×


  بحوث و دراسات

  ما لا يعرفه ترامب ويعرفه شي جين بينغ



*فرانسيس فوكوياما

مرثية لديمقراطية كانت عظيمة يوما ما

 

الغارديان السريلانكية/الترجمة والتحرير : محمد شيخ عثمان

 

كان من المؤلم والمهين معا مشاهدة التغطية الإعلامية لزيارة دونالد ترامب الأخيرة إلى بكين، لأنها أظهرت بوضوح تراجع الولايات المتحدة كقوة عظمى مقارنة بالصين. وقبل القمة، كانت التوقعات منخفضة للغاية: فقد كان ترامب في موقع ضعيف، يواجه التضخم وتراجع شعبيته، بينما يسعى للحصول على مساعدة صينية للخروج من الفخ الإيراني الذي صنعه بنفسه. أما شي جين بينغ، فقد كان قد أجبر ترامب على التراجع في حربه التجارية خلال العام السابق، في وقت أظهرت فيه الصين نموا قويا في الصادرات مقابل رد امريكي ضعيف.

وهكذا كان الأمر بالفعل. فقد عاد ترامب إلى واشنطن من دون إنجازات تذكر من زيارته: اتفاقان فقط بشأن فتح الأسواق الصينية أمام المنتجات الامريكية، ومن دون أي مساعدة سياسية في الشرق الأوسط. صحيح أن الصين وافقت على شراء 200 طائرة من شركة بوينغ، وهو عدد أقل من المتوقع، لكنها سبق أن أخلفت وعودا مشابهة في الماضي. كما ادعى البيت الأبيض أن الصين وافقت على شراء منتجات زراعية بقيمة 17 مليار دولار، لكن بكين لم تؤكد ذلك. ومع ذلك، لم يمنع هذا ترامب من الادعاء بأنهم "أبرموا صفقات تجارية عظيمة" وأن الاجتماع كان "نجاحا كبيرا".

لكن الصورة الرمزية للقاء هي التي أظهرت مدى تراجع مكانة ترامب في نظر الصينيين. فلم يكن شي في استقباله بالمطار. كما جلس ترامب على المنصة في كرسي جعله يبدو أصغر من شي، وهي إهانة كان يمكن تفاديها لو أن وزارة الخارجية الامريكية في عهد ترامب لم تهمش مسؤولي البروتوكول المكلفين عادة بمثل هذه الأمور.

 أما أسوأ ما في الزيارة فكان التملق المستمر من جانب ترامب، إذ وصف شي بأنه "قائد عظيم" و"صديق حقيقي" وشخص "يبدو وكأنه خرج من استوديوهات السينما"، وأخذ يمتدح مرارا جمال الصين وروعتها.

 وكما حدث في لقاءاته السابقة مع عدد من الدكتاتوريين، بدا أن ترامب يعتقد أنهم سينبهرون بالنوع نفسه من الإطراء والمديح الذي يعشقه هو شخصيا. أما شي، فلم يبادل ترامب أي تعبير مماثل عن الصداقة، مكتفيا بالقول إن الولايات المتحدة والصين "يجب أن تكونا شريكتين لا خصمين".

وكانت القضية الأهم التي برزت من القمة هي تايوان فقد عطل ترامب حزمة أسلحة بقيمة 14 مليار دولار كانت قد أقرها الكونغرس قبل القمة، ولا توجد أي مؤشرات على استئناف تسليمها قريبا.

 وأبلغ شي ترامب أن العلاقات المستقبلية مع واشنطن ستعتمد على مستوى الدعم الامريكي للجزيرة. وهنا لمعت فكرة في ذهن ترامب مفادها أن تايوان قد تكون "ورقة تفاوض ممتازة" في المفاوضات التجارية مع بكين. كما أدلى ترامب بتصريحات أخرى تقلل من أهمية الجزيرة، قائلا: "من المفترض أن نسافر 9500 ميل لخوض حرب"، مكررا مزاعمه بأن تايوان سرقت تكنولوجيا أشباه الموصلات من الولايات المتحدة.

