دبلوماسية الجنرال... وفرصة الشرع
تراجع تجربة اقليم كردستان احدى اسباب تراجع الاهتمام الغربي بتجربة روجافا
بين دبلوماسية الجنرال وفرصة الشرع، تقف سوريا اليوم أمام اختبار تاريخي
ليس من الصعب أن تجد قائدا في الشرق الأوسط يبدأ حربا، لكنك ستحتاج إلى كثير من الوقت لتجد قائدا يقرر إنهاءها وهو يمتلك أسباب الاستمرار فيها، فالحرب في منطقتنا لا تمنح السلاح وحده، بل تمنح النفوذ والسلطة والأتباع ومقاعد التفاوض. لذلك يصبح السلام، في كثير من الأحيان، القرار الأكثر شجاعة.
هذا ما فعله الجنرال مظلوم عبدي عندما اختار أن يطوي صفحة القوة العسكرية المستقلة، ويوقع اتفاق الاندماج مع الدولة السورية، في خطوة أنهت وجود قوات سوريا الديمقراطية كقوة منفصلة، وجعلتها جزءا من منظومة الدفاع السورية. لم يكن ذلك استسلاما، بل انتقالا من شرعية السلاح إلى شرعية الدولة، ومن منطق الصراع إلى منطق الشراكة الوطنية.
ولو لم يوقّع هذا الاتفاق، لكان شمال وشرق سوريا يقف على حافة حرب داخلية مدمرة، في لحظة كانت فيها دمشق تحظى بدعم عربي ودولي واسع، بينما لعب التحالف الدولي، الذي قاتل إلى جانب قوات سوريا الديمقراطية ضد تنظيم داعش، دورا أساسيا في تشجيع الوصول إلى هذا التفاهم. الجميع أدرك أن البديل لم يكن انتصار طرف على آخر، بل خسارة سوريا كلها.
لقد قدمت قوات سوريا الديمقراطية، ومعها الإدارة الذاتية، تضحيات لا يستطيع أحد إنكارها. فهذه القوة كانت رأس الحربة في هزيمة تنظيم داعش، وساهمت في حماية سوريا والمنطقة والعالم من أخطر تنظيم إرهابي عرفه العصر الحديث. واليوم أصبحت تلك القوة جزءا من الجيش السوري، لا خارجه، وهو ما يفند مزاعم من حاولوا تصوير الاتفاق على أنه نهاية لقسد، بينما الحقيقة أنها انتقلت إلى مرحلة جديدة داخل مؤسسات الدولة.
ولم يكن الاتفاق عسكريا فحسب، بل حمل أبعادا سياسية مهمة، تتعلق بالاعتراف بالحقوق الكردية، وفتح الباب أمام معالجة أوضاع عفرين، وإشراك أبناء شمال وشرق سوريا في مؤسسات الدولة، والسير نحو تثبيت الحقوق في الدستور. ولهذا يمكن القول إن الاتفاق كان مكسبا للدولة السورية كما كان مكسبا للكرد، ورسالة بأن الدبلوماسية قادرة على تحقيق ما عجزت عنه سنوات الحرب.
لقد أثبت الجنرال مظلوم عبدي أنه ليس أمير حرب، بل قائد يعرف متى يحمل السلاح ومتى يضعه جانبا. كان يستطيع البحث عن راعٍ جديد بعد تغير موازين القوى، أو أن يحول المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح، لكنه اختار الطريق الأصعب: أن يضع تضحيات آلاف المقاتلين والشهداء في خدمة مشروع الدولة، وأن يمنح السلام فرصة أخيرة.
غير أن نجاح الاتفاق لا يتوقف على قرار الجنرال وحده، بل ينتقل اليوم إلى دمشق. فالرئيس أحمد الشرع حصل على فرصة تاريخية لبناء دولة جديدة، لكنه قد يكتشف مستقبلا أن أي توجه لإلغاء خصوصية الإدارة الذاتية بدلا من تطويرها ضمن إطار الدولة لن يخدم الاستقرار.
فاللامركزية ليست نقيضا للدولة، بل إحدى أدوات تقويتها، خصوصا في الدول المتعددة القوميات والثقافات. والدولة القوية لا تبنى بإلغاء الخصوصيات، وإنما بالاعتراف بها وتنظيمها ضمن دستور واحد، وسيادة واحدة، ومؤسسات واحدة.
ولا يزال بإمكان دمشق أن تستفيد من الخبرات التي راكمتها مؤسسات الإدارة الذاتية خلال أكثر من عقد، وأن تمنح شمال وشرق سوريا خصوصية إدارية وتنموية تعزز الثقة بين الدولة ومواطنيها، مع الاستفادة من القيادات التي تمتلك الخبرة والشرعية الشعبية، وفي مقدمتها الجنرال مظلوم عبدي، الذي ينتظر أن يؤدي دورا مؤثرا في متابعة الملف الكردي من داخل مؤسسة الرئاسة، بما ينقل الحوار من ساحات الصراع إلى قلب مؤسسات الدولة.
