×


  شؤون دولية

  هدنة الفرصة الأخيرة بين واشنطن وطهران



 

*المرصد/فريق الرصد والمتابعة

تترنح منطقة الشرق الأوسط حاليا بين خيارين أحلاهما مر؛ فإما الذهاب نحو تسوية سياسية شاملة تنهي عقودا من العداء، أو الانزلاق إلى مواجهة عسكرية كبرى قد لا تعرف حدودا.

في هذا السياق، تبرز التحركات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران كفصل جديد من فصول “حافة الهاوية”، حيث تتقاطع لغة التهديد العسكري مع القنوات الدبلوماسية الخلفية لتشكيل واقع جيوسياسي جديد، تبرز فيه قضية مضيق هرمز كمركز ثقل إستراتيجي يتجاوز مجرد كونه ممرّا مائيا.

اتخذت الإدارة الأمريكية تحت قيادة دونالد ترامب خطوة لافتة بتعليق هجوم عسكري واسع النطاق كان قد أعِدّ للرد على طهران، وذلك في أعقاب تلقي مقترح سلام إيراني جديد. هذا التراجع التكتيكي لا يشي بإنهاء التوتر، بل يهدف إلى منح الدبلوماسية “فرصة أخيرة” تحت وطأة التهديد بالقوة الشاملة التي لا تزال قائمة كخيار مطروح في أي لحظة حال فشل المفاوضات. وتتطلع واشنطن من خلال هذه المناورة إلى تحقيق توازن دقيق؛ فهي تسعى لتفادي استنزاف عسكري واقتصادي كبير، بينما تحافظ في الوقت ذاته على سياسة “الضغط الأقصى” لضمان كبح الطموحات النووية الإيرانية وتقليص نفوذها الإقليمي.

في المقابل، تسعى طهران لترسيخ معادلة قوة جديدة تؤكد عدم انكسارها أمام الضغوط العسكرية. وتجلى ذلك في إعلان المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني عن تأسيس “هيئة مضيق الخليج الفارسي” (PGSA) لإدارة حركة الملاحة في مضيق هرمز. ويمثل هذا التطور انتقالا جوهريا من استخدام القوة الخشنة المتمثلة في التهديد بإغلاق المضيق عسكريا، إلى “السيطرة الناعمة” من خلال مأسسة الإشراف عليه وفرض لوائح تنظيمية ورسوم عبور.

وتهدف هذه الخطوة إلى دمج أذرع إيران العسكرية، ولا سيما الحرس الثوري، ضمن هيكلية مدنية قانونية توفر غطاء دبلوماسيا أمام المجتمع الدولي. ومن خلال هذه الهيئة، تسعى طهران لتحويل أي احتكاك دولي مستقبلي في المضيق إلى تعدٍّ على سيادتها الوطنية ومؤسساتها الرسمية، مما يمنحها أوراق ضغط مستمرة في مفاوضاتها حول الملف النووي ورفع العقوبات.

 

ترامب: سنمنح إيران فرصة أخيرة للتفاوض

وأكد الرئيس الامريكي دونالد ترامب، أن واشنطن ستمنح إيران فرصة أخيرة للتفاوض، مشيرا إلى أنه ليس في عجلة من أمره لإنهاء الصراع معها.

وقال الرئيس الامريكي دونالد ترامب للصحفيين بشأن إيران: "سنمنح فرصة أخيرة (للتفاوض)، ولست في عجلة من أمري".وتابع الرئيس الامريكي: "تحقيق أهداف المهمة أهم من تحديد جدول زمني لإنهائها".

وفي وقت سابق، قال ترامب، الثلاثاء، لمشرعين في البيت الأبيض إن الولايات المتحدة "ستنهي الحرب بسرعة كبيرة" مع إيران.

وأكد ترمب أن السلاح النووي "سيطر على تفكير الإيرانيين"، لكنه شدد على أن واشنطن لن تسمح لطهران بامتلاكه "مطلقا".

وقال إن الولايات المتحدة قضت على القدرات العسكرية البحرية والجوية لإيران، ودمرت عتادها والمواد التي تستخدمها في خوض الحروب.

وبرر ترمب إرجاء الهجوم العسكري بأنه استجابة لطلب مباشر من أمير دولة قطر وولي عهد السعودية ورئيس دولة الإمارات، الذين قال إنهم طلبوا منه إرجاء الهجوم يومين أو 3 أيام، ودعوه إلى التريث لإفساح المجال أمام مسار دبلوماسي يتوقع أن يفضي إلى اتفاق "مقبول للغاية" لجميع الأطراف في الشرق الأوسط.

وأشار إلى أن القادة الخليجيين أعربوا عن ثقتهم بإمكانية التوصل إلى اتفاق يضمن عدم امتلاك إيران أي أسلحة نووية، مؤكدا أنه أصدر توجيهات إلى وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) بعدم تنفيذ الضربة.

