×

  رؤا

دبلوماسية الجنرال... وفرصة الشرع

02/09/2026

 

تراجع تجربة اقليم كردستان احدى اسباب تراجع الاهتمام الغربي بتجربة روجافا

 

بين دبلوماسية الجنرال وفرصة الشرع، تقف سوريا اليوم أمام اختبار تاريخي

ليس من الصعب أن تجد قائدا في الشرق الأوسط يبدأ حربا، لكنك ستحتاج إلى كثير من الوقت لتجد قائدا يقرر إنهاءها وهو يمتلك أسباب الاستمرار فيها، فالحرب في منطقتنا لا تمنح السلاح وحده، بل تمنح النفوذ والسلطة والأتباع ومقاعد التفاوض. لذلك يصبح السلام، في كثير من الأحيان، القرار الأكثر شجاعة.

هذا ما فعله الجنرال مظلوم عبدي عندما اختار أن يطوي صفحة القوة العسكرية المستقلة، ويوقع اتفاق الاندماج مع الدولة السورية، في خطوة أنهت وجود قوات سوريا الديمقراطية كقوة منفصلة، وجعلتها جزءا من منظومة الدفاع السورية. لم يكن ذلك استسلاما، بل انتقالا من شرعية السلاح إلى شرعية الدولة، ومن منطق الصراع إلى منطق الشراكة الوطنية.

ولو لم يوقّع هذا الاتفاق، لكان شمال وشرق سوريا يقف على حافة حرب داخلية مدمرة، في لحظة كانت فيها دمشق تحظى بدعم عربي ودولي واسع، بينما لعب التحالف الدولي، الذي قاتل إلى جانب قوات سوريا الديمقراطية ضد تنظيم داعش، دورا أساسيا في تشجيع الوصول إلى هذا التفاهم. الجميع أدرك أن البديل لم يكن انتصار طرف على آخر، بل خسارة سوريا كلها.

لقد قدمت قوات سوريا الديمقراطية، ومعها الإدارة الذاتية، تضحيات لا يستطيع أحد إنكارها. فهذه القوة كانت رأس الحربة في هزيمة تنظيم داعش، وساهمت في حماية سوريا والمنطقة والعالم من أخطر تنظيم إرهابي عرفه العصر الحديث. واليوم أصبحت تلك القوة جزءا من الجيش السوري، لا خارجه، وهو ما يفند مزاعم من حاولوا تصوير الاتفاق على أنه نهاية لقسد، بينما الحقيقة أنها انتقلت إلى مرحلة جديدة داخل مؤسسات الدولة.

ولم يكن الاتفاق عسكريا فحسب، بل حمل أبعادا سياسية مهمة، تتعلق بالاعتراف بالحقوق الكردية، وفتح الباب أمام معالجة أوضاع عفرين، وإشراك أبناء شمال وشرق سوريا في مؤسسات الدولة، والسير نحو تثبيت الحقوق في الدستور. ولهذا يمكن القول إن الاتفاق كان مكسبا للدولة السورية كما كان مكسبا للكرد، ورسالة بأن الدبلوماسية قادرة على تحقيق ما عجزت عنه سنوات الحرب.

لقد أثبت الجنرال مظلوم عبدي أنه ليس أمير حرب، بل قائد يعرف متى يحمل السلاح ومتى يضعه جانبا. كان يستطيع البحث عن راعٍ جديد بعد تغير موازين القوى، أو أن يحول المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح، لكنه اختار الطريق الأصعب: أن يضع تضحيات آلاف المقاتلين والشهداء في خدمة مشروع الدولة، وأن يمنح السلام فرصة أخيرة.

غير أن نجاح الاتفاق لا يتوقف على قرار الجنرال وحده، بل ينتقل اليوم إلى دمشق. فالرئيس أحمد الشرع حصل على فرصة تاريخية لبناء دولة جديدة، لكنه قد يكتشف مستقبلا أن أي توجه لإلغاء خصوصية الإدارة الذاتية بدلا من تطويرها ضمن إطار الدولة لن يخدم الاستقرار.

فاللامركزية ليست نقيضا للدولة، بل إحدى أدوات تقويتها، خصوصا في الدول المتعددة القوميات والثقافات. والدولة القوية لا تبنى بإلغاء الخصوصيات، وإنما بالاعتراف بها وتنظيمها ضمن دستور واحد، وسيادة واحدة، ومؤسسات واحدة.

ولا يزال بإمكان دمشق أن تستفيد من الخبرات التي راكمتها مؤسسات الإدارة الذاتية خلال أكثر من عقد، وأن تمنح شمال وشرق سوريا خصوصية إدارية وتنموية تعزز الثقة بين الدولة ومواطنيها، مع الاستفادة من القيادات التي تمتلك الخبرة والشرعية الشعبية، وفي مقدمتها الجنرال مظلوم عبدي، الذي ينتظر أن يؤدي دورا مؤثرا في متابعة الملف الكردي من داخل مؤسسة الرئاسة، بما ينقل الحوار من ساحات الصراع إلى قلب مؤسسات الدولة.