لا بد من مراجعة التجربة الكردية
وفي المقابل، لا بد من مراجعة التجربة الكردية نفسها فالكرد في سوريا والعراق يشكلون، في نظر كثير من العواصم، مساحة سياسية متصلة، وما يحدث في أحد النموذجين ينعكس على الآخر.
فمن أهم الدروس التي ينبغي التوقف عندها أن التجربة الكردية في العراق، بكل ما حققته من إنجازات، قدمت في السنوات الأخيرة أيضا نموذجا سلبيا في بعض جوانبه فقد أضعفت مشكلات إدارة الشراكة، واحتكار القرار، وغياب الشفافية الكافية، وضعف استقلال القضاء، وانتشار الانطباعات عن تغليب المصالح الحزبية والشخصية على المصلحة العامة، صورة إقليم كردستان لدى كثير من العواصم الغربية التي كانت تاريخيا الداعم الأكبر له ومهما اختلفت التقييمات، فإن هذه الصورة أثرت في نظرة كثير من الشركاء الدوليين إلى المشاريع الكردية عموما.
ولا يمكن الجزم بأن ذلك من احد اسباب تراجع الاهتمام الغربي بتجربة روجافا، فالمواقف الدولية تحكمها اعتبارات استراتيجية وأمنية معقدة، لكن من الواضح أن العالم لا يدافع عن القضايا العادلة فحسب، بل يدافع أيضا عن النماذج الناجحة في الحكم الرشيد. وكلما تعززت المؤسسات، والشفافية، واستقلال القضاء، واحترام القانون، ازدادت الثقة الدولية واستمر الدعم.
أما على المستوى الكردي، فإن أكبر ضمانة لحماية المكتسبات ليست السلاح، بل وحدة الصف. فالمكاسب التي تحققت يمكن البناء عليها وتطويرها إذا استطاعت القوى الكردية في سوريا تجاوز خلافاتها، والعمل برؤية سياسية موحدة، كما دعا الجنرال مظلوم عبدي في أكثر من مناسبة.
لقد اختار الجنرال دبلوماسية السلام في لحظة كان بإمكانه أن يختار الحرب، ووضع مستقبل شعبه فوق حسابات القوة العسكرية. أما الشرع، فقد حصل على فرصة نادرة لإثبات أن الدولة السورية الجديدة قادرة على احتضان جميع مكوناتها دون إقصاء أو تهميش.
لقد أصاب الجنرال عندما اختار السلام في الوقت المناسب، لأن المحارب الحقيقي يعرف متى تنتهي مهمة البندقية. لكن نجاح هذا الرهان لن يكتمل إلا إذا أدركت دمشق أن وحدة سوريا لا تتحقق بإلغاء الخصوصيات، بل بالاعتراف بها، وإذا أدركت القوى الكردية، في سوريا والعراق، أن احترام المؤسسات، والشفافية، واستقلال القضاء، والإدارة الرشيدة، ليست شعارات للاستهلاك السياسي، وإنما هي الأساس الذي يجعل العالم يثق بأي مشروع سياسي ويدافع عنه فالغرب لا يدعم الشعارات، بل يدعم النماذج الناجحة. وعندما يرى تجربة ديمقراطية حقيقية، تحترم القانون والمؤسسات وتقدم مصلحة المجتمع على مصالح الأفراد والأحزاب، فإنه يجد سببا للدفاع عنها. أما عندما تتراجع معايير الحكم الرشيد، فإن الحماس الدولي يتراجع معها، مهما كانت عدالة القضية.
ويبقى الدرس الأهم أن السلام الذي اختاره الجنرال مظلوم عبدي يحتاج اليوم إلى شريك يوازي شجاعته، وإلى دولة تثبت أن الرهان عليها لم يكن خطأ، وإلى بيت كردي يدرك أن قوة القضية لا تأتي من كثرة البنادق، بل من قوة المؤسسات، ووحدة الصف، وحسن إدارة الحكم.
بين دبلوماسية الجنرال وفرصة الشرع، تقف سوريا اليوم أمام اختبار تاريخي، فإن نجح الطرفان في تحويل الاتفاق إلى عقد وطني جديد، قائم على المواطنة والعدالة واللامركزية والشراكة الحقيقية، فإن هذا الاتفاق لن يكون مجرد نهاية لمرحلة، بل بداية لسوريا أكثر استقرارا وعدلا لجميع أبنائها.
|