وشدد الرئيس الأمريكي على أن الولايات المتحدة ستهاجم إيران إذا فشلت الجهود الدبلوماسية، مشيرا إلى أنه وجّه البنتاغون للبقاء في حالة تأهب قصوى لشن هجوم شامل على إيران، إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق يلبي الشروط الأمريكية.

 

اتفاق محتمل أم مواجهة وشيكة؟

وأوضح ترامب، خلال حديثه للصحفيين في البيت الأبيض يوم الثلاثاء (19 مايو/ أيار)، أنه كان "على بعد ساعة واحدة فقط" من اتخاذ قرار بشن الهجوم، قبل أن يعيد النظر فيه بعد تقديم طهران مقترح سلام جديد.

رغم حديثه عن إمكانية التوصل إلى اتفاق، لم يتخلَّ ترامب عن لهجته التصعيدية، مؤكدا أن الولايات المتحدة قد تشن هجوما جديدا خلال الأيام المقبلة إذا لم تفضِ المفاوضات إلى نتائج ملموسة.

وأشار إلى أن قادة إيران "يتوسلون للتوصل إلى اتفاق"، في حين تواجه واشنطن تحديات كبيرة لإنهاء الحرب المستمرة منذ نحو ثلاثة أشهر، والتي تخوضها بالتنسيق مع إسرائيل. وكان ترامب قد صرّح في وقت سابق بأن الاتفاق بات وشيكا، قبل أن يعود ويهدد بضربات "ساحقة" في حال فشل التفاوض.

ويتعرض ترامب لضغوط سياسية متزايدة في الداخل الأمريكي، خاصة مع استمرار ارتفاع أسعار الوقود وتراجع نسب تأييده قبيل انتخابات الكونغرس المقررة في نوفمبر/ تشرين الثاني. كما تتركز الضغوط على ضرورة إعادة فتح مضيق هرمز، الذي يعد شريانا حيويا لإمدادات الطاقة العالمية.

 

جيه دي فانس: هذه ليست حربا أبدية؛

من ناحيته قال جيه دي فانس نائب الرئيس الأمريكي، يوم الثلاثاء، إن الحرب مع إيران لن تتحول إلى "حرب أبدية"، مدافعا عن سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، بالتوازي مع موافقة مجلس الشيوخ الأمريكي -في تصويت إجرائي- على قرار أولي يحد من صلاحيات ترمب في شن حرب على إيران.

وذكر فانس أن أي تصعيد مع طهران في غياب حل دبلوماسي سيكون بهدف حماية المصالح الأمنية الأمريكية على المدى الطويل.

وأضاف "هذه ليست حربا أبدية؛ سننجز مهمتنا ونعود إلى ديارنا".

 

طهران تتوعد برد حاسم

من جانبها، حذرت إيران من أي تصعيد عسكري جديد. وقال إبراهيم عزيزي، رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، إن قرار تعليق الهجوم الأمريكي جاء نتيجة إدراك واشنطن أن أي ضربة ستقابل بـ"رد عسكري حاسم".

الى ذلك توعّد الحرس الثوري الإيراني ، بأن الحرب في الشرق الأوسط ستمتد إلى خارج المنطقة إذا استأنفت الولايات المتحدة وإسرائيل هجماتهما على إيران.

وقال الحرس في بيان على موقعه الإلكتروني "سباه نيوز" إنه "إذا تكرر العدوان على إيران، فإن الحرب الإقليمية الموعودة ستمتد هذه المرة إلى ما هو أبعد بكثير من المنطقة، وستسحقكم ضرباتنا المدمرة".

وفي سياق متصل، توعّد أيضا وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بمفاجآت في حال استئناف الحرب على إيران، مؤكدا إسقاط طائرات.

 

قاليباف: الولايات المتحدة "تسعى لبدء حرب جديدة"

من ناحيته قال رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، الذي قاد وفد بلاده خلال جولة المباحثات التي جرت مع واشنطن في إسلام آباد، الشهر الماضي، إن "تحركات العدو، المعلنة والسرية، تظهر أنه لم يتخلَّ، رغم الضغط الاقتصادي والسياسي، عن أهدافه العسكرية، ويسعى لبدء حرب جديدة".

وأضاف في رسالة صوتية بثتها وسائل إعلام إيرانية أن "المتابعة الدقيقة للوضع في الولايات المتحدة تعزز احتمال أنهم ما زالوا يأملون في استسلام الأمة الإيرانية".

وشدد رئيس البرلمان الإيراني على أن "الضغوط الاقتصادية المتزايدة والحصار لن يجبرا إيران على الاستسلام"، معتبرا أن إيران وامريكا في "حرب إرادات".

وأضاف أن القوات المسلحة الإيرانية "استغلت فرصة وقف إطلاق النار على أفضل وجه لإعادة بناء قوتها" وكانت تستعد لأي سيناريو.


21/05/2026