×


  قضايا كردستانية

  النقد والإصلاح ،من مرآة الضمير إلى مصباح الخلاص



*عماد أحمد

ترجمة : نرمين عثمان محمد / عن صحيفة كوردستاني نوى

في هذه الليالي الثقيلة، التي يمدّ فيها ضباب انعدام الثقة والتردد والخوف ظلاله على حياة شعب كوردستان، لا يكاد يبقى أمامنا سوى مصباح صغير قادر على إنارة الطريق وكشف الاتجاه الصحيح، وذلك المصباح هو «النقد».

فالنقد، حين تحمله يد الضمير وصفاء النية، يتحول إلى نور يهدي العقول ويوقظ الوعي ويقود إلى الإصلاح. أما حين توقده الكراهية وتغذّيه الضغائن، فإنه لا يبدد العتمة، بل يزيدها كثافة، ويطيل من عمر الليل، ويترك الأرواح أكثر تيها ووحشة.

في حياتنا اليومية، يتأرجح النقد غالبا بين معنيين متناقضين،هجوم غير منطقي قائم على مبدأ (أصم ، أعمى  أهاجم ولا أستثني أحدا)، أو أداة للإصلاح، غير أن جوهر النقد ليس مجرد كلمة عابرة، بل هو موقف أخلاقي وسياسي، ومن هذا البعد تحديدا، قد يتحول أحيانا إلى تمرّدٍ صاخب، وأحيانا أخرى إلى قوة خلاص هادئة.

يصبح النقد (سلاحا مدمّرا) حين ينبع من الكراهية أو الأنانية أو الجهل، عندئذٍ تُطلق الكلمات كالسهام، ويتحوّل الحوار إلى صراع صامت، وتضيع الحقيقة تحت وطأة المشاعر السلبية التي تحطّم كل شيء وتخنقه،لكن النقد يمكن أن يؤدي دورا آخر، دور المُنقذ، عندما ينبع من ضمير حي، فيتحول إلى مصباح يكشف الظلمات الخفية ويرى الوقائع بوضوح، هذا النوع من النقد ليس للهدم، بل للبناء، فالكلمات فيه لا تصبح جدرانا، بل جسورا، ولا تتحول إلى طرق مسدودة، بل إلى سبل مفتوحة.

النقد الحقيقي أشبه بمرآة، يعكس الإنسان كما هو، لا كما يرغب أن يكون،وهذه هي أصعب أنواع الإضاءة، لأن الحقيقة حين تتجلى لا تترك مجالا للاختباء.

وهنا يبرز سؤال جوهري: هل نمتلك الشجاعة لرؤية هذا النور؟ كثيرا ما يعشق الإنسان صورته المتخيّلة، ولا يحتمل مواجهة الحقيقة، لذلك يُقال: (في زمن الخداع والتضليل، يصبح قول الحقيقة فعلاثوريا). وهذا يعلّمنا أن النقد الحقيقي ليس سهلا،لا على من يقوله، ولا على من يسمعه.

في المجال السياسي، لا يُعدّ النقد حقا للمواطن فحسب، بل هو حماية للديمقراطية، فالنقد هو ما يمنع السلطة من التحول إلى قمع بلا حدود،وبدون النقد، تتحول السلطة من عاصفة  إلى فيضانٍ وكوارث، كما أن النقد اختبارٌ للضمير، فمَن يمارسه يضع نفسه في امتحان الصدق، ومَن يصغي إليه يضع نفسه في امتحان الشجاعة، الكلمات، إذا انطلقت من الحقيقة، تفتح الطرق، وإذا خرجت من الكراهية، تغلق الأبواب، وبين هذين الحدّين يُكتب مصير المجتمعات.

إن الاتحاد الوطني الكوردستاني، بوصفه قوة ذات تاريخ وتضحيات، يتحمل مسؤولية كبيرة،فهذه القوة، التي عُرفت بالحوار والتعددية، ينبغي لها اليوم أيضا أن تكون في طليعة النقد البنّاء، ذلك النقد الذي يحوّل الاستياء إلى مشروع، والاختلاف إلى قوة.

إن دور القوى السياسية لا يقتصر على المشاركة في السلطة، بل يتمثل أيضا في الإصغاء إلى الصوت الحقيقي للشعب، ومعالجة الأخطاء، وفتح الطريق أمام التجديد، عندها يتحول النقد إلى مصباحٍ للإنارة لا إلى أداة للهدم، لذلك، من الضروري أن نعود إلى الأسس الأخلاقية للنقد، ذلك النقد الذي يضع المصلحة العامة فوق المصالح الخاصة.

ونود أن نقول للإعلاميين والكتّاب إننا فقط عبر الصدق والنقد البنّاء يمكننا إنقاذ الوطن من أزماته، لأن النقد، في نهاية المطاف، إما أن يكون سلاحا للهدم، أو مصباحا يضيء الطريق.

 

النقد والإصلاح،من صرخة السخط إلى خريطة الخلاص

يمكن للنقد أن يتحول إلى نارٍ تحرق كل شيء، أو إلى مصباحٍ هادٍ يضيء طريق المستقبل، وكوردستان اليوم تقف بين هذين الطريقين.

