×


  بحوث و دراسات

  كيف أسهمت اتفاقيات أبراهام في إشعال حقبة جديدة من الصراع



مجلة "فورين بوليسي"/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان

 

ماثيو داس و زوري لينتسكي:في 15 سبتمبر/أيلول 2020، أشرف الرئيس الامريكي دونالد ترامب على توقيع «اتفاقيات أبراهام» بين إسرائيل والبحرين والإمارات العربية المتحدة.

وخلال مراسم التوقيع الفخمة التي أقيمت في حديقة البيت الأبيض، أعلن ترامب «بزوغ شرق أوسط جديد»، قائلا إن «هذه الاتفاقيات ستشكل الأساس لسلام شامل في المنطقة بأسرها، وهو أمر لم يكن أحد يعتقد أنه ممكن، خصوصا في هذا العصر».

وإذا كان ترامب معروفا أحيانا بالمبالغة في تقييم إنجازاته الشخصية، فإنه هذه المرة لم يكن الوحيد في ذلك.

فقد سارع العديد من المعلقين البارزين في مجال السياسة الخارجية إلى الإشادة باتفاقيات أبراهام — التي توسعت لاحقا لتشمل المغرب والسودان — واعتبارها واحدة من الإنجازات القليلة الواضحة والإيجابية في السياسة الخارجية خلال الولاية الأولى لترامب.

وكتب الخبير الديمقراطي المخضرم في شؤون الشرق الأوسط دينيس روس أن التطبيع كان «خطوة إيجابية غير متوقعة» تمثل «مساهمة مهمة في بناء السلام بين العرب والإسرائيليين».

ورغم أن إدارة جو بايدن  تعاملت في البداية بحذر مع الاتفاقيات، فإنها سرعان ما تبنتها باعتبارها صيغة لصناعة السلام الإقليمي.

وقال وزير الخارجية الامريكي انتوني بلينكن خلال قمة عقدت في منطقة النقب بإسرائيل في مارس/آذار 2022:«إن اتفاقيات أبراهام تجعل حياة شعوب بلدانكم أكثر سلاما وازدهارا وحيوية وتكاملا».

لكن هذه الادعاءات، بحسب الكاتبين، تبيّن اليوم أنها كانت مجرد أوهام.

فوفقا لمؤيدي الاتفاقيات، كان الهدف منها تعزيز التعاون العسكري والاقتصادي بين إسرائيل ودول الخليج، إلى جانب تقديم مقاربة جديدة تقوم على مبدأ «من الخارج إلى الداخل» لحل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني.

إلا أن منطق «الخارج إلى الداخل» أثبت في الواقع أنه نهج خطير وعكسي النتائج، إذ أدى التعاون العسكري الإسرائيلي-الخليجي إلى سلوك أكثر اندفاعا واستفزازا.

وبدلا من تعزيز السلام والاستقرار، مهدت اتفاقيات أبراهام الطريق لحقبة جديدة من العنف، من خلال توفير غطاء سياسي للحرب المدمرة في غزة، وتهيئة الظروف لحرب متهورة ضد إيران.

عندما نصت اتفاقيات التطبيع على أن يعمل الموقّعون عليها من أجل تعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين، كانت إيران هي الهدف الضمني المقصود.

وأصبح ذلك أكثر وضوحا في أبريل/نيسان 2021، عندما أقرّت واشنطن «قانون تطبيع العلاقات مع إسرائيل»، الذي يُلزم الولايات المتحدة بتشجيع الدول على تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، انطلاقا من الاعتراف بـ«التهديد المشترك الذي تمثله إيران».

وفي عام 2022، نجح التكتل البرلماني الداعم لاتفاقيات أبراهام داخل الكونغرس في تمرير «قانون ردع قوات العدو وتمكين الدفاعات الوطنية»، في خطوة هدفت إلى مضاعفة الجهود لمواجهة ما اعتُبر تهديدا إيرانيا متناميا.

وينص القانون على أن يتعاون وزير الدفاع الامريكي مع الحلفاء والشركاء في الشرق الأوسط لتطوير منظومة دفاع صاروخي متكاملة.

وكانت منظومات الدفاع الصاروخي تُعد ضرورية بسبب الترسانة الكبيرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تمتلكها إيران وحلفاؤها.

ولضمان قدرة الدول الموقعة على اتفاقيات أبراهام على التعاون العسكري بصورة أكثر فاعلية، أقدمت إدارة دونالد ترامب على نقل إسرائيل إلى نطاق مسؤولية القيادة المركزية الامريكية.

