قراءة في تجربة التأسيس ومسار الصراع
تشكل مرحلة ما بعد نكسة ثورة أيلول عام 1975 لحظة انهيار سياسي ومعنوي غير مسبوقة في تاريخ الحركة الكردية الحديثة. فقد جاءت اتفاقية الجزائر لتعيد رسم ميزان القوى الإقليمي بصورة أدت إلى تفكك البنية العسكرية والسياسية للثورة، وإلى ترسيخ قناعة لدى أطراف دولية وإقليمية بأن المسألة الكردية قد انتهت أو جرى احتواؤها نهائيا.
في هذا السياق لم يكن تأسيس الاتحاد الوطني الكردستاني مجرد رد فعل على فراغ تنظيمي، بل كان فعلا سياسيا مقصودا لإعادة إنتاج فكرة النضال نفسها بعد انهيار أدواته التقليدية. فالتأسيس لم ينطلق من هامش سياسي، بل من مركز أزمة تاريخية شاملة حاولت تحويل الهزيمة العسكرية إلى هزيمة هوية ووعي.
لقد حمل المشروع منذ بدايته فكرة أساسية: أن انهيار الثورة لا يعني انهيار القضية، وأن إعادة بناء الحركة الكردية تتطلب الانتقال من منطق “الرد على الهزيمة” إلى منطق “إعادة تعريف المشروع السياسي”.
ومن هنا جاء التأسيس بوصفه محاولة لاستعادة المبادرة، لا عبر استنساخ تجربة سابقة، بل عبر تأسيس رؤية جديدة تعتبر أن النضال الكردي لا يمكن أن ينجح إلا إذا أعاد صياغة موقعه داخل العراق ككل، وليس في هامشه فقط.
إعادة تعريف النضال… من القضية الكردية إلى معادلة الدولة العراقية
أحد أهم التحولات الفكرية التي برزت في تجربة الاتحاد الوطني يتمثل في إعادة ربط القضية الكردية بالبنية العامة للدولة العراقية، لا باعتبارها قضية منفصلة، بل كجزء من أزمة سياسية أوسع تتعلق بطبيعة الحكم نفسه.
فمنذ البيان التأسيسي، جرى التأكيد على أن النضال الكردي لا يمكن أن ينفصل عن النضال من أجل الديمقراطية في العراق، وأن أي حل للقضية القومية الكردية يظل ناقصا إذا لم يترافق مع تحول ديمقراطي شامل في بنية الدولة.
هذا التصور تجسد في فكرة “الثورة العراقية المندلعة في جبال كردستان”، وهي صياغة سياسية تحمل دلالة مزدوجة، من جهة، تؤكد الهوية الكردية للحركة ونشأتها الجغرافية ومن جهة أخرى، تعيد تعريفها كجزء من مشروع عراقي ديمقراطي أوسع.
بهذا المعنى، لم يعد الهدف مجرد الحصول على حكم ذاتي أو تحسين شروطه، بل الانتقال إلى بناء دولة اتحادية ديمقراطية تعترف بالتعدد القومي والديني والسياسي، وتؤسس لمفهوم المواطنة بدل منطق الهيمنة.
وقد انعكس هذا التصور في طبيعة التحالفات التي نسجها الاتحاد الوطني منذ بداياته، حيث سعى إلى إقامة علاقات مع قوى عراقية ديمقراطية وإسلامية ويسارية وقومية، انطلاقا من فكرة أن معركة الحرية ليست كردية فقط، بل عراقية مشتركة.
الكفاح المسلح بوصفه امتدادا للرؤية السياسية لا بديلا عنها
مع انطلاق مفارز الدعاية المسلحة بعد عام من التأسيس، لم يكن الهدف مجرد استئناف العمل العسكري، بل إعادة إثبات حضور القضية الكردية في المشهد السياسي بعد محاولة طمسها.
وقد جرى التركيز منذ البداية على أن العمل المسلح ليس غاية بحد ذاته، بل وسيلة لفرض الاعتراف السياسي بوجود قضية عادلة لم تحل. ومن هنا جاء التوسع السريع في قاعدة الحركة، حيث شهدت السنوات الأولى انخراطا جماهيريا واسعا فاجأ حتى المراقبين، رغم الظروف القاسية التي أعقبت الانكسار السابق.
لكن الأهم في هذه المرحلة لم يكن فقط التوسع العسكري، بل قدرة الاتحاد الوطني على الحفاظ على التوازن بين العمل المسلح والانفتاح السياسي، بحيث لم يتحول إلى حركة مغلقة، بل بقي مشروعا مفتوحا على التحالفات والحوار.
الشهداء بوصفهم بنية تأسيسية لا حدثا عابرا
تؤكد الشهادة أن مسار الاتحاد الوطني ارتبط عضويا بتضحيات كبيرة، شملت قادة في المكتب السياسي وكوادر متقدمة ومناضلين في الجبال والسجون. هذه التضحيات لم تكن تفصيلا ثانويا في التجربة، بل جزءا من بنيتها التكوينية.
فالثبات التنظيمي لم يبن على القوة وحدها، بل على تراكم رمزي ومعنوي صنعته التضحيات، بحيث أصبحت الشهادة عنصر شرعية سياسي وأخلاقي في آن واحد.
ومن خلال هذا التراكم، تشكلت علاقة خاصة بين الحركة وقاعدتها الاجتماعية، علاقة لم تبن على المكاسب فقط، بل على الذاكرة المشتركة للمعاناة والصمود.
المفاوضات مع السلطة… اختبار حدود الإصلاح داخل نظام مغلق
دخل الاتحاد الوطني في مراحل مختلفة من حوارات ومفاوضات مع النظام السابق، لكن هذه التجارب كشفت بوضوح طبيعة الإشكال البنيوي في الدولة العراقية آنذاك.
في مفاوضات الثمانينيات، خصوصا عام 1984، تم توقيع اتفاقات متعددة شملت قضايا التطبيع في كردستان وكركوك، وتعديلات على الحكم الذاتي، وملفات سياسية أخرى. لكن هذه الاتفاقات اصطدمت لاحقا بتراجع السلطة عنها أو إعادة تفسيرها بما يتناسب مع منطق السيطرة المركزية.
وفي تلك المرحلة ظهرت بوضوح مفارقة أساسية:كلما اقتربت المفاوضات من القضايا الجوهرية (خصوصا كركوك والديمقراطية)، كلما زادت مقاومة النظام لأي التزام فعلي.
أما في مفاوضات عام 1991، فقد برزت أزمة أخرى تتعلق بطبيعة التصور المطروح للحل، حيث حاول النظام تقديم حلول شكلية تتضمن إبقاء جوهر السلطة دون تغيير، وهو ما اعتبر غير قابل للحياة سياسيا.
وتكشف هذه التجارب أن المشكلة لم تكن في غياب الحوار، بل في غياب الأرضية المشتركة حول مفهوم الدولة نفسها:هل هي دولة شراكة ديمقراطية؟ أم دولة احتكار سياسي مغلق؟
من الانتفاضة إلى الفيدرالية… تحولات ما بعد 1991
شكلت أحداث 1991 نقطة تحول مفصلية، حيث أدى الانهيار الجزئي للسلطة المركزية إلى فتح المجال أمام تجربة سياسية جديدة في كردستان. ومن خلال هذه المرحلة، تم الانتقال من وضع الحركة المسلحة إلى بناء مؤسسات إقليمية، ثم لاحقا إلى المشاركة في تأسيس النظام السياسي العراقي الجديد بعد 2003.
وقد تجسدت أبرز نتائج هذا المسار في تثبيت مبدأ الفيدرالية في الدستور العراقي، وإنشاء برلمان إقليمي، وتوسيع الحياة الديمقراطية، وتطوير المؤسسات الإدارية والقانونية.
لكن هذه المكاسب، رغم أهميتها، لم تغلق ملف النضال، بل نقلته إلى مستوى جديد يتعلق بإدارة الدولة وتطويرها، لا مجرد تأسيسها.
التحول من النضال إلى إدارة الدولة… التحديات الجديدة
مع انتقال التجربة إلى مرحلة الدولة والمؤسسات، برزت تحديات مختلفة لم تكن أقل تعقيدا من مرحلة الكفاح المسلح. فالمسألة لم تعد تتعلق بإسقاط نظام، بل ببناء نظام قادر على إدارة التنوع وتحقيق العدالة والتنمية.
وفي هذا السياق، برزت قضايا مثل:
* ترسيخ الديمقراطية التعددية
* بناء مؤسسات فعالة
* معالجة الفساد الإداري
* تطوير الاقتصاد والبنية التحتية
* حل القضايا العالقة بين الإقليم والمركز
كما برزت الحاجة إلى مراجعة داخلية دائمة للأداء السياسي والتنظيمي، بما ينسجم مع متطلبات المرحلة الجديدة، وهو ما اعتبر جزءا من المسؤولية السياسية لا خيارا ثانويا.
تجربة تتجاوز حدودها الحزبية
تظهر هذه الشهادة أن تجربة الاتحاد الوطني الكردستاني لم تكن مجرد تجربة حزبية، بل مسارا سياسيا ساهم في إعادة تشكيل العلاقة بين الكرد والدولة العراقية، وبين فكرة النضال وفكرة الدولة.
فهو مشروع بدأ من لحظة انهيار، لكنه تحوّل إلى أحد الفاعلين الأساسيين في صياغة التحول نحو الفيدرالية والديمقراطية في العراق. كما أنه قدم نموذجا سياسيا يقوم على الربط بين الحقوق القومية والديمقراطية، وبين النضال الوطني وبناء الدولة.
وبهذا المعنى، لا يمكن قراءة التجربة كأرشيف تاريخي مغلق، بل كمسار مفتوح ما زال تأثيره ممتدا في بنية الدولة والمجتمع والسياسة في العراق حتى اليوم.
*المرصد -فريق التوثيق/ استندت هذه الصياغة إلى حوار له مع صحيفة" الاتحاد" البغدادية في 2011 بعنوان "اوراق من تاسيس الاتحاد الوطني.