في ليالي المشهد الكوردستاني، حين يخيم ضباب الشك وانعدام الثقة على أفق المجتمع، هناك دائما صوت يرتفع من بين العتمة، صوت النقد والنقد الذاتي، لكن هذا الصوت لا يحمل المعنى نفسه في كل مرة،فأحيانا يكون صرخة غضب، وأحيانا أخرى يكون نداء للتنبيه والإيقاظ، والسؤال هنا: هل تستطيع انتقاداتنا أن تنتقل من مستوى السخط والاحتجاج إلى مستوى الإصلاح الحقيقي؟

النقد، إذا انطلق من ضمير حي وشعور وطني نقي، يشبه المطر الذي ينعش الأرض اليابسة، أما إذا كُتب بدافع الحقد والضغينة، فلن يكون سوى عاصفة تقتلع الغابات من دون أن تبني شيئا جديدا، وهذا المقال محاولة لتحويل النقد من صوتٍ تائه بلا اتجاه إلى خريطة ترشد الطريق، صوتٍ يبحث عن الحلول، لا يكتفي بتوزيع الاتهامات.

في التاريخ السياسي لكوردستان، قلّما وُجد شخص تقبّل النقد واستخدمه بهدوء وحكمة سياسية مثل الرئيس الراحل مام جلال، فقد كان يرى النقد ليس كسلاح، بل كأداة للإصلاح، وكان يؤمن بأن النقد الخالي من الحلول يشبه أداة تزيد الألم ولا تقدم العلاج، وهذه الرؤية باتت اليوم أكثر ضرورة من أي وقت مضى، لأن كوردستان لا تحتاج فقط إلى أصوات ناقدة، بل إلى ثقافة نقد بنّاء، نقد يحمل معه سبل الحل والخروج من الأزمات.

وفي الساحة السياسية الكوردستانية، فإن القوتين الرئيسيتين (الاتحاد الوطني  الكوردستاني و الحزب الديمقراطي الكوردستاني) لا تتحملان مسؤولية الحفاظ على سلطتهما فحسب، بل تقع على عاتقهما أيضا مسؤولية تجديد النظام السياسي، فإذا تحولت السياسة إلى مجرد وسيلة لحماية الذات، أصبحت قفصا يغلق على نفسه،أما إذا فُتحت أبواب النقد والنقد الذاتي، فإنها تتحول إلى قوة للنمو والتطور. وعلى القوى السياسية أن تدرك أن تجاهل النقد يضعف ثقة الناس، بينما الإصغاء إليه يمنح أساسا لثقة جديدة.

التاريخ مليء بالدروس، فألمانيا بعد كارثة الحرب، ومن خلال نقد عميق لذاتها ولنظامها، استطاعت أن تؤسس لحكم جديد،وكذلك كوريا الجنوبية، التي وصلت إلى ديمقراطية قوية بفضل قوة المجتمع المدني وضغط النقد العام،وهذه التجارب تثبت أن النقد، حين يقترن بخطة وإرادة سياسية، قادر على تغيير الأوطان.

إن كوردستان اليوم بحاجة، أكثر من أي وقت مضى، إلى خريطة واضحة، طريق يجيب عن الأسئلة الجوهرية: كيف ننجز الإصلاح؟ كيف نعزز العدالة؟ وكيف نستعيد الثقة العامة؟ فمن دون هذه الخطة، يتحول النقد إلى تكرار دائم للألم ذاته، أما بوجودها فإنه يصبح بداية للحل.

إن الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني يشكلون المرآة التي ترى السلطة نفسها فيها، فإذا تحطمت هذه المرآة، أصبحت السلطة عمياء وفقدت قدرتها على الرؤية، ودور هذه الجهات لا يقتصر على النقد فقط، بل يتعداه إلى تقديم الحلول ورفع مستوى الوعي. ويمكنها أن تكون الجسر الذي يصل بين الشعب والسلطة.

ولا يستطيع أي نظام أن يستمر بلا ثقة، والثقة لا تُبنى بالوعود بل بالأفعال، فعندما يرى المواطن أن القانون يُطبق على الجميع بالتساوي، وأن صوته مسموع، عندها فقط تعود الثقة.

الإصلاح ليس مهمة الحكومة وحدها، إنه مشروع وطني يحتاج إلى مشاركة الجميع، السياسيين، والمثقفين، ورجال الدين، والشباب، والنساء، ومنظمات المجتمع المدني. وعندما تتوحد هذه القوى، يتحول التغيير من حلم إلى حقيقة.

كوردستان اليوم لا تحتاج إلى نقد هدّام، بل إلى نقد بنّاء، نقد لا يكتفي بكشف الجراح، بل يفتح أبواب العلاج، فإذا حوّلنا النقد إلى خريطة، والسخط إلى خطة، والقلق إلى مسؤولية، فسنتمكن حتى في أحلك الظلمات من إشعال مصباح، مصباح اسمه الإصلاح، وعندها فقط ستخطو كوردستان من ظلال الأزمات نحو نور المستقبل.


10/05/2026