×


  قضايا كردستانية

  السليمانية وبيضة القبان



*علي الحياني

لم تعد السليمانية مدينة تقف على هامش المعادلة السياسية، ولا ذلك الفضاء الهادئ المنكفئ على ذاته كما حاول البعض تصويرها لسنوات، ما يجري اليوم يؤكد أن هذه المدينة استعادت دورها التاريخي، لتتحول تدريجيا إلى مركز ثقل حقيقي في صناعة القرار العراقي.

في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها العراق، والانقسامات التي عصفت بالبرلمان، وإعادة تشكيل الاصطفافات السياسية، برزت السليمانية كرقمٍ صعب لا يمكن تجاوزه. لم يعد القرار يصاغ في غرف مغلقة بعيدة عنها، بل باتت حاضرة في قلب المشهد، تؤثر وتتأثر، وتفرض رؤيتها على مجريات الأحداث.

هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة قراءة سياسية مختلفة، يقودها الاتحاد الوطني الكردستاني ورئيسه بافل طالباني، الذي تبنى خطابا أكثر انفتاحا على القضايا الوطنية، مبتعدا عن الانكفاء المحلي الضيق. هذا التوجه أعاد تموضع السليمانية داخل الخارطة السياسية العراقية، ليس كطرف تابع، بل كشريك فعلي في رسم التوازنات.

ولعل الأهم في هذا المشهد هو الانفتاح المدروس على المحيط الإقليمي، سواء باتجاه تركيا أو دول الخليج، وهو ما منح السليمانية بعدا جديدا يتجاوز حدود الإقليم. لم تعد المدينة مجرد مركز إداري أو ثقافي، بل أصبحت بوابة سياسية واقتصادية، قادرة على بناء علاقات متوازنة تخدم مصالح العراق ككل.

السليمانية اليوم تكتب فصلا مختلفا من تاريخها، مدينة تجمع بين الوعي السياسي والجرأة في اتخاذ المواقف، بين العمق الثقافي والقدرة على التأثير. هي ليست فقط “بيضة القبان” في التوازنات العراقية، بل عاصمة قرار تتشكل بهدوء، بعيدا عن الضجيج، لكنها أكثر حضورا من أي وقت مضى.

وفي زمن الأزمات، لا يصعد إلا من يمتلك رؤية، والسليمانية أثبتت أنها لم تعد تنتظر دورها، بل تصنعه.

*صحيفة"العالم الجديد"


03/05/2026