×


  بحوث و دراسات

  فرانسيس فوكوياما: رؤيتي لأمريكا ما بعد ترامب



 

الآن وبعد أن أصبح دونالد ترامب في حالة ضعف واضحة، من المهم أن نبدأ بالتفكير بجدية في ما سيأتي بعده. ليس سرا أنني كنت من الداعمين الكبار لحركة “الوفرة”، التي روج لها إزرا كلاين وديكستر تومسون العام الماضي في كتاب حمل هذا الاسم. جوهر فكرة “الوفرة” يتمثل في إعادة بناء قدرة الدولة الامريكية، وإنشاء حكومة قادرة على البناء من جديد. وفي مقدمة الأولويات يأتي السكن والبنية التحتية—وهي سلع عامة من شأنها أن تحدث أثرا كبيرا في أزمة القدرة على تحمل التكاليف لدى المواطنين العاديين.

على مدى العقود الماضية، فقدت الولايات المتحدة قدرتها المؤسسية، وقد تجلى هذا النقص بشكل أوضح في فشلها في البناء. هناك اليوم عجز كبير في صيانة الطرق والجسور وشبكات المرافق العامة، ناهيك عن المشاريع الجديدة التي نرغب في امتلاكها مثل السكك الحديدية عالية السرعة.

إن تراجع قدرة الدولة يعود إلى عدد من الأسباب. من أبرزها القيود الكثيرة التي فرضناها على أنفسنا، وهو ما يسميه الباحث القانوني نيك باجلي بـ“هاجس الإجراءات”. كما انتقلنا منذ ستينيات القرن الماضي، وفقا لمارك دنكلمان، إلى عقلية جيفرسونية ترى الحكومة تهديدا للحريات؛ بينما يجادل بضرورة استعادة منظور “هاميلتوني” يرى الدولة قوة للتغيير التقدمي. الشباب الموهوبون القادرون على استخدام التكنولوجيا بكفاءة لم يعودوا يرغبون في العمل الحكومي، كما أننا أسندنا الخدمات العامة إلى متعاقدين من القطاع الخاص لديهم أجنداتهم الخاصة. وغالبا ما تفتقر حكومتنا إلى القدرة على مراقبة من توظفهم لتنفيذ أعمالها.

 

إن وجود أجندة إيجابية سيكون أمرا حاسما إذا أردنا تجاوز الأزمة الحالية للديمقراطية الامريكية. دونالد ترامب في طريقه ليكون أسوأ رئيس في تاريخنا، إذ يستخف بالقيم الديمقراطية الأساسية ويفتقر إلى الحد الأدنى من الكرامة والتعاطف المطلوبين لمنصب الرئاسة. لكننا لن نتمكن من تجاوز إرثه بمجرد انتقاده. يجب أن ندرك أن صعود النزعة السلطوية لدى ترامب جاء جزئيا من تصور بأن حكومتنا غير قادرة على الإنجاز، وأنها تحتاج إلى قائد قوي مثله لتحقيق النتائج. لا يمكن هزيمة نزعة سلطوية عبر النقد فقط؛ وإذا أراد الديمقراطيون العودة إلى السلطة، فعليهم أن يوضحوا ما الذي سيفعلونه بشكل إيجابي، وكيف ستكون البلاد أفضل خلال خمس أو عشر سنوات.

 

 تسريع الوفرة في امريكا

إن أجندة “الوفرة” ليست موجهة لخدمة جشع الشركات أو إثراء النخب المالية، بل تسعى إلى تحقيق أهداف تقدمية مثل جعل السكن ميسور التكلفة أو معالجة تحديات مثل تغير المناخ. وقد شعرت بالفخر كمواطن امريكي عندما شاهدت طاقم “أرتميس 2” وهو يدور حول القمر مؤخرا. ونأمل أن يكون ذلك بداية لسلسلة من الاستكشافات الجديدة. لكن يجب أن يكون هذا إنجازا جماعيا للأمة بأكملها، وليس مشروعا شخصيا لثري واحد. إن استعادة قدرة الدولة يجب أن تكون ملكا للجميع.

تناولت السلسلة المستمرة من مقالات American Purpose في منصة Persuasion بعنوان “الدولة العميقة وسخطها” العديد من العقبات التي تعترض طريق تحقيق الوفرة. وآمل أن أواصل العمل في هذا الاتجاه عبر تقديم مقترحات ملموسة حول كيفية استعادة الدولة الامريكية لقدرتها على البناء والإنجاز.

*فرانسيس فوكوياما هو الباحث الأول في كرسي أوليفييه نوميليني بجامعة ستانفورد. أحدث كتبه هو “الليبرالية وسخطها”.

*موقع Persuasion، وهو امتداد لمجلة American Purpose.


03/05/2026