 

لا بد من مراجعة التجربة الكردية

وفي المقابل، لا بد من مراجعة التجربة الكردية نفسها فالكرد في سوريا والعراق يشكلون، في نظر كثير من العواصم، مساحة سياسية متصلة، وما يحدث في أحد النموذجين ينعكس على الآخر.

فمن أهم الدروس التي ينبغي التوقف عندها أن التجربة الكردية في العراق، بكل ما حققته من إنجازات، قدمت في السنوات الأخيرة أيضا نموذجا سلبيا في بعض جوانبه فقد أضعفت مشكلات إدارة الشراكة، واحتكار القرار، وغياب الشفافية الكافية، وضعف استقلال القضاء، وانتشار الانطباعات عن تغليب المصالح الحزبية والشخصية على المصلحة العامة، صورة إقليم كردستان لدى كثير من العواصم الغربية التي كانت تاريخيا الداعم الأكبر له ومهما اختلفت التقييمات، فإن هذه الصورة أثرت في نظرة كثير من الشركاء الدوليين إلى المشاريع الكردية عموما.

ولا يمكن الجزم بأن ذلك من احد اسباب تراجع الاهتمام الغربي بتجربة روجافا، فالمواقف الدولية تحكمها اعتبارات استراتيجية وأمنية معقدة، لكن من الواضح أن العالم لا يدافع عن القضايا العادلة فحسب، بل يدافع أيضا عن النماذج الناجحة في الحكم الرشيد. وكلما تعززت المؤسسات، والشفافية، واستقلال القضاء، واحترام القانون، ازدادت الثقة الدولية واستمر الدعم.

أما على المستوى الكردي، فإن أكبر ضمانة لحماية المكتسبات ليست السلاح، بل وحدة الصف. فالمكاسب التي تحققت يمكن البناء عليها وتطويرها إذا استطاعت القوى الكردية في سوريا تجاوز خلافاتها، والعمل برؤية سياسية موحدة، كما دعا الجنرال مظلوم عبدي في أكثر من مناسبة.

لقد اختار الجنرال دبلوماسية السلام في لحظة كان بإمكانه أن يختار الحرب، ووضع مستقبل شعبه فوق حسابات القوة العسكرية. أما الشرع، فقد حصل على فرصة نادرة لإثبات أن الدولة السورية الجديدة قادرة على احتضان جميع مكوناتها دون إقصاء أو تهميش.

لقد أصاب الجنرال عندما اختار السلام في الوقت المناسب، لأن المحارب الحقيقي يعرف متى تنتهي مهمة البندقية. لكن نجاح هذا الرهان لن يكتمل إلا إذا أدركت دمشق أن وحدة سوريا لا تتحقق بإلغاء الخصوصيات، بل بالاعتراف بها، وإذا أدركت القوى الكردية، في سوريا والعراق، أن احترام المؤسسات، والشفافية، واستقلال القضاء، والإدارة الرشيدة، ليست شعارات للاستهلاك السياسي، وإنما هي الأساس الذي يجعل العالم يثق بأي مشروع سياسي ويدافع عنه فالغرب لا يدعم الشعارات، بل يدعم النماذج الناجحة. وعندما يرى تجربة ديمقراطية حقيقية، تحترم القانون والمؤسسات وتقدم مصلحة المجتمع على مصالح الأفراد والأحزاب، فإنه يجد سببا للدفاع عنها. أما عندما تتراجع معايير الحكم الرشيد، فإن الحماس الدولي يتراجع معها، مهما كانت عدالة القضية.

ويبقى الدرس الأهم أن السلام الذي اختاره الجنرال مظلوم عبدي يحتاج اليوم إلى شريك يوازي شجاعته، وإلى دولة تثبت أن الرهان عليها لم يكن خطأ، وإلى بيت كردي يدرك أن قوة القضية لا تأتي من كثرة البنادق، بل من قوة المؤسسات، ووحدة الصف، وحسن إدارة الحكم.

بين دبلوماسية الجنرال وفرصة الشرع، تقف سوريا اليوم أمام اختبار تاريخي، فإن نجح الطرفان في تحويل الاتفاق إلى عقد وطني جديد، قائم على المواطنة والعدالة واللامركزية والشراكة الحقيقية، فإن هذا الاتفاق لن يكون مجرد نهاية لمرحلة، بل بداية لسوريا أكثر استقرارا وعدلا لجميع أبنائها.

