×


  رؤى حول العراق

   صراع العراق المستمر من أجل السيادة



*مينا العريبي

مجلة" فورين بوليسي" الامريكية/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان

في التاسع من أبريل/نيسان، الذي يصادف الذكرى الثالثة والعشرين لسقوط نظام صدام حسين، وجدت الحكومة العراقية نفسها أمام أزمة سياسية وأمنية حادة. ففي ذلك اليوم، استدعى مسؤول امريكي رفيع السفير العراقي لإدانة «الهجمات الإرهابية الفاضحة التي شنتها جماعات ميليشياوية موالية لإيران انطلاقا من الأراضي العراقية ضد أفراد ومنشآت دبلوماسية امريكية».

كما استدعت حكومات البحرين والسعودية والكويت دبلوماسيين عراقيين لتقديم شكاوى مماثلة، إذ تعرضت هذه الدول لهجمات بطائرات مسيّرة انطلقت من الأراضي العراقية.

وبعد يومين، بينما كان الدبلوماسيون العراقيون لا يزالون منشغلين بمحاولة تفسير سبب استخدام أراضي بلادهم في حرب ليست طرفا فيها، أعلن البرلمان العراقي انتخاب رئيس جديد للجمهورية.

 وعلى الرغم من الانقسامات السياسية العميقة، تم اختيار نزار ئاميدي في اقتراع سري، بعد أكثر من شهرين على انقضاء المهلة الدستورية المحددة لاختيار الرئيس.

وفي 27 أبريل/نيسان، وبعد نحو ستة أشهر من المداولات، أعلن «الإطار التنسيقي»، وهو الكتلة السياسية الأكثر نفوذا في العراق، تسمية علي الزيدي مرشحا لرئاسة الوزراء، متجاوزا المهلة الدستورية بيوم واحد فقط.

وعقب انتخابه من قبل البرلمان، أدى ئاميدي  اليمين الدستورية متعهدا بحماية «استقلال العراق وسيادته».

وإذا ما تمكن الزيدي من تشكيل الحكومة خلال المهلة المحددة بثلاثين يوما، فسوف يؤدي اليمين نفسها.

غير أن المهمة لن تكون سهلة لأي منهما، فالبلاد تعاني من انتهاكات دستورية متكررة يرتكبها أولئك المفترض أنهم مكلفون بحماية الدستور، فضلا عن الاغتيالات البارزة والاشتباكات بين الميليشيات المحلية والقوى الأجنبية.

وعلى الرغم من أن هذه الأزمات سبقت الحرب الامريكية-الإسرائيلية على إيران — ومن المرجح أن تستمر بعدها — فإن التداعيات المتفاقمة للصراع الإقليمي دفعت العراق إلى مزيد من الاضطراب.

وعلى الرغم من شكاوى الدبلوماسيين الامريكيين والخليجيين، فإن الهجمات التي انطلقت من الأراضي العراقية منذ اندلاع الحرب على إيران في 28 فبراير/شباط لم تقتصر على المصالح الامريكية أو دول الجوار العراقي.

فمنذ البداية، استهدفت الجماعات المسلحة أيضا مصالح ومنشآت عراقية، بدءا من مطاري بغداد وأربيل وصولا إلى المقاهي والمجمعات السكنية في إقليم كردستان، وذلك بتحريض من إيران.

وبالمثل، فإن الضربات الامريكية التي استهدفت جماعات ميليشياوية داخل العراق أسهمت بدورها في تقويض سيادة العراق، وتركت الدولة العراقية منشغلة بمحاولة احتواء الأضرار.

إن قيام الميليشيات بعمليات خطف واغتيالات خارج إطار القانون وهجمات داخلية ليس أمرا جديدا على العراق، للأسف. لكن ضعف القضاء العراقي وأجهزة إنفاذ القانون الخاضعة للترهيب يسمحان باستمرار هذه الهجمات من دون أي محاسبة.

