترسيخ ثقافة التوافق، واحترام التنوع، وحماية المؤسسات الدستورية، وتطوير النظام الديمقراطي بما يحقق العدالة والشراكة بين جميع مكوناته.

ولا يمكن تحقيق ذلك من دون احترام الحريات العامة وحقوق الإنسان وسيادة القانون، ومن دون بناء دولة مؤسسات قادرة على تلبية احتياجات المواطنين وتحقيق التنمية والاستقرار.

وفي الوقت الذي نتمسك فيه بحقوق شعب كردستان ومكتسباته الدستورية، فإننا نؤمن أيضا بأن قوة الكرد تزداد كلما كان العراق أكثر استقرارا وديمقراطية، وأن نجاح التجربة الاتحادية يمثل مصلحة مشتركة لجميع العراقيين.

كما نؤمن بأن مستقبل كردستان يجب أن يبنى بأيدي شبابها ونسائها وكفاءاتها العلمية والمهنية. ولهذا سنواصل دعم الطاقات الشابة، وتوسيع مشاركتها في مواقع القرار، والاستثمار في التعليم والتنمية والبيئة والابتكار، لأن بناء المستقبل يبدأ ببناء الإنسان.

إن مشروعنا السياسي لا يقوم على إدارة الأزمات فحسب، بل على صناعة الأمل. ولا يقوم على التمسك بالماضي وحده، بل على توظيف دروس الماضي في خدمة المستقبل. فالاتحاد الوطني الكردستاني الذي ولد من رحم النضال والتضحيات مطالب اليوم بأن يكون قوة للإصلاح والتنمية والاستقرار، وأن يبقى صوت المواطنين وحاميا لمصالحهم وتطلعاتهم.

إن تصحيح المسار الذي ننشده ليس شعارا مرحليا، بل رؤية متكاملة لبناء مؤسسات أقوى، وشراكة وطنية أرسخ، وديمقراطية أكثر نضجا، وخدمات أفضل للمواطنين، وعلاقات أكثر استقرارا بين أربيل وبغداد.

وستبقى بوصلتنا كما كانت دائما: خدمة المواطن، حماية كردستان، تعزيز الشراكة الوطنية، والدفاع عن الدستور والديمقراطية، والعمل من أجل مستقبل يليق بتضحيات شعبنا وآمال أجيالنا القادمة.

 

*المرصد -فريق التوثيق/ استندت هذه الصياغة إلى بياناته في 2022 و2023 و2024 وخطاب اليوبيل الذهبي 2025، ولا سيما محاور: تصحيح مسار الحكم، الحكم الرشيد، وحدة الصف، الشراكة مع بغداد، حماية الدستور، خدمة المواطن، وتمكين الشباب.   


01/06/2026