 

 

  مواضيع أخرى للمؤلف
←  ترجمات....31 آب.. جرح للعبرة، لا ذكرى للانقسام
←  ترجمات...لماذا إحياء ذكرى 31 آب؟
←  ​من دبابات صدام إلى طائرات أنقرة...شهادة من قلب الحدث
←  ترجمات...روجآفا بين منطق «الكل أو لا شيء» وسياسة «خطوة بخطوة»
←  دبلوماسية الجنرال... وفرصة الشرع
←  ترجمات...نحن والرفض العالمي للسياسات الانقسامية والخطيرة
←  الوحدة والتكاتف..رغبة أم مسؤولية؟
←  ترجمات...هذا القانون خطوة البداية و ليس حلا ديمقراطيا للقضية الكردية
←  ترجمات..الفترة المقبلة ستشهد صعودا لا يمكن إيقافه
←  نرجمات..قانون الإطار وماذا عن الديمقراطية والقضية الكردية؟
←  ترجمات..معركة هرمز ستعيد تشكيل سوق الغاز الطبيعي المسال العالمي
←  ترجمات..الكرد هم الضحايا الحقيقيون في الشرق الأوسط، وليس الفلسطينيون
←  ترجمات..البرلمان التركي ينجح في تمرير قانون تعزيز التضامن الوطني والتكامل الاجتماعي
←  ترجمات...دميرتاش:خطوة حاسمة أخرى في هذا المسار التاريخي للسلام
←  ترجمات....خبراء المجلس الأطلسي و اتفاقية مكة للدفاع المشترك
←  ترجمات..خارطة حلفاء إيران وإسرائيل والسعودية في الشرق الأوسط الجديد
←  ترجمات ....البيشمركة.. جيش كردستان
←  البيشمركة وضرورات استكمال مشروع إصلاحها وتوحيدها
←  كركوك والمادة 140.. من جذور القضية إلى الحل الدستوري (تحليل توثيقي)
←  ترجمات...العراق بين إيران ومأزق حقيقي صعب
←  ترجمات...فيغن يوكسكداغ:يجب الدفاع عن الحل لا عن استمرار الانسداد
←  ترجمات...الأمر مستحيل بدون دميرتاش.
←  ترجمات...: نقطة تحول في الصراع الإقليمي
←  ترجمات: فرانسيس فوكوياما: ​ترامب أحدث ثورة في السلطة التنفيذية
←  شنكال... جرح الإنسانية الذي لم يلتئم
←  ترجمات.. عن اسباب التصعيد العسكري الامريكي-الايراني أثناء المفاوضات
←  مسؤولية وطنية لا تحتمل التأجيل
←  ترجمات...الفصل الثاني من اتفاقيات أبراهام
←  الايكونوميست: واشنطن وطهران تتنافسان على النفوذ في العراق
←  رويبضة العصر الرقمي
←  ترجمات:إحياء لذكرى ليندسي غراهام
←  ​بين مسدس ستارمر... وثراء السلطة في العراق-2-
←  بين مسدس ستارمر... والسلاح المنفلت في العراق-1-
←  وقائع المؤتمر الصحفي للرئيس الامريكي مع رئيس مجلس الوزراء العراقي
←  ترجمات--/ فورين بوليسي : لم تكن ضربة قاضية، لكن واشنطن فازت بالنقاط
←  ترجمات: الذكرى السنوية الـ 250 لاعتماد إعلان الاستقلال
←  ترجمات--باكيرهان:الكرد لا يستطيعون انتظار ربيع آخر أو سلطة أخرى
←  ترجمات--اوغلاري:نهجنا هو طريق السلام و العدالة والديمقراطية
←  ترجمات.. المجلس الاطلسي:تباين المصالح الأمريكية والإسرائيلية في الحرب مع إيران
←  أمراء الغلول.. ثروات السلطة وفقر الشعوب
←  صلاح الدين دميرتاش: اقتربت اللحظة، ولم يبق إلا القليل
←  ترجمات: القانون الإطاري عتبة مهمة سترسم ملامح مستقبل تركيا
←  هيرو خان ..سيرة امرأة صنعت التاريخ ولم تساوم
←  ترجمات:الولايات المتحدة وإيران.. من حرب متجددة إلى شفا السلام
←  كوندوليزا رايس:ما أنجزته الولايات المتحدة في إيران
←  دلفي في قلب السليمانية..العالم يناقش مستقبله
←  فرانسيس فوكوياما:أوكرانيا وإيران تغيران طبيعة الحرب..انتباه
←  مجلة"نيوزويك": ماذا يتضمن الاتفاق مع إيران؟
←  الرئيس مام جلال والعمل البرلماني.. حصن ضد الاستبداد وجسر للوحدة الوطنية
←  بين صخب المنابر وصمت الشراكة: لماذا لا تنتج الحرب الإعلامية نصرا سياسيا في كردستان؟