وهذا بدوره يمنح الميليشيات مزيدا من الجرأة، في وقت بات فيه تشرذمها يشكل تحديا حقيقيا لوحدة الدولة العراقية.

وليست جميع الميليشيات في العراق خاضعة مباشرة لإيران، غير أن الغالبية العظمى منها تعلن ولاءها لطهران، فيما تخضع بعض الجماعات لقيادة مباشرة من قبل «الحرس الثوري الإيراني».

ومن بين هذه الجماعات المعروفة «كتائب حزب الله» و«منظمة بدر». في المقابل، ظهرت جماعات أحدث وأكثر غموضا لا تُعرف قياداتها علنا.

وعندما تتبنى جماعات مثل «كتائب صرخة القدس» — المعروفة سابقا باسم «أصحاب الكهف» — و«سرايا أولياء الدم» مسؤولية الهجمات، فإنها تسهم في تمكين ما يسمى بـ«محور المقاومة» الإيراني من زعزعة استقرار المنطقة .

ومع ذلك، فإن اللوم لا يقع على إيران وحدها،فخلال الحرب ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، تعاون التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة مع «الحشد الشعبي» العراقي، وهو تشكيل أقرته الدولة العراقية ويضم العديد من الميليشيات المرتبطة بإيران والأجنحة المسلحة التابعة لأحزاب سياسية.

وحتى بعد هزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية» عام 2017، واصلت الحكومة العراقية تسليح وتمويل «الحشد الشعبي»، بميزانيات تصل إلى 3.6 مليارات دولار سنويا.

ومع تزايد نفوذ «الحشد الشعبي»، تمكن مرشحون مرتبطون به بشكل مباشر من الفوز بنحو خمسين مقعدا في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني.

والآن، وفي ظل الحرب، أعلنت الحكومة العراقية أن الجماعات المسلحة المنضوية تحت مظلة «الحشد الشعبي» يحق لها استخدام القوة تحت ذريعة «الدفاع عن النفس» ردا على أي هجمات تتعرض لها.

ورغم أن بيان الحكومة العراقية لم يحدد الجهة التي تستهدف «الحشد الشعبي»، فإنه أشار إلى هجمات تشنها «طائرات حربية أو طائرات مسيّرة»، وهي عادة ما تكون امريكية.

وبينما توجد بعض فصائل «الحشد الشعبي» التي تؤدي أدوارا محدودة وغير تصادمية، مثل حماية المراقد الدينية في النجف وكربلاء، فإن العدد الأكبر من هذه الجماعات ذو دوافع سياسية ويرتبط بإيران.

ومن أجل تحقيق مكاسب قصيرة الأمد، تواصل الدولة العراقية تعزيز قوة جماعات ستقوض في نهاية المطاف سلطة الدولة نفسها.

لقد حان الوقت لكي يواجه العراق التناقض الجوهري في منظومته الأمنية، والمتمثل في دفع رواتب وتمويل جماعات مسلحة تنتهي عمليا إلى تقويض سيادته الوطنية.

وينبغي للحكومة العراقية أن تتخذ إجراءات تشمل محاسبة المسؤولين عن الجرائم، وضمان عدم تمكن أي جماعة مسلحة من شن هجمات على منشآت عراقية أو امريكية، ولا سيما أن الوجود الامريكي في العراق يتم بطلب رسمي من الحكومة العراقية نفسها.

وعلاوة على ذلك، يجب وقف أي جماعة تستهدف دولة مجاورة وقد تجر العراق إلى حالة حرب، كما ينبغي اعتقال الجهات التي تصدر أوامر تنفيذ تلك الهجمات.

ومن المؤكد أن مواجهة الميليشيات في هذا الظرف ليست مهمة سهلة.

فالواقع يشير إلى أن مؤسسات الدولة العراقية أصبحت ضعيفة إلى درجة كبيرة، كما تعرضت للاختراق من قبل بعض هذه الجماعات المسلحة.ولهذا السبب لعبت الولايات المتحدة — وستواصل لعب — دورا محوريا في هذا الملف.

ففي الأسابيع الأخيرة، أعلنت الحكومة الامريكية عن أربع مكافآت مالية بقيمة عشرة ملايين دولار لكل منها مقابل معلومات عن قادة ميليشيات عراقية، وذلك ضمن حملتها الأوسع ضد إيران.

وتشير هذه المكافآت إلى أن الولايات المتحدة قد تلجأ إلى تصفية هؤلاء القادة، ما سيضيف أسماء جديدة إلى سجل طويل من الاغتيالات خارج نطاق القضاء في العراق.

لكن هذه الخطوة تحمل أيضا رسالة خارجية قوية إلى الحكومة العراقية المقبلة، مفادها أنه لا يمكن السماح لهذه الجماعات بالعمل بحرية داخل البلاد.

إن التهديدات الدولية بالمقاطعة والعقوبات يمكن أن تحد من النشاط العلني للميليشيات.

غير أن الأهم من ذلك كله هو وجود جهد داخلي حقيقي لمواجهة حالة الانفلات الأمني، خصوصا مع قرب تشكيل حكومة جديدة.

وهذه مهمة شديدة الصعوبة، بالنظر إلى أن معظم الميليشيات تمتلك قيادات سياسية ممثلة داخل النظام البرلماني نفسه.

وقد أظهرت الحكومتان السابقتان، برئاسة مصطفى الكاظمى و محمد شياع السوداني، عجزهما الواضح عن تنفيذ عمليات عسكرية حكومية ضد الميليشيات، خشية اندلاع صراع داخلي وإراقة الدماء.

أما علي الزيدي، ففي حال تمكنه من تشكيل الحكومة، فمن المرجح أن يكون مدينا سياسيا لحلفاء هذه الميليشيات أنفسهم.

ومع ذلك، فإن تعزيز سيادة القانون في العراق — بما في ذلك حماية المحامين والقضاة الذين يلاحقون هذه الجماعات المسلحة — سيكون أمرا حيويا، وينبغي أن يشكل مطلبا أساسيا داخليا ودوليا من الحكومة الجديدة.

ومما يزيد المشهد الأمني تعقيدا أن عددا من التفاهمات التي كانت تشكل أساس الحياة السياسية في العراق بدأت بالتفكك.

خذ على سبيل المثال منصب رئيس الجمهورية. فبحسب العرف السياسي، يُمنح هذا المنصب عادة لشخصية كردية يتم التوافق عليها بين الحزبين الكرديين الرئيسيين: الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني.

إلا أن ئاميدي ، وهو عضو في الاتحاد الوطني الكردستاني، انتُخب رغم اعتراض الحزب الديمقراطي الكردستاني.ومع تعزز تحالف القوى الشيعية الإسلامية في العراق مع الاتحاد الوطني الكردستاني، عملت هذه القوى على إبقاء الحزب الديمقراطي الكردستاني — المعروف بتشككه تجاه إيران — خارج دائرة التأثير.

ويتزامن اختيار ئاميدي  رئيسا للجمهورية مع الهجمات المتكررة التي شنتها إيران وجماعات موالية لها على أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، خلال الشهرين الماضيين.

ومجتمعة، تمثل هذه التطورات محاولة مدعومة من إيران لإضعاف إقليم كردستان، الذي يُنظر إليه بوصفه المنطقة الأكثر استقرارا في العراق، وكذلك لإضعاف قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني.

وفوق ذلك، استغرق «الإطار التنسيقي» ما يقرب من ستة أشهر للتوافق على مرشح لرئاسة الوزراء، وهو ما يعكس حجم الخلل الداخلي بقدر ما يعكس حجم التأثير الخارجي.

وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت بشكل واضح معارضتها لعودة نوري المالكي ، المقرّب من إيران، لتشكيل الحكومة المقبلة.

أما ترشيح علي الزيدي، فيمثل تقديم شخصية لم تتولَّ سابقا أي منصب حكومي رسمي، لكنها مرشحة من قبل «الإطار التنسيقي»، الذي يعد أقوى حلفاء إيران في بغداد.

ومع ذلك، فمنذ تكليفه بتشكيل الحكومة، أظهرت الاتصالات الهاتفية التي تلقاها من قادة بارزين — من بينهم دونالد ترامب واحمد الشرع — وجود رغبة ومحاولة للتعامل معه والعمل إلى جانبه.

وستواصل إيران سعيها لتعزيز قبضتها على العراق مع تشكيل الحكومة الجديدة.

فخلال العامين الماضيين، خسرت طهران نفوذها في سوريا، كما تقلص دورها بشكل كبير في لبنان، حيث يواجه سفيرها خطر الطرد.

ولذلك تتمسك إيران بشدة بالحفاظ على نفوذها داخل العراق وتوسيعه.

وبعد توليه منصب المرشد الأعلى الإيراني، حرص مجتبى الحامنئي  على توجيه الشكر للعراق على دعمه.

ويؤدي العراق دورا محوريا في تمكين إيران من الالتفاف على العقوبات، بدءا من شراء الغاز الإيراني عبر إعفاء امريكي خاص — تم إلغاؤه بعد اندلاع الحرب — وصولا إلى منح طهران إمكانية الوصول إلى الدولار الامريكي.

وعلى الورق، يبدو النظام السياسي العراقي وكأنه يمتلك آليات توازن ورقابة، إلى جانب إضعاف السلطة المركزية، لمنع عودة الدكتاتورية.

غير أن النظام المجزأ الذي أسسته الولايات المتحدة والأحزاب السياسية العراقية التي دعمتها، جعل الدولة عرضة لنفوذ الميليشيات الطائفية والتدخلات الأجنبية.

وفي نهاية المطاف، يدفع العراقيون أنفسهم ثمن هذا الخلل، سواء من خلال الهجمات بالطائرات المسيّرة أو عبر شلل الاقتصاد، لا سيما بعد أن علّقت الولايات المتحدة وصول العراق إلى الدولار.

وفي ظل صمود هش لوقف إطلاق النار الإقليمي، يجد العراق نفسه عالقا في حرب لا تنتهي، أنهكته الصراعات الداخلية حول طبيعة الدولة نفسها.

كما أن التصورات والتوقعات ستؤثر بصورة كبيرة في المرحلة المقبلة.

وفيما تواصل الأحزاب السياسية العراقية مساوماتها لتشكيل الحكومة الجديدة، فإن النهج الذي ستتبناه هذه الحكومة سيحدد ما إذا كان العراق سيسعى إلى استقلال قراره الوطني، أم سيظهر بوصفه خاضعا لنفوذ طهران.

وفي حال تولى الزيدي رئاسة الوزراء، فستكون أمامه مهمة شديدة التعقيد فهو لم يشغل سابقا أي منصب حكومي، لكنه متجذر بعمق داخل النظام السياسي القائم وسيكون عليه تشكيل حكومة قبل نهاية مايو/أيار، على أن تضم أحزابا سياسية أخرى، انسجاما مع نموذج حكومات التوافق التي تشكلها الكتل البرلمانية الكبرى.

كما سيتعين عليه موازنة التنافسات الداخلية، سواء داخل «الإطار التنسيقي» الذي قدمه كمرشح توافقي، أو بين المصالح الإيرانية والامريكية.

وستحدد طبيعة القوى المشاركة في الحكومة المقبلة في بغداد، ومدى القدرة على كبح الميليشيات، وكذلك كيفية تقليل اعتماد الاقتصاد العراقي على الغاز والكهرباء الإيرانيين، ملامح المرحلة المقبلة من تاريخ العراق.

* كاتبة عمود في Foreign Policy ورئيسة تحرير صحيفة «ذا ناشيونال».


10/05/2026