*سوران الداوودي
لم تكن مرافعة فقيد الامة جلال طالباني مجرّد خطاب عابر في قاعة رسمية، وانما الإعلان عن ولادة مرحلة جديدة من النضال مرحلة انتزع فيها الكرد والعراقيون معا حقهم في تسجيل المأساة في والوثائق القانونية والتاريخية وتحويل الويلات إلى قرائن ، والتاريخ المزوّر إلى حقيقة لا يمكن طمسها بعد الآن.
لقد أدرك مام جلال، بحسه السياسي العميق وقراءته الدقيقة لمسارات الصراع، أن البندقية لا تقدر وحدها كتابة المستقبل، وأن انتصارالشعوب لا تقتصر فقط على ساحات القتال، بل في ملفات أرشيف الحقائق ومحاكم وضمير الأمم. فجاءت مرافعته أشبه بجسرٍ تاريخي نقل القضية من جبال المقاومة إلى فضاء الشرعية الوطنية والقانونية.
لم يقتصرحديثه بوصفه زعيما كرديا فحسب وانما تحدث بلسان عراقٍ جريحٍ تم مصادرة ذاكرته وشُوّه تاريخه، حمل الوثيقة والدليل والتاريخ الحي بدل الروايات الرسمية الباردة. وهنا تكمن عظمة تلك اللحظة: حين واجه الكذب المتراكم بالحقيقة المجرّدة دون خوف أو مجاملة أو حسابات ضيقة.
تلك المرافعة كانت بمثابة ثورة هادئة داخل اطار الدولة نفسها. كسرت حاجز “الاستحياء السياسي” من قول الحقيقة، وحررت الوعي العراقي من عقدة الخوف، وأرست تقليدا جديدا في ميادين النضال.
ومنذ ذلك اليوم دخل العمل النضال القومي والوطني مرحلة جديدة ولم يعد كما كان قبله. متنقلا إلى مشروع قانوني–تاريخي متكامل، يطالب بالعدالة باسم الضحايا، وبالشراكة باسم الحقيقة، وبالوطن باسم كل من عانى فيه.
مام جلال لم يدافع عن الكورد فقط، بل دافع عن معنى الدولة العادلة وفسر تفاصيلها مدافعا عن حق العراق في أن يعرف تاريخه كما هو. ولهذا بقيت مرافعته علامة فاصلة بين زمن الإنكار وزمن الاعتراف، بين مرحلة القمع ومرحلة البحث عن العدالة.
سلامٌ على روحك يا من علّمتنا أن الحقيقة أقوى من الرصاص، وأن الوثيقة أخطر على الظالم من ألف معركة، وأن الأوطان تُبنى بالشجاعة الأخلاقية قبل القوة العسكرية.
ونعاهدك اليوم، كما عاهدناك بالأمس، أن نمضي على
طريق الحقيقة، والعدالة، والوطن الذي يتّسع لكل أبنائه دون تزييف أو إقصاء.