←  ​الاتحاد الوطني الكردستاني… صمام أمان عراق ما بعد 2003
←  السفاهة كاداة للتسلط… وتبرير الفشل والاخفاقات
←  الصحافة الكردية… من "صوت القضية" إلى "ركيزة الحكم الرشيد"
←  عن هستيريا التسلط وإنكار الهزيمة
←  نزار آميدي رئيسا..امتداد لإرث مام جلال
←  الاستقرار في سوريا..بين الدبلوماسية والهمجية
←  وحدة الاراضي… شعار غادر لقمع وابادة المكونات غير العربية
←  لامبارك استمع لعادل إمام… ولا صدام اقتدى بنصيحة مام جلال
←  رسالة لمن طغى …!!
←  حصاد المرصد لعام متشابك ومضطرب
←  زيارة البرزاني الى تركيا : دروس ورسائل
←  الاستفتاء .. رفض البدائل الدولية والمجازفة بالمكتسبات
←  جسر كردي-عربي واقليمي في قلب التحالف الديمقراطي
←  دونالد ترامب:بداية عصر جديد مثير من النجاح الوطني
←  شاناز إبراهيم أحمد:التآم جروح التاريخ.. تكريم ضحايا جينوسايد الأنفال
←  جريمة فردية وليست فتنة
←  قرارات منع اللغة الكوردية.. خلل عابر أم محاولات ممنهجة ؟
←  حيّ على الالتزام والوئام
←  الاغتيال المقنَّع ..رسالة دم الى الشارع
←  شتان بين تسليم السلاح او حرقه
←  -ترجمات- تولاي حاتم أوغلاري :​نحن على أعتاب لحظة تاريخية
←  عائشة غول: سنكون في السليمانية لحدث تاريخي
←  صحيفة "ميلليت"التركية:ماذا حدث على ارتفاع ​852 مترا ؟
←  مجلة تايم:شرق أوسط جديد يتكشف أمام أعيننا
←  الأمير تركي الفيصل:لا ينبغي للسيد ترامب أن يتبع معايير مزدوجة
←  موديرن دبلوماسي: شي جين بينغ يتخطى البريكس.. توبيخ صامت لكتلة متصدعة؟
←  حصاد النصف الاول من العام
←  تونجر بكرهان :إنها فرصة الجميع لإرساء الديمقراطية في تركيا
←  فورين افيرز :ترامب وكيفية انهاء مهمته في إيران والشرق الأوسط
←  تونجر بكرهان: ضمان الأمن بالمساواة والعدالة وليس بمزيد من التسلح
←  نيويورك تايوز:آية الله الخامنئي لديه خطة
←  موديرن دبلوماسي:الصين و تصاعد انتشار القواعد الأمريكية في الخليج والشرق الأوسط
←  بولدان: العملية السلمية دخلت مرحلة جديدة وتقتضي ​تفعيل البرلمان
←  بيان حقائق للبيت الأبيض:خبراء يؤكدون التدمير الكامل للمنشآت النووية الإيرانية
←  ترجمة خاص...بهتشلي يحذر من تطورات الحرب ويدعو لدعم مبادرة حل «الكردستاني»
←  بولدان: مجلس الأمة التركي الكبير امام مسؤوليات تاريخية
←  ترجمة خاص...الدروس الكبرى من 12 يوما من الحرب مع إيران
←  ترجمة خاص...الحرب الإسرائيلية الإيرانية: انتهت ولكن لم تُحل
←  الفيلسوف الروسي ألكسندر دوغين:حـــــرب عــــــالمية ثالــــــثة
←  ترجمة...مارك روته:العالم بحاجة إلى حلف ناتو أقوى
←  ريسبونسبل ستيت كرافت:العراق على حافة الهاوية بين إيران والمصالح الامريكية في حرب جديدة
←  صلاح الدين دميرتاش :"حان وقت الشجاعة وليس التحدي"
←  فورين افيرز: ترامب بين دخول الحرب او منع تصعيد كارثي
←  تقييم الوضع والمعضلات وتداعيات الحملة ضد إيران..(رؤية اسرائيلية)
←  ذي ناشنال:الخلاف بين بغداد وكردستان لا يقتصر على الطاقة فحسب
←  ناشيونال انترست:العراق في مرمى نيران الحرب الإسرائيلية الإيرانية
←  مظلوم عبدي: انها مرحلة تاريخية وعلى الكرد التكاتف واخذ مكانتهم
←  فورين افيرز:أمريكا على حافة كارثة في الشرق الأوسط
←  ديفيد إغناتيوس:مهمة إسرائيل في إيران تتسلل إلى تغيير النظام
←  ناشيونال انترست: الصراع الإسرائيلي الإيراني واعادة تشكيل الشرق الأوسط
123