*محمد أرسلان علي
فقدت الساحة السياسية الكردية والشرق أوسطية قبل أيام قامة من قاماتها التاريخية، برحيل السياسي والمناضل المحنك صالح مسلم. لم يكن رحيله مجرد غياب لقيادي بارز، بل طي لصفحة مشرقة من صفحات التضحية وإنكار الذات. لقد جسّد في مسيرته الطويلة روح المقاومة الكردية، حاملا على عاتقيه هموم شعبه، ومحترفا النضال في أقسى الظروف وأعقدها، ليتحول بمرور السنين إلى أيقونة وطنية وقدوة للأجيال الباحثة عن الحرية.
مسيرته معبدة بالتضحيات، من زنازين الاعتقال إلى دماء الشهادة. لم ينظر صالح مسلم إلى العمل السياسي كمنصب أو وجاهة، بل كمسؤولية تاريخية تتطلب أثمانا باهظة. ولم تكن طريقه يوما مفروشة بالورود؛ فقد اختبر مبكرا قسوة زنازين النظام السوري السابق. ورغم مرارة الاعتقال والملاحقات الأمنية المستمرة، لم تلن إرادته ولم تُكسر عزيمته، بل زادته السجون إيمانا وتصلبا في الدفاع عن عدالة قضيته. ولم يكتفِ بتوجيه الجماهير من الخلف، بل كان في قلب المعاناة
. وقد تجلى نبل تضحيته عندما قدم ابنه شهيدا في معارك الشرف ضد قوى الإرهاب والتطرف. هذا الفقد القاسي لم يدفعه للانزواء أو المساومة، بل منحه شرعية الألم المشترك مع آلاف العوائل الكردية التي قدمت أبناءها قرابين على مذبح الحرية.
تميز الراحل بشخصية كاريزماتية استثنائية، مزجت بين صلابة المناضل الجبلي وحنكة الدبلوماسي البراغماتي. حيث كان صوت القضية العابر للحدود. وفرض حضوره الرصين والمقنع في المحافل والمؤتمرات المحلية، والإقليمية، والدولية. لقد كان الصوت الهادئ والعميق الذي كسر طوق العزلة عن القضية الكردية، ناقلا إياها ببراعة من دوائر التهميش إلى طاولات القرار العالمي.
وكان جسرا للتلاحم الكردي – العربي. حيث أدرك بوعيه السياسي المتقدم أن حرية الكرد لا تنفصل عن استقرار المنطقة ككل، فعمل بجد على بناء وتوطيد جسور الثقة مع المكون العربي وباقي شعوب المنطقة، مؤمنا بأن الديمقراطية وأخوة الشعوب هما الضمانة الحقيقية لمواجهة مشاريع الإقصاء والتهميش.
إرادته كانت تتحدى الجسد، النضال حتى الرمق الأخير. حيث في سنواته الأخيرة، ورغم وطأة المرض الشديد الذي أثقل كاهله، رفض صالح مسلم الركون إلى الراحة أو الاستسلام لآلام الجسد. استمر في رحلاته المكوكية ولقاءاته السياسية وإدارة دفة الحوارات، متجاهلا تراجع صحته في سبيل إيصال صوت شعبه المظلوم. كان إنكار الذات لديه عقيدة راسخة، مفضلا البقاء واقفا في ميدان العمل السياسي والدبلوماسي على الانسحاب الهادئ، ليثبت أن المناضل الحقيقي لا يتقاعد إلا برحيله.
إن رحيل صالح مسلم هو خسارة فادحة بلا شك، لكن المآثر والمواقف التي تركها تحولت إلى مدرسة سياسية ونضالية متكاملة الأركان. اليوم، وفي وداع هذا القائد الفذ، يتجدد العهد من كافة أبناء الشعب الكردي ومناصريه بأن إرثه لن يندثر.
لقد أصبح صالح مسلم بوصلة ترشد السائرين، ورمزا حيا يؤكد أن النضال مستمر، وأن المسيرة نحو نيل الكرد لحقوقهم المشروعة وحريتهم لن تتوقف، حتى تتحقق الرؤية التي أفنى من أجلها هو ورفاق دربه أعمارهم.
*PYDROJAVA