وبذلك أصبحت إسرائيل، إلى جانب الإمارات العربية المتحدة والبحرين ودول أخرى في الشرق الأوسط، ضمن إشراف قيادة عسكرية امريكية موحدة تابعة لوزارة الدفاع.

وقد أتاح هذا التحول للولايات المتحدة نشر أنظمة تسليح مشتركة في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، والبدء بتنسيق النشاطات ضمن منظومة شاملة للدفاع ضد الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية.

وأسهمت البنية الأمنية الجديدة في إنشاء طبقات دفاعية وفرت الحماية لإسرائيل، كما أوجدت شراكات عسكرية واستخباراتية جديدة — خارج القنوات الدبلوماسية التقليدية — بما يسمح ببناء استجابة سريعة للتهديدات الإقليمية.

كما أن توسيع التنسيق العسكري عبر القيادة المركزية الامريكية منح إسرائيل إمكانية الوصول إلى الأجواء فوق دول الخليج، ما جعل تنفيذ العمليات العسكرية الهجومية بعيدة المدى أكثر سهولة من الناحية اللوجستية.

وشكلت صفقات السلاح جزءا متزايد الأهمية من التبادل التجاري بين الدول الأعضاء في اتفاقيات أبراهام.

ففي عام 2021، ارتفعت صادرات الأسلحة الإسرائيلية بنسبة 30 بالمئة مقارنة بالعام السابق، وذهب نحو 7 بالمئة من إجمالي هذه الصادرات إلى الدول المنضمة لاتفاقيات أبراهام.

وخلال ذلك العام، اشترت البحرين والإمارات أسلحة إسرائيلية بقيمة تقارب 900 مليون دولار.

وبحلول عام 2024، أصبحت 12 بالمئة من إجمالي مبيعات السلاح الإسرائيلية موجهة إلى الدول الموقعة على الاتفاقيات، بقيمة قاربت ملياري دولار.

أما الإمارات العربية المتحدة، فقد وسعت شراكتها العسكرية مع إسرائيل بصورة خاصة.

فقد حصلت شركة "Elbit Systems"، وهي أكبر شركة أسلحة إسرائيلية، على عقد بقيمة 53 مليون دولار لتزويد سلاح الجو الإماراتي بأنظمة إلكترونيات طيران.

كما تعاون البلدان في إنتاج الزوارق البحرية غير المأهولة، والطائرات المسيّرة، والأقمار الصناعية، وتقنيات الأمن السيبراني، وأنظمة المراقبة الداخلية.

وساهمت صفقات السلاح في تعزيز التعاون العسكري المباشر بين الجيوش.

ففي عام 2021، بدأت إسرائيل والإمارات والبحرين بتنفيذ مناورات مشتركة للقوات البحرية والجوية، كما بدأ الجيش الإسرائيلي — الذي نُقل على متن طائرات إماراتية — العمل انطلاقا من مراكز عمليات عسكرية واستخباراتية إماراتية حديثة الإنشاء في جزيرة سقطرى اليمنية.

وفي عام 2022، نشرت إسرائيل منظومة «باراك» للدفاع الجوي في الإمارات العربية المتحدة.

كما كافأت الولايات المتحدة الأنظمة العربية على تعاونها مع إسرائيل.

فقد أعلن دونالد ترامب عن صفقة أسلحة بقيمة 23 مليار دولار مع الإمارات بعد توقيع الاتفاقيات.

 

وشملت الصفقة 50 طائرة مقاتلة من طراز «إف-35 إيه»، و18 طائرة مسيّرة مسلحة، إضافة إلى معدات عسكرية أخرى.

وفي عام 2023، وقّعت إدارة جو بايدن  «اتفاقية التكامل الأمني والازدهار الشامل» مع البحرين.

وقد عمّقت هذه الاتفاقية التعاون الأمني والاستخباراتي بين البلدين، كما دمجت البحرين ضمن منظومة الدفاع الجوي والصاروخي الإقليمية الجديدة التابعة للقيادة المركزية الامريكية.

وفي الوقت الذي كان فيه التعاون العسكري يتسارع بوتيرة كبيرة، كانت الأوضاع على الساحة الفلسطينية تتجه نحو مزيد من التدهور.

فبدلا من اعتبار قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة شرطا أساسيا لتحقيق السلام العربي-الإسرائيلي، رأى مهندسو اتفاقيات أبراهام أن التقدم في القضية الفلسطينية لن يتحقق إلا كنتيجة للتطبيع الدبلوماسي بين دول الخليج العربية وإسرائيل.