وقد شكل فشله في قول أي شيء عن أمن تايوان تناقضا صارخا مع تأكيد جو بايدن الواضح بأن الولايات المتحدة ستتحرك للدفاع عنها.

إن دونالد ترامب سياسي عاجز عن رؤية العالم إلا من منظور شخصي ومصلحي ضيق. فقد شعر بالغضب بعد عودته بسبب تلميحات إلى أن باراك أوباما حظي باحترام أكبر منه، مستغلا المناسبة ليؤكد أن "لا أحد يحترم أوباما"، الذي وصفه أيضا بأنه "شخص يزرع الانقسام".

 وكانت وسائل الإعلام الصينية تتحدث منذ فترة عن الولايات المتحدة بوصفها "قوة متراجعة"، وقد أثار شي هذا الأمر مع ترامب عندما أعرب عن أمله في أن يتجنب البلدان "فخ ثيوسيديدس" إذا ما تنازلت امريكا المتراجعة بسلاسة عن السلطة لصالح الصين الصاعدة.

لكن ترامب فسر ذلك فورا على أنه اتفاق من شي معه على أن امريكا كانت في تراجع خلال عهد جو بايدن، لكنها أصبحت عظيمة مجددا الآن لأنه رئيسها. وكما جرت العادة، يحتفظ ترامب بأشد درجات غضبه وعدائه لخصومه المحليين، لا لقادة الدكتاتوريات الكبرى في العالم.

والحقيقة التي يفهمها الصينيون جيدا هي العكس تماما: فتراجع الولايات المتحدة هو نتيجة مباشرة لصعود ترامب منذ عام 2016. وكأن ترامب قرر أن يفعل كل ما بوسعه لإضعاف الولايات المتحدة في مواجهة الصين.

 فقد عمق الانقسام في بلد يعاني أصلا من الاستقطاب أكثر من أي رئيس سابق؛ وقلص تمويل الأبحاث العلمية الأساسية، وهاجم الجامعات الامريكية التي كانت الأفضل في العالم؛ كما أدخل الولايات المتحدة في حرب غير ضرورية في الشرق الأوسط استنزفت مخزون الأسلحة الامريكية المتطورة؛ وصرح هو وحلفاؤه علنا بأن خصومهم الداخليين، أي الديمقراطيين، يشكلون تهديدا لمستقبل الولايات المتحدة أكبر من الصين أو روسيا.

كما سعى ترامب بشكل منهجي إلى تقويض نظام التحالفات الامريكي، فهاجم الحلفاء وفرض الرسوم الجمركية حتى على أقرب الأصدقاء التقليديين، وهدد بالاستيلاء على أراض تابعة للدنمارك، الحليف المخلص في حلف الناتو وهو يدعي أن الولايات المتحدة تحت قيادته أصبحت تحظى باحترام غير مسبوق، بينما الحقيقة تكاد تكون معاكسة تماما: فالأصدقاء والخصوم على حد سواء يرون أن الولايات المتحدة تحولت إلى ما يشبه الدولة المارقة التي تسهم في نشر عدم الاستقرار والفوضى عالميا، بل وأصبحت أيضا موضع سخرية.

لقد جعل ترامب حياة شي جين بينغ سهلة للغاية، وهو ما انعكس بوضوح في سلوك الأخير خلال القمة. فالولايات المتحدة في عهد ترامب منخرطة في عملية إيذاء ذاتي ممنهجة إلى درجة أن الصين لا تحتاج فعليا إلى فعل الكثير سوى الجلوس ومراقبة ما يحدث.

 وكان ترامب قد توقع أن الصين لن تهاجم تايوان طالما بقي رئيسا. وربما يكون محقا في ذلك: فشي لا يريد تعطيل مسار تراجع الولايات المتحدة. لكنه قد يجد نفسه مضطرا للتحرك بسرعة إذا ما حصلت امريكا أخيرا على رئيس يريد عكس هذا المسار.


21/05/2026