×


  قضايا كردستانية

  جلاد نگرة السلمان يواجه ذاكرة الأنفال



*عطا شميراني

 

بعد عقودٍ طويلة من الصمت والخوف والدموع المؤجلة، يعود اسم "عجاج" إلى الواجهة، لا بوصفه مسؤولا سابقا في آلة القمع البعثية، بل بوصفه واحدا من الوجوه التي ارتبطت في ذاكرة الكورد بجحيم نگرة السلمان، ذلك المكان الذي تحوّل في سنوات الأنفال إلى صحراء للموت البطيء، حيث أُلقي عشرات الآلاف من الكورد؛ أطفالا ونساء وشيوخا، في ظروفٍ لا يمكن للضمير الإنساني أن يتخيلها دون أن يرتجف.

 اليوم، يقف عجاج في قبضة العدالة، بعد سنوات ظنّ خلالها كثيرون أن الزمن قد دفن الحقيقة، وأن وجع الضحايا سيذوب مع رحيل الشهود وتقدّم العمر بالناجين. لكن الجرائم الكبرى لا تموت بسهولة، لأن الذاكرة الإنسانية لا تُمحى بالتقادم، ولأن دعوات الأمهات الثكالى تبقى معلّقة في السماء حتى تجد لحظة الإنصاف.

 نگرة السلمان لم يكن مجرد معتقلٍ في الصحراء الجنوبية للعراق، بل كان عنوانا للرعب الإنساني في أكثر صوره قسوة. هناك، لم يكن الناس يُقتلون بالرصاص فقط، بل بالجوع والعطش والمرض والإهمال المتعمّد. كانت العائلات تُساق إلى المجهول في شاحناتٍ مغلقة، ثم تُرمى في قلب الصحراء وكأنها خارج حدود البشر والتاريخ معا. لم يكن أحد يسأل عن طفلٍ يبكي من الجوع، ولا عن امرأةٍ تحتضن أبناءها خوفا من الموت، ولا عن شيخٍ أنهكه العطش تحت شمس الصحراء الحارقة.

 شهادات الناجين من ذلك الجحيم تكشف فصولا يصعب على العقل تصديقها. أمهات رأين أطفالهن يموتون أمام أعينهن بسبب نقص الطعام، وآباء دفنوا أبناءهم بأيديهم في الرمال لأنهم لم يجدوا قبرا يليق بهم. بعض الشهادات تتحدث عن الكلاب السوداء التي كانت تنهش جثث الضحايا بعد موتهم، في مشهدٍ يلخّص إلى أي درجةٍ كانت الإنسانية غائبة داخل تلك المعسكرات. لم يكن الموت وحده كافيا، بل حتى أجساد الضحايا تُركت بلا حرمة، وكأن الهدف لم يكن قتل الإنسان فقط، بل إذلاله حتى بعد رحيله.

 لهذا، فإن محاكمة "عجاج" اليوم ليست قضية قانونية عادية، بل لحظة أخلاقية وتاريخية تخص ذاكرة شعبٍ كامل. إنها رسالة تقول إن الجرائم ضد الإنسانية قد تتأخر محاسبتها، لكنها لا تسقط أخلاقيا مهما مرّ الزمن. العدالة قد تتعثر أحيانا، وقد تنام طويلا تحت ضغط السياسة والخوف، لكنها حين تستيقظ تعيد للضحايا شيئا من كرامتهم المسروقة.

 الأكثر إيلاما أن كثيرا من ضحايا الأنفال لم يكونوا مقاتلين ولا طرفا في حرب، بل مدنيين عزل؛ أطفال لم يفهموا لماذا يُساقون إلى الصحراء، ونساء لم يحملن سوى الخوف على أبنائهن، وشيوخ ظنوا أن العمر الطويل سيمنحهم موتا هادئا بين عائلاتهم، لا في معسكرات الجوع والرعب. هؤلاء لم يكونوا أرقاما في تقارير عسكرية، بل بشرا لهم أحلام وأسماء ووجوه وحكايات توقفت فجأة تحت سلطة الاستبداد.

 وربما ما يجعل هذه المحاكمة مؤثرة إلى هذا الحد، أن الناجين مازالوا يحملون الجحيم داخل ذاكرتهم حتى اليوم. بعضهم لا يستطيع النوم دون أن تعود إليه صور الصحراء والعطش وصراخ الأطفال. وبعض الأمهات ما زلن غير قادرات على تناول أنواعٍ معينة من الطعام لأنها تذكّرهن بأيام الجوع في المعتقلات. إن الألم الحقيقي لا ينتهي بخروج الإنسان من السجن، بل قد يبقى حيّا داخله لعقود.

 لكن أهمية هذه اللحظة لا تكمن فقط في معاقبة شخصٍ بعينه، بل في حماية الحقيقة من النسيان. فالأمم التي تتجاهل جرائمها تُعيد إنتاجها بأشكالٍ أخرى. لذلك، فإن الحديث عن الأنفال ونگرة السلمان ليس استدعاء للكراهية، بل دفاعا عن الذاكرة الإنسانية وعن حق الضحايا في أن يُروى ما حدث لهم بصدق.

 اليوم، حين يرى الناجون "عجاج" داخل المحكمة، يشعر كثيرون أن الزمن دار دورته أخيرا، وأن أولئك الذين ظنوا أنفسهم فوق العدالة صاروا يواجهون وجوه الضحايا من جديد. قد لا تعيد المحاكم الأطفال الذين ماتوا جوعا، ولا الأمهات اللواتي دفنّ أبناءهن في الرمال، لكنها تمنح الحقيقة فرصة لتقف أمام العالم دون خوف.

 وفي النهاية، ستبقى نگرة السلمان أكثر من مجرد اسمٍ في التاريخ؛ ستبقى شاهدا على واحدةٍ من أبشع الجرائم التي عرفها العراق الحديث، وستبقى أصوات الضحايا أقوى من كل محاولات الصمت. أما "عجاج"، الذي كان يوما جزءا من آلة الموت، فإنه يقف اليوم أمام العدالة محاطا بذاكرة عشرات الآلاف من الأبرياء الذين لم يبقَ لهم سوى الشهادة والحقيقة.

 لأن الجرائم الكبرى لا تُدفن في الرمال، بل تبقى حيّة في ذاكرة الأمهات، وفي خوف الأطفال الناجين، وفي صمت المقابر الجماعية. وربما لهذا السبب تحديدا، تبدو العدالة ـ حتى وإن جاءت متأخرة ـ انتصارا للحقيقة أكثر من كونها انتصارا للقانون. فحين يقف الجلاد أمام المحكمة، لا يكون وحده في القفص، بل يقف معه زمنٌ كامل من الرعب، لتقول الذاكرة أخيرا كلمتها: إن الضحايا قد يموتون… لكن الحقيقة لا تموت أبدا.


10/05/2026