ووفقا لهذا الطرح، فإن إقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية رسمية من شأنها أن تتيح للدول الموقعة العمل معا لتحقيق تقدم في الملفات الفلسطينية.

وقد تلقى هذا المنطق دفعة أولية عندما استخدمت الإمارات انضمامها إلى الاتفاقيات كورقة ضغط لمنع حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو  من تنفيذ ضم رسمي للضفة الغربية.

لكن، ومنذ البداية، كان واضحا أن الحكومة الإسرائيلية تنظر إلى الاتفاقيات باعتبارها وسيلة لتهميش الفلسطينيين بشكل دائم.

ففي حين أوقفت الاتفاقيات عملية الضم الرسمية «بحكم القانون»، فإن الضم الفعلي على الأرض تسارع بصورة أكبر.

وخلال عام واحد من توقيع اتفاقيات أبراهام، ارتفعت هجمات المستوطنين الإسرائيليين على الفلسطينيين وممتلكاتهم بنسبة تقارب 15 بالمئة مقارنة بالعام السابق.

وفي عام 2022، ازدادت هجمات المستوطنين بنسبة 123 بالمئة مقارنة بعام 2020.

ورغم وجود أدلة على دعم الجيش والشرطة الإسرائيليين لعنف المستوطنين، لم تتدخل أي من الدول الموقعة على الاتفاقيات لوقف هذا التصعيد.

ومن اللافت أيضا أنه بعد توقيع الاتفاقيات، خفّضت كل من الإمارات والبحرين مساهماتهما المالية لوكالة United Nations Relief and Works Agency، المعروفة اختصارا بـ«الأونروا»، وهي الوكالة الأممية المعنية بدعم اللاجئين الفلسطينيين.

وجاء ذلك عقب قرار إدارة ترامب عام 2018 وقف تمويلها الخاص للوكالة.

وخلال الفترة الممتدة من 2013 إلى 2019، كانت الإمارات واحدة من أكبر خمسة عشر مانحا للأونروا.

لكن في عام 2020، وهو العام الذي وقعت فيه اتفاقيات أبراهام، لم تقدم الإمارات سوى مليون دولار فقط للوكالة.

وقد تصاعد العنف ضد الفلسطينيين والنشاط الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية بصورة كبيرة بعد توقيع الاتفاقيات، إلى درجة أن سفير أبوظبي في واشنطن أقرّ في سبتمبر/أيلول 2023 بأن الاتفاقيات فشلت في منع ضم إسرائيل للضفة الغربية المحتلة.

كما تشير وثائق تابعة لحركة حماس ، قالت إسرائيل إنها عثرت عليها، إلى أن زعيم الحركة في غزة يحي سينوار  اعتبر أن أحد دوافع هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 كان تعطيل مسار التطبيع.

فبحسب رؤيته، كانت اتفاقيات أبراهام تقلل من مركزية القضية الفلسطينية في السياسة العربية.

ويبدو أن تفكير السنوار كان يقوم على أن انضمام السعودية إلى التطبيع قبل التوصل إلى اتفاق بشأن إقامة دولة فلسطينية سيشجع بقية العالم العربي على السير في الاتجاه نفسه.

وفي نهاية المطاف، وفرت هجمات حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والحرب المدمرة التي أعقبتها، السياق الذي أمكن فيه توجيه التحالف الإسرائيلي-الخليجي المتنامي ضد إيران.

فقد أدى اغتيال إسرائيل جنرالا إيرانيا في دمشق عام 2023 إلى إطلاق مواجهة متبادلة بالصواريخ والطائرات المسيّرة بين إسرائيل وإيران وحلفائها في لبنان واليمن.

واعترضت منظومات الدفاع الإسرائيلية والإقليمية موجات متتالية من الصواريخ والطائرات المسيّرة.

وعندما قصفت إسرائيل السفارة الإيرانية في دمشق في أبريل/نيسان 2024، قدمت الإمارات والسعودية لإسرائيل معلومات استخباراتية ودعما فعليا عبر أنظمة الرادار خلال الرد الإيراني اللاحق.

وأمام تصاعد العنف، ضاعفت إدارة بايدن دعمها لاتفاقيات أبراهام.

ويرى الكاتبان أن هذا الخيار أنتج مستوى من التعاون العسكري والاقتصادي كان سيجعل حرب ترامب الأخيرة أقل جاذبية بكثير، إن لم تكن مستحيلة بالكامل، لولا وجوده.

