×


  قضايا كردستانية

  كردستان: حرب المنابر أم منطق الشراكة؟



*محمد شيخ عثمان

 

في المشهد السياسي داخل إقليم كردستان، تبدو الحرب الإعلامية بين الحزبين الرئيسيين أقرب إلى معركة بلا أفق.

أصوات مرتفعة، تبادل اتهامات، وحشد جماهيري عبر الشاشات والمنصات الرقمية، لكن النتيجة النهائية تكاد تكون محسومة سلفا: لا نصر حاسم، ولا هزيمة كاملة، بل استمرار حالة التعليق السياسي، ذلك لأن طرفي الصراع، رغم ما يظهر من تناقض، محكومان ببنية شراكة لا يمكن الفكاك منها، سواء بحكم التوازنات الداخلية أو بحكم الضرورات الإقليمية والدستورية.

هذه المفارقة – صراع في العلن وشراكة في العمق – تنتج واحدة من أكثر الظواهر تعقيدا في السياسة المعاصرة: التنافس الذي لا يستطيع أن يتحول إلى قطيعة،فالحزبان، اللذان يعترف كل منهما ضمنيا بأن أي حكومة لا يمكن أن تنجح دون مشاركة الآخر، يديران صراعا إعلاميا لا يملك شروط الحسم. وبذلك، يتحول الإعلام من أداة توضيح وتعبئة إلى أداة استنزاف وتكريس للانقسام.

من يحرّك الخطاب؟

ومع الاقرار بحقيقة ان اعلام الاتحاد الوطني لم يكن يوما مبادرا في اشعال لهيب الحرب الاعلامية بل كان ولايزال يتخذ موقفا دفاعيا وعدم الصمت تجاه مايوجه للاتحاد الوطني من اتهامات باطلة وبالية ،لكن لا يمكن إنكار حقيقة أن معظم وسائل إعلام الحزبين لا تشنّ حملاتها من تلقاء نفسها، بل تتحرك ضمن إيعاز سياسي صادر من القيادة، فعندما تنخرط وسيلة إعلامية تابعة لأحد الطرفين في خطاب التخوين وتشويه الحقائق، فإن ذلك لا يقرأ كاجتهاد مهني، بل كجزء من استراتيجية سياسية أوسع تدار من خلف الكواليس.

هذا الواقع يكشف أن الإعلام في هذه الحالة ليس فاعلا مستقلا، بل أداة ضمن منظومة القرار، يستخدم لتوجيه الرأي العام، وضبط الإيقاع السياسي، وأحيانا لتهيئة الأرضية لتفاهمات غير معلنة.

وهنا تتعمق الإشكالية: إذا كان الخطاب الإعلامي موجّها من الأعلى، فإن تصعيده لا يعكس دائما تصعيدا حقيقيا في الموقف السياسي، بل قد يكون مجرد ورقة ضغط أو وسيلة تفاوض غير مباشرة. لكن الثمن يدفع من رصيد الثقة العامة، حيث يتلقى الجمهور رسائل متناقضة: شراكة في الواقع، وعداء في الخطاب.

من منظور فلسفي، يمكن قراءة هذا المشهد بوصفه حالة من “الصراع المدار” و ليس صراعا وجوديا يهدف إلى إقصاء الآخر، ولا هو تنافس ديمقراطي طبيعي ينتهي بتداول السلطة، بل هو حالة وسطى تبقي التوتر قائما دون أن تسمح بانفجاره الكامل. هذا النمط من الصراع يستخدم غالبا كوسيلة لإعادة إنتاج التوازنات، وليس لكسرها.

لكن هذه الحالة تحمل في داخلها تناقضا عميقا،كيف يمكن لمنظومة سياسية أن تدّعي الشراكة، بينما تغذّي أدواتها الإعلامية خطابا يقوّض هذه الشراكة يوميا؟

هذا التناقض لا يمر دون كلفة فهو يضعف ثقة الجمهور، ويخلق فجوة بين الخطاب السياسي والممارسة الواقعية، ويحوّل المواطن إلى متلقٍ لحرب لا يملك أدوات التأثير فيها، بينما يدفع ثمن نتائجها الاقتصادية والخدمية.

من الناحية الواقعية، لا يمكن للحرب الإعلامية أن تعطي دفعة حقيقية لمسار سياسي يحتاج أساسا إلى توافقات مؤسسية بل على العكس، كلما تصاعدت هذه الحرب، زادت صعوبة الوصول إلى حلول، لأنها تقيّد صناع القرار بخطاباتهم المتشددة، وتصعّب عليهم التراجع أو تقديم تنازلات.

 

مبادرة مسؤولة

وفي خضم هذا التصاعد الإعلامي المرهق، يبرز قرار رئيس الاتحاد الوطني  بافل جلال طالباني بوقف الحملات الإعلامية المتبادلة بوصفه خطوة تتجاوز حدود التكتيك السياسي الآني، ليحمل دلالات أعمق ترتبط بالشعور بالمسؤولية الوطنية في واحدة من أكثر المراحل حساسية وتعقيدا التي تمر بها المنطقة عموما وإقليم كردستان خصوصا،فالمنطقة اليوم لا تواجه خلافات سياسية اعتيادية يمكن التعامل معها بمنطق تسجيل النقاط أو توسيع مساحات النفوذ الحزبي، بل تعيش على وقع تحولات إقليمية كبرى، وأزمات اقتصادية وضغوط داخلية تتطلب أعلى درجات التماسك السياسي والاجتماعي، الأمر الذي يجعل أي خطاب تخويني أو تحريضي مساهمة مباشرة في تعميق الشرخ الداخلي وإضعاف الجبهة الكردستانية في لحظة تحتاج إلى وحدة الموقف والخطاب والصف.

إن أهمية هذه الخطوة لا تكمن فقط في الدعوة إلى تهدئة إعلامية مؤقتة، بل في الرسالة السياسية الكامنة خلفها؛ رسالة مفادها أن مستقبل الإقليم واستقراره لا يمكن أن يبنيا فوق ركام الكراهية والانقسام، وأن القوى السياسية الكبرى مطالبة بالارتقاء إلى مستوى التحديات التاريخية بدل الغرق في سجالات تستنزف الشارع وتبدد ثقة المواطنين بالعملية السياسية برمتها.

كما أن هذا القرار يضع الطرف المقابل أمام مسؤولية أخلاقية ووطنية وسياسية واضحة: إما الاستمرار في مسار التصعيد الذي أثبت عجزه عن إنتاج حلول حقيقية، أو التقاط هذه المبادرة بوصفها فرصة لإعادة بناء الثقة وفتح صفحة جديدة قوامها الحوار والانفتاح والعمل المشترك، فإيقاف الحملات الإعلامية يجب ألا يفهم كهدنة شكلية أو استراحة مؤقتة، بل كخطوة أولى ضمن مسار أوسع لإعادة ترميم العلاقة السياسية بين القوى الرئيسية، والانطلاق نحو تشكيل حكومة خدمية رشيدة وفعالة تعمل بروح الشراكة والفريق الواحد المتجانس، بعيدا عن عقلية المحاور والهيمنة والتجاذبات المستنزفة.

الشارع الكردستاني لا ينتظر اليوم المزيد من الخطابات المتشنجة، بل ينتظر حكومة خدمية رشيدة قادرة على معالجة الأزمات، وتحسين الخدمات، وصيانة الاستقرار، وإعادة الاعتبار للمؤسسات الدستورية، وتفعيل دور برلمان إقليم كردستان بوصفه الإطار الشرعي لحل الخلافات وإدارة التنافس السياسي وبالطبع الحرب الإعلامية لن تنتج نصرا سياسيا، لأنها تجري داخل نظام لا يسمح بالهزيمة الكاملة لأي طرف. لكن هذا لا يعني أنها بلا أثر؛ فهي تراكم الأزمات وتؤجل الحلول وتضعف البنية السياسية على المدى الطويل.

المطلوب اليوم ليس إيقاف الصراع – فهذا غير واقعي – بل إدارته بطريقة مختلفة:تحويل الإعلام من أداة صراع إلى أداة ضغط إصلاحي، ومن منصة اتهام إلى مساحة مساءلة، ومن وسيلة تعبئة حزبية إلى رافعة للمصلحة العامة،عندها فقط، يمكن أن يتحول الضجيج الإعلامي من عبء على العملية السياسية إلى قوة دافعة نحو إصلاحها.

في النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن الشعوب لا تقاس بقوة صراعاتها الداخلية، بل بقدرتها على تجاوزها.

 أما القيادات السياسية، فإن قيمتها التاريخية لا تقاس بقدرتها على إشعال المواجهات، بل بشجاعتها في إطفائها عندما يصبح الوطن أكبر من الحسابات الضيقة، وحين تصبح وحدة الصف ضرورة وجود لا مجرد خيار سياسي.


21/05/2026