ومن الناحية اللوجستية، لا تمتلك إسرائيل وحدها القدرة على اعتراض الحجم الكبير من الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تستطيع إيران إطلاقها.

وقبل اتفاقيات أبراهام، كانت إسرائيل تنسق عملياتها العسكرية عبر قيادة عسكرية امريكية إقليمية مختلفة هي «القيادة الأوروبية الامريكية».

لكن الاتفاقيات سمحت لإدارة ترامب بنقل إسرائيل إلى نفس القيادة العسكرية التي تضم دول الخليج، كما أتاحت للدول الموقعة بدء تعاون عسكري علني فيما بينها.

وكان هذا التعاون العسكري المباشر، خلال السنوات التي سبقت الحربين مع إيران، ضروريا لبناء أنظمة التنسيق والاتصال التي مكنت هذه الدول من التصدي الجماعي للهجمات الجوية الإيرانية الواسعة.

لكن التعاون الأمني ليس قيمة إيجابية بحد ذاته دائما.

فالسؤال الحقيقي هو: ماذا يحقق هذا التعاون؟

وبحسب الكاتبين، فإن النتيجة هنا كانت مزيدا من الحروب وأقل قدرا من الأمن والاستقرار.

بعد ست سنوات على توقيع اتفاقيات أبراهام، يبدو الشرق الأوسط اليوم أقل سلاما بشكل واضح مما كان عليه قبلها.

ففي الوقت الذي تواصل فيه إدارة دونالد ترامب — حتى لحظة كتابة هذا المقال — تمديد وقف إطلاق النار الهش مع إيران بصورة أحادية، لا تزال الجمهورية الإسلامية تحافظ على قدرتها على خنق الملاحة في مضيق هرمز.

وفي المقابل، تواصل إسرائيل انتهاك شروط اتفاقَي وقف إطلاق النار مع إيران ولبنان، كما تواصل تنفيذ أعمال تدمير واسعة في جنوب لبنان ضمن احتلالها المستمر لمنطقة عازلة بعمق ستة أميال.

أما في غزة، فما تزال إسرائيل تعلّق تدفق المساعدات الإنسانية الأساسية.

وفي الضفة الغربية، أصبح إرهاب المستوطنين الإسرائيليين — الهادف إلى الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، وغالبا بدعم علني من الجيش الإسرائيلي — جزءا من الحياة اليومية.

ويرى الكاتبان أن اتفاقيات أبراهام هي التي هيأت الظروف لهذا الواقع.

فقد أضعفت الضغوط التي كانت الدول العربية مستعدة لممارستها على إسرائيل بشأن القضية الفلسطينية، ورسخت وهما مفاده أن بالإمكان تهميش الفلسطينيين وضمان الأمن الإقليمي عبر الاستثمار في أنظمة سلطوية حليفة.

كما ساعدت الاتفاقيات إسرائيل على ترسيخ نفسها قوة مهيمنة إقليميا، إلى درجة أن حروبها المتهورة باتت تشكل تهديدا حتى لجيرانها، ولمصالح حليفتها الامريكية، بل وللازدهار الاقتصادي العالمي أيضا.

لقد جرى تسويق اتفاقيات أبراهام باعتبارها إطارا لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة لكنها — بحسب الكاتبين — أفضت إلى النتيجة المعاكسة تماما.

وكان من المفترض أن يكون واضحا منذ البداية أن أي «خطة سلام» تقوم على بيع الأسلحة وتقنيات القمع للأنظمة السلطوية مصيرها الفشل.

فالصراعات السياسية التي لا تزال تعصف بالمنطقة لن تُحل بالقوة العسكرية، مهما حاول منظرو واشنطن الإيحاء بعكس ذلك.

وفي حديث حديث له، قال محلل الاستخبارات الإسرائيلي السابق داني سترينويز:«حتى لو سقط النظام الإيراني غدا، فلن يغير ذلك شيئا… المشكلة الحقيقية هي القضية الفلسطينية».

ومن غير المرجح أن تتراجع إدارة ترامب عن اتفاق استثمرت فيه كل هذا القدر من الوقت والموارد والمصداقية السياسية.

لكن الكاتبين يريان أن الإدارة الامريكية المقبلة ينبغي أن تدرك أن اتفاقيات أبراهام لا تقدم مسارا واقعيا نحو السلام والازدهار، لا لشعوب المنطقة ولا للامريكيين أنفسهم.

*ماثيو داس :نائب الرئيس التنفيذي في Center for International Policy،

* زوري لينتسكي: رئيس قسم الأبحاث والتحليلات في Dandelion Works